- 2 -
- تثير ريبتي.
قال بحدة أخرجتني من كوابيس الذكريات التي تلفني. نظرت إليه مستفسراً. كرهت أن أترك ما أنا فيه. عمّق نظراته في عينيّ.
- ماذا تريد؟ سألته بحدة.
- تتوه بي بين الهلالي الكبير والهلالي الصغير وأنا أعصر عقلي كي أتابعك وأفهم ما تقول. كثيراً ما عصتني أفكاري. لا قدرة لدي لابتلاع ما تقول. تبدو وكأنك تتعمد مضايقتي. أريد شيئاً من الوضوح حتى أجدد حيويتي وأتابعك.
- أنت من يستمع لي، كيف أحاول لي الحقيقة أمامك؟ أغراني إصغاؤك بأن أقول كل شيء، حتى تفاصيل التفاصيل. تعلمت الثرثرة في أجواء الاحتقان في البيت والمدرسة. وأن لم تطق صحبتي، فهذا فراق بيني وبينك.
- لا تكن أحمق، فأنا أستمتع برفقتك، ولكن عليّ أن أوقف سيل ذكرياتك عندما تنقلني من فكرة إلى أخرى بلا مقدمات.
- لا بأس عليك. أفعل ذلك عندما تجده ضرورياً.
-حدثني عن الهلالي الكبير.
- لم أعاصره، ولكن أختي حدثتني عنه قالت:
كان يملك كثيراً من الأرض ولم يكن على وفاق مع أبناء عمومته، لذلك التجأ إلى عائلة الحاج وتزوج منهم زوجته الأولى وهي أخت أمي الزوجة الثانية لأبي.
- توقف. قال. وماذا عن أخوته؟ سألني.
- لا أعرف لي أعماماً. صدقاً أنني لا أعرف. يقال أن ذيبه هي ابنة عمي. ولكني أشك في ذلك. لا تسألني لماذا. حتى وأن كانت ابنة عمي فوالدها لم يكن أخاً لأبي. ربما أبن أخيه. أصدقك القول أنا لا أعرف أقربائي. أعرف منهم خالي صالح وخالاتي وأبنائهم. أما الآخرون فلا أعرف منهم أحداً حتى أن اسم جدي لأبي لم أعرفه إلا من خلال اسمي الرباعي، أما جدي الآخر والد أمي فأنا لا أعرف حتى اسمه.
- أوصحيح ما تقول؟!
- وهل عرفت عني غير قول الحقيقة؟! إن ما قلته هو اليقين بعينه.
- وماذا عن زوجة الهلالي الأولى؟
- لا أعرف تماماً. ولكني استنتجت أنها كانت تذوب فيه حباً. ومع ذلك غادرته مرغمة. لا.. لم تذهب إلى بيت والدها كما تظن. ذهبت إلى بيتها الدائم، ولا زالت ترقد فيه. ربما قابلها الهلالي بعد أن غادر دنيانا وعاتبها على رحيلها المبكر. أنجب منها أخي الأكبر. لا. ليس ذيب. الآخر اسمه نايف.
- وهل رأيته؟
- نعم. كان ضخم الجثة طويل القامة. مهيب الطلعة كما يقولون. لكنه كان يعمل في أرض الهلالي الكبير. وحظه من التعليم كان صفراً. وبعد رحيلنا الحزين أصبح بلا عمل. هل تتصور ذلك؟ رجل يعيل عائلة مكونة من عدة أشخاص ولا يعمل!
- توقف.
- ماذا؟
- اترك قصة نايف إلى وقت آخر وحدثني عن الهلالي الكبير.
- قلت لك أنه لم يكن على وفاق مع أبناء عمه وعندما توفيت زوجته الأولى والتي هي خالتي التجأ مرة أخرى إلى عائلة الحاج وطلب منهم أن يزوجوه أختها والتي أصبحت والدتي فيما بعد. لكنهم قبل ذلك قالوا له يا يوسف إن البنت صغيرة وأنت كما تعرف تقدمت بك السن. قال لهم كما تريدون. وفي الصباح التالي جهز جمله.
ماذا قلت؟
- جهز جمله. إنه فلاح ووسيلة تنقله هي الجمل. مرّ على بيت والدتي وقال:
- أبو العبد! وأبو العبد هذا هو والد أمي.
صحا أبو العبد من نومه. توجه إلى مصدر الصوت. رحب بوالدي ودعاه للجلوس. قال له الهلالي الكبير:
- ها أنذا ذاهب لأرتبط بأخرى. وأنت تعرف أن ابن ابنتكم صغير. كرهت أن تتولاه أم أخرى غير أخت الراحلة، لكنكم أبيتم. إن فعلت فلا تلومن إلا أنفسكم.
فكر أبو العبد قليلاً ثم قال:
- يوسف! ترجل عن راحلتك وتعال تناول إفطارك معي وسيكون ما تريده.
وهكذا أجاره أبو العبد وزوجه من أخت زوجته الراحلة والتي أصبحت والدتي. لقد كانت صغيرة وكيفها الهلالي حسب أفكاره.
التجأت إلى دمشق بعد أن لفظتني عمان. حاولت أن أعيد امتحانات الثانوية العامة في عمان، لكني لم أطق الحال هناك كما لم يطق الهلالي الكبير أبناء عمومته الذين ظلموه وحاولوا قتله. احتضنتني دمشق وظني أنها ستلبي مطالبي كما استجاب أبو العبد لمطالب والدي.
