3
وصلتني ضحكته الساخرة، فامتعضت. ما له يلاحقني كظلي؟ تجاهلته، لكنه لم يتجاهلني. يتعمد إغاظتي. ورغم كثافة الرمال التي أهلتها على الماضي، إلا أنه يغوص بين ذراته ويعرضه أمامي بألوانه الفاقعة. لم يكن أمامي إلا أن أغوص فيه. الماضي. هو ما أبني عليه. هش ومتداع، ومع ذلك لا بد من الاعتماد عليه. وعندما دخلت حجرتي في فندق سوريا، دخل خلفي. حاول أن يزاحمني ويدخل أمامي. منعته. ولم يكن في مقدوري أن أغلق الباب دونه. استلقيت على فراشي فجلس بجانبي.
- ماذا تريد مني؟!
- هل مللت صحبتي؟!
- مللت اقتحامك وحدتي.
- تريد الاحتفاظ بخيبتك لوحدك. تكره أن أكون شاهداً عليها.
- إخفاقاتي تلاحقني كما أنت.
- أمن المعقول أن تضل طريقك إلى منزلك؟
سخريته قاسية. الأفضل أن أتجاهلها.
- هذا ما حدث. قلت بلا اكتراث علني أغيظه.
- لقد ضل الهلالي الكبير طريقه ذات مرة.
- هل بات ليلته في فندق؟
- لا.. ليس كما تظن.
- كيف؟
هو يحب ليالي الطرب. يألف الأنس رغم صرامته. ارتدى جلبابه وغطاء رأسه ومضى. سألته سعدى عن وجهته. غمرها بنظراته النارية، فانزوت في ركن الحجرة الطينية الواسعة. لم تخرج من بين شفتيه كلمة واحدة. خرج وبقيت سعدى تنتظر عودته. لقد انتظرت طويلاً. لكنه لم يعد إلا وقد كانت الشمس تشق طريقها في فضاء دير سنيد. أثار لهفتي. لم أستطع إخفاءها.
- أين ذهب؟ سألته بلهفة.
- لا تستطيع الاستغناء عني. ألم أقل لك؟
- تذكرني بما لا أريد أن أتذكره.
- لكنك لا تذكر ذلك.
- أقول لك الحق، لقد أثرتني.
في مساء ذلك اليوم حضر إلى دير سنيد غجري يصطحب غجرية فاتنة ومعهما قرد. يقوم الأخير بحركات بهلوانية تثير الضحك. تقاطر فلاحو القرية إلى حيث الغجري والغجرية وقردهما. كان الهلالي من ضمن أولئك الذين تصدروا المجلس. بدأت الغجرية ترقص وتتمايل. لفت انتباهها صرامة ذاك الهلالي. اقتربت منه. استجاب لها. أخذت تتمايل حوله وأمامه. تمايل هو طرباً. مالت نحوه، تلقاها بيديه. اقترب منها الغجري. جاوره القرد. وفي لحظات كان القرد قد اجتث الجنيهات العشرة من جيب الهلالي اللاهي بحركات الغجرية الحسناء. في نهاية الحفلة، تحسس ملابسه. لم يجد نقوده. أمسك بالغجري من رقبته وحمله في الهواء.
- إن لم تخرج الجنيهات العشرة أخرجت روحك. قال الهلالي بغضب.
برزت عينا الغجري من شدة قبضة الهلالي. يقال أنه إذا سدد الهلالي نظراته النارية إلى إحدى بناته، بالت على نفسها. أدركت الغجرية أن رفيقها ميت لا محالة. أخذت تصرخ بكل قوتها. تزاحم الرجال يريدون تخليص الغجري من بين مخالب الهلالي. لم يستطع أي منهم فعل ذلك.
- ستقتله يا يوسف. إطلق الرجل، وستعود جنيهاتك العشرة إليك. قال أحدهم.
- فليذهب إلى الجحيم. قال الهلالي.
قفزت الغجرية على ظهر الهلالي. تلقفها بيده الأخرى، فأصبح الاثنان في قبضتيّ يديه. وعندما اندفع الجمهور باتجاههم، حالوا بين الهلالي وروحيّ من بيديه.
- أين العشرة جنيهات؟! قال الهلالي والغضب يتطاير من عينيه.
- لا أعرف. قال الغجري بصوت غلب عليه البكاء.
واقع الحال أن الغجرية أخفت الجنيهات العشرة بين ملابسها الداخلية. ورغم أن أحدهم قام بتفتيش الغجريين، إلا أنه لم يعثر على أثر للنقود.
- سأترككما الآن. ولكن، وحياة من رفع السماء عن الأرض إن لم تعيدا العشرة جنيهات لي بعد ساعة، سأمسحكما عن وجه الأرض. ولقد صدق الهلالي. فما أن أصبح الصباح حتى كان الغجريان قد رحلا عن القرية ولم يعودا إليها مطلقاً.
أيقنت أنني نمت بملابسي. فأنا لا أملك غيرها. غسلت وجهي وأقفلت باب حجرتي ونزلت إلى الصالة. تناولت كأساً من الشاي مع لفافة ودفعت أجرة الحجرة وخرجت. عند الباب صادفت تلك الشجرة الندية التي سبحت بين أغصانها ذات ليلة عندما اقتحمت عليّ حجرتي. كان مرافقها شخص آخر. نظرت إليها. غرست عينيّ بين فخذيها. لم أكلمها ولم تفعل هي. دخلت هي وخرجت أنا في طريقي إلى الجامعة.
