4
- أصبح غريباً عنا الآن، أصبح على دين زوجته، من عائلة الحاج.
قال هلالي ضخم الجثة طويل القامة يحمل نبوتاً طويلاً. استشاط يوسف الهلالي الكبير غضباً. هو أيضاً يتكئ على نبوت ضخم. وقف بجانبه ابنه نايف يحمل نبوتاً أقل ضخامة من نبوت والده. تململ في وقفته. بدأت يده تهتز، فأخذ نبوته يئن ويهتز بفعل اهتزاز يده التي تود أن ترتفع وتهوي على رؤوس من يهينونه. زجر فورات الغضب الطاغية فازداد تحكمه باهتزاز يده التي أعادت إحكام السيطرة على النبوت الذي يتفجر غضباً كما صاحبه. بعد لحظات، وبعد أن تزايد لغط مناوئيه، فكر أن يهوي على رأس ذاك الهلالي المتوحش بضربة تطيح به أرضاً وإلى الأبد، وهو حقيقة قادر على ذلك بما لديه من جرأة وشجاعة. لكنه قدّر عواقب الأمور. إن هو فعل، فأن النبابيت ستنهال عليه وعلى ولده من كل مكان. آل الهلالي جميعهم تكاثروا عليه، لكن لم يجرؤ أي منهم على مسه بسوء. هم يعرفون شدة بأسه وشراسته إن هم أثاروه. وهو كذلك اتجه وجهة أخرى. فلأحاول أن أصل إلى ما أريد سلماً، فكر لنفسه. ألقى بجسمه كله على نبوته دون أن يفقد حذره، ثم قال:
- ما الذي يرضيك يا عيسى؟
سأل الهلالي بصوت ضمّنه نغمة مسالمة لكنها محذرة حتى لا يطمع فيه آل الهلالي. وعيسى هذا هو ابن عم الهلالي. شنبه كث يغطي ثلثي وجهه. وفي اللحظات الصعبة نبوته دائماً يسبق كلمته. إن أوقف عيسى عند حده، فإن الأمور ستتخذ وجهة أخرى وستتحلل عقد الغضب والحقد، ويمكن الوصول إلى تفاهم بين أبناء العم. هكذا فكر الهلالي عندما وجه سؤاله إلى عيسى الهلالي بليونة واضحة.
- الأمتار الخمسة بمحاذاة أرضي. قال عيسى.
- ولكن هذه الأمتار الخمسة هي جزء من أرضي.
قال الهلالي بنبرة جادة لا أثر للتراجع فيها.
- والدي أوصى بذلك. قال عيسى.
- ووالدي ترك لي هذه الأرض.
- والدي أكبر سناً من أخيه والذي هو أبوك، وعليه عليك التخلي عن الأمتار الخمسة. قال عيسى باستفزاز.
- هذا لن يحدث أبداً.
- سيحدث غصباً عنك! قال عيسى.
التهبت أحاسيس الكرامة عند يوسف الهلالي الكبير. لوح بنبوته في الهواء. ارتفعت النبابيت كلها في الهواء. فعيسى هذا له أخوة ثلاثة وأولاد عم وكلهم وقفوا بجانبه. أما الهلالي يوسف فهو وحده مع ابنه نايف الذي لم يبلغ الثلاثين من عمرة بعد. أما أخوه الذي هو عمي والذي لا أعرفه، فهو ليس موجوداً الآن بجانب أخيه. كان الفريقان يتجادلان أمام منزل الهلالي الكبير. مساحة من الأرض مزروعة بالأشجار بعضها مثمر كالتفاح والتين والجميز، والآخر غير مثمر كالكينياء وهي شجرة ظليلة شاهقة العلو. احتمى الهلالي بجذع تلك الشجرة الضخمة ووقف نايف بجانبه.
- ألم أقل لكم أنه ذو رأس عنيد. قال عيسى بتحد.
صمت الهلالي. كتم غيظه وهو الذي يعرف مدى شراسة عيسى هذا ومن يحيط به من أخوة وأبناء عمومة.
- سنستولي على الأمتار الخمسة، وإن كان هذا اليوسف رجلاً فليقترب من الحاجز الذي سنقيمه. تابع عيسى تحديه.
كانت سعدى تستمع من خلف الباب. وعندما وصلت الأمور هذا الحد من التحدي، ظهرت. نظرت إليهم نظرة غاضبة، ثم انفجرت فيهم.
- أنت يا عيسى وأنت يا عبد ربه تريدان أن ترثا يوسف وهو حي. أوليس له أولاد؟ تريدان قتل ابن عمكما؟ أما هناك شهامة عندكم؟
- ادخلي يا خالتي البيت. قال نايف برجاء.
- والله إذا مس أحدكم يوسف بسوء، أنا التي سأقتله.
عندها التفت لها يوسف الهلالي الكبير ونهرها بشدة. فكرامته لا تسمح له بأن تطلق سعدى غضبها أمام الرجال، حتى وإن كانوا أقاربه.
- إنه يحتمي بالمرأة. قال عبد ربه الهلالي وهو صلب مربوع القامة مفتول العضلات، شرس كذئب لم يذق الطعام منذ أيام.
لم يحتمل يوسف هذه الإهانة. انهال بنبوته عليهم جميعاً بالضرب المبرح. شاركه نايف في الهجوم. كان يحمي ظهره. كلما اقترب هلالي خلف ظهر الهلالي الكبير كان نايف يعاجله بضربة قاسمة. انزلق نبوت الهلالي على رأس عبد ربه بضربة ساحقة أطاحت بالأخير أرضاً غارقاً بدمائه. ثم اتجه بنبوته إلى عيسى ووضع كل قوته في ذراعه وانهال عليه بضربة شديدة ساحقة تجنبها الأخير وبدلاً من أن يستقر النبوت على رأسه استقر على كتفه فشل حركة ذراعه الأيسر. انهال نايف الهلالي بنبوته على الهلاليين . تلقى ضربة كادت أن تسحق والده. وقع أرضاً. انتبه الهلالي الكبير له. حاول مساعدته. وفي وسط الغبار المتصاعد من أرض المعركة تلقى الهلالي ضربة ساحقة ترنح من تأثيرها، لكنها لم تسقطه أرضاً. وقف نايف ثانية بجانبه يتلقى الضربات عنه إما بجسده أو بنبوته. فنايف الهلالي هذا طويل القامة، قوي البنية وشديد البأس أيضاً كوالده. في هذه الأثناء أسرعت سعدى إلى والدها تستجير به قائلة أن الوحوش من آل الهلالي يريدون الفتك بيوسف. انهال رجال عائلة الحاج على موقع المعركة. حاولوا أن يفصلوا الطرفين عن بعضهما البعض، وفي واقع الأمر كانوا يناصرون الهلالي يوسف. ففي محاولتهم فصل الفريقين كانوا يسددون ضرباتهم إلى بعض أجساد فريق عيسى.