صحوت مبكراً. اغتسلت. ولقد أصبحت عندي عادة أن أستحم كل صباح بعد أن كنت أستحم كل شهر أو شهرين وأنا في منزل ذيب!
آه!
كنت ألبس قميصاً جميلاً أحضره لي ذيب. لا تفهمني خطأ. لم يشتره لي. حصل عليه من أحد أفراد قوات الطوارئ الدولية الذين كانوا في غزة وكان ذيب يعمل معهم. لبست بنطالاً جديداً اشتريته أنا بعد أن جمعت مبلغاً من النقود. نعم. كنت أعمل في العطلة الصيفية، وسأحدثك عن ذلك فيما بعد. وفي طابور الصباح مرّ بجانبي الأستاذ عبد السلام، مدرس الرياضيات. وهذا كان جاراً لنا في مخيم جباليا وكان يحبني جداً حيث أنني كنت الأول في مادة الرياضيات وهو أيضاً يعرف ظروفي. أراد مداعبتي، فأمسكني من أذني وفركها. وعندما نظر إلى أصابعه وجدها مملوءة بالأوساخ المتراكمة.
- متى زارت المياه جسدك يا هلالي آخر مرة؟!
- بالأمس تحممت. قلت كاذباً.
- ومن أين أتت هذه الأوساخ كلها على أصابعي؟!
- يبدو أنني نسيت أن أنظف أذنيّ. قلت أيضاً كاذباً.
عرف أنني أكذب وأداري خجلي. فهم. قال، حقاً إنك تحممت، ولكن في المرة القادمة عليك أن تنظف كل جسدك. وعندما لاحظ ذيب مقدار قذارتي طلب من ذيبه أن تحممني. كانت المياه تغلي في قدر على النار المشتعلة في صحن البيت. طلبت مني ذيبة أن أخلع ملابسي. فعلت. أبقيت على ما يستر عورتي وهو يحتاج إلى ما يستره. وقفت أمامها، فدلقت المياه التي تغلي فوق جسدي. أحسست أنني دجاجة مذبوحة توضع في ماء يغلي ليسهل نتف ريشها. صرخت وأخذت أجري حول النار والإناء. خرج ذيب مسرعاً.
- ماذا حدث؟ سأل بغضب.
- لم يطق الماء، فهرب مني حتى لا يستحم. قالت ذيبة كاذبةً.
- إنها تغلي. قلت بحرقة.
لمس الماء، فصرخ فيها أن تترك شيئاً من الرحمة يطفو فوق سطح أحقادها. تتابع صراخهم، وحاولت أنا أن أهدئ ألم جسدي المسلوق.
دمشق..نشيطة في الصباح. تسمع أصوات الباعة يعرضون ما لديهم على المارة. وقفت بجانب عربة مملوءة بالبيض والخبز الطازج. اشتريت سندويشاً. التهمته بسرعة. تذكرت ذلك النصف قرش الذي استوليت عليه من نقود ذيبه. ضحكت. أوقفت سيارة وذهبت إلى القيادة القومية حيث مقر اتحاد الطلبة السوريين. سألت عن مصير طلبي الذي قدمته للالتحاق بالجامعة.
- لقد أرسلت الطلبات كلها إلى وزارة التعليم العالي، يمكنك الذهاب إليها. قال الموظف المسؤول.
من هناك توجهت إلى الوزارة. سألت. عرفت أنني قبلت في الجامعة، كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية.
- هل من الممكن أن أحول إلى كلية الطب؟ سألت الرجل.
- إحضر ورقة من نفس المكان الذي أحضرت منه هذا الطلب. قال.
توزع أمانيك في فضاء بلا حدود. تذوب في أحلام يقظة متواصلة. لماذا الطب؟ ومن أين لك بالمال لمتابعة دراستك؟ أنسيت رسالة أبن خالي؟ هو تعهد بذلك! وماذا بعد؟ الطب، الهندسة. الأولى. لا تصلح لشيء. منثورة أجزاؤك في فضاءات مترامية. تحاول الالتصاق بأحدها. تفشل. صديقك هذا الفشل. انظر إلى أيامك الماضية. كومات من الفشل والإحباط. تصارع الهواء للوصول إلى لا شيء. مرهون أنت لماضيك. وعندما تبللت في تلك الليلة الممطرة، تلحفت مأساتك واستلقيت على أمان فارغة. عد إلى حيث أنت. أو كن أنت كما أنت، كما قالت لك غاده ذات مرة. آه.. غاده. ها أنت ذا تعود أنت. متى قالتها؟ عندما انقطع سيل الكلمات بين شفتيّ. أوتراها تغلفني في قلبها كما أفعل أنا؟! لعل الأيام تجمعنا مرة أخرى، فللقدر تصاريفه العجيبة.
صحوت على صوت أمعائي تصرخ إنها تريد أن تمتلئ. أين أجد ما أسكتها به. كرهت أن أستأجر سيارة. منحت قدميّ حرية مطلقة. كثيراً ما فعلت ذلك؟ الطريق من وزارة التعليم إلى وسط المدينة لم يكن طويلاً؟ سـأتابع على الأقدام. قلت لنفسي.