حتى منزلك الجديد ضللت الطريق إليه آما آن لهذه الأقدام أن تتخلى عن ضلالها ربما القلب هو التائه أفكارك هي أيضاً تائهة لا زلت تحمل بعضاً من النقود وميعاد محاضرتك مجهول لديك الطريق إلى الكلية أتذكر اليوم الأول الذي وصلت فيه بير زيت كطالب جامعي كم كان جيبك يحمل من النقود ليس كثيراً يومها لمحت غاده كانت كوردة فاقع لونها بين الورود الكثيرة التي تشاهدها لأول مرة تلفت الأنظار وأنت بملامحك الثقيلة لفت نظرها التقت عيناك وعيناها للحظات ثم بدأت الأيام تنسج قصة حب أتمنى ألا تنتهي هذا هو مطعم المصري على يمينك أدخله فالمعدة خاوية وأنت لا تقبل أن تعوي مرة أخرى لقد بح صوتها من كثرة النباح في أيامك الماضية ملأتها دمشق تحتضنك إنها تحتضن آلافاً مثلك أنت أنت تحتضنها إنها لك عجباً لقد نسيت ذيب وذيبه هل تحبهما يا لهذا السؤال الذي لا يفارق أفكارك هو أخي وهي تقول إنها ابنة عمك وعندما وجد ذيب رسالة فهيمه عاتبك كثيراً على الارتباط بمن فاحت رائحة عطرها في كل مكان لا يأكل المرء من صحن تركه الآخرون قال لك ومع ذلك كانت الواحة التي التجأت إليها من رمضاء الطريق وأنت وذيبه كنتما على وفاق سأبيع ذهبي لأقدم لك مهر فهيمه هي حلوة يا عبيد قالت لي ربما كانت تسخر مني لاحظ أنها نادتني بالاسم الأثير لدى سعدى وماذا في ذلك فهو اسمي الذي يعرفني به القاصي والداني ومع أنني لم أصدقها إلا أنها رتقت جزءاً من الجرح الغائر في النفس هي كثيراً ما رتقت هذا الجرح ولكن طغيان انتقامها كان يفتحه مرات كثيرة حتى أنه تقيح ولا أمل في شفائه وتلك القابعة في المنزل الجديد ماذا يدور في أفكارها ستنتظر لا تبادر بالغوص في الماء المالح حتى لا تكون ضحية أوهامك التي كثيراً ما أودت بك إلى مواقف فاجعة والجامعة هي إحدى الأمنيات التي تحققت التصق بها واحصل على شهادة تفتح لك الطريق لتعيش بأمان كما باقي خلق الله ربما تتخلص من شعورك بالدونية هذا الشعور الذي لازم أيامك كظلك إذا كانت النقود هي الطريق إلى الأمان فسهل أن تحصل عليها ولكن الشهادة شيء آخر لا تدع الفرصة تتسرب من بين يديك كما تاهت الفرص منك لا تته عنها هذه المرة سأفعل نعم سأفعل هذه مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية إذهب إليها ابتعد عني سأساعدك
- لا أريد مساعدتك. صرخت فيه فانتبه من بالشارع على صراخي. نظروا لي باستغراب. تجاهلتهم ودخلت المكتبة.
- كتب سنة أولى في قسم اللغة الإنجليزية.
قلت لصاحب المكتبة الذي بدأ يكومها أمامي. دفعت ثمنها وانصرفت.
- أين ستذهب؟ سألني.
- إلى الجامعة. قلت.
- ستترك الآخرين يرمقونك بنظرات مستفسرة وربما مستهجنة.
- إذاً إلى المنزل.
- ستضل طريقك كما ضللتها بالأمس. قال ساخراً.
وما العمل؟ سألت نفسي. تناسيته وتابعت سيري في ساحة المرجة. ومرة أخرى يدفع القدر بأحمد البدوي في طريقي. نظرت إليه. هو تائه بأفكاره في أماكن شتى. أحببت هذا البدوي وأحببت أفكاره. رمقت ذاك الساخر مني بنظرة شامتة. لن أضل طريقي. قلت له. فهذا البدوي سيدلني عليه. الأيام بيننا. قال ساخراً. تركته يلعق وخزات شماتتي واتجهت إلى البدوي.
- أحمد. صرخت عليه.
لم يلتفت. تابع طريقة بتيه هو إلى تيهي أقرب. لا وجهة له. كأنه يذرع شوارع دمشق جيئة وذهاباً. ما بال هذا التيه يسكن عقولنا؟ قلت لنفسي وحاولت مرة أخرى.
- أحمد....يا بدوي!
انتبه. أسرعت إليه. ضحك من قلبه عندما رآني. وضحكت أنا.
- أين أنت؟
- لقد تهت عن منزلي ونمت في الفندق.
- خمنت ذلك فأنت لا زلت مسكوناً بهم. قال. وأظنك تخلفت عن المحاضرة الصباحية. تابع ووجهه ينطق بالسعادة والسخرية معاً.
- هذا ما حدث. هل هناك محاضرات أخرى؟ سألته.
- لا..فاليوم هو الخميس وهذه هي المحاضرة الأخيرة عندنا هذا اليوم.
- لقد فقدت كثيراً من المحاضرات ولا يضيرني أن أفقد واحدة أخرى. أتذهب معي إلى المنزل؟ سألته.
- هيا بنا.
أقدام مغبرة تسير في شوارع ضيقة وسيارات فقدت لونها تسير مسرعة ولا مبالية. وقفنا في محطة الحافلات ننتظر وصول إحداها. نريد أن نذهب إلى المخيم. هناك شارعان رئيسيان لمخيم اليرموك. شارع فلسطين وشارع اليرموك. انبسطت أساريري عندما عرفت من أحمد أنني أسكن شارع فلسطين. لماذا؟ لا أدري. ربما لأنه يحمل أسم البلد الذي أدعوه الوطن. هذا الوطن الذي أنوء بثقله. لماذا فلسطين؟ يقولون أنه القدر. هل أنت نادم أنك فلسطيني؟ لا والله لست نادماً. ربما فخور أنا كوني فلسطينياً! شعب مميز. لا تكن عنصرياً. وكيف هذا؟ أن أفخر بما أنتمي إليه يسمى عنصرية؟ لا أنا لست كذلك. كل ما في الأمر أنني ولدت هناك والتصق الاسم بي. ولأننا كذلك التصقت المآسي بنا نحن أبناء ذاك الوطن المسروق.
فلسطين!
كانت بلداً وأصبحت شارعاً كم تقزم هذا الوطن أوترانا نتعمد تقزيمه ربما قرى ومدن وموانئ وشوارع وحدود إلى شارع وحيد في مخيم مملوء باللاجئين يا سبحان الله وهم تجمعوا من كل أماكن شتاتهم وسكنوا مدننا وقرانا نقتلع ويزرعون مكاننا أي عدالة هذه وأي قدر سلط علينا وماذا نعمل نحن ننتظر ما تجود به علينا وكالة الغوث من طحين ورز وزيت وسكر وخلافه وفي بداية كل شتاء حزمة من الملابس ملت أصحابها الأصليين فاستجارت بنا لنستر بها ما لا يستر وهل تستر الهزيمة والهوان والكرامة المسلوبة كنت انتظر تلك الحزمة من الملابس بفارغ الصبر ربما أجد بنطالاً ألبسه لقد وجدت ذات مرة بنطالاً من الجينز ربما كانت تلبسه فتاة أمريكية سالت المياه القذرة عليه فاقتلعته وكأنها تقتلع خطيئتها وتلقي به وبها بين الحزم فوصلني لبسته فضغط على فخذي ووسطي ومع ذلك واصلت لبسه وأسميته بنطال شن الغارات لا تكن أحمقاً كيف أشن غارات على الذي سرق أرضي وكرامتي وأولئك الذين يتربعون على الكراسي الوثيرة لا تحلو لهم جلسات اللهو والسمر إلا معهم كنت أذهب وجهاد إلى بيارات البرتقال نقتنص منها ما تصل إليه أيدينا من البرتقال الذي كان يملأ بياراتنا هناك في دير سنيد وفي نهاية الموسم اكتشف جهاد ثلاث شجرات محملة بالبرتقال من النوع الجيد احتفظ به أصحاب البيارة حتى يستمتعوا به في غير وقته حدثني في الأمر فقلت له لنغزها الليلة لبست بنطال شن الغارات وحملت كتابي وغادرت المخيم مع جهاد بعد انتهاء اليوم الدراسي وفي المساء عندما انعدمت الأقدام تسللنا عبر البوابة الكبيرة خلف سيارة شحن ضخمة تابعت هي طريقها وانحرفنا نحن باتجاه الهدف الذي درسنا الطريق إليه جيداً تسلقنا إحدى الشجيرات الثلاث كان جهاد قد أعد عدته فأخرج مخلاة ملأها بالبرتقال أما أنا فاقتلعت فانلتي الداخلية ربطت طرفيها وحشوتها بما لذ وطاب من البرتقال وعندما أردنا الخروج من البيارة طاردتنا الكلاب تفرقنا قفزت أنا من فوق السور رآني رجل يركب دراجة حياني بسخرية لكنه تابع طريقة وقفزت فتناثرت حبات البرتقال لم أتركها تضل طريقها جمعتها وسرت وكأني عابر سبيل وفي وسط الشارع صادفت جهاد هل أنت بخير سألته نعم والبرتقال هو ينتظرني في أول منعطف وعندما وصلنا منازلنا كان ذيب وخالي ينتظراننا شاهدا البرتقال الذي نحمله تطاير غضبهما ودخلت المنزل فانتثرت حبات البرتقال بين فكيّ ذيب وذيبه
- ها قد وصلنا.
صحوت على صوت أحمد البدوي يطلب مني النزول من الحافلة. فعلت.
- أين العنوان؟
أعطيته له فقادني إلى المنزل. أخذ الآخر يرمقني بنظرات الشماتة والاستهزاء. تجاهلته. هكذا يجب التعامل معه حتى لا أزيد شماتته. قلت لنفسي وضغطت على جرس الباب. خرج الصبي الذي لا أعرف اسمه حتى الآن. وعندما رآني صرخ بأعلى صوته.
- ماما ها هو يوسف وقد عاد.
أيقنت أنها قلقت عليّ. صراخ ولدها عبّر عن مقدار قلقها. داريت أفكاري عندما خرجت والدته تستقبلنا. رأيت اللهفة تتقافز من عينيها. خجلت من نفسي. وعندما رأت البدوي بجانبي كبحت مشاعرها. تماسكت وارتدت قناع الهدوء.
- أين ذهبت؟ لقد قلقنا عليك. قالت بهدوء.
- لقد ضللت طريقي فنمت في الفندق.
- خمنت هذا. قالت. ولكنك قلت أنك ذاهب إلى أصدقائك.
- لم أهتد إلى منزلهم أيضاً وعندما ضاقت بي السبل التجأت إلى الفندق.
اللجوء! ما كنه هذه الكلمة؟! تلتصق بشفتيّ. ليتها كذلك فقط. إنها تلتصق بذواتنا أيضاً. وعندما لفظتها اهتز أحمد البدوي. لقد حصل على جواز سفر أردني مؤقت ومع ذلك أظنه يعاني مثلي. ربما معاناته أقل، لكنه يعاني فبئر السبع، بلده، على مرمى البصر. والبدوي يعشق الترحال. وأحمد بدوي أصيل ولكن ثقافته التي استمدها من الكتب الكثيرة التي قرأها أعادت له وعيه بالمأساة.
دخلنا المنزل، ثم انحرفنا باتجاه حجرتي. لقد تركتها مفتوحة، وأدهشني أن أجدها نظيفة ومرتبة. جلست على السرير وجلس أحمد على الكرسي الذي اشتريته. تزاحمت الكتب على الطاولة. نظرت إليها. انتظري قليلاً، فسأعود إليك. قلت لها.
- هل حفظت الطريق؟ سألني البدوي.
- أظنني كذلك. قلت.
- لا تظن. بل تأكد. قال بحدة محببة.
- سأحفظه. فلي ذاكرة أظنها قوية.
-أعرف ذلك منذ أيام المدرسة الإعدادية.
دخل الصبي بفناجين القهوة. سعدت برؤيته. وضعها على الطاولة وأراد أن يخرج. أومأت له أن انتظر، فانتظر.
- ما اسمك؟
- وسيم.
- وسيم من؟
- وسيم علي الحمدان.
قدمت له ليرة سورية. رفض أن يأخذها. أصرّ عليه البدوي. قبلها بتردد. وبعد دقائق حضرت السيدة. هادئة ولكن جمالها ينطق بتحد غريب.
- يوسف. قالت بصوت رصين.
- تفضلي. قلت بصوت يحاكي رصانة صوتها.
- أعرف أنك كريم، ولكن لي رجاء إلا تقدم لوسيم أية نقود. قالت وكأنها تأمرني.
- هذه لنباهة وسيم، وليس لأنه قدم لنا القهوة. قلت بصوت معتذر.
- مهما كان السبب، أرجوك ألا تقدم له نقوداً بعد الآن.
- كما تشائين. وأرجوك ألا تغضبي.
- أنا لست غاضبة. قالت وانصرفت.
مكثنا عدة دقائق صامتين. عمقت نظراتي في وجه البدوي أريد أن أقرأ أفكاره. لكنه كان صخرة صماء يصعب الحفر فيها.
- أنت محظوظ يا يوسف. قال.
- ومن أين لي هذا الحظ الذي تتكلم عنه؟
- جارتك هذه ستجعل حياتك سهلة وربما ممتعه.
أخيراً باح بما يجول في خاطره. لم أجبره على ذلك. تبرع هو بالتعبير عن خواطره. في قرارة نفسي تمنيت أن تتحقق نبوءته.
- ماذا تعني يا أحمد؟ سألته محاولاً أن أجبره على البوح أكثر عما يدور في رأسه ممنياً النفس أن يخوض فيما يخبئه لي القدر مع هذه السيدة.
- لا.. لا تذهب بعيداً. لا أعني إلا ما قلته.
خذلني. لم يقل ما أود سماعه. أخرجت علبة لفائفي. قدمت واحدة له. تناولها وبدأنا ندخن باستمتاع. وبعد أن انتهينا من شرب القهوة سألته.
- كم من المحاضرات فاتني؟
- الكثير.
- وهل تعتقد أنني سأعوض ما فاتني؟
سؤال من تلك التي تنطلق بلا استئذان. ماذا أفعل وقد تسرب من بين شفتيّ؟ يمكن لسامعه أن يكوّن صورة واضحة عن شخصيتي. لا أظن الظنون تذهب بالبدوي بعيداً ويحلل شخصيتي من سؤالي هذا. وفوق ذلك فهو يعرفني جيداً.
- أعتقد ذلك. وسأمدك بكل المحاضرات السابقة.
- وأي من الروايات أبدأ بقرائتها الآن؟
- اللؤلؤة لجون شتاينبك.
بحثت عن الرواية. وجدتها. صغيرة الحجم، ويمكن قراءتها بسهولة. قلت لنفسي. أمضينا بعضاً من الوقت نتحدث في مواضيع شتى. بعدها غادرني البدوي وبقيت وحدي.
كما تحب وتهوى. وحدتك الأبدية. أغلقت باب حجرتي، فاكتملت وحدتي التي أعشقها. جلست على مقعدي بمحاذاة الطاولة. فتحت الرواية على الصفحة الأولى. حاولت أن أقرأ. تداخلت حروف الكلمات مع بعضها البعض. دققت النظر. لا فائدة. غابت حتى الحروف. كنت أنظر إلى صفحة خالية من الكلمات. ما الذي يحدث؟ كنت أستعد لامتحان الشهادة الإعدادية. امتحان الجغرافيا. ومادة أخرى نسيت ما هي. كان ذلك منذ سنوات طويلة يوم كنت مطوقاً بساديتهم وشهوة الانتقام لديها. الكل لا يكلمني، حتى أولادهم. كيف بدأت المشكلة؟ حتى تلك نسيتها. تلاسنت وذيبه. لو كانت سعدى حية ترزق لأتتني بكأس من الشاي. حتى هذه لم أنلها. لا أعرف طعم الشاي إلا لماماً. ولست في حاجة إليه. حتى الآن بعد أن ملكت حريتي لا اشتهيه. إن وجدت كأساً من الشاي شربته، وإن لم أجده لا أطلبه. أغاظتني. كيف؟ لا أدري ولا قدرة لدي على التذكر. كانت تعرف كيف تثير الغضب في نفسي وتكومه فوق كل أحلامي وهدوئي. لا أريد أن أدرس! صحت فيها وخرجت. تلقفني ابن خالتي الذي يكبرني بسنوات عديدة. كان أيضاً يتقدم لامتحان الشهادة الإعدادية محاولاُ أن يرقى درجة ثانية في وظيفته. دعاني لأن أدرس معه. استحسنت الفكرة ودخلت معه المنزل. بدأنا نذاكر معاً. حضر الأستاذ سالم. هو قريب لنا. أين هو الآن؟ إنه مدرس في السعودية. كان قد تخصص في علم الجغرافيا. بدأ يساعدنا ويلفت نظرنا إلى ما هو مهم. وفجأة دخل علينا ذيب. كيف دخل؟ لا أعرف. كيف عرف أنني هناك؟ لا أعرف أيضاً. المهم إنه كالقدر وقف أمامي. نعم أمامي أنا. تجاهل الآخرين. كانت أنيابه بارزة ووجهه ينطق بكل الكراهية التي يكومها داخله. من أين له بكل هذه الأحقاد؟! ارتعدت أطرافي. كانت ليلة الأحد ولا يريد لليلته هذه أن يفسدها عليه أحد، حتى أنا. أنت يا مسكين! من أنت بالنسبة له؟ الآن وأنا أتذكر عرفت لماذا تصرف معي بكل هذه الشراسة. لقد أمسكني من أعلى قميصي خلف وجهي. حملني بكل احتقار. إذا كنت لا تريد أن تدرس فلماذا أتيت هنا؟ لم أجب. ومن أين لي أن أنطق فمظاهر الكراهية والاحتقار التي كانت تشع من عينيه أذابت لساني بين فكيّ. لماذا بلاني الله بك؟ تابع فحيحه الذي تفتت حرارته الصخر. تابعت صمتي. نظر ابن خالتي إليه ببلاهة. وكذلك فعل الأستاذ سالم. من أين لي بداهية تأخذك عني. يا لطيف يا الله. هل هذا هو أخي؟ ولولا تأكيد أقاربي بقوة شرف والدتي لظننت أن أحدنا كان تائهاً وتعثرت قدماه فاندلق في منزلنا. دفعني بقوة فوقعت لحسن حظي على الكرسي. تجمد الدم في عروقي. تحسسته بيديّ. تشنجت كل جوارحي. اتركه يا ذيب، فغداُ عنده امتحان. قال الأستاذ سالم. وهل سيصبح دكتوراً؟ لا أريد دكترته! قال بسخرية واستهزاء. رمقني بنظرة حارقه، ثم خرج دون كلمة اعتذار لابن خالتي الذي اعتدى على حرمة منزله. لا تلتفت إليهم، وغداً ستنجح وتصبح دكتوراُ وتنساهم. قال لي الأستاذ سالم مواسياً. ولقد كانت نظرات تعاطفه معي هي ما أعادت دورة دمي إلى سابق عهدها. بدأ وجهي يسترد لونه الطبيعي. وبدأت أشعر بذاتي المحطمة. لكني لم أعلق على ما حدث. وظني أن ذيب ذهب وحدث ذيبه بما فعله بي ليحمي ليلته من الضياع. كنت اعتدت على الإهانات ونظرات الاحتقار والكراهية التي يسددونها لي. لحظات وبدأت أدرس من جديد. كان تصميمي على أن أنجح وأصبح دكتوراُ قد أزداد باطراد. ولقد نجحت نجاحاً باهراُ حيث كنت من العشرة الأوائل على المدرسة كلها. أصبحت مشهوراُ في محيط مخيم جباليا بأنني من عباقرته المظلومين.
صحوت على طرقات خفيفة على باب حجرتي. مكثت جزءاً من الثانية شارداً ثم استرددت ذاتي ثانية. فتحت الباب وأذ بالسيدة الثلاثينية تتجسد أمامي.
- تفضلي. قلت لها بصوت خافت.
عندما نظرت إليّ، انتابتها قشعريرة خفيفة رأيتها تسري من رأسها حتى قدميها. يبدو أن ألم الذكرى كان يشع من عينيّ. حاولت أن أهدئ نفسي، فشلت.
- تفضلي. قلت مرة أخرى.
- يبدو أنني حضرت في وقت غير مناسب. قالت بصوت ساحر.
- بالعكس، فأنا في حاجة لأن أتحدث مع شخص ما. قلت صادقاً.
دخلت. لم ألحظ كأسي الشاي وهما يستلقيان على الطاولة. عندما انتبهت، أخرجت لفافة من علبة لفائفي وأشعلتها. ترددت لحظة، ثم قدمت لها واحدة بيد مرتجفة. لدهشتي قبلتها. ثم بدأنا ندخن معاً ونرتشف الشاي الذي بدأ يدفئ أجسادنا في هذا الشتاء البارد.
- من أين أنت يا يوسف؟ سألتني برقة.
- من فلسطين.
- من أي بلد في فلسطين؟
هذا هو السؤال الذي أنتظره دائماً ولا يتأخر في زيارتي عندما أقابل أحدهم لأول مرة. لا بأس. سأقول لها الحقيقة.
- من غزة.
قلت وعمقت نظراتي في عينيها لأرى رد فعلها.
- أولئك الذين زرعوا الرعب في قلوب الإسرائيليين!
ها هي قد أنصفتك على غير ما كنت تتوقع. إنها تقدر ما نقوم به. لماذا يعتبرنا الآخرون من جنس آخر غير جنس البشر؟!
- كيف؟!
ذهلت. نظرت إليها، وجدتها صامتة وعيناها تحدقان في لا شيء. إذاً هي لم تنطق. من إذاً الذي سألني؟ سألت نفسي.
- سألتك فأجبني!
إنه هو مرة أخرى. كيف دخل حجرتي؟ لا أراه. لكني أحس به. ولحسن حظي فأن السيدة لم تره.
- ألا ترى كيف يعاملوننا إذا انتقلنا من بلد إلى آخر؟
- كيف؟
- يحتجزوننا حتى آخر قادم. ثم يبدأ التحقيق ومعه تبدأ رحلة العذاب بين الأسئلة والأجوبة والشك الذي يبرق من عيون المحققين.
- ولكنهم لا يهينونكم!
- وما هي الإهانة؟ هل تعني الضرب؟
- هذا ما أعنيه.
- وامتهان الكرامة؟ ونظرات الريبة؟ ماذا تسمي هذا؟ أن لا تعامل كالآخرين، هي الإهانة بعينها. ثم أنهم قد يمنعونك من الدخول، أو يرحلونك على نفس الطائرة التي حضرت عليها. هذا كله هو الإهانة بعينها.
صمت وصمت أنا. انتبهت السيدة.
- كيف حضرت إلى دمشق؟ سألتني .
- ببطاقة فدائي.
- كلهم يفعل هذا.
- حقاً؟
- أولا تعرف ذلك؟!
- دمشق شيء آخر. تشعر كأنك في وطنك.
- وما هو الوطن؟ سألني.
- ذاك هو السؤال!
صمت فالصمت ملاذ قليلي الحيلة وأنا منهم. معظمهم يفعل ذلك. من أين لهذه السيدة أن تعرف؟ هذا شأنها. قلت لنفسي. الجهل زينة العقل أحياناً. لا تتحامق. الجهل جهل والعلم علم والدهاء دهاء وكل له أصحابه.
أنا تائه في صحراء مترامية واحاتها كثيرة ألقي نفسي في كل واحة وأجد فيها ما يذيب ذاتي فتنسكب بين يديّ أتلمسها تستسلم لي أقترب منها تبتعد من العدم أوجدت لنفسك مكاناً تحت هذه الشمس حافظ عليه أنت الآن في الجامعة وفي قسم مملوء بالحسناوات سوريات وفلسطينيات ألتقط أي وردة يقذفها القدر أمامك لا تتردد فالتردد من شيم الضعفاء وأنت تحاول أن تكون قوياً كيف وأنت سلبت من ذاتك طيلة تلك الأيام الماضية التي قضيتها مطية لأحقادها وجبروته وتلك الوردة الندية هناك في بير زيت أحفظها في قلبك واروها من دمائك فلا بد أن الأيام ستجمعك بها وفاروق وعبد الكريم صدى أيامك في جباليا وبير زيت لا تنسى بيت لاهيا وعمان محطة في سنوات تيهك التي تبدو طويلة والعودة إلى غزة حلم سيطول انتظارك له ليتحقق أنت أنت ودمشق محطة زاخرة بكل ما يريح النفس ونفسك هذه المحطمة تحتاج لما يريحها ها هي دمشق تفتح ذراعيها أقذف بنفسك بينهما أرح جسدك وروحك المنهكة بينهما حاول لملمة أجزاء هذه الذات المحطمة وسترتاح وذيب وذيبه عالقان في هذه النفس الخربة يا رجل آلاف الأميال تبعدك عنهما لكنهما ملتصقان بالذاكرة وبالنفس عمان الحبال التي كانت تصلني بأحبائي قصيرة طالت وتباعدت المسافات اقرأ وأنت الذي قرأ القصص البوليسية وقصص أرسين لوبين ونجيت محفوظ والسباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله وإحسان عبد القدوس قرأت أيضاُ لسومرست موم الخطيئة السابعة مترجمة كم قرأت اقرأ الآن فاروق كان يمدك بالقصص والآن جيبك مملوءة بالنقود في إمكانك أن تشتري ما تشاء من القصص وها أنت ذا في قسم اللغة الإنجليزية والأدب الأمريكي والإنجليزي أمامك ستسترد ذاتك حاولت الكتابة وأنت في المرحلة الإعدادية كنت تكتب مذكراتك تجمع الأوراق البيضاء تخيطها معاً وتصنع منها دفتراً تخط عليه ذكرياتك وكان ذيب يقرأها كل يوم ليعرف أخبار البيت حيث كنت تكتب عما تفعله ذيبه صعب عليك أن تتحكم في مفتاح ذاكرتك تتركه لحظات فتنسكب مصائبك أمامك تحيل لحظتك إلى كابوس من الألم واللوعة تترك من حولك وتعيش في ذاتك أنت وحيد حتى بين الآخرين حاول أن تتجانس مع واقعك فقط حاول فربما تنجح
- لقد ذهبت بعيداً! قالت بصوت عذب.
- استميحك عذراً. فغزة تجذبني إليها حتى وأنا بين أصدقائي.
قلت وحاولت أن أسترد ذاتي إلى لحظتي.
- هل أهلك هناك؟ سألتني.
- ماذا تعنين؟
ارتسمت الدهشة على مساحة وجهها. سؤالها واضح لا يحتاج إلى إيضاح. زمت شفتيها ورفعت حاجبيها مستنكرة سؤالي. ومع ذلك حاولت إيضاح ما هو واضح.
- أقصد والديك وأخوتك.
- لم أر والديّ، ولي أخ عشت معه وآخر توفي، وأما أختي ففي ليبيا مع زوجها وأولادها منذ مدة طويلة.
بكلمات قليلة وأسلوب مباشر فردت قصة حياتي أمامها، ومع ذلك بقي شيء غامض حاولت أن تستوضحه في أفكارها. مكثت هنيهات تفكر ثم سألتني:
- لم تر والديك؟
- توفيا بعد مولدي.
- حادث؟
- لا.
- إذاً كيف؟
- وفاة طبيعية.
تيبست عيناها على صفحة وجهي. حاولت أن تقرأ ما هو مخفي في ثنايا عقلي. وظني أنها قرأت كثيراُ، فأنا أبدو كصفحة مطبوعة ومفتوحة لمن يريد أن يقرأ. عندما رفعت عينيّ لألتقي عينيها لمحت علامات الأسى تتراقص بين جفونها. لكن فكرة أخرى طفت على سطح مستودع الأفكار. تكدرت. أوتكون هي الأخرى فكرت فيما أفكر فيه؟ لا أؤمن بذلك. لا..ليس شؤماً. ولكن الفكرة السائدة هي كذلك. انتزعت الفكرة وقذفت بها في سلة القاذورات التي أحتفظ بها دائماُ في زاوية من عقلي. الأفكار المهترئة يجب أن تستلقي بلا حراك.
أصبحت أكواب الشاي فارغة. أشعلت لفافة ثانية وقدمت لها واحدة. اعتذرت بأنها لا تدخن كثيراً سألتني عن الغداء وهل لدي رغبة في تناوله. أكدت لها بأنني أفطرت متأخراً ولا رغبة لي في الطعام. مكثت دقائق، ثم استأذنت وخرجت. بقيت وحدي. ألقيت نظرة على الباب. مغلق. أقفلته بالمفتاح. تخلصت من ملابسي كلها إلا ما يستر عورتي. تمددت على السرير وأشعلت لفافة ثالثة بدأت أنفث دخانها في فضاء الحجرة. صعدت معه إلى فضاءات واسعة. غاده. الجمال الهادئ الذي يتسلل إلى القلب بسهولة ويسر. صفان من اللؤلؤ يستوليان عليك على حين غرة إذا ما ابتسمت، وهي قليلاً ما تفعل. وأنا بجانبها نتوه معاً في ثنايا الحياة. حدثتها مرة عن آمالي وكيف سأشتري سيارة وأضع الستائر في أرجائها حتى لا يراها أحد غيري. ابتسمت فلمعت حبات اللؤلؤ. نظرت إليها مشدوهاً. ارتخت أجزائي وأحاسيسي أمامها. صمت وعندما طال صمتي لمست يدي فازداد هذيان روحي. نظرت لها، فانطلقت منها ضحكة خافتة. شعرت أنها تغلفني بخيوط من حرير. رفعت يدي أريد أن أزيح بعضها حتى لا تحجب ناظريّ عن الجمال السائر بجانبي. أثارتها حركتي. يوسف. صوت موسيقى هادئة يتسلل عبر حبات اللؤلؤ المصفوفة على الصفحة البرونزية ذات الغيمة التي توشك أن تسكب ماءها على الأرض العطشى. غاده. قلت بهمس. يوسف. ماذا جرى لك؟ قالت. هل تخدرت بفعل ما سكبته في جوفك من نبيذ مجهول أصله؟ أنا فعلت. وعندما لامست يدي، ارتعشت أطرافي. عدت مرة أخرى للحياة. زاد صمتي. في الجنة التي صنعتها أنا. غابت أحاسيسي في ثناياها. تجولت في ساحاتها. ظهور فاروق وعبد الكريم أعادنا إلى دنيانا.
- أيها الدميم! قال فاروق.
- التناقض يخلق جمالاً لا مثيل له. قال عبد الكريم.
حتى أنت يا كريم؟! ما بالك تجاري هذا الفاروق في سخريته الرائعة؟ أحبهما. هما كذلك يوداني. وغاده تعرف ذلك.
- من أين تأتي الذئاب الهائمة؟ قلت. كنت في مأمن من شرها، لكنها تأبى إلا أن تعيد أسري. تابعت واتجهنا إلى مبنى كلية بير زيت.
وفي الصباح التقيت البدوي والشاوي بصحبة طلاب آخرين عرفت منهم عياد الهادي وعبد الرحيم الحفناوي. بعد المحاضرة تجمعنا مرة أخرى في كافتيريا الكلية. صعب أن تقارن بين اللحظتين. لحظتي مع غاده وفاروق وعبد الكريم وهذه اللحظة. جلسنا وأصرّ البدوي على أن يزودنا بالشاي والسندويشات لمن يريد. كنت أنا أحد الذين حصلوا على الساندوتش وفنجان الشاي. أخرجت علبة لفائفي. دخنت لفافة وهكذا فعل البدوي وعياد الهادي. نحن فقط الذين ندخن. بعد لحظات انضم لنا طالب مصري الجنسية يقال له أبو على. وأبو على هذا مكث في جامعة دمشق فترة طويلة حتى أطلق عليه لقب شيخ الطلبة. استولى على الجلسة بقفشاته وأحاديثه المضحكة. اختار من بيننا أحمد البدوي وقال له سأكشف لك عن حظك.
- أوتستطيع؟ قال البدوي ضاحكاً.
- بالتأكيد. قال أبو على. أعطني نصف قرش.
تردد البدوي، فأخرج أبو علي النصف قرش وقدمه لأحمد البدوي وطلب منه أن يضعه في أحد كفيه. لا تدعني أرى إي من يديك يحتوي النصف قرش. وعندما فعل البدوي ذلك، قال له أبو علي "هات النصف قرش." تحسسه ثم قال للبدوي:
- أنت بدوي، أيامك زاهية وستتخرج من الجامعة إن شاء الله.
- هذا ليس الحظ. قلت ثم تابعت، وعرفت أنه بدوي من لهجته. هذه ليست حكاية صعبة. ابحث لك عن شيء جديد.
- انتظر قليلاً. قال. ثم وجه حديثه للبدوي.
- افرد كفيك وقل سأنال ما أريد.
- سأنال ما أريد. قال البدوي بلهجته النافرة.
- لا.. مش كده. قل ذلك بصوت حنون. قال أبو علي.
- سأنال ما أريد. قال البدوي محاولاً أن يقلد لهجة أبو علي الجميلة.
- أيوه كده. ثم وضع إصبعه الوسطى في يد البدوي قائلاً هذا ما تريده.
انفجرنا ضاحكين. وكذلك فعل البدوي رغم أنه هو من تلقى الهدية من أبي علي. ولكن من يغضب من هكذا مواقف وبالذات من أبي علي هذا؟ وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي أراه فيها. بعدها لم ألتق به قط ولا أدري أين ذهب.
في المساء عدت إلى البيت. دخلت حجرتي دون أن أرى أحداً. أغلقت الباب وتخلصت من ملابسي. لبست البيجاما هذه المرة وتمددت على السرير. أردت أن أغفو قليلاً قبل أن أبدأ مذاكرتي.
- لقد سهوت عني. تركتك ونفسك حيناً من الزمن آملاً أنك ستلتفت لي. لكنك تماديت في سهوك. قلت عليّ أنا أن أذكره.
- عدت ثانية! قلت له باستياء.
- وددت أنا أن تعود أنت.
- يومي مملوء بما أود القيام به. أظنك تقدّر ذلك!
- وهل هذا ما تعتذر به عن عدم لقائي؟
- ماذا وراءك؟ قلت منهياً فترة المجاملات التي لا أحبها كثيراً.
- كيف ترى حياتك الجديدة؟
- كيف تراها أنت؟ أعدت السؤال عليه.
- رغم أنك تناسيتهما، إلا أنهما في أعماقك، يديران تصرفاتك دون أن تدري.
- أوتقول الحقيقة؟
- بكل تأكيد.
يتهدم البناء إذا كانت قاعدته هشة. وكما قال فأنهما أسسا لي قاعدة متآكلة مملوءة بالثقوب. عدت إلى الهلالي الكبير وسعدى. أما كان بالإمكان أن يبقيا معي حتى أجتاز مرحلة التأسيس تلك؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يرفع يد القدر عنهما؟ قلت لنفسي. ما كان قد كان وعليك أن تصنع مستقبلك بنفسك. كيف؟ وذيب وذيبه يحرسان طريقك ويحددان سلوكك. أنت.. كن كما أنت ولا تبالي. وحياتك ستكون كما هي حتى وإن حرفتها عن حركتها الطبيعية. سأحاول. حاول ربما تنجح! أنت من يقرر. نمت. نمت بعد أن اشتعلت اللفافة حتى النهاية. قذفت بعقبها في صحن اللفائف ونمت. نمت بعد أن طرت مع هواء اللفافة الذي تصاعد حتى سقف الحجرة ثم اندثر. نمت دون أن يزعجني أحد. حتى السيدة الثلاثينية التي تمنيت أن أراها قبل أن أنام لم أرها. نمت.
بدأت أصعد الجبل. طريق طويل متعرج تنتثر فيه الصخور والنباتات وتمتد على مدى البصر. عليّ أن أتسلقه. قطعت مسافة ليست بالقليلة في طريقي إلى القمة. توقفت. استظللت بظل صخرة ضخمة. ارتكزت عليها في الوضع واقفاً. نظرت إلى أعلى. لا زال أمامي الكثير لأصل. لم أشعر بالإحباط بعد. خانتني قدماي.اهتزتا أسفل جسدي المتداعي. جلست. مددت ساقي على طولهما. ارتعبت. ثعبان ضخم قادم من بعيد. تعاميت عنه. ربما لا يقترب مني. قلت لنفسي. لا زال يتقدم. بدأت أنفاسي تتصاعد بشدة. صدري رأس قط ينتفض بعد أن غمر في الماء. اقترب مني. تيبست أطرافي، فانعدمت حركتي. توقف الدم في عروقي. إنه ثعبان! وأي ثعبان! ضخم ومخيف. بني اللون مبقع بنقط سوداء. أحاطني. ليفعل ما يشاء. حدثت نفسي. فأنا بلا حول ولا قوة. ومتى كنت بحول وبقوة؟ توقعت أن يقتلع روحي وأن يوقف تنفسي. لم يفعل. ذهلت. دائماً يتملكك الذهول. كرة أنت تتقاذفها الأقدام. ما يصدر عنك هو رد الفعل فقط. استسلمت لقدرك. تماماً كما فعلت يوم ألقوك في المجنزرة وأقدامهم تضغط على رأسك وكل أنحاء جسدك. يومها تمنيت أن تنفجر تلك المجنزرة وأنت وسطها. اليوم تتمنى أن ينفجر هذا الثعبان وحده وتبقى أنت. التف حولي. رأسه يحاذي أنفي. أوهكذا تكون النهاية؟ ثعبان يعتصرك حتى تختنق؟ قاوم يا رجل! ومن أين أحصل على القوة لأقاوم؟ أفرد أمانيك أمامك واتل صلاتك الأخيرة، فأنت معلق بين عضلات ثعبان لا يرحم. توقعت النهاية أن تكون قريبة، لكنها طالت. لذهولي لم يعتصرني. ها أنت ذا تعود للذهول مرة أخرى. حياتك لحظات من الذهول والدهشة والاستسلام. أما حان الوقت لتقرر أنت مصير لحظتك؟ تحسست ذهولي. أمسكته بيديّ، رفعته فأصبح أمام ناظريّ، وجهاً لوجه كما يقولون. قلت له أنه لم يؤذني، أنه حتى لم يحاول. ابتعد عني. تحسست جلده بأحاسيسي. ناعم الملمس. تحسسته بأنفاسي. رائحة مريحة تنبعث منه. عجبت. تتعجب؟! عدت للأحاسيس التي تصورك كقشة تتطاير مع نسمات الهواء. مكث طويلاُ يطوقك بعضلاته. مرتاح أنت له، لكنك خائف. خائف وتتمتع بلحظتك. حاول جرذ الإقتراب منك. يقضمك كما يقضم شبكة التفت حوله. لمحه الثعبان. انتفض. آلمتك انتفاضته. أطلق سراحك. انقض على الجرذ. ابتلعه في لحظة. ها أنت ذا قد تحررت منه ومن الجرذ. انطلق صوب هدفك إلى القمة. وقفت. تحسست قدميّ. داميتان. تابع. تابعت. قطعت مسافة أخرى. تعثرت قدماي. اختل توازن جسدي. على وشك السقوط كنت. ألقيت نظرة إلى أسفل، عميقة هذه الحفرة. سقطت. تمسكت بجذع شجرة ظليلة وأوراقها كثيفة. حمتني من السقوط. استرحت. صحوت.