الفصل الأول

4 0 00

الفصل الأول

البحث الأخير

كانت السماء في تلك الليلة المظلمة التي غاب فيها القمر وأذن للنجوم أن تحل محله .. أشبه بثوب مخملي مزين بقطع من الماس المتلألئ ... وكأنما كانت تريد أن ترسل إلى الأرض بعضاً من تلك الماسات فقد أمطرت مطراً خفيفاً ...

وبالرغم من ذلك الظلام والبرودة والمطر ... والوقت المتأخر من الليل .. كل تلك العوامل كانت تحبذ كل فرد أن يأوي إلى فراشه متدثراً بالأغطية الكثيفة ...

إلا أن الدكتور "علام" كان على النقيض مستمتعاً بذلك الجو أيما استمتاع .. كانت الطرقات التي يصنعها ارتطام قطرات الماء بزجاج النافذة أشبه لديه بسيمفونية جميلة تطربه وتمتعه ...

وفي ذلك الجو الرائع بالنسبة إليه كان يجد في كتابة الصفحات الأخيرة من البحث الذي يعكف عليه منذ مدة ... والذي سوف ينشر في القريب العاجل عبر إحدى المجلات العلمية المتخصصة ...

فالدكتور "علام" بالرغم من تخصصه في مجال أمراض النساء والتوليد وبالرغم من عيادته الممتلئة دوماً ... إلا أنه لم يهمل في يوم ما تلك الأبحاث الهامة التي يقوم بها ... والتي رفعت من شأنه عبر الوطن العربي أجمع وكادت أن ترتفع به إلى درجة العالمية ...

وبعد قليل ألقى د. علام قلمه جانباً وجفف عرقاً وهمياً واستلقى بظهره على كرسيه وتنهد بعمق وقال .. ((هاقد أتممت بحثك يا علام .. وبذلك تنتهي من رحلة الخمس شهور الماضية .. وندعو الله عز وجل أن يكلل بالنجاح كسابقيه)).

وقام من مكانه بعد أن جمع أوراقه ووضعها داخل غلاف خاص بها ووضعها داخل حقيبته واستعد للخروج حاملاً تلك الحقيبة ... وخارج الغرفة وجد "أم حسين" ... تلك الممرضة العتيقة التي تعمل في عيادته منذ أن كان طبيباً شاباً ...

إنه لا ينسى أبداً كيف كانت بدايتها معه ... كانت مثقلة بحملها وشاردة بعد تهدم المسكن الذي كان يؤويها .. وزوجها وافته المنية منذ أشهر .. وصادفته عند ذهابه إلى عيادته ... كانت ترتكن بجلستها إلى أحد الجدران وتبكي بحرقة لا مثيل لها .. أثاره مشهدها بقوة فتوجه إليها وسألها عما بها .. فإذا بها تشكو من الجوع والبرد لأيام متصلة .. فرق قلبه لها واصطحبها إلى عيادته وأحضر لها وجبة دسمة تناولتها في شراهة ... وطلب منها أن تنتظر في عيادته حتى ينتهي من أعماله ... فإذا بها تساعد ممرضته آنذاك في أعمال كثيرة .. فعرض عليها العمل لديه وجعل لها حجرة لتقيم بها بصفة دائمة ... ومن يومها وهي تحمل بين جنباتها الإخلاص له والطاعة العمياء لكل ما يأمر به .

وشاء القدر أن يجعلها وحيدة أبداً ... فأصيبت بتسمم الحمل واضطر د. علام أن ينهي ذلك الحمل إنقاذاً لحياتها ... وها هي منذ اثنى عشر عاماً لا تعرف سوى د. علام ولا تبصر سوى عيادته ...

ألقى عليها السلام .. وسألها عما إذا كانت ترغب في أي شيء ... وانصرف تصحبه دعواتها الغزيرة ...

*********

كانت الشمس زاهية والجو دافئ ... والكل ينطلق في نشاط واستمتاع بهذا الجو الممتع .. في تلك القرية المتاخمة لمدينة الأقصر بصعيد مصر .. ومن بعيد الزحام كان يشق طريقه وهو يحمل بكلتا يديه ما يحتاجه المنزل من مأكولات وأمتعة ...

إنه الأستاذ "يحيى عزام" مدرس اللغة العربية بالمدرسة الإعدادية بالقرية .. ذلك الرجل الذي يمتلئ إيماناً وحماساً ... إيماناً بالله وتعاليمه .. وحماساً لعمل الخير وكل ما هو نافع لبلده وخطيب المسجد الكبير بالقرية .. وقد تكون خطبة بهذا المسجد هي المؤشر البسيط الذي يبين ويكشف مدى حب الناس وتعلقهم به .. ففي كل خطبة يلقيها يكون المسجد ممتلئاً لآخره من اللحظة الأولى على العكس مع المساجد الأخرى .

وصل إلى بيته .. فطرق بابه بمؤخرة يده التي يحمل بها إحدى الحقائب ففتحت له زوجته "أسماء" الباب .. فرحبت به وحملت عنه بعضاً من أحماله .. وتوجها سوياً إلى المطبخ وهو يقول لها (كيف حالك يا أسماء ؟ .. وكيف حال حملك ؟ )

ردت عليه قائلة .. (الحمد لله .. أنا بخير .. ) وخيمت على وجهها سحابة حزن وهي تقول .. (أما حملي .. فكأني أريده لا ينتهي .... فالإحساس بأنه الحمل الأخير يجعلني أتمسك به ..) .

ربت يحيى على كتفها وقال .. (إنه قدر الله عز وجل يا أسماء .. ويجب أن نؤمن به .. وندعوه سبحانه أن يبارك لنا في ابنتنا "أماني" وهذا الجنين المقبل ويجعلهما ذرية طيبة صالحة إن شاء الله ..) .