كنت تصحو الساعة الخامسة صباحاً تذهب إلى بيارة الباشا وهي على الحدود أية حدود تلك التي صنعوها ليفصلونا عن تلك البقعة التي تغبرت أقدام الهلالي الكبير وسطها وماذا حدث للهلالي بعد ذلك شيء كالحلم أيام وتعودون آه أيام فقط وها أنذا أمضي ساعة سيراً على الأقدام في أيام الصيف لأعمل في بيارة الباشا وقف عدنان على أعلى شجرة البرتقال يحاول أن يقطع تلك الأفرع الجافة من الشجرة ثم صرخ بأعلى صوته هناك يهودية بالمايوه البكيني والسنتيانة فقط وأسرعنا نتسلق الشجر لنرى ما لم نره من قبل وفي لهفتنا لنرى ذلك كسرت كثير من أفرع أشجار البرتقال مما دعا المشرف علينا لأن يصرخ فينا يا كلاب يا رمم إنه يكذب عليكم. دارينا خيبتنا ومأساتنا وأخذنا نتابع ما نحن فيه وتسارعت الأيام وأتوا عندنا في غزة كنت أذهب إلى المدينة لأبيع عليهم بعض الأشياء وقفت أمام سيارة ضخمة لهم يبيعون منها قطع الحلوى وقفت طويلاً أمام السيارة وكانت واحدة منهم تبيع تلك القطع كانت تلبس بنطالاً يقال له جينز يظهر كل مفاتنها أما بلوزتها فكانت قصيرة حيث ظهر شعر إبطها أغراني المنظر وأخذت أصورها في مناظر متفرقة نظرت إليها طويلاً وفعلت بها كل ما أتمناه صحوت على صوت أحدهم يصرخ بي أن ماذا أريد نعم ماذا أريد هو ذا السؤال لم أتحرك ولم أتكلم أأقول له ماذا أريد لا كان ولا كنت إن قلت ماذا أقول له
- أيها الهلالي التائه. صاح أحدهم.
جذبني من أفكاري. كنت واقفاً في منتصف الشارع أحاول أن أتفادى السيارات لأذهب إلى الرصيف الآخر. لم أعره انتباهاً.
- يا هلالي.
لا أود الحديث معه. يسألني كثيراً ويقطع سيل أفكاري التي أحبها. أشرت له بيدي أن ابتعد. لكنه أصرّ على أن ألتفت إليه. فعلت. شدهت. عمقت نظراتي فيه. إنه هو. من أين أتى هذا الذي أمامي؟ تسمرت قدماي. انعدمت قدرتي على الحركة. وسط الطريق. وصلني. تعانقنا. أخذت السيارات تتزاحم حولنا. شتمنا أحدهم وصرخ فينا آخر أن انتقلا إلى الرصيف. فعلنا متعانقين. أمام مطعم بو كمال وقفنا.
- أين أنت؟ سألني أحمد.
وأحمد الشاوي هذا صديق أيام المرحلة الإعدادية. كان يحدثنا عن مغامراته الطفولية أيام كان يذهب إلى مصر حيث كان يرافق والده الذي كان يعمل بالتجارة بين مصر وغزة. كنا نلتف حوله وهو يتوه بنا في مغامراته والتي كان جزءً منها حقيقياً والآخر من بنات أفكاره. كان من الطلبة الممتازين، لكنه لم يصل إلى مستوانا الدراسي حيث كنت وفاروق من الأوائل أما عبد الكريم فكان في مدرسة أخرى.
- ها أنذا هنا في دمشق. قلت بحرارة.
- وماذا تعمل؟
- قبلت في الجامعة.
- دمشق؟
- لا.. جامعة غزة. قلت ساخراً.
- لا زلت ساخراً.
- طبعاً جامعة دمشق.
- في أي كلية؟ تابع أسئلته.
- الآداب، قسم اللغة الإنجليزية.
- والطب؟ سألني أحمد، وهو يعرف مقدار تعلقي بكلية الطب.
- ذهبت مع الريح. قلت له مستعيراً عنوان تلك الرواية الأمريكية الذائعة الصيت.
- أنت كما أنت. أيامك كلها تذهب مع الريح.
وغادة قالت لي ها أنت ذا تعود أنت. من وسط وحدتك تظهر لك. وما أجملها من وردة تنغرس في حياتك وترويها بأفكارك. هذه الأحلام لا تفارقني. وأنا لا أفارقها.
- هي...هي.
- عدت إلى المتاهات.
اختطفني من لحظتي. لحظتي مع أحمد الشاوي، ولحظتي مع غاده. ينتزعني من وحدتي حتى وأنا مع الآخرين.
- ماذا تريد؟
- من هذا الذي احتضنته بكل ثناياك؟
- وما دخلك أنت؟
- ظننت أنني الأثير عندك!
- لا تظن. إبق على يقينك.
لكزني أحمد الشاوي. أعادني إليه.
- أما زلت كما أنت؟
- وماذا تغير؟
- لقد تخلصت من ذيب وذيبه.
- إنهما يسكناني.
- ألست جائعاً؟
- من قال ذلك؟ الجوع والوحدة وأحلام اليقظة هي حياتي.
دخلنا مطعم بو كمال. لم أتردد لحظة. أعرف أن أسعاره غالية. الجيب مملوءة بالنقود. تردد الشاوي. دفعته إلى الأمام. أنت ضيفي اليوم. دخلنا. دخل معنا. ثلاثة. لم يره أحمد. يحدثني وأرد عليه. فيجيب الشاوي. استمتعنا بالطعام والشاي. أشعلت لفافة تبغ. قدمت واحدة لأحمد. اعتذر بأنه لا يدخن. استعرت كلمات فاروق، وربما صديق آخر لا أذكر أسمه. "الرأس اللي ما فيها كيف حلال قطعها." ابتسم أحمد وابتسم ثالثنا. أشعل لفافة هو الآخر.