- كيف عرفت تفاصيل المعركة؟ سألته.
- هل تريد العنب أم الناطور؟ رد على سؤالي بسؤال.
- طبعاً العنب. قلت.
- إذن لا تسأل مثل هذا السؤال. قال.
لا تسأل مثل هذا السؤال! هل تعلمت الدرس؟ أسئلتي تنطلق بلا تردد. لا أحسب حساباً للعواقب. كيف تأصلت هذه العادة في ذاتي؟ لا تسأل كثيراً. أو اختر اسألتك لتناسب الموقف. كيف السبيل إلى ذلك؟ سؤال يتردد في زوايا عقلي كلما صدمت نفسي بمواقف خاطئة.
- عدت إلى ذاتك.
دائماً في ذاتي. أقلب أحداث اليوم وأصفع نفسي على التقصير. أقرعها على هفواتها. أجلد ذاتي، كما يقولون. أهو مرض؟ ربما. أنشد الكمال، وهذا صعب المنال. لكن هذه المحاسبة الدقيقة للذات لا تتوقف. كيف يكون السلام مع النفس؟
- وماذا أعمل؟
- كيف تسأل هذا السؤال؟!
كنت أود أن أكون بجانب الهلالي الكبير أدافع عنه. تحرقني الذكرى، ذكراه، والألم يغزوني فأنا أتصوره يتلقى الضربات من بني عمومته. كم تألم؟ أظنه قوي الشكيمة لا يستسلم أبداً. وأنا لماذا يغمرني الاستسلام أحياناً وأتجاهل مواقف يجب أن أغضب لها؟ أين أنت يا هلالي لتأخذ بيدي؟ وأنت يا سعدى كنت ستقودين أفكاري لو بقيت بجانبي. كم وددت أن تكوني بجانبي!
كانت بجانبي. هي تلك الشقراء التي لمحتها في كافتيريا الكلية. شقراء طويلة ذات شعر أصفر لامع يذكرني بفاروق. أين هي من غاده، برونزية شعرها فاحم السواد يتماوج على وجهها الساحر كغيمة توشك أن ترشح أمطارها. أنت الآن في دمشق، ودائماً تتلألأ غاده أمامك، حتى أنها تداخلت وملامح جمانه.. جمانه، هذا هو أسم تلك الشقراء ذات المسحة الحزينة. إنها بجانبي الآن، وغاده كانت أيضاً بجانبي. في بير زيت كنا حوالي عشرين طالباً، أما الآن فنحن بالمئات في السنة الأولى. وجمانه بجانبي. حضر الدكتور وهو فلسطيني. المحاضرة عن المسرحية الإنجليزية. السلاح والرجال لبرنارد شو.. ركزت انتباهي كي أفهم ما يقول. فهمت. كانت المحاضرة الأخيرة عن هذه المسرحية، بعدها سنبدأ بمسرحية أخرى لشكسبير. ضحكت من كل قلبي عندما تكلم الدكتور عن تلك الأرملة التي صورها شو وهي تود أن تتزوج حتى مما يشبه الرجل. التفت إلى جمانه، وجدتها وقد انفرجت شفتاها عن ضحكة ساحرة. ولكنها ليست في سحر ابتسامة غاده. التقت عينانا. قالت كثيراً، لكني كنت بحواسي كلها مع غاده. لتكن صديقة قريبة من النفس، قلت لنفسي. جمانه.. تسرب اسمها من بين شفتي صديقتها فالتصق بالذاكرة. ومن غرائب الصدف أن اسم صديقتها غاده وهي قريبة في الشكل من غادتي، إلا أنها أقصر قليلاً منها.
تسللت من المدرج إلى الكافتيريا. المكان الذي تهاجمني فيه الذكرى وتهيج فيه الحواس. فاروق وعبد الكريم وغاده. تحتقن حواسي، فأندثر في مساحات واسعة. تطوقني الرغبة في أن أصرخ غ...ا...د...ه. أصارع الفكرة فأصرعها. تهدئني اللفافة وكأس الشاي. يلومني أحمد البدوي على صمتي الدائم. اختبئ في ذاتي وأجتر ذكرياتي. تركت الأيام تنساب حولي وداخلي. تركت نفسي أتنقل بينها صوب هدف واحد: الحصول على الشهادة الجامعية. الأرض ضاعت وكذلك الهلالي الكبير وسعدى والأمل معلق على تلك الشهادة. غريب هذا القدر! لا زلت تائهاً بين أصدقائي وأيامي. قذفني البدوي بلفافة دخنتها بأسرع مما توقعت. هاجمني الملل، فغلف أفكاري بغلاف صلد صعب الإنفكاك منه. دقائق ثم غادرت الكافتيريا في طريقي إلى المنزل.
- إلى أين؟ سألني البدوي.
- إلى البيت.
- وماذا ستعمل هناك؟
- لا أدري.
- انتظر حتى تتناول طعام الغداء معنا.
- لا رغبة لي فيه.
مررت بها. أوقفتني. لا بل توقفت أنا. جاورتني. لم أسألها. فقط اصطحبت يدها وخرجنا. سارت بجانبي، يدها تستلقي في يدي باطمئنان. سرنا بلا هدى خارج مباني الكلية. يعرف هذا الطريق وقع قدميّ. سرت فيه كثيراً مع عبد الكريم. أخذني إلى ذاك البستان المحتضن لأشجار المشمش والبرقوق. تخطينا السياج الذي ليس سياجاً. أصبحنا وسط البستان. توقفنا تحت ظل شجرة ممتلئة بالمشمش. نظرت إلى إحداها. متوردة كخدي غاده.
- تحاكين وردتي. قلت لها.
- هي التي تحاكيني. قالت.
- لا تكوني مغرورة.
- لا تكن متيماً بغادتك هذه.
تغار منها. قلت لنفسي. قطفتها. صرخت متألمة. ماذا ستفعل بي. سألتني. وبدون أن أنطق، قدمتها لغاده. قسمتها نصفين. وضعت أحدهما بين شفتيّ. قضمتها ببطء. تأوهت. حتى لا تضاهي من لا يضاهى. قلت لها ساخراً. تسللت راحتيّ إلى الوجه الملائكي. كأنني ألمس القمر. رفعت راحتيها ووضعتهما فوق يديّ. تعمقت عيناي في عينيها. أطلقت سراحهما. تتوهان في فضاء بلا فضاء. انسدلت الرموش فوق الزمردتين واستدار القمر بدراً لا يضاهي جماله جمال. لم أنطق. وماذا تقول الكلمات وقد تحدث الصمت فأجاد. بقينا على هذا الحال زمناً طال أمده. الشجرة تلك أصبحت العالم كله. تقدمت خطوة، وأخرى فأصبحت ملاصقة لي. ضممتها فغبت عن ذاتي تحت تأثير عطرها الصاعد ليس من غيمتها الندية فقط، بل من كل أنحاء جسدها. التصقت بجسدي أكثر. حنوت عليها.
- لا تتركيني.
- اصمت.
- أنت مرفأي الذي طال بحثي عنه.
- اصمت.
صمت. استلقت أفكاري فوق أنفاسها. تطايرت معها. حلقت بعيداً. ماذا لو كنا ننعم بالسلام كما الآخرين؟ أرضنا تداس بأقدام لا ترحم! أفكارنا تسجن! أجسادنا تنتهك كل يوم! وأنت هنا تتوه مع أحلامك حول عقل صقل ليضاهي ذكاؤه جمال من يحمله. لو كان الآمر كما تتمنى، هل كنت ستلتقي بها؟ من يدري؟ انس الوطن للحظات، فأنت الوطن وأنت من يصنعه! من قال هذا؟ تتلفع بغادتك تحت ظل شجرة، موطئ قدميك هو الوطن. لا..لا.. الوطن شيء ملموس ولا يمكن لمسه. غاده هي الوطن، أفكارك هي الوطن. الوطن أنت وأنت الوطن. يا من تحمل أثقاله على ظهرك، ارتح، فأنت في حاجة للتريث. أنت تحت ظل شجرة المشمش هذه. حولك الدنيا خضراء مبقعة بألوان صفراء وحمراء ساحرة. تنفس الوطن في هذه البقعة. فغاده حلم يتجسد بين يديك، أما الوطن فلا زال حلما؟ حلم وردي، وهل لا زال وردياً؟ أظنه يهترئ! غاده ودير سنيد والهلالي وسعدى والأرض كلهم الوطن. أنت جزء منه. تدافعت الأفكار حولي.
تدافع الجمع حولي. دفعوني دون رغبتي باتجاه الحافلة. إنها متجهة إلى مخيم اليرموك. هو وجهتي. ولكن لماذا اليرموك؟ جزء من مخيم فلسطين. امتلأت الحافلة. امرأة عجوز وقفت بجانبي. كرهت أن أستلقي أنا على المقعد وهي واقفة. وقفت وتركت لها مقعدي. فليحفظك الله لشبابك. قالت. لو كانت سعدى بدلاً منها، لأسكنتها بين جفوني. سعدى الشمس التي غابت خلف الأفق وطال انتظاري لها. تحركت الحافلة، تحركت أفكاري.
جباليا في القلب ودير سنيد الأمل الضائع الحلم الوردي الذي لم يتحقق أوتراه يتحقق كل هذه الشراسة في تلك الأرض تمزق الحلم تحت وقع أقدامهم نزيلهم كيف حلم يتقوقع بين الأيدي المرتجفة والمكبلة بالمقاعد الوثيرة حتى جباليا أصبحت حلماً مقطع الأوصال وعمان بقعة في الخاصرة عمان رصاصة طائشة اخترقت رأس محمود النجار تلك الحرب العبثية كما وصفتها تلك المرأة التي تشك أن زوجها مات شهيداً لأنه مات في حرب عبثية بعيدة عن الهدف الذي رسمناه هناك فوق أرضنا أوعبثية هي إنها ليست كذلك أنتم والله فدائيون بحق قال جندي البادية العائد لتوه من الميدان نظر إلينا فاتجهت أفكاره صوب هدف آخر وذاك الثوري الذي يحاول رتق خروق الحلم يقال أن الدولارات تملأ منزله أشاح بيده آووه أم على وفلوس ولدها الشهيد وأنت وزوجتك والدولارات التي تتسرب من بين أيديهم لقد ضاع مني ألف من الدنانير يا نصاب الثورة المأفون ألف من الدنانير وهذا الشيخ الذي يحلم بدرهم أو بلفافة يضعها بين شفتيه يلعن د....ديكك ويقول في قرارة نفسه أنه كاذب مأفون وتسألني كيف يتمزق الحلم أنت ابن أبو ندا وورقة مكتوب عليها أمر صرف بمقدار مائة دينار ويتمزق الحلم وتلتصق الرصاصة برأس محمود النجار ويتمزق الحلم حاول لملمته لن تستطيع وحدك الأيام ستفعل وحدها لن تستطيع أدفع بها لتفعل حاول نعم حاول وستنجح نعم
صحوت على فرملة عجلات الحافلة في موقف هو موقفي. نزلت من بطنها. ذاك زمن كدت أن التصق بها وأبيت أن أنزلق من داخلها، وعندما فعلت رحمة بها غادرتني، تلك كانت سعدى. يا لألم الذكرى! سعدى! أغراني المطعم الملتصق بجانب الشارع. دخلته. وضعت كتبي على حافة الطاولة وبدأت أتناول طعامي الذي أحضره لي صاحب المطعم. محمود النجار هنا في دمشق! هاجمتني الذكرى. أما كان في مقدور تلك الرصاصة الغادرة أن تضل طريقها وتخطئه؟ وكيف ينفذ القدر ويقتنص ضحاياه. ماذا حدث لأولاده؟ وهذه المعدة التي أنصاع لأوامرها بلا تردد، كم خذلتها في أيامي الماضية! أقسو عليها حتى لا تعتاد حلو الحياة وسهل الأشياء! لقد ظلمتها كثيراً وآن لها أن تسعد بما تسربه لها. دخنت لفافة مع كأس من الشاي وخرجت. أبطأت سيري لألقي نظرات متفرقة على الوجوه الجامدة. صعب أن تقرأ ما يدور فيها. أفكار متناثرة ومتناقضة تلتصق بذاكرتك. ماذا يدور في هذه العقول؟ صعب أن تفصح عما بداخلها! اتركها فالخوف يلصق الألسن بالأفواه.