هزت رأسها وقالت .. (إن شاء الله ..) وسرحت بذاكرتها إلى عامين مضيا .. وأخذت تتذكر حينما رزقها الله بابنتها أماني ... كان حمل أماني حملاً طبيعياً لم تشك فيه أبداً .. حتى أنها لم تفكر في متابعة هذا الحمل مع طبيب .. وكذلك كانت ولادتها ولادة يسيرة سهلة مع الداية "أم محمد" ... وها هي ابنتهما كل يوم يظهر عليها علامات الذكاء والنبوغ ... وحينما أتى الحمل الثاني الذي هي مثقلة به الآن .. مرضت في أوله مرضاً شديداً اضطرت أن تذهب إلى المستشفى بسببه ... وهناك ومن ضمن التحاليل الدورية التي أجروها لها ولحملها ... وجدوا أنها حالة خاصة من الحالات الطبية التي قل أن توجد ... فهي يوجد بدمها عامل "ريسيس" الفصيلة السالبة التي يطلق عليها "RH-ve" وزوجها يحمل الفصيلة الموجبة ... كان من الممكن ألا يسبب ذلك مشكلة لو تم اكتشافه أثناء الحمل الأول .. حيث يوجد عقار يتم إعطاؤه أثناء فترة الولادة يمنع مضاعفات تلك الفصيلة .. أما ولأنه لم يتم ذلك فقد تكونت أجسام مضادة بدمها ولم يعد من الممكن التخلص منها ... تلك الأجسام المضادة التي سوف تؤذي الحمل الثاني الذي إن مر سليماً ... فحتماً سيكون آخر حمل لأنه لا يوجد أمل في أن يكون الحمل الثالث سليماً ... أو يولد حياً ....

تنهدت أسماء في قوة وهي تتذكر ذلك ... وقالت (الحمد لله) .

*******

(حسناً يا عماد ... حدد لنا موعداً مع ذلك المندوب ... وسوف نتعاقد معه ... وبكل الشروط التي يطلبها ..)

نطق “شاهين الدمنهوري” بهذه العبارة مختتماً بها مكالمته .. وما أن وضع سماعة الهاتف .. حتى ارتكن بظهره على كرسيه الذي غاص به وارتسمت على وجهه ابتسامة ظفر ونصر ...

فها هي إحدى الخطوات الجديدة التي سوف ترتفع به وبمؤسسته الاقتصادية ... تلك المؤسسة التي أسسها مع طديقه "عمر" ... وبذلا سوياً من الجهد ما يفوق الخيال حتى صعدا بها إلى آفاق السماء ... وبعدها ... كفى أنهما افترقا .. قد يسمي البعض ما فعله بعمر غدراً ... ولكنه يعده نصراً ... لقد حاز المؤسسة وحده وتوج ملكاً عليها دون سواه ... بغض النظر عن بعض صفقاته المشبوهة إلا أنه حقاً ناجح في عمله ولا يضاهيه فيه مخلوق ...

وبسبب هذا التفرد والتفوق ها هو كل يوم يحوز مجداً جديداً وسيأتي من بعده ابنه الذي يرث اسمه ويرث هذا المجد مخلداً معه ذكر أبيه ...

وما إن وصل بفكره إلى هذه النقطة ... حتى نطق قائلاً (ولدي ... كم أشتاق لليوم الذي ستأتي فيه ...) .... ومد يده رافعاً سماعة الهاتف متصلاً بالمنزل .. فرد عليه أحد الخدم فلما سأله عن زوجته “سها” ... أخبره الخادم بأنها قد ذهبت إلى حفل راقص مع إحدى صديقاتها ... فعقد شاهين حاجبيه وقال .. (ماذا ؟! .. حفل راقص !! .. وفي هذا الوقت !!! ) .

وما إن أتم عبارته حتى أخبره الخادم أنها قد أتت .. فطلبها شاهين وعندما بدأ في محادثتها قال لها في حدة .. (ماذا دهاك يا سها ؟ .. ما هذا الحفل الراقص الذي تذهبين إليه وأنت مثقلة بجنيننا ؟! ... ألا تخافين عليه ؟!! ...) .

قالت سها في دلال شديد ... (ما هذا يا شاهين ؟! .. إنني أرفض أن تقيد حريتي ولو كان بسبب وليد لنا ... أبسبب حملي أمتنع عن كل متع الدنيا ؟ ) ...

قال شاهين في تودد ورجاء .. (لا يا عزيزتي ... لا أقصد هذا مطلقاً ... إنما أقول لك افعلي ما يروقك ... ولكن تجنبي كل ما فيه عنف كالرقص والجري وما شابه ... حتى لا تضري بالجنين الذي أنتظره بفارغ الصبر .. ) . قالت في دلال أشد ... (إذن ... أخبرني كيف أقضي وقتي ؟ ) .

رد عليها قائلاً .. (حسناً .. ما رأيك سأمر عليك الآن ونكمل السهرة في أي مكان يحلو لك ) .

قالت (حسناً ... ولكن أسرع قبل أن ينفذ صبري) .

قال لها .. (سأصل إليك أسرع من الريح يا حبيبتي ) .. وما إن وضع سماعته .. حتى تناول معطفه وانطلق مسرعاً ملبياً نداء زوجته المدللة .

*******

كان د. علام منطلقاً بسيارته والبهجة تطوق أنفاسه والشعور بالنشوة يملأ كيانه .. فها هي شهادة جديدة تشهد له بالتفوق والعلو .. فقد هز بحثه الجديد الأوساط العلمية المتخصصة .. والكل شهد له بالعبقرية ..

سرح ببصره عبر نافذة سيارته وأخذ يتطلع إلى المناظر الطبيعية بلذة واستمتاع .

منذ ساعتين وهو يجول بسيارته سابحاً في نشوته ... منذ أن خرج من قاعة المؤتمرات التي شهدت الإعلان عن بحثه الجديد .. وهو لا يرغب في مجالسة أو محادثة مخلوق ... فكعادته دائماً يفضل الخلوة مع نفسه والطبيعة .. فهذه اللحظات هي التي يتوق إليها مع كل بحث .. أخذ يحدث نفسه قائلاً .. (ها قد نجح بحثك الرابع والعشرون يا علام ... فهنيئاً لك .. ولكن يجب عليك أن تتم ربع المائة في أقرب وقت ممكن ..

ولكن ...

ترى ماذا سيكون موضوع البحث القادم ؟؟! ......

إن سر نجاحك أنك دائماً تطرق أبوباً لا تأتي على خاطر غيرك لذا ... وجب عليك أن تأتي بفكرة جديدة لم ترد على عقل سواك من قبل ... فترى ما هي ؟! .

إن البحث عن الفكرة هي أشق ما في الأمر ....