- أين تسكن؟
- لا زلت بلا سكن. وأنام في الفندق.
- كما أنت دائماً. تسكن ولا تسكن.
يا لهذه الكلمات المنطلقة من فيه تذكرني بصاحبة الغيمة السوداء. تساقطت الأمطار بغزارة. كنت أرقبها من زجاج المطعم الذي يفصلنا عن الشارع. لم أعلق على ملاحظته.
- أين ستذهب. سألني أحمد.
- لا أعرف.
تهت عنه. رجعت إلى تلك الأيام الطويلة في غزة. الأمطار غزيرة. وشوارع غزة موحلة. ومنذ معرفتي بكرة القدم كنت من مشجعي النادي الأهلي المصري. واليوم هو يوم كرة القدم. مباراة بين الأهلي والزمالك. الحجرة مغلقة. حجرة ذيب، ولا أكلم ذيبه. أريد أن أسمع وصفاً للمباراة. رغبتي اكتسحت كل المحاذير. وهذه لحظات لن تتركها ذيبة تمر دون أن تلقي كل القاذورات في طريقي. الراديو.. راديو ذيب في الحجرة. كيف الوصول إليه؟ هو في العمل. تسللت إلى الباب المغلق. حاولت فتحه. مقفل بالمفتاح. كيف السبيل إليه؟
- أريد أن أحضر قصتي من حجرته. قلت.
لم ألفظ أسمها. لا أكلمها. والمرات القليلة التي كنا فيها على وفاق كانت كريمة معي.
- قال أخوك بأن لا يدخل حجرته أحد.
- لكني أريد قصتي.
عرفت قصدي. وعرفت كيف تذلني. وتدلق عفن الزمن على أشلائي.
- سأحضره لك. قالت.
- سأحضره بنفسي.
- لا. قالت بإصرار.
تمزقت حريتي. حكمت عليّ بالحرمان، ولا راد لحكمها. كأنها قاض وحكمه لا يقبل الاستئناف.
- من الأفضل لك أن تعطيني المفتاح. قلت بغضب لم يعد مكتوماً.
- وأن لم أفعل، هل ستضربني؟
- ولك يا بنت الكلب هاتِ المفتاح.
- أنت ابن الكلب...
طار جنوني. كيف تشتمني امرأة؟ رجولتي لا تسمح لي بأن أتحمل هذه الإهانة. تطاير الشرر من عينيّ. لمحت هي ذلك. ركبها شيطان التحدي. حملت إبنها الصغير وأرادت أن تخرج. جذبتها من ثوبها. دفعتني بعيداً. زاد غضبي واحتل مساحات من تفكيري. صادقت الشيطان، ربما هو من صادقني. انتقم. قال. لا تتردد. هي فرصتك. اكتسحها واهرب. لست من هذا النوع من الرجال. قلت له. لا تكن أحمق فالهروب ثلثا الرجولة. لم أكن في كامل وعيي لأعنفه على هذه الفلسفة الحمقاء. عدت إليها. هذه الشيطانة تدوس على رجولتي وكرامتي. أخوك لا يسمح لأحد أن يدخل حجرته. وأنا أخوه. لا، لن تدخل. رأيت الشيطان يتقدم نحوي. وضع يداه على عينيّ. تقدمت منها. تراجعت. دفعني بسرعة. هويت على وجهها بلطمة أظن أنها هائلة. وضعت كل آلام السنين ومهانة الأيام فيها. وقعت على الأرض وإبنها الصغير في حضنها. أخذت تشخر. ظننت أنها ماتت. لم ألتفت إليها. خرجت من البيت. صادفت زوجة خالي صالح. هي تحبني. ضربت ذيبة وأظنها ماتت. قلت لها.
- لا تخف، فمثلها لا يموت. قالت زوجة خالي.
- لكنها تشخر.
- هي تمثل ذلك لتخيفك.
- وماذا أعمل؟
- أهرب.
وهربت. تهت في طرقات مخيم جباليا. صادفني ابن خالي. أوقفني. تائهاً عن نفسي كنت. لا أشعر بما يدور حولي. حتى أزقة المخيم التي أعرفها لم أعد أعرفها.
- أين ستذهب؟ سألني جهاد.
هل تذكر جهاداً هذا؟ هو نفسه الذي حدثتك عنه في روايتي الأولى. ذلك الذي استلفت منه النقود العتيدة وخسرتها في لعبة القمار. أعرف أن لك ذاكرة قوية. هو ابن خالي وصديقي أيضاً. وهو الذي شاركني السطو على أشجار البرتقال التي حفظها أصحابها لهم واستولينا عليها نحن.
- لا أعرف. قلت له.
ومنذ متى وأنا أعرف أين سأذهب. تائه في دنيا الله الواسعة والتي ضاقت بي. قلت لنفسي.
- قريبك في مخيم الشاطئ يريدك أن تذهب إليه لتساعد ابنته في امتحاناتها.
- لكنني لا أملك نقوداً لأذهب هناك. قلت بانكسار.
أعطاني خمسة قروش، فذهبت. تذكرتها أنت أيضاً. نفس الرقم الذي بدأت به لعبة القمار. تلتصق معاناتي بذاكرتك! أوتراك عانيت مثلي؟ سألته لكنه لم يجب. ولم أحاول استدراجه للحديث عن نفسه.
- إذاً أذهب معي لتبيت عندي هذه الليلة. قال أحمد الشاوي.