ها أنت ذا في بيتك. دخلت. وقبل ذلك ضغطت على جرس الباب حتى لا تفاجئ السيدة. تسربت نظراتك تتفحص المكان الذي اعتادت عليه. هل كنت تتمنى أن تراها؟ ها هي ذي أمامك تخرج من حجرتها في ازهي صورة. ملابسها بسيطة لكنها أنيقة. ألقيت عليها نظرة خاطفة فاصطادت نظراتك وهي في الطريق إليها. تلقفتها. انسحبت أنت وقدت خطواتك في الطريق إلى حجرتك. لكنها غمرتك بنظرات صعب عليك أن تفسرها في اللحظة. تجمعت في الذاكرة، وقد قررت أنت أن تتفحصها في وقت لاحق. اقتربت منها. جميلة، لا بلفاتنة. عبثت هي بملامح وجهها قليلاً فزادته جمالاً. لا زالت نظراتها تتكوم في زاوية من الذاكرة. أبقيت عليها. سربت نظرة مستفسرة إلى كل أنحاء جسدها. اقتحمتك الرغبة على غير ما كنت قد قررت. قفزت من عينيك. لحظات ثم تحكمت بها. ضغط عليها في ثناياك. تمردت، تأوهت، تمددت في كل أنحاء جسدك. صرخت. كتمت صرخاتها حتى لا تفضحك أو تفضح أفكارك. لا زلت تقترب من السيدة وهي لا زالت تقترب منك. تسللت رائحة عطرها الخفيف إلى روحك. استقبلته بارتياح. تسرب إلى جسدك. التقى ورغبتك المكتومة. أثارها. ازداد صراخها. أيتها اللعينة! أما كان من الأجدر أن تندثري في ثناياي أو تندلقي في مكان آخر؟! أما هنا، فهذا مكان يجب أن يكون نظيفاً. قلت لها زاجراً. لكنها لم تستمع ولم تأبه لكل ما تقوله. تأطرت حول السيدة تغزوها وتجردها من ملابسها. تغوص فيها. وأنت لازلت تقترب وتقترب تسبقك نظراتك التي ربما باحت بما يدور في نفسك وتفضح تلك المعركة الدائرة بينك وبين رغبتك وشبقك. ظني أنها هي الأخرى تعمقت في ثناياي وعرفت وفهمت كل شيء، ومع ذلك لا زالت تتقدم. أنزلت عينيك إلى أسفل، إلى تلك البقعة التي تسبق قدميها بمسافة قصيرة. ارتسمت فيها عارية من كل ما يمنع عينيك من النظر إليه والاستمتاع به. يا لهذه الرغبة اللئيمة! تندفع وتندفع حتى رأتها في بقعة أمامها. لا زلت تقترب ولا زالت هي تقترب أيضاً. تكلم. قل شيئاً. ولماذا لا تقول هي؟ الرجل هو من يبادر. هي من تشعل الضوء الأخضرِ. أصبحت تفلسف الأشياء في وقت لا يحتاج للفلسفة.
- مساء الخير.
قلت بصوت مكتوم لونت نغماته رغبتك التائهة التي استولت على كل أجزائك.
- أهلاً يوسف.
قالت بصوت للغنج هو أقرب، لكنه لا زال غامضاً لا يوحي بشيء. لك أن تفسره كما يحلو لك. حتى الآن لك الإيحاءات فقط. توقف لسانك عن الدوران في محيطه. انعدمت الكلمات، لكنك أبقيت على نظراتك مستلقية على كل جسدها. وفجأة وبجرأة غير معتادة أبقيتها ملاصقة لعينيها. استجابت لك. تورد خداها. ذبلت عيناها. تاهت أفكارها وتناثرت. اصطدمت بك إحداها. تلقفتها بلهفة لم تغب عن ناظريها. لم تأسف على ما حدث، ولم تحاول منع رغبتك من أن تطل من عينيك. أطلقت سراحها. وهم أيضاً أطلقوا سراحك! كيف؟ متى؟
في سجن كفار يونا. كنت قد أوقفت شهراً آخر. كم مضى عليك في السجن؟ سنة ونصف السنة. وها هم يضيفون إلى زمن عذابك شهراً آخر. لقد تعاطف معك ذاك الشرطي اليهودي الذي أبلغك القرار. ماذا في تلك الورقة التي تحملها في يسارك؟ سألته. أسماء. قال. هل اسمي من بينها؟ سألته. وما هو اسمك؟ سألك. يوسف بن يوسف الهلالي. نظر في الورقة. لم ينطق. عرفت كل شيء. ومع ذلك ألححت عليه في السؤال. لم يتكلم. بعدها ذهبت مع الشاويش بنحاس. ذلك الشرطي اليهودي اليمني الجنسية. صادقك، أو صادقته. ربما أحبك. أما أنت فظني أنك أحببته. بدأت تساعده في عمله. هو من ضمن الفريق المكلف بصيانة السجن. اختارك لأنك موقوف إداري ولا قضية واضحة عليك. لا خطر منك عليهم. وصلت إلى هذه الدرجة من التقييم لديهم! لا مشاكل في السجن ولا خناقات. وعندما أضربتم عن الطعام كنت مع أولئك الذين صمدوا حتى اللحظة الأخيرة. سبعة أيام متواصلة. أما غيرك ممن هم في عمرك، فقد أنهوا إضرابهم بعد اليوم الثالث، وأحدهم لم يضرب مطلقاً عن الطعام. كان يعمل في مطعم السجن، ويقال، ولقد أصبح القول حقيقة فيما بعد، أن الاستخبارات الإسرائيلية جندته للعمل معها كعميل. لكن عليه أن يمكث في السجن فترة طويلة حتى يرتدي ثوب الوطنية. ولقد خرج من السجن حال انتهاء الإضراب. وبعد حين وعندما كان أمام طلابه، حيث أصبح مدرساً بعد خروجه من السجن، أعدمته قوات الثورة. أما السجين الآخر والذي أنهى إضرابه عن الطعام في اليوم الثالث أو الرابع، فقد خرج من السجن بعد ذلك بيومين. أنت فقط من بقي في السجن. أرسل لك مع أحدهم بأن لا تبتئس، فأنك ربما تخرج بعد أيام قليلة. وبعد أيام أوقفوني شهراً أخر. لم تبتئس. لقد اعتدت على ذلك، فأصبحت ضربات الزمن وغدر الحياة من سمات حياتك. استدعاك الشاويش بنحاس للعمل معه في الصباح. عند الظهيرة قال لك، يوسف لا تذهب إلى حجرتك. تناول الغداء مع رفاقك هنا في مطبخ السجن. ولقد فعلت. بعدها عرفت لماذا أراد هو ذلك. الصحن مملوء باللحمة والخضراوات. عبّر عن محبته لك بهذه الطريقة. ولقد كنت ممتاً له. وعندما طلبت منه بدلة سجن جديدة، حاول أن يوفرها لك، لكن الشاويش المسؤول عن ذلك رفض، وعرف بنجاس السبب، لكنه لم يقله لك. وفي صباح اليوم الثاني عرفت أنت أيضاً السبب حيث كنت في سيارة نقل المساجين في طريقك إلى سجنك الجديد، بيت ليد. أسم عبري لا تعرف معناه. وهناك، وبعد عدة أيام، ألقوك في سيارة ثانية في طريقك إلى سجن بئر السبع. عرفت يومها أنك سترحل، سيبعدونك إلى الأردن. اختلطت مشاعرك. سعادتك بمغادرة السجن تعادل سعادتك بالانسحاب من حياتهم. ستبدأ حياة جديدة. وأظهرت الأيام عكس ما ظننت، فأيامك الماضية معلقة بين عينيك وفي ثنايا عقلك. ها أنت ذا تتحرر.
دخلت حجرتك بإرادتك. كنت تجبر على ذلك. أنت حر. لم تغلق الباب. هل تنازلت عن قرارك بترك هذا المكان نظيفاً؟ هو كذلك وإن حدث ما تتمناه. لا قدرة لديك على كبح تلك الرغبة المجنونة، ومن لديه مثل تلك القدرة؟ أوتريد أن تعرف؟ حقاً. سحبت لفافة من علبة لفائفك. وضعتها بين شفتيك. أردت أن تشعلها. بحثت عن ولاعتك، لم تجدها. أين ذهبت تلك اللعينة؟ اختفت مع رغبتك التي كتمت أنفاسها بقوة. رغبة التدخين ألحت عليك. قاومتها. تغلبت عليك. أنت فاعل لا محالة. أيهما؟ أي منهما. لا زلت بملابسك كاملة. نظرت إلى الطاولة، كتبك مرتبة على غير العادة. من الذي قام بترتيب ما تركته مبعثراً؟ أنها هي. اللفافة بين شفتيك. لم تشعلها بعد، والولاعة تاهت بين أفكارك ورغبتك وكتبك المرتبة. خرجت تطلب ولاعة. وعند الباب كانت في طريقها إليك! هل هي حقاً في طريقها إليك؟ ربما كانت تريد الذهاب إلى المطبخ. لا بأس، إنها الآن أمامك.
- أم وسيم!
قلت بصوت خافت. خفت أن تتسرب رغبتك بين حروف الكلمات فينكشف سرك الذي تجهد كي تخفيه عنها. التفتت هي إليك. لم تتكلم. أوتراها هي أيضاً خائفة من أن تقفز رغبتها بين كلماتها إن هي تكلمت؟ سألت نفسك. ما أجملها! غلفتها رغبتك، واستمتعت هي بالغلاف. توقفت أمامها، وتوقفت حركتها. ظني أن عقلها يعمل بكل طاقته، ولكن في اتجاه واحد. أنت. استجوبتك عيناها! لا زالت تنظر إليك. تتلقى أوامرك.
_ أويوجد عندك علبة كبريت؟ لقد فقدت ولاعتي وأريد أن أشعل لفافتي.
فضحتك الرغبة. كل كلمة نطقتها كنت تحوي حرفاً مما تريده أنت منها حقيقة. تجرأت ووقفت أنت مقابلاً لها. عيناك في عينيها. أفكارك تغزو أفكارها. تسللت إليها. ربما هي من تسلل إليك. هي في طريقها إلى رغبتك. انتظرها. استحث خطاها. انتظر. انتظرت. في تلك اللحظة تقدمت فتاة صغيرة، ربما في الرابعة أو الخامسة من عمرها. نظرت إليها.
أحضرتها. امتدت يدها الدقيقة تقدم علبة الكبريت لي. تناولتها، لمست أصابع الفتاة الرقيقة. هي صورة من أمها. تذكرت أيامك الماضية. هل كنت نظيفاً كنظافة هذه الفتاة؟ صعب أن تجيب. امتدت رغبتك إلى السيدة. أشعلت لفافتك بيد مضطربة راجفة. كانت هي تنتظر. لم تتحرك. حتى أن عينيها توقفتا في محجريهما. استلقت عليك. مددت لها يدك ترجع علبة الكبريت ومع يدك تقدمت رغبتك. اصطدمت بها. تحركت داخلك. ارتجفت من وهج الأفكار الكاتمة لجسدي كله. أدخلت كماً من دخان اللفافة إلى رئتيك. تركته فترة يبدو أنها طالت، ثم نفثته ببطء في فضاء بلا حدود. ألقيت نظرة عليها. كانت تلحظك وأنت تطلق دخان لفافتك. كانت تراقب رغبتك وهي تتصاعد مع لهب اللفافة. قدمت لها لفافة ثم دعوتها للجلوس. اعتذرت عن الدعوتين. تأوهت رغبتك. كنت ترتكزين على كومة من الأوهام، ما كان عليك أن تفعلي ما فعلت. آن لك أن تندثري في ثناياي. قلت لها زاجراً وبحدة ظهرت على محياك، فقرأتها السيدة. لا تتسرع في اتخاذ القرار. ما زال هناك متسع من الوقت لأحقق ما أريد. قالت بصوت خافت. نظرت إليها لائماُ وساخراً. اهتزت مشاعرك بشدة. ارتجفت اللفافة بين إصبعيك بفعل ارتعاش يدك. وعندما انعدمت السبل أمامك، تشبثت قدماك بموقعهما. أن لا تتخذ قراراً هو القرار بعينه. لا زلت تحت مجهر السيدة. تراقبك، ولكنك لا تراقبها، ولو فعلت لشعرت بالحيرة التي كانت تحيط بها وهي أضعاف حيرتك لو تعرف. ولو فعلت لاستكانت أفكارك وهدأت مشاعرك. كل هذا الحشد الهائل من الأفكار والرغبة المجنونة والشبق المتصاعد من عينيك يتمدد بينك وبينها.
- انتظرني، فسأصنع فنجاناً من القهوة نشربه معاً وأدخن لفافة.
كان رد فعل رغبتي المجنونة سريعاً. ألم أقل لك انتظر؟ لا تتسرع في اتخاذ قراراتك. قالت بنبرة منتصرة. ها هي قد أمدتك ببصيص من الأمل كاد أن يتلاشى بفعل قراراتك المتسرعة. عندما تحطمت الرغبة، أحيتها هي. رغبتها ربما انبثقت من بين شفتيها. انتظرني، وأنا يا سيدتي أمضيت العمر كله في الانتظار. انتظر ما لا ينتظر. أو انتظر ما لا يأتي. عندما عادت دورة دمي إلى حالتها الطبيعية، بدأت أحس بما يدور حولي. تحسست قدميّ. عادا كما كانا. سحبتهما ودخلت حجرتي. وقفت أمام طاولتي ولفافتي بين شفتيّ. نظرت إلى لا شيء. نقلت اللفافة من شفتيّ إلى أصابعي. بحثت عن صحن اللفائف لألقي رماد لفافتي فيه. لفت انتباهي مشبك شعر ملقى وسط الطاولة لم أره من قبل، وأنا الذي يقرأ الأفكار وهي تتطاير في الهواء. وضعت اللفافة بين شفتيّ والتقطت الملقط. تأملته، انبعثت منه رائحة جذابة. اقترب من فتحتيّ أنفي، فاندلقت الرائحة إلى كل أجزاء جسدي. تحركت تلك الرغبة المجنونة بعنف. تمددت بين مكونات دمي. تركت لها العنان لتصرخ كيفما أرادت. رغبتها هي أيضاً عانقت رغبتي، اتحدتا، وحدة ظننت أن لا انفاك منها.
يوم أعلنت الوحدة ظننا أنها وحدة لا انفكاك منها. ستعملان ككماشة لإنقاذ ما سرقوه. تصاعدت الآمال وعانقت أرواحنا التائهة في ضياع تكاثف حتى لم نعد نرى إلا ما هو بين أقدامنا غيوماً صعب الوصول إليها. وعندما زار دمشق حملوا سيارته وحملناه نحن بأرواحنا. أخذنا ننتظر وطال هذا الانتظار. أعطوه فرصة حتى يعد العدة، قال أحدهم. ورسم الأستاذ مراد صورته معانقة صورة صلاح الدين. ذاك اليوم المشهود قادم لا محالة وقطعاً سنشهد يرموكاً آخر. وها أنذا أشاهد يرموكاً آخر، ولكن هذه المرة يرموك الضياع. تائه بين أزقته تتلوى الرغبة داخلي وتتمدد. أجهد نفسي كي أكتم أنفاسها وأفشل فشلاً يضاهي فشلهم جميعاً.
- تباً لأفكارك الحمقاء. تستعد أنت لتعوم في المياه الدافئة، فتدفع بأفكارك بعيداً إلى زمن مضى.
قال بحدة صاخبة. اختزلني من ذاتي. كمن سكب ماءاً بارداً على وجهه في ليلة باردة. انتشلني من ذاكرتي الخرقاء. ما العلاقة بين الوحدة وما أنا مقدم عليه؟
- سامحني طافت بي الذكرى. قلت معتذراً.
- زمن مضى وانقضى.
- هذا صحيح، لكن تقطع الأوصال مزق حلمنا.
- ومتى كان هذا الحلم براقاً؟
- أيام اندفاع الأفكار الرائعة، أيامه.
- لقد مات.
- أعرف ذلك. ومن حقي أن أتذكر أيام العز تلك.
- ليس في هذا الوقت.
نظرت إليه، تجسد أمامي. لماذا تلاحقني كظلي؟ سألت نفسي ولم أجرؤ أن أسأله. لا سلطة لي عليه. يفاجئني عندما أنسى واقعي وأتوه بين ثنايا الذاكرة. تجاهلته، وذهب هو. سأرتب لك ما تود حدوثه، قال، ثم انصرف. طرقت كلماته أذنيّ، ولم يترك لي وقتاً كي أستوضحه. تجردت من ملابسي، ثم تذكرت أن السيدة قادمة فارتديت بيجامتي، وأخذت انتظر جالساً على الكرسي المجاور لطاولتي. فتحت رواية اللؤلؤة. كنت قد قرأت عدة صفحات. كينو، الشخصية الرئيسية في الرواية، ذاك الصياد الحائر في تقادير الحياة، يصطاد لؤلؤة. ذهب إلى زوجته. وفي هذه اللحظة تذكرت ما استولى على أفكاري شهوراً طويلةً. تذكرت ذلك المشهد الذي قتل فيه جون كنيدي في دالس وهو في سيارته المكشوفة وبجانبه زوجته جاكلين. عندما اخترقت الرصاصة رأسه سقط بين ذراعيّ زوجته. كيف كانت حالتها في تلك اللحظة؟ كيف لزوجة أن تحتضن زوجها ورأسه مخترقة برصاصة غادرة؟ أسئلة مكثت شهوراً تؤرقني. ومحمود النجار أيضاً تلقى تلك الرصاصة، لكنها طائشة وغادرة. لم تتلقفه زوجته بين ذراعيها كما فعلت جاكلين. بين ذراعيها!
دخلت!
في أبهى زينتها. تتطاير القهوة من الفناجين لتحملق في هذا الجمال الذي يحملها. تقافزت عيناي تطوفان جسدها كله! يا لهذا الجمال الأخاذ الذي تجسد في هذه السيدة الثلاثينية! مكثت لحظات ملقياً نظراتي عليها. اهتزت فناجين القهوة بين يديها. قدمت لها الكرسي الآخر لتجلس عليه. واجهتني. قدمت لي فنجان القهوة، وفي اللحظة التي لامسته، لامست يدي أصابعها الدقيقة. مسني تيار كهربائي ذو قوة عالية زاد من ارتعاش يدي المرتعشة أصلاً. ازداد تسارع نبضات قلبي، فانسكب بعض من القهوة على الطاولة. تقافز دمها إلى وجهها، فأصبح برتقالة طال انتظارها على الشجرة المورقة تحت الشمس المحرقة فازداد احمرارها. إنها تنتظر من يقطفها، وأنا من سيفعل. قدمت لها لفافة فوضعتها بين شفتيها. اقتربت منها لأشعلها لها. أسكرتني رائحة عطرها. تمايلت شعلة عود الثقاب بين أصابعي. تمايلت رغبتي، رقصت طرباً. إنها تقترب من لحظتها. استقبلت دفقات الدخان المتصاعد من بين شفتيها باستمتاع. اقتربت منها. لاصق جسدي جسدها. تحسستها بعينيّ، بكفيّ، بمشاعري، وبأحاسيسي.
نجحت في خمس من أصل ثمان مواد، وكان عليّ أن أعيد السنة الدراسية. إنه إنجاز قال ابن خالي الذي يمدني بالنقود. لا تبتئس قالت أختي في ليبيا. الفترة التي قضيتها في الجامعة لا تقارن بمدى ما أنجزته، قال زوج أختي. ولكني أنا لم أقتنع. كان عليّ أن أنجح في جميع المواد. تلك اللغة الفرنسية اللعينة التي لم أستطع أن أتقن قواعدها كانت من ضمن المواد التي رسبت فيها. وكذلك مسرحية الأستاذ الفلسطيني الذي قال ذات مرة أن ورقة إجابتك كوعاء العسل، إذا تذوقت أوله عرفت فيما إذا كان العسل حلو المذاق أم لا. ربما لم يقرأ سوى السطور الأولى من ورقة إجابتي. كانت المرارة تشتعل داخلي وتتقافز من بين شفتي، لا بل من بين عينيّ.
مساء شتوي بارد. تهب نسماته الرقيقة فتطوف بروحك وتحلق بها بعيداً. هي بجانبي تلامست يدانا فحلقنا معاً. تسللت تلك النسمات الخفيفة إلى حجرتي. حملتني معها إلى السرير. ازداد اتساع رئتيّ، فأنا من المدخنين الشرهين ومع دفقات النسمات الباردة انزوت الحويصلات المملوءة بالهواء الفاسد. أفسحت مكاناً لذلك الهواء النقي كي يتربع على عرش أنفاسي. لامسته فاشتعلت روحي. ناعم الملمس يتنفس ببطء من وهج النشوى. إنها النسمات الشتوية الباردة. اقتربت منه أكثر. واجهني. يختبئ بدلال بين الأغصان الجرداء. ألا تعلم؟ أنه الشتاء والسيقان عارية ناعمة. حدثته. ابتسم لي. دعاني للدخول. لم أتردد فأنا الذي أسقط أسمه من بطاقات الدعوة، ها هو ذا يدعوني.
فلنذهب إلى حلب. هو أيضاً دعاني. ابن خالي الذي حضر من الجزائر. أنا لا أملك ما يكفي من النقود لأقوم بتلك الرحلة. ومن طلب منك ذلك؟ وتلك القروش الخمسة التي أعطيتني إياها يوم هربت من بطش ذيب وذيبه بعد أن صفعتها تلك الصفعة القوية التي وضعت بها كل عذاب السنين وألم الأيام، إلا تريد أن تستردها؟ الآن أيضاً ستقوم بدفع تكاليف رحلتي إلى حلب. لكنك موظف في الجزائر وأنا لا زلت طالباً. ليكن. قلت. ركبنا الأتوبيس في طريقنا إلى حلب. أراد أن يزرع شجرة في سوريا. قال لي. سيدفع ثمن ما سيسكبه في الأرض لزرع تلك الشجرة. أما أنا الذي دعي إلى ملامسة البقعة الملساء من الأرض المزهرة، لم يكن في نيتي دفع ثمن زرع شجرة أعرف أنها ستكون نبتة فاسدة. وهناك دخل هو وأفرغت أنا ما في معدتي من قذارة المكان. لم أستطع حتى النظر إلى تلك البقع الخربة التي فسدت من كثرة العيدان التي انغرست فيها. خرجت.
نظرت إليها. لم تتحدث، وأنا لم أفعل. تابعنا ارتشاف القهوة ونفث دخان لفائفنا في الفضاء. تحدثت عيناها. استلمت رسالتها، لم أتردد في الاستجابة. استلقت فوق النسمات الندية التي كانت تدخل من باب الحجرة. لقد تركنا الباب نصف مفتوح. كان الوقت ليلاً أو اقترب قليلاً من ذلك. تاهت أحاسيسي فلم أحس بالوقت. صعدت فوق النسمات. استجابت لي، تهادت جفونها فوق جفونها. ومع ذلك ما زلت أرى نظراتها تتسرب من بين الجفون المستلقية فوق بعضها بدلال. تحدثت أنفاسها الحارة. طرت فوقها. أمسكت بي. طرت محلقاً في علياء عالية حتى لا تلمسني تلك الأيام التي كنت فيها ظمآن أبحث عن بعض من الماء فلا أجده. يومها نقرت باب بيتهم، أردت أن أطلب بعضاً من الماء وفي الحقيقة كنت أطلب اللجوء إلى تلك البقعة الدافئة التي دونها الجرأة والإقدام. جبنت في اللحظات الأخيرة وانسحبت. وانسحبوا هم إلى خط الدفاع الثاني في محاولة لجر الجيش الإسرائيلي إلى وسط سيناء للقضاء عليه كما قال عز الدين. ولماذا وسط سيناء؟ هذه خطط القادة، قال. ومن يفهم مثل أولئك القادة؟ خط الدفاع الثاني أقرب إلى المدينة من الخط الأول. ثم وصلنا قناة السويس.
تخلصت من ملابسي وبدأت أسبح. رغم أنني لست بالسباح الماهر، إلا أنني سبحت كما لم أسبح في حياتي. ولقد سبحت ذات مرة في يوم مشهود. أربعاء أيوب. الجميع يذهبون إلى البحر ويلقون بأمنياتهم في الهواء آملين أن تتحقق، واعتقادهم أنها ستتحقق. ذهبت إلى البحر مع ابن خالي جهاد. في طريقنا إليه كانت أم كلثوم تشدو بأعذب لحن لعبد الوهاب. أنت عمري.
هات عينيك تسرح في دنيتهم عنيا....
ولقد استسلمت عيناها لعينيّ، وسبحت فيهما. ما أجمل السباحة في البحر الهادئ! ولقد كان بحري هادئاً. غصت فيه دون خوف من الغرق. سبحت وسبحت باستمتاع لا يضاهيه استمتاع.
يا أغلى من أيامي...
ولقد كانت أغلى من الأيام، أو الأيام كانت بلا ثمن. أرهقتني السباحة. أمضيت وقتاً لم أحتسبه من أيام حياتي سابحاً في بحر هادئ وهائج في آن. كانت موجاته تهمس لي برفق أن تابع سباحتك، فأنت سباح ماهر، مبتدئ، نعم، لكنك ماهر. انزلقت موجاتها الناعمة فكانت تدفع جسدي بيسر وسهولة إلى أعلى. كنت أستجيب للمساتها فأغرد مع الموجات. يا أحلى من أحلامي. لم تكن أحلامي مطلقاً بهذه الروعة. روعة الواقع الذي أسبح فيه. أوتراه حلماً؟ هو كذلك، حلم للحقيقة أقرب, أو هو حقيقة للحلم أقرب.
سبحت روحي مع شدو أم كلثوم. غبت عن واقعي. تناسيت ذيب وذيبه. يومها أعطاني ذيب قرشاً لأعود به إلى المخيم من البحر، واستقل هو وأولاده وذيبه سيارة تاكسي إلى البحر. أنا الزائد على الحمولة. قرش يكفي لأن أعود. مشينا، جهاد وأنا تدفعنا نسمات الربيع الرائعة. وصلنا البحر. كل أهل جباليا وبيت لاهيا تجمعوا هناك يقذفون بأمنياتهم. أدفع يا بحر، أدفع صبي، قالت إحداهن وأملها أن تتحقق رغبتها وتلد صبياً. وأخرى تتمنى زوجاً. وأنا كنت أتمنى أن أتخلص مما أنا فيه. أن أتحرر من قيودي. دعوت أن تتحقق أمنيتي، ولقد تحققت ولو بعد حين.
انزلقت من على النسمة بهدوء. تركت جسدها ملاصقاً لجسدي. تحسستها. ارتعشت. لا زالت راغبة في الذوبان مع النسمات الهائجة. هل أصبحت كذلك؟ هائجة، ناعسة، ثائرة، ناعمة، فاعلة، خارقة لتخترق ما يواجهها من حواجز. تدافعت النسمات المنعشة عبر باب الحجرة نصف المفتوح. لماذا تركناه كذلك؟ لنسمع ما يحدث في الخارج، حتى لا نفاجأ بالأحداث. وهم كانوا على أعلى درجة من الاستعداد حتى لا يفاجئهم العدو. ولقد فاجأهم. قال الرجل انتظرناهم من الشرق فأتونا من الغرب، أما نحن فكانت حواسنا كلها تطوف المكان حتى لا نفاجأ، ولم نفاجأ.
سبحنا في بحر جباليا الهادئ. تذوب نفسك بين المياه التي هي لا مياه. دافئة، باردة، هادئة، ملبيه. سبحنا، وكانت ملابسنا ملقاة على الشاطئ ترقد بأمان. حاولنا أن نقترب من بعض النساء السابحات معنا، نهرنا أحدهم أن ابتعدوا فابتعدنا. لكنا لم نخرج من البحر. كان يدعونا بإصرار أن نبقى ولم نخذله، مكثنا ساعة أو أكثر نحتضن أمواجه ويحتضننا هو.
صالحت بك أيامي، سامحت بك الزمن...
ولقد كانت النسمة الهادئة التي استلقيت فوقها هي طريقي إلى المصالحة مع زمني الذي لا زمن له. تركت عذاب الأيام ورائي وأخذت استمتع بلحظتي. نسيت الألم والجوع والعطش. استلقيت فوق نسمة رقيقة أتحسس أشهى الأطعمة وأجمل الأشياء. تركت جشعي كله يندلق فوق تلك النسمة، ولم يكن جشعاً، بل كانت رغبة هادرة تركت لها العنان لأن تصرخ وتصرخ وتصرخ وأنا أستجيب لها وتفتنني النسمة باستجابة رقيقة، بل بدعوة لأن أترك جشعي كله يندلق فوقها. هو الكرم الذي كان قد تأصل فيك بفعل معاناتك. كانت تقول. أعجبتني الفكرة، فتركت كرمي كله بين أنفاسها الحارة. دخنت لفافة وفعلت هي. لا زلنا فوق تلك النسمة الرائعة نحلم بالأشياء ونحلم بلا أشياء. نفثنا دخان لفائفنا بعيداً فوق النسمة، وفي لحظة همست لي أن نتابع تحليقنا خلفها. أخذنا نحلق معاً. تدفعني همساتها وأمواجها الرقيقة التي تحتضن اندفاعاتي فتهدأ لكنها تتابع غوصها إلى أعمق الأعماق. كنت أريد أن أصل هناك، وهي راغبة في ذلك. تتألم فيشجعني ألمها على الاندفاع. تدفع بموجها فيرتفع جسدي للحظات ثم يغوص مرة أخرى في النسمة.
رجعوني عنيك لأيامي...
رجعنا من البحر. بحثنا عن شاحنة تأخذنا إلى مخيم جباليا. وجدنا واحدة مكتظة بالرجال والنساء. تسللنا داخلها. اندفعت بجسدي، فأصبحت وسط الشاحنة. تلاصقت وبدوية في بداية إحساسها بالحياة. احتضنتني هي، أصبحت بين ساقيها. ضمتني إليها واستجبت أنا. استسلمت. دفعت بيدي إلى وردتها فتفتحت. لامستها، استنشقت عبيرها. تمايلت كفرع شجرة هزته نسمة ساحرة، اهتززت معها. لم أدفع القرش الذي أعطاني إياه ذيب، حيث أنني كنت مختبئاً وسط الأغصان الكثيفة. وصلنا البيت وكان هو وعائلته قد وصلوا قبلي. مددت له بالقرش قائلاً أنني لم أدفعه لصاحب الشاحنة. أخذه مني قائلاً أما كان بإمكانك أن تخفيه؟ وماذا لو تنازلت أنت عنه؟ لم أجرؤ على سؤاله. نمت ليلتي أحلم بذلك الفرع الندي الذي تمايل بفعل ملامستي له.
انتصف الليل، أو زاد قليلاً. كانت قواي لا زالت متماسكة. رغبت في التحليق مرة أخرى. فعلت، وحلقت هي هائمة بين غيوم أسقطت مطرها وآن لها أن تتوارى. توارينا نحن بينها. دخنا لفافة أخرى. لامستها. لامستني. لم يبق إلا قليل من الساعات وينسحق هذا الظلام الشهي. غادرتني. أقفلت الباب. استلقيت على سريري. نمت. نمت بعمق كأنني لم أنم من قبل.
في الصباح ذهبت إلى المدرسة. شدهني أن نقف دقيقة حداد ترحماً على روح طالب في فصلي الدراسي. لقد مات غريقاً ليلة أمس. عبد المعطي الهنداوي غرق. غرقت القيم وتمزقت الأحاسيس. دقيقة حداد على روحه. ومما زاد في لوعتي وحزني عليه أنني قابلته ليلة أمس وقدم لي زجاجة كوكاكولا. أخرج خنجره متباهياً به أمامي. لا تستعمله يا عبد المعطي، أنه قاتل. قلت له. ولم يستعمله أو لم يكن في مقدوره أن يستعمله أمام عدو غادر، أمام البحر. مات غريقاً دون أن يستعمل سلاحه للدفاع به عن نفسه.
وتم وقف إطلاق النار، وانسحبنا إلى خط الدفاع العاشر، إلى قناة السويس، وضاعت الضفة الغربية ومعها القدس والجولان وسيناء. نحن الآن نعد العدة لاسترجاع ما فقدناه. وخنجر عبد المعطي بقي في مكانه ولم يستعمله. غرق في البحر ولم يستعمله. ربما غرق خنجره معه، وبقينا نعاني في انتظار ما سيطول انتظاره...
لقد فقدت شيئاً ما. صحوت متأخرا. أخذت حماماً دافئاً ، ثم لبست ملابسي. كان طعام إفطاري جاهزاً. دخنت لفافة مع فنجان من القهوة ثم غادرت البيت في طريقي إلى لا مكان...