ولكن حتماً ستأتيني ... وها أنا أبحث عنها ... )

********

كان يحيى يغط في نومه في حين كانت زوجته أسماء جالسة وممسكة بطنها ولا تستطيع أن تكتم أنينها ... كانت آلام شديدة تهاجمها وتقلق مضجعها .. ولم تكن ترغب أن تقلق يحيى ولكن شدة الألم أجبرتها إيقاظه .. فقام قلقاً وعندما علم ما بها ارتدى ملابسه على الفور ... وبالرغم من الساعة المتأخرة من الليل .. إلا أنه اصطحبها مسرعاً بها إلى المستشفى المتواضع المتواضع المتواجد بالقرية وهناك وجد الطبيب المقيم نائماً فلم يتردد في إيقاظه فقام يفرك عينيه .. وعندما علم بالحالة ... أسرع وأحضر أمبولين وأعطاهما لها على التوالي ... وأصر أن تبقى بالمستشفى هذه الليلة ... وبعد قليل كانت أسماء قد ذهبت في سبات عميق ... فتوجه الطبيب بيحيى إلى جانب خاص وأخذ يحدثه قائلاً .. (لا أنكرك القول يا أستاذ يحيى .. لقد كان هذا الحمل مهدداً بالفقد .. فيبدو أن زوجتك في حالة قلق مستمر ومتزايد ... وبسبب هذا القلق هاجمتها آلام الوضع مبكراً .. وبالطبع الجنين لم يكتمل نموه الآن ... وبالتالي لو لم تكن أسرعت بإحضارها لتم ميلاد ما في بطنها .... وبالطبع لم يكن ليعيش بسبب عدم اكتمال نموه ...

أما الآن ... فالحمد لله ... فقد حقنتها بأمبولين ... أحدهما يوقف انقباضات الرحم التي بدأت ... والآخر مهدئاً .. وها أنا معها الليلة لأتابع أي تطورات قد تحدث ولكن لي نصيحة غالية لك ...)

كان القلق لم يفارق يحيى بعد وهو يقول .. (ما هي ؟؟ ..)

رد عليه قائلاً .. (خطبك الرائعة التي تروي بها عطش نفوسنا وأسلوبك الجميل الذي تداوي به قلق صدورنا ... أرجو أن يكون لذلك أثر مع زوجتك .. لأن القلق الذي ينتابها يعتبر الخطر الوحيد الذي يهدد حملها ...)

تمتم يحيى قائلاً .. (إن شاء الله) .

أكمل الطبيب حديثه قائلاً .. (كما أطلب منك طلباً آخر ألا وهو أن يتم ميلاد هذا الطفل بالقاهرة ... )

رفع يحيى رأسه في دهشة قائلاً ... (ماذا ؟!!! ) .

قال الطبيب موضحاً .. (هذا الطفل بالوضع الذي هو فيه نطلق عليه اسم "طفل غالي" وله ظروف خاصة يجب أن تراعى في متابعته وعند ولادته .. وأقصى عناية من الممكن أن تلقاها تتواجد هناك بالقاهرة ) .

تمتم يحيى قائلاً .. (أشكرك كثيراً جداً )

*******

(هيا يا سها .. لقد تأخرنا عن موعد الطبيب)

هتف شاهين بهذه العبارة في ضيق منادياً بها زوجته للمرة العاشرة ... فإذا بها هابطة على السلم وهي تلوح بيدها قائلة في تمرد .. (ماذا دهاك ؟ .. هل أترك زينتي بلا اعتناء حتى نلحق بموعد الطبيب ؟!!)

قال في رجاء .. (لم أقل هذا يا حبيبتي ... وإنما قلقي عليك وعلى جنيننا هو الذي يدفعني إلى الانفعال) .

لوحت بيدها وهي تقول (حسناً .. هيا .. هيا) .

فتح لها باب السيارة حتى استقرت بمقعدها ودار حول السيارة واحتل مقعده وراء المقعد .. وانطلق ..

وارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يقول .. (هل تعلمين يا حبيبتي ... إنني أجد وأسعى للحفاظ على المملكة التي سيتوج عليها ابننا القادم هذا .. ) .

ارتسمت على وجهها أمارات الضيق وهي تقول .. (ولكن فلتعلم .. هذه هي المرة الأخيرة التي سأحمل فيها .. فأنا أرفض أي شيء يقيد حريتي مهما كان ... وكفاني هذا الجنين) .

ضحك شاهين وقال .. (كما تأمرين يا أميرتي .. المهم أن يأتينا سالماً وبعدها نرتب سوياً ما سيحدث فيما بعد) .

سألته قائلة .. (ما اسم الطبيب الذي نتابع الحمل معه ؟ .. لقد نسيته ) ..

أجابها قائلاً .. (إنه من أكبر أطباء أمراض النساء والتوليد بمصر .. إنه الدكتور علام .. ) .

*************

كانت الطائرة المقلعة من الأقصر إلى القاهرة تخترق السحاب في قوة وكأن هذه السحب خيوط واهية أو صورة هولوجرافية ليس لها كيان مادي ملموس ..

وبداخل الطائرة كانت أسماء ترتكن بظهرها إلى المقعد وبجوارها زوجها يحيى وبعد فترة من الصمت نطقت وقالت .. (لقد أنفقت الكثير يا يحيى) ....

ابتسم يحيى بود وقال ... (ليس لدي من هو أهم منك لأنفق عليه يا عزيزتي .. وها أنت تبصرين .. لا يوجد سبيل غير هذا .. فحالتك الصحية المترددة .. وهذا الحمل الذي نترقبه بلهف .. يحتمان علينا أن نقضي هذا الشهر بالقاهرة حتى يأذن الله بالميلاد وبسبب حملك لا يوجد أمان في السفر سوى بالطائرة .. إنه حمل واحد وأخير ويستحق ما يُنفق عليه) .

هزت أسماء رأسها وقالت بلكنة حزينة .. (نعم .. حمل أخير ..) .

ربت يحيى على يدها وقال .. (لا تقلقي يا حبيبتي .. سنتابع هذا الحمل طوال شهره الأخير مع أعظم أطباء أمراض النساء والتوليد في مصر ... وإن شاء الله سيأتي سالماً وصالحاً .. ) .

قالت أسماء في اهتمام .. (هل معك الورقة المدون بها اسم هذا الطبيب وعنوانه؟) مد يحيى يده في جيبه وأخرجها قارئاً ما بها قائلاً ..

(بالطبع يا عزيزتي ... إنه الدكتور علام ... ) .