وهكذا حملت حقيبتي ودفعت ما عليّ من نقود وذهبت مع الشاوي إلى منزله في أحد مخيمات اللاجئين في دمشق. دائماً تصطاد إما جهلي أو ضعف ذاكرتي. لكني هذه المرة أعرف أسم المخيم. أظنه مخيم جرمانا. هل أحسست بمأساتنا. بعد أن كنا في أرضنا أصبحنا في مخيمات منتشرة في بقاع متعددة. نعيد سيرتهم! ربما. لكني أستبعد هذا. وفي المخيم الجديد وجدت أحمد البدوي والذي كان قد قبل في قسم اللغة الإنجليزية. تعانقنا بمحبة، ودارت أحاديثنا تتوه في حجرات المدرسة الإعدادية. تذكرنا الأستاذ نعيم مدرس اللغة الإنجليزية في الأول إعدادي. من هذا النعيم؟ سألني. استعذبت الذكرى. كان مدرساً محروماً من الأولاد. وعندما دخل الفصل، قال لنا أنتم أولادي وأي مدرس يضايقكم قولوا لي عنه وأنا سأخسف الدنيا به وبأهله. وفي ذات يوم وكانت السماء قد أفاضت بكرمها فأغرقت الأرض بالماء. كانت أسطح المدرسة قرميدية. تسربت المياه من خلال السقف واستوطنت الجزء المحاذي للسبورة. كانت أسماء عدة، ومن ضمنها اسمي واسم محمد أبو لحية قد كتبت على السبورة . كنت أظنك نبيهاً وتعرف من تلقاء نفسك. عريف الفصل كتبها، حيث كنا من مروجي الفوضى في الفصل. حضر الأستاذ نعيم تسبقه حقيبته والمسطرة وأصابع الطباشير الملونة. وعندما دخل الفصل، استقبلناه بالهتاف والترحيب. وأمضينا الدقائق الخمس الأولى في مرح، حيث أنه عودنا على ذلك. وفلسفته أن الطالب يجب أن يكون مستعداً نفسياً لاستيعاب ما سيلقيه المدرس من معلومات. رفع يده معلناً أن الوقت قد حان لبدء الدرس. وعندما استدار إلى السبورة، قرأ أسماءنا. خرجنا أمام الفصل. وقال لمحمد أن يفتح يده ليتلقى عقابه. قال محمد أن الدنيا برد ورجاه أن يسامحنا. رفض. ورفضنا نحن أن نفتح أيدينا. أخذ الوضع مقرفصاً وبدأ يلوح بعصاه علينا فنتراجع نحن ويتقدم هو. وفي لحظة فقد توازنه فسقط على الأرض وابتلت مؤخرته بالماء المستوطن تلك البقعة. عندها تجمع غضبه وأخذ يضربنا بدون تركيز. استلقت إحدى العصي على جسد محمد أبو لحية. أخذ يصرخ واستلقى على مقعده وهو يتمتم بكلمات فهمنا منها أنه يتهدد الأستاذ نعيم. والله لأضربك بالسكينة. كانت إحدى الجمل التي سمعناها. جلسنا في مقاعدنا. وبعد دقائق أستدعى الأستاذ نعيم الطالب أبو لحية وأخذ يفتشه. وكان هذا الأخير يلبس بالطو طويلاً أظنه حصل عليه من وكالة الغوث. وعندما أدخل يده في جيب أبو لحية، وصلت إلى آخر البالطو. وجد سكيناً مهترئة فأخذها قائلاً إنها لا تلزم له. أخذنا نضحك. وطالت ليلة الذكريات هذه.
وفي الصباح ذهبنا إلى الكلية. رجعت إلى أيام التلمذة. هذه المرة في الجامعة. حرية أوسع. أنت حر. إن أردت حضرت المحاضرات، وإلا تسكع في شوارع دمشق وهي رحبة ومتنوعة. لا أحد يعرفك. تسلل شعور غامض في أنحاء عدة من جسدي. لبست قميصاً جديداً وما يقيني برد شتاء دمشق القارص. تناولت كأساً من الشاي مع لفافة. شاركني جلستي أحمد الشاوي والبدوي. البدوي هذا يدخن بشراهة تضاهي شراهتي. خرجنا واستقلينا الحافلة إلى جامعة دمشق.
تسربت ذاتي في فضاء دمشق الأبيض. المرة الثانية التي أشاهد فيها الثلوج تتراكم. غطاء ناصع البياض يغلف دمشق. ما أروعه! تركت أطرافي تسير بجانب أحمد البدوي في طريقنا إلى مدرج جامعة دمشق. محاضرة الأدب. احتفظت بنفسي لذاتي. وعند المدخل كانت إحدى الطالبات تجلس على الدرج المؤدي إلى المدرج حيث المحاضرة. كانت تباعد ما بين ساقيها فانحسرت تنورتها قليلاً. بانت ملابسها الداخلية. راودتني نفسي أن ألكزها بقدمي حتى تستر ما بين فخذيها. ولماذا تتدخل فيما لا يعنيك؟ قال لي قبل أن تحيط بي الحماقة وأعمل ما لا يجب أن أعمله. تركتها ودخلت. ارتسمت ساعات طويلة في ذاكرتي. الفخذان ناصعا البياض. بياضهما يضاهي بياض الهالة المحيطة بدمشق.
دي أتش لورانس، كاتب رواية نساء وحب كان موضوع المحاضرة. استمعت للدكتور داغستاني بانتباه. استمتعت باللغة والتعليق. تذكرت الدكتورة نهلة في جامعة بير زيت. غاده. أين أنت؟ كانت بجانبي. تساقط المطر الخفيف. كان يصب في روحينا. لمست يدها. استسلمت بين أصابعي. أنت في دمشق الآن. وبير زيت؟ ذهبت كما ذهب مخيم جباليا ودير سنيد.
فهيمه النجار. جارة لنا. وردة تنثر عبيرها على كل من يود الاستنشاق. وددته. أرسلت لها أنني أطلب ودها. استجابت بسرعة أدهشتني. ظننت أن الدنيا كلها تحبني. فهيمة ملكي. نحاسية اللون. تناسيت أولئك الذين استنشقوها قبلي. هم أنذال امتصوها ثم قذفوها على قارعة الطريق. لأكن أنا ذاك الفارس الذي ينقذها مما هي فيه قلت لنفسي. استلقت بين يديّ. تحسستها. تراخت. انتفضت وتمددت على جسدي. كانت نحاسية ذات لون فاقع فجذبت كثيراً من صيادي الفراشات. حاول أحدهم اعتراضها وهي في طريقها إلى المدرسة الثانوية. أمسكت به وكانت خناقة حامية الوطيس. وكما صورت لنفسي، وكما شاهدت في الأفلام، انتصرت عليه وعلى من كان يناصره. دي. أتش. لورانس وروايته نساء وحب أو نساء في الحب. ترجم العنوان كما يحلو لك. أنهن نساء يعشن في و للحب.
خرجنا من المحاضرة. نصفها التصق بذاكرتي، ونصفها الآخر تداخل والشقوق الندية التي حاولت عبور بعضها وعبرت قليلاً منها. ذهبنا إلى كافتيريا الجامعة. جمال دمشق كله ملقى في تلك القاعة. فاتنات، فارهات، شقراوات، نحاسيات، حنطيات، الجمال كله هناك. سربت نظراتي من بين الجمع إلى فتاة فارعة الطول شقراء. جمالها هادئ، لكنه لا يضاهي جمال غاده. مسحة حزينة تحيط بهذا الجمال الأخاذ. أبقيت عينيّ طويلاً عليها. انتبهت إلى نظراتي. ألقت عليّ نظرة عابرة، ثم استدارت بعينيها بعيداً عني. رسمتها في ذاكرتي. تناولنا فناجين الشاي ثم خرجنا نبحث عن منزل، قل حجرة أقضي فيها أيامي في دمشق.
لم أكن أعرف مخيم اليرموك ولم أسمع عنه من قبل. ذهبنا إلى هناك حيث التقينا بصاحب مكتب عقاري دلنا على حجرة في منزل قال إن أصحابه أناس طيبون. استقبلتنا صاحبة المنزل. جميلة في نهاية عقدها الثالث. تفحصتني. ذبت خجلاً، فأنا من ذلك النوع من الرجال الذي يذوب خجلاً عندما تتقاذفه النظرات الفاحصة. تكلمت مع السمسار.
- نعم أنه طالب في الجامعة. قال لها.
- من أين؟ سألتني.
- من غزة.
وقفت حائرة. أحمد البدوي بجانبي. تفرسها جيداً. أبقيت عينيّ تائهتين في محيط المنزل. كنت أسترق النظر إليها، وعندما كانت تتنبه عيناها لعينيّ، أخفضهما بسرعة.
- هل ستسكنان معاً؟ سألت.
- لا. قال أحمد. فقط يوسف. وأشار إليّ.
- إذاً أنت يوسف! قالت.
- نعم. أجبت.
- أجرة الحجرة خمسون ليرة سورية في الشهر.
- لا بأس.
- أذن اتفقنا. قالت.
- متى يمكنني أن أسكن؟ سألتها.
- الآن إن أردت.
خرجنا من المنزل. حاولت أن أحفظ الطريق إليه. وعند مكتب السمسار، أعطيته خمسين ليرة سورية، وطلبت منه أن يكتب لي العنوان حتى لا أضل طريقي عندما أعود إلى المنزل. اشتريت وأحمد سريراً جديداً وحرام وفرشه وطاولة وكرسياً. ذهبنا إلى منزل أحمد الشاوي وأحضرت حقيبتي واستأجرت سيارة حملت أغراضي فيها وذهبت إلى منزلي الجديد.
وقفت السيارة أمام المنزل. ضغطت على جرس الباب فخرج لي صبي في حوالي العاشرة من عمره. تأملني جيداً ثم دخل المنزل. حضرت المرأة نفسها. وعندما رأت السائق والسيارة، فتحت الباب على مصراعيه وقالت تفضل. أنزلنا الأشياء على الأرض وذهب السائق. بقيت وحدي في المنزل. أعتذر أحمد عن الحضور معي متعللاً بأن لديه الكثير ليفعله.
دخلت حجرتي. واسعة ونظيفة. الدور الأول. المنزل كله مكون من طابق واحد. لم أعرف عدد الحجرات ولا مكان دورة المياه ولا المطبخ. لست في حاجة لذلك الآن. أشيائي ملقاة في أرض الحجرة. درت حولها. تحتاج لوقت كي أضع كل شيء في مكانه. نظرت إلى ساعتي. الخامسة مساءً. ساعة وتغيب شمس دمشق الغائبة أصلاً. صحوت على صوت المطر يطرق زجاج النافذة بشدة. اقتربت منه. أزحت الستارة جانباً فحال الزجاج بيني وبين صفعات المطر المتهاوي بشدة. تطل النافذة على شارع واسع. تأملته طويلاً. وتأملت المنازل المقابلة. صف طويل من المنازل المتراصة تحوي كماً هائلاً من اللاجئين الفلسطينيين.
كما كنت تحلم وحدتك المفضلة والمحببة إلى نفسك تحققت وذاك الاستقلال الذي عشت من أجله يستلقي بين يديك كم حلمت بذلك وأنت طفل بعد نوبة عراك مع ذيبه كنت تقفل الباب على نفسك ربما تبكي لم يفارقك الألم ولا الأمل بأن تستقل بذاتك وها أنت ذا تفعل مسألة النقود ستجد لها حلاً ألم يعدك أبن خالك بأن يرسل لك مصروفك الشهري كراتب موظف إذا دخلت الجامعة وها أنت ذا وسطها وزوج أختك سيرسل لك لا تخف المستقبل الماضي إنسه آه ذاك الماضي الذي يلاحقني بلا كلل أهل عليه تراب العالم وتخلص منه وفهيمه النجار تلك التي تنشقت رحيقها ثدياها كانا يتقافزان بين يديك وسط الأشجار في الطريق بين غزة وجباليا غاده ورده ندية نبتت وسط أشواك حياتك أمنية لا زالت تنغرس في ثنايا أفكارك أما ذيب وذيبه فهما الماضي بكل عنفوانه وجبروته هما الألم الذي لا يفارقك تركا بصماتهما في أفكارك وتصرفاتك حاولت وتحاول وستحاول اقتلاعهما ولكن هيهات هما الجرح النازف أبداً هما الجرح الدامي في نفسك هذه النفس المثقلة بكل ما هو ثقيل غاده هي الوردة التي داوى عطرها جراح نفسك تعمقت في أفكارك وأخرجت كل جميل منها دفعت الأمل إلى مقدمة المقدمة ونهله القدسي هذا هو الضوء الذي اخترق ظلام أفكارك فادفع به إلى الأمام أيام السجن الطويلة هذبت كثيراً من أخلاقك وأفكارك تخلص من تلك السطحية التي طبعتها ذيبه في ذاتك عمقها ذيب يمكن اقتلاعهما كيف ها أنت ذا وحيد وبعيد عنهما بإمكانك أن تفعل وستفعل أتذكر أيام السجن عندما حاولت اقتلاعهما ونجحت ابتعد عني أنت في هذه اللحظات أرجوك أو دعني أقص عليك كيف نجحت في اقتلاعهما كنت في سجن عسقلان وكان لكل حجرة شاويش نعم من المساجين مكثت في الحجرة شهراً من الزمان وضبطت تصرفاتي وحاسبت ذاتي بشدة على كل عمل تقوم به حتى أصبحت مثالاً للسجين السياسي المحترم كسبت حب الجميع في تلك الأيام اقتلعت ذيبه وذيب من حياتي كانت محاولة قاسية لكنها نجحت وعندما خرج شاويش الحجرة من السجن أردنا انتخاب شاويش آخر لقد علمونا الديمقراطية لا لا أهزأ بك إنها فعلاً كانت كذلك وتعلمنا النظام والانتظام وفي لحظة الاختيار هذه امتدت كل الأيدي نحوي يوسف هو شاويش الحجرة لا زلت أذكر ذلك جيداً أمضيت فترة أتصرف بعدل بين رفاق السجن وعندما اقتحمتني ذيبه ومعها ذيب بدأت أخطئ تراكمت هفواتي فاعتزلت لامني الرفاق لكن إصراري كان شديداً وهكذا نجحت في اقتلاعهما مدة طويلة ولكن مقاومتي ضعفت فتخليت عن موقعي لا لا يمكن أن يحدث هذا خارج السجن انزع عنك الماضي يا رجل وادخل الحياة من جديد سأحاول وفاروق وعبد الكريم أيضاً حثاني على ذلك
-هل بإمكاني أن أدخل؟
صحوت على طرقات على باب حجرتي وصوت تلك المرأة الرقيق. عدت إلى ذاتي. أو عدت أنا كما أنا كما قالت غاده لي ذات يوم. فتحت الباب. رأيت المرأة الثلاثينية أمامي وفي يدها كوب من الشاي. وعندما رأت أشياءي مكومة وسط الحجرة اعتذرت عن اقتحامها وحدتي.
- لا عليك. قلت. أنا أعشق المطر ووقفت أمام النافذة أتحسسه.
- أوتقبل كوب الشاي هذا؟ قالت. السماء ممطرة والبرودة شديدة، فقدرت أنك في حاجة لكأس من الشاي.
- أشكرك، ولقد فعلت ما كنت أفكر فيه.
- إذاً كنت تفكر فيما كنت أفكر فيه!
- هذا صحيح!
تناولت كأس الشاي منها وأشعلت لفافة. وعندما خرجت أقفلت الباب وعدت إلى مكاني المفضل، أمام النافذة. أنهيت لفافتي واستمتعت برشفات الشاي الساخن ثم بدأت أرتب أشيائي. وعندما انتهيت، وقفت أمام باب الحجرة لثوان. فتحته. لمحت ذاك الصبي أبن العاشرة، صحت عليه بصوت منخفض فأتاني.
- ممكن أكلم والدك. قلت له.
- لحظة من فضلك.
لقد نشأ بين جناحي والديه فتعلم كيف يخاطب الآخرين بأدب. قلت لنفسي. بعد لحظات عاد ومعه والدته. أظنها كذلك. ولكن أين والده؟ فأنا طلبت أن أقابل والده وليس والدته! لم أترك أفكاري تأخذني بعيداُ فربما كان في العمل أو في أي مكان آخر. فهؤلاء يعملون كثيراً في الليل والنهار!
- ماذا وراءك؟ سألتني برقة.
كنت قد بدأت أشعر بالجوع. كرهت أن أقول لها أنني سأذهب إلى مطعم مجاور لأتناول عشائي خوفاً من أن تقدم لي شيئاً.
- أريد أن أزور أصدقائي هنا. فهل من الممكن أن تعطيني مفتاح المنزل حتى لا أثقل عليكم عندما أعود. فأنا من الممكن أن أعود متأخراً.
- آه نسيت أن أعطيك إياه. قالت.
غابت لحظات ثم عادت والمفتاح في يدها.
- تفضل هذا هو مفتاح المنزل. وهذا أيضاً مفتاح حجرتك.
أخذتهما شاكراً. وقبل أن أخرج، أخرجت ورقة من فئة المائة ليره وأعطيتها لها.
- هذا مقدم شهرين.
- شهر يكفي.
- عندي من النقود ما يكفي لأن أدفع مقدم شهرين. قلت.
أخذت النقود. أرادت أن تعطيني وصلاً بهما. رفضت. خرجت من المنزل وسرت في أزقة متداخلة حتى وصلت الشارع الرئيسي في المخيم. يقال له شارع فلسطين. في ساحة هناك تزاحمت الدكاكين بجانب بعضها البعض. لمحت مطعماً يقدم الحمص والفول. دخلت إليه بلا تردد فمعدتي خاوية وأحتاج لأن أملأها. أردت أن أسعدها بعد أن أشقيتها كثيراً في تلك الأيام الطويلة في مخيم جباليا.
- مرحباً!
- أنت مرة أخرى؟!
- انتقلت من مخيم إلى آخر!
- وماذا في ذلك؟
- أما كان الأجدر بك أن تسكن وسط المدينة؟
- أصدقائي كلهم يسكنون المخيم.
- تمايز عنهم.
أذهلتني الملاحظة. أتمايز عنهم؟ ولم؟ أنا ما زلت أنا. يوسف بن يوسف الهلالي. ابن مخيم جباليا الذي تغبرت قدماه بتراب المخيم. حتى وإن كانت هناك فرصة لأن أسكن المدينة، فأنا أشعر بذاتي وبوحدتي في المخيم ووسط رفاق طفولتي. لا كنت ولا كانت المدينة إن نسيت من أنا وإن تخليت عن جذوري.
- اذهب عني هذه اللحظة. قلت له بحدة.
- لن أفعل.
- يا رجل!
- سأشاركك عشاءك.
- نقودي ليست كافية لأقذفها في جوفك.
- لا عليك! سأدفع أنا!
- كيف؟ قلت بذهول.
- سترى!
جلست بجانب النافذة أراقب المطر فعشقي له لا ينتهي. طلبت طبقاً من الفول وبعض المخللات. تذكرت محمود النجار. ليرحمك الله يا محمود. أما كان بالإمكان أن تخطئك تلك الرصاصة الغادرة؟! كيف لها أن تفعل وقد انتهت أيامه؟ وأنا متى تنتهي أيامي؟ سحقني السؤال. حقاً، متي تنتهي أيامي؟
- انتهيت؟!
- نعم. أجبت.
- إلى أين؟ سألني.
- إلى المنزل. أجبت.
- لن تبيت في هذا المنزل هذه الليلة! قال بسخرية.
- بل سأبيت فيه. قلت بتحد.
خرجت. لمحته يسير خلفي. تجاهلته. تذكرت أنني لم أدفع ثمن ما تناولته من طعام. رجعت إلى المطعم. ذهبت إلى صاحبه.
- عفواً.. لقد نسيت أن أدفع ما عليّ من نقود.
- لا.. لقد دفعت. قال بثقة.
نظرت إليه بذهول. ونظر هو إلي باستغراب. ثم أكد لي بأنني دفعت ثمن طعامي. خرجت. تجاهلت من يتبعني. لقد دفع ثمن طعامي. من هو؟! سؤال لن أقدر أن أجيب عليه. التفت خلفي، لكنه اختفى. أين ذهب؟ سألت نفسي. سيعود. لا بد له من أن يعود. لقد تعود عليّ وتعودت عليه.
دخلت إحدى الأزقة. سرت طويلاً دون أن أهتدي إلى المنزل. عدت مرة اخرى ودخلت زقاقاً آخر. لكنه كالأول أوصلني إلى منطقة لا أعرفها. درت حول نفسي، وبين الأزقة. لكني لم أهتد إلى المنزل. تماماً كما تهت في أزقة مخيم جباليا يوم ضربت ذيبه وهربت من المنزل. يومها أنقذني أبن خالي وأعطاني خمسة قروش ذهبت بها إلى مخيم الشاطئ عند قريب لنا.
لا زلت أدور في الأزقة. دقائق طويلة تلك التي قضيتها تائهاً. وأخيراً وجدت نفسي في نفس الساحة التي حاولت منها الوصول إلى المنزل. وعندما أعيتني الحيلة لأصل إلى هدفي، قررت أن أذهب إلى فندقي الأثير وأبيت فيه ليلتي. ركبت السيارة، فوجدته جالساً بجانبي وقد برزت أسنانه وهو يقهقه. لقد صدق وخسرت أنا التحدي. وماذا في ذلك؟ فأنا دائماً الخاسر. ربما يأتي يوم تتغير فيه اللعبة. ربما!