*************

انطلقت صرخة ضعيفة متقطعة ثم لم تلبث أن أصبحت قوية مستمرة من فم ذلك المولود الذي أقبل بوجهه ثم بكامل جسده إلى الحياة الدنيا .. فقد أقبل من رحم أمه وجنته إلى تلك الدنيا بما فيها من فتن ومشاق .. كانت صرخته أشبه بصيحة اعتراض لانتزاعه من تلك الواحة التي كان يتنعم بها .. ولكن ... هي سنة الحياة

أعطى د. علام ذلك الوليد لأم حسين واهتم باستخراج المشيمة التي كانت تضمه وما زالت برحم أمه ...

وما إن تمت الولادة وبنجاح تام .. حتى التفت د. علام إلى أم حسين التي كانت تقوم بما يجب نحو الوليد الجديد من شفط للإفرازات التي تملأ فمه وأنفه وتغطيته بملابسه ... وإذا به يرى وجناتها مبللتان بالدموع ....

هنأ الأم بوليدها ... وطلب من أم حسين أن تتبعه .. التي ما إن ولجت مكتبه حتى قال لها .. (ما بالك يا أم حسين تنسال دموعك في كل مرة توليد أقوم بها؟!)

كانت هناك سحابة حزن تغيم على وجهها وما إن ألقى عليها د. علام سؤاله حتى انفجرت باكية .. مما أثار به الشفقة فقام وأخذ يربت على كتفها وهو يقول ..

(آسف يا أم حسين إن كنت قد أثرت بك أحزاناً أو قسوت عليك ..) .

قالت من بين دموعها .. (أنت لم تفعل شيئاً ... إنه أنا التي لا أستطيع نسيان وليدي الذي فقدته قبل أن يكتمل .. ) .

أصيب د. علام بدهشة وقال .. (يا إلهي .. أعند كل مرة توليد تتذكرينه وتبكين لأجله ؟!!! ) ... قالت .. (إنه ولدي يا دكتور علام .. فلذة كبدي .. نبض وجداني .. وحنين كياني .. لو خُيرت بين كنوز الدنيا كلها أو نفس واحد يتردد في صدره .. لاخترت الثانية .. بل إني على أتم الاستعداد لأن أعطيه كل عمري لأجل هذا النفس) ..

وقف د. علام مشدوهاً أمام هذا الحديث .. وارتبك قليلاً وداخله حزن ما وضيق جعله يقول .. (حسناً .. حسناً .. اطمئني يا أم حسين لن أجعلك تتذكرين ذلك بعد الآن سآتي بممرضة أخرى تساعدني في حالات التوليد ..) .

وقبل أن يسمع ردها ... ترك المكتب وخرج ...

************

(إن شاء الله .. سيكون يوم الولادة هو الثالث عشر من مارس) ...

نطق د. علام بهذه العبارة لشاهين وزوجته .. التي قالت .. (ولكني لا أريد أن أشعر بآلام الوضع .. فهل هناك مخدر يمنحني ذلك ؟ ) .

ضحك د. علام وقال .. (يوجد بالتأكيد ولكن ذلك ليس في مصلحة الجنين .. ولأننا نريدك في وعيك فاستجابتك للآلام تيسر الكثير وتحافظ على الجنين ..) .

قال شاهين .. (لا تستخدم هذا المخدر قط يا د. علام فأنا لا أريد أن أعرض ولدي لأية مخاطر ..) .

قالت سها في تحد .. (أتبحث عن ولدك وتتجاهلني أنا ؟! ) .

قال شاهين في تردد .. (أنا لم أقصد ذلك يا سها .. ولكني أريد ألا يحدث لك ألم ولا يتعرض ولدنا لمخاطر أيضاً .. فهل هذا ممكن يا د. علام ؟؟ ..) .. وقبل أن ينطق د. علام قالت سها .. (حسناً يا د. علام .. فلتجعل ولادتي بعملية قيصرية)

قال شاهين بفرحة .. (نعم .. هذا أفضل لنا جميعاً ..) .

هز د. علام رأسه في تعجب وقال في بساطة .. (كما تحبون .. ) .

*********

(هذه الولادة لابد وأن تتم بعملية قيصرية .. )

نطق د. علام بهذه العبارة ليحيى وزوجته أسماء ... فقال يحيى .. (ولماذا يا دكتور علام ؟) .

عاد د. علام بظهره إلى الوراء وأخذ يشرح قائلاً .. (أنت بنفسك قلت أن هذه هي الفرصة الأخيرة للإنجاب .. وبالتالي هذا الطفل نطلق عليه لقب .. "طفل غالي" ولابد من الحفاظ عليه بشتى الطرق .. ومن هنا نحاول أن نجنبه المصاعب التي قد يلاقيها أثناء الولادة الطبيعية .. وذلك عن طريق أسهل سبيل للتوليد وليست به أية مخاطر لهذا الجنين ألا وهي الولادة القيصرية ..) .

قال يحيى .. (ولكن أليس في ذلك مخاطر تهدد الأم ؟ ) .

قال د. علام ... (ما دامت كل الاحتياطات اللازمة متخذة .. والعملية تتم بأيدي مدربة .. لا توجد مخاطر إن شاء الله) .

فقال يحيى لزوجته .. (ما رأيك يا أسماء ؟ ).

هزت أسماء رأسها قائلة .. (وهل هناك قول بعد هذا يا يحيى !! فلتتم على بركة الله) .

التفت يحيى ناحية د. علام قائلاً له .. (حسناً يا د. علام وتُرى ما هو الموعد المحدد لتلك العملية ؟ ) .

نظر د. علام في الأوراق التي أمامه وقال .. (إنه .. إن شاء الله .. سيكون يوم الأربعاء الموافق الثالث عشر من مارس) .

**********

ارتكن د. علام بظهره إلى كرسيه وشبك أصابعه أمام عينيه ماداً قدميه إلى منتهاهما .. وتنهد في قوة ...

لقد كان اليوم كالعادة مليئاً .. ونال من الإرهاق ما نال .. ولكن هناك شيئاً واحداً ما زال يحفر معالمه على جدار مشاعره .. إنه قول أم حسين الذي تلفظت به أمامه اليوم .. لقد طرقت دون أن تدري أقوى شيء كان يتعمد أن يتجاهله دائماً .. إنه أمر .. عدم زواجه وبالتالي عدم إنجابه ...

فبالرغم من أن ميلاد مئات الأطفال يتم بين يديه ... إلا أنه لم ينعم يوماً بأن يكون أحدهم ولده ...

ترى ما السبب ؟؟ .

انطلقت ذاكرته إلى الوراء .. إلى أيام شبابه ...

كانت ابنة خاله .. عندما أراد الله عز وجل أن يعبر عن الجمال في شيء من مخلوقاته .. جعل ذلك في وجهها ...

عيناها اللتان كان يغوص بداخلهما .. تقاطيع وجهها الساحرة وصوت ضحكتها الرنانة كأجمل مقطوعة موسيقية ...

كل ذلك كان يجعله يسبح معها في عالم لم يعرف بعد ما هو اسمه ... كان علام وقتها أشد الشباب انضباطاً ومثالية .. كان شغله الشاغل دائماً .. هي مذاكرته وتفوقه ... لذا لم يكن عجباً أن يحوز المراكز الأولى في كل شيء .. ولم يكن أبداً ليسعى إلى تلك العلاقات التي تنشأ بين الشباب من الجنسين في تلك السن الخطرة ....

لولا أنها هي التي بدأت تحث الخطى نحوه ... وتنسج حبائلها حوله ...

وأخيراً وقع ....

ولأنه مثالي في كل شيء .. حتى مشاعره .... كان يكن لها أقوى عاطفة وأنقى حب ... وبعد أن أصبح متيماً بها ... إذا بها تلقي به في قسوة ... لقد نالت ما تريد ... فقد كانت ككثيرات غيرها لاهية عابثة ... تريد أن تجمع إعجاب ومشاعر الشباب حولها كما تجمع طوابع البريد التذكارية .. فكلما وقع أحدهم في هواها .. كان ذلك تأكيداً لتميزها وأنها على القمة بما تملك من جمال وسحر ..

وكانت هذه أول حفرة يقع بها .. فقد اعتاد أن كل شيء حوله يسير بمثالية تامة فكل شخص يرى الدنيا بعينيه ...

فالصادق .. لا يمكنه التخيل بأن في الدنيا كذاباً ...

والفاجر ... يتعجب أن يكون هناك من يتصف بالصلاح ...

وكذلك كان هو ....

وهزته هذه الصدمة بقوة وعنف ... ولأنه حاسم وقوي ولا يقبل أنصاف الحلول فقد أخذ يفكر ووجد التالي ...

لقد كان يحلم أن يضمهما بيت واحد وارف الظلال تملأ السعادة أرجاءه برنات ضحكات أطفاله ....

ولكن هاهو كل شيء ينهار ... حتى أنه كاد أن ينتهي ... لذا قرر أن يبتعد تماماً عن هذا الطريق ...

فليتجه للعلم ... ذلك الطريق الذي تميز فيه ولم يذق معه الفشل حتى الآن ...

ولكي يقطع على نفسه طريق العودة قام بفعل يرفضه الدين والعقل ....

وهاهو الآن لا يمكن أن يتزوج أو يبني بيتاً ....

وبهذا لم تعد حياته سوى للعلم ...

وربما كان ذلك من ضمن أسباب تفوقه وتقدمه وتميزه الذي اشتهر به ...

لقد قامت أم حسين بإثارة ما قام بدفنه حتى لا يتأذى ....

ولكن ترى ما هي قوة العلاقة بين الآباء وأبنائهم ؟؟ ...

إنه حقاً لم يتزوج ... وبالطبع لم ينجب .... لذا لم يجرب تلك العاطفة ولكنه يتعجب أشد العجب لما يراه في كل يوم من شدة تلك العاطفة ...

الآباء يضحون بأنفسهم لأجل أبنائهم حتى ولو كانوا عاقين ...

الأمهات يرضين أن يبتر عنقهن على ألا يشاك أبناؤهن بشوكة ...

فما سر تلك العاطفة ؟؟ ...

هل هي شيء وجداني ؟ ... أم أنها أمر مكتسب ؟...

بمعنى ... هل ذلك ينشأ لأن الابن حقاً منهما ويحمل معه كل مشاعرهم وجزء من وجدانهم ؟ ...

أم لأنهم قاموا بربيته وتنشئته بين أيديهم ؟

وفجأة ... نسي د. علام ما أثير بداخله من مشاعر وقفزت على الساحة حاسته العلمية ...

وردد قائلاً ... (يالها من فكرة لبحث جديد ...) ... وأخذ يفكر ويفكر كيف يقوم بذلك البحث ....

وأخيراً وبعقله العبقري اهتدى إلى السبيل الذي يحقق من خلاله ما يريد ....

وقرر الآتي .....

في يوم الثالث عشر من مارس سيبدأ أولى الخطوات في هذا البحث ....

ففي هذا اليوم سيتم الميلاد لطفلين يتبعان عائلتين مختلفتين ... فبدون أن يشعر أحد سيقوم بإبدال كل طفل مكان الآخر وبعدها سيحرص على الآتي .....

سيوطد علاقته بكلتا العائلتين وسيرقب عن قرب ما يحدث بينهم وبين هذين الطفلين ... وسيرى هل حقاً بوجدانهما سيدركان أن هذين ليسا ابنيهما ... أم لأنهما يقومان بالتربية على شيء محسوس لن يشعرا ؟؟ ...

ولكن .... إذا بصوت ضميره ينطلق ...

(وهل ترضى بذلك يا علام ؟ ... وهل هذا يناسب شرف المهنة والعلم الذي تحمله بين جنبيك ؟؟)

وإذا به يجيب ...

(العلم لابد أن تكون له تضحيات .. وعلى كل ... إن لم يشعرا بشيء وسارت الأمور على ما يرام ... سيترك الحياة تسير بهما كما أرادت .. وبعد أن يصل لإجابة سؤاله سيتدخل ويعلم الطرفين بكل شيء ... وبهذا يتم البحث بدون ضرر) انتهى إلى تلك النتيجة ... تنهد بارتياح وقال ... (هيا يا علام ... ها قد جاءك البحث بين يديك) .

*********

كانت الساعة تتجاوز الواحدة بعد منتصف الليل ....

كان القلق والوجوم يلف تلك المنطقة التي يقع فيها المبنى الخاص بوزارة الصحة بشارع مجلس الشعب ....

فقد كان المبنى يمتلئ بجنود الشرطة ... وسياراتهم التي تقف أمامه ..

وهناك .. وعبر أحد هواتف المبنى .. كان أكبر الضباط يتحدث قائلاً ... (الأمر مثير للريبة يا سيدي فحتى الآن لم نجد أي أثر يدل على أن هدف الاقتحام كان لسرقة أي شيء مادي .. فكل الخازنات سليمة ... ولا يوجد أي أثر للعنف ..) ..

واتنظر قليلاً ليستمع لمحدثه على الطرف الآخر ... وتحدث قائلاً ..

(اطمئن يا سيدي سنتخذ كل اللازم ...)

وما إن أغلق الهاتف .. حتى تحدث إلى زميله قائلاً ...

(ألم يتم اكتشاف شيء بعد ؟؟) ...

هز زميله رأسه نافياً وهو يقول .. (مطلقاً .. كل شيء سليم وفي موضعه ..) .. قال الضابط الأول .. (عجباً .. أفي منطقة حساسة كتلك التي يقع بها مبنى مجلس الشعب يحدث أمر كهذا ؟!! والأمر المثير للدهشة .. أنه بالرغم من سماع جنود الحراسة لضجة عالية .. إلا أننا لا نجد أثراً لتلك الضجة !!) .

قال زميله في غير عناية .. (أنا من رأيي أن مبنى وزارة الصحة لا يوجد به شيء ذو قيمة حتى يثير كل ذلك) ...

قال الضابط .. (ولكن ذلك الغموض يثير شكوكاً مريبة ... فربما المقصود يبتعد تماماً عن هذا المبنى ..) .

هز زميله رأسه في لا مبالاة قائلاً .. (ربما ...) .

**********

ألقى د. علام تلك الجريدة التي كانت تحمل تفاصيل ذلك الحادث الذي وقع بوزارة الصحة .. وتنهد قائلاً ... (كثيرة هي الحادثات الغامضة التي تحدث هذه الأيام) .. قطع عليه خلوته دخول أم حسين قائلة ...

(طبيب التخدير وصل .. والحجرة معدة لإجراء العملية يا د. علام) .

قام د. علام قائلاً .. (حسناً .. الآن يتم كل شيء حسبما أريد .. وأنت يا أم حسين أطلب مساعدتك في هاتين الولادتين .. وبعدها اطمئني .. لن أعرضك لأية متاعب نفسية) .

قالت أم حسين في خفوت .. (كما تشاء يا د. علام ..) .

وقام د. علام ليرتدي الزي المعقم ليقوم بالولادتين في آن واحد وبداخل حجرة العمليات كان كل شيء معداً .. وقد تم تخدير سها أولاً وأصبحت في حالة استعداد للتوليد ...

وبيد ماهرة بارعة وبسرعة أصبحت بالنسبة للدكتور علام روتينية .. كان قد تم ميلاد الولد الذي ينتظره شاهين على أحر من الجمر .. أعطى الوليد لأم حسين ككل مرة لتقوم بما يجب نحوه .. وبعدها بقليل كان قد أغلق الجرح وقام بتخييطه في حين كانت أسماء قد تم تخديرها أيضاً .. فاتجه إليها وقام بتوليد ولدها الذي يعد نهاية أملها في أن يزداد عدد بنيها ...

وبينما كان طبيب التخدير منهمك في إفاقة كل من سها وأسماء .. اتجه د. علام إلى أم حسين قائلاً .. (أيهما يخص الأولى ؟) أشارت إلى ذلك الذي كان مغطى بالثياب ويصرخ باستمرار .. فأخذ الثاني وقال لها .. (حسناً هيا اخرجي أنت .. وأخبري أبويهما بالبشرى .. ) ...

نظرت إليه أم حسين بدهشة ... ولكنها لم تستطع أن تتفوه بكلمة اعتراض .. فهي اعتادت دائماً أنه لا يلقي بالاً للطفل بعد ميلاده .. فما باله يهتم بهذين الطفلين !!) ولكنها تركتهما وخرجت صاغرة ويحتويها سؤال تبغي له جواباً .. وما إن خرجت حتى أسرع د. علام ليبدل ملابس كل طفل للآخر .. ويضع كل واحد منهما في موضع الآخر ...

وخرج من حجرة العمليات وقد تم له ما أراد ...

************

(لك كل ما تطلب يا د. علام )

نطق شاهين بهذه العبارة في فرحة تكاد أن تكتسحه .. في حين ابتسم د. علام بوقار وقال .. (إنني لا أطلب شيئاً يا سيد شاهين .. كل ما هنالك أني دائماً أحتفل بكل ولادة مئوية وأجعل لصاحب تلك الولادة مكانة خاصة وأحب دائماً أن أوطد الصلة معه ومع ذلك الوليد .. وولدك كان على رأس إحدى المئات .. وبالتالي فقد حاز تلك المكانة) ..

أخرج شاهين بطاقة تحمل جميع بياناته وأعطاها للدكتور علام قائلاً له .. (هاك بياناتي وأنا في أي وقت طوع أمرك .. وأعلمك أنه شرف لي أن أكون أنا وولدي لنا مكانة خاصة لديك) .

تنحنح د. علام وهو يقول .. (لي مطلب عزيز .. ألا وهو أني أريد متابعة النمو النفسي لذلك الولد .. فأنا أعد دراسة عن النمو النفسي للأطفال الذين تم ميلادهم عن طريق العمليات القيصرية .. وولدك بالطبع أحدهم ..) .

قال شاهين في بساطة .. (لك ما تطلب .. ولكن كيف أساعدك في ذلك ؟) ...

قال د. علام .. (أريدك فقط عندما .. أستفسر منك عن شيء يخصه أن تجيبني بصدق ..) .

قال شاهين ... (إن هذا أيسر شيء .. وأنا طوع أمرك يا د. علام ..) .

**********

(لقد ظننت أنك من قاطني القاهرة ..)

نطق د. علام بهذه العبارة أثناء حديثه مع يحيى .. الذي رد عليه قائلاً .. (إننا فقط نقيم هنا حتى يتم ميلاد طفلنا بسلام وبعدها نعود إلى مدينتنا الأقصر ..) .

شرد د. علام ببصره وقال .. (حسناً .. حسناً .. ولكن أريد منك العنوان بالتفصيل وكذلك رقم هاتفك إن وجد .. فأنا أقوم بدراسات عديدة .. وبما أن ولدك قد تم ميلاده بين يدي ربما أحتاج إلى بعض البيانات التي تخصه بين الحين والآخر .. ) .

أعطاه يحيى عنوانه بالتفصيل ورقم الهاتف .. وأخذ كذلك من د. علام عنوانه ورقم هاتفه حتى يستطيع التوصل إليه إن حدثت مضاعفات فيما بعد ...

وما إن خرج يحيى .. حتى تنهد د. علام بقوة وقال .. (أخيراً ..) .. ها قد تمت الخطوة الأولى بنجاح تام ..

فقد استطاع إبدال الطفلين بدون أن ينتبه مخلوق لهذا ... فقد قرر أن يقوم بالولادتين في آن واحد لكي يتمكن من ذلك بسهولة .. فبالرغم من أن إجراء عمليتين في آن واحد خطأ طبي وقد أثار ذلك طبيب التخدير .. إلا أن العائد السخي الذي يعود عليه بتعاقده مع د. علام جعله لا يبدي تساؤلاً لذلك .. و د. علام كان يثق ثقة تامة في قدراته مما جعله لا يشك لحظة في أن كل شيء سوف يتم على ما يرام ... وها هو الآن وقد وطد العلاقة بينه وبين العائلتين بما يتيح له أن يتم بحثه بنجاح ... فبالرغم من أن إحداها تعد في أقصى الأرض بالنسبة إليه إلا أنه يكفيه أن الأخرى قريبة ومتابعتها يسيرة .. وعموماً .. سوف يجعل الأخرى للمقارنة ... وسوف يقوم بزيارتهم أثناء جولته السياحية التي يقوم بها كل عام لتلك المنطقة ...

وأهلاً بنجاح جديد ...

وبدأ في كتابة خطوات هذا البحث .....

*********

(لقد اشتقت إلى أماني ابنتنا بقوة لا مثيل لها)

نطقت أسماء بهذه العبارة لزوجها يحيى وهي حاملة وليدها الجديد بين يديها وترضعه من ذلك الغذاء الرباني الذي جعله الله آية من آياته .. والذي حتى الآن لم يصل البشر إلى مدى فوائده العظيمة ...

فرد عليها يحيى قائلاً .. (اطمئني يا زوجتي الحبيبة .. أسبوع واحد ونعود إليها .. وعلى كل حال بالتأكيد هي في خير ما دامت مع عمتها "رفيدة" فكل منهما تحب الأخرى في قوة .. )

ابتسمت أسماء وهي تقول .. (ترى .... ماذا سيكون شعورها عندما ترى أخاها "أنس" ؟ )

رد يحيى قائلاً .. (في البداية ستتعلق به لأنه شيء جديد بالنسبة لها .. ولكن بعد قليل ستبدأ في معاداته لأنه سيسلب منها كل المزايا التي كانت تحوزها .. وسوف يشعل الغيرة عندها لأقصى الدرجات.. ) .

قالت أسماء برجاء ... (إنني أدعو الله عز وجل أن يبارك لنا في هذين الطفلين ويحفظهما لنا .. )

عقب يحيى قائلاً ... (إن شاء الله ... فما دمنا نراعي تعاليمه .. حتماً سيكرمنا)

************

كان شاهين يتأمل بنشوة منظر زوجته سها وهي ترضع وليدها وتربت على رأسه بحنان ....

فهو يعلم مدى شراستها وعنادها وتمردها ... ولكن .. ها هي الفطرة التي وضعها الله عز وجل في كل امرأة تتغلب عليها .. فها هو لأول مرة يتطلع إليها ويشعر أنها وديعة ...

إنه يشعر أن حياته حتماً ستتغير بعد مجيء هذا الوليد ...

(متى سيكون الحفل الذي تعده لولدنا "سامر" يا شاهين ؟) .. نطقت سها بهذه العبارة في اهتمام شديد .. فقال شاهين على الفور ...

(سيكون بعد الغد الأربعاء .. أي في يوم سبوعه .. فأنا سوف أجعله يوماً أسطورياً ... سأدعو إليه كل الشخصيات الشهيرة وسوف يكون بأفخر فنادق القاهرة ... وسيتم تصويره بالفيديو .. ولن أبخل عليه بقليل أو كثير من المال ...

ولك عندي مفاجأة في هذا اليوم) .

قالت سها في فرحة .. (ما هي؟ ...) ..

ضحك وقال ... (ستعلمينها في وقتها ...)

ضربت سها الوسادة في قوة اهتز لها الطفل وقالت في عناد .. (لا .. بل ستخبرني الآن .. وإلا لن تراني في هذا الحفل أنا وولدي ..) .

ابتسم شاهين وقال .. (إنه أنت سها ... لا يوجد ما يغير من طبعك ... حسناً .. لقد وضعت مبلغاً ضخماً باسمك في البنك .. وكذلك مثله لابننا سامر ...) .

قالت سها في فرحة شديدة ...

(حقاً ... أشكرك كثيراً جداً يا شاهين ... )

*************

كان د. علام يلملم أوراقه بعد أن حدد ووضع النقاط التي سوف يسير عليها بحثه الجديد .. فقد وضع الأسئلة التي سوف يسعى ليحصل على الإجابة عنها وتكون محصلة الإجابات هي نتيجة البحث وهي نفسها إجابة للسؤال الكبير الذي وضعه في البداية ...

وضع الأوراق داخل غلافها الخاص بها .. ووضع الجميع داخل درج مكتبه وأغلقه بعناية .. ونظر إلى ساعته فوجدها قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل .. فتثاءب بقوة .. وأغلق الضوء الذي ينير مكتبه .. وصعد إلى حيث حجرة نومه لينال قسطاً من الراحة .....

وما إن أغلق ضوء حجرة نومه ... حتى أخذ يسبح في أفكاره ولم يدر ما السبب الذي جعله يتذكر بحثه الماضي ...

فقد كان يدور حول أحد أمراض النساء الشهيرة ...

فقد توصل إلى حل يهبط بمشكلة هذا المرض من 90% إلى 5% فقط وقد كان إنجازاً شهد كل من علمه للدكتور علام بالعبقرية ..

وبينما كان مستغرقاً في أفكاره والنوم يحث الخطا إلى جفنيه إذا بضجة عالية تجعله يقوم منتفضاً ...

كانت الضجة آتية من أسفل .... تردد قليلاً .... ولكنه قام وهبط مسرعاً ليرى ما الحدث .....

فإذا به يجد باب غرفة مكتبه مفتوحاً وضوؤها مضاء ... ولم يكن هناك أثر لمخلوق ...

دخل إلى الحجرة فإذا بالمنضدة الصغيرة مقلوبة ... أخذ يتطلع إلى محتويات الغرفة فلم يجدها تنقص شيئاً ...

فتعجب وقال ... (حتماً هو لص .. ولكن لن يجد بغيته هنا .. فأنا أحتفظ بكل أموالي في أحد البنوك .... )

أخذ د. علام يراجع أقفال أبوابه ولعجبه ... وجدها كلها سليمة فأخذ يتساءل .. (ترى من أي منفذ دخل ذلك اللص ؟!! ) ... هز رأسه بتعجب دون أن يجد إجابة

وأخيراً أغلق الضوء وصعد وهو يقول ..

(يبدو أنك تحتاج إلى حارس يا علام ... فالمنزل يقع في منطقة نائية .. ومن السهل أن يتعرض لسرقة الأشياء الثمينة به .. وها هم اللصوص قد عرفوا الطريق إليه .. ) .

**********

كانت سها مرتمية بضعف على أحد المقاعد وهي تحمل طفلها وتداعبه بأطراف أصابعها ...

وكانت الأضواء الزاهية تملأ المكان .. وصوت الموسيقى يتردد في كل الأرجاء

توجه إليها د. علام وجذب مقعداً وجلس بجوارها وبدأ معها الحديث قائلاً ...

(كيف حالك الآن يا مدام سها ؟) .

نظرت إليه قائلة ... (في خير حال .. ولكن موضع العملية يؤلمني أحياناً .. )

قال .. (بالطبع إنه أشبه بجرح غير عادي وبالتالي يحتاج إلى مدة غير وجيزة حتى يلتئم ... المهم ما هو حال ذلك الوليد الآن ؟ )

ضحكت قائلة .. (إنه بخير .. ولكنه يبكي كثيراً ويزعجني .. )

قال مازحاً .. (أعتقد أنك كنت كذلك وأنت صغيرة ... ولكن ما هو حال العلاقة بينك وبينه ؟ ) .

نظرت إليه بتساؤل قائلة .. (لست أفهم سؤالك !!)

قال شارحاً .. (أقصد ما هي العاطفة التي تشعرين بها نحوه ؟)

قالت في بساطة ... (بالطبع أحبه ...)

تساءل قائلاً .... (هل تشعرين أنه حب عادي .. أم أنه له مذاقاً خاصاً) ..

قالت في تعجب .. (مذاق خاص كيف؟! .. إنه ولدي وبالطبع أرتبط به بقوة .. مثلي كأي أم تحب ولدها .. أم أنك لا تراني أهلا لذلك ؟!!) ...

هز رأسه نافياً وهو يقول ... (لست أقصد ذلك مطلقاً .. ولكن لي تساؤل .. لو أبدلت هذا الولد بآخر دون أن تدرين هل ستعرفين ذلك ؟) ..

كانت سها تتعجب أشد العجب لتلك التساؤلات التي بدت لها غاية في الغرابة .. ولكنها قالت ..

(بالطبع .. كيف لا أعرف ولدي؟! )

قال د. علام (هل ستعرفينه عن طريق ملامحه .. أم بشعورك وعاطفتك ناحيته؟)

قالت سها ... (حقيقة لست أدري ... ولكن تساؤلاتك هذه عجيبة للغاية يا د. علام فما هو سببها ؟ .. هل تعد دراسة ما ؟ )

فوجئ د. علام بتساؤلها هذا فارتبك في قوة وأراد أن يختم الحديث كي لا يُكتشف الأمر فقام واقفاً وقال ...

(مطلقاً .. ولكنها تساؤلات نشأت بداخلي لا أدري لها سبباً .. ولا تشغلي بالك بهذا .. فأنا دائماً تكون تساؤلاتي بمثل هذه الغرابة .. ) .. وتركها وانطلق ..

وهي تنظر إليه بدهشة .. ثم هزت رأسها في غير عناية وعادت تلاعب ولدها سامر ....

*************

(أسلوبك هذا لا يصلح مطلقاً يا علام .. )

نطق د. علام بعبارته هذه محدثاً بها نفسه وهو يقود سيارته عائداً من ذلك الحفل الذي يقيمه شاهين لأجل ولده ...

كانت الساعة تتجاوز منتصف الليل بكثير والطريق شبه هادئ وقليلاً ما كانت تمر سيارة بجواره ....

وأخذ يفكر في مدلول عبارته التي نطقها ... فمنذ أن تحدث مع سها والقلق يملؤه أن تكون شعرت بشيء ... فهو قد اعتاد في جميع أبحاثه على أن يلقي أسئلة مباشرة وينال إجابات محددة ...

أما هذا البحث ... بالطبع غير عادي ويمتاز بالسرية التامة والأسئلة المباشرة لا تصلح لأنها قد تفضح الأمر كله .. لذا .. اتخذ قراره بأن يعكف على أوراقه ليصوغ الأسئلة التي يجب أن يلقيها بحيث يكون ظاهرها لا يدل على باطنها وتكون هذه الأسئلة غير ملفتة للانتباه أو مثيرة للتعجب وتأتي له بما يريد من إجابات .. وارتاح إلى هذا القرار ... قطع عليه تفكيره قرب وصوله من المنزل .

وإذا به وهو يقترب بسيارته منه يلمح ضوء حجرة مكتبه مشتعلاً ... عقد حاجبيه في قوة وتساؤل واندهاش وقال ... (ما هذا ؟!! .. إنني لم أترك أي أضواء مشتعلة .. هل هو لص آخر ؟! .. أم أنه نفس اللص وأتى ليأخذ ما لم يستطع نيله أمس ؟؟ ... ترى أي شيء يبحث عنه هذا اللص ؟! ) .

أغلق د. علام أضواء سيارته وأوقفها في مكان مبتعد حتى لا يلفت صوت موتورها انتباه ذلك اللص ... وأخذ يجد السير إلى المنزل ... وعندما وصله .. تعمد أن يدخل من الباب الخلفي وبهدوء شديد .. وتحسس خطاه إلى حجرة مكتبه التي كانت مفتحة الأبواب ... وعندما نظر إلى داخلها عمته الدهشة من رأسه إلى أخمص قدميه .... فقد كان هناك رجلان منهمكان في تقليب أوراق أبحاثه التي تضمها مكتبته الضخمة ...

فصاح في دهشة (ما هذا ؟!!) ...

التفت إليه الاثنان في فزع وبسرعة أخرج أحدهما مسدسه وصوبه نحوه في حين قال الثاني ... (د. علام !!! ... ما الذي أتى بك الآن ؟!)

كانت الدهشة تحيط بالدكتور علام وهو يقول .. (بل من أنتما ؟!)

قال الأول وكأنما يريد أن يتخفف من حمل ما .. (نريد الأوراق التي .. تضم بحثك الأخير .. فهل ستساعدنا ؟ .. أم نأخذها بعد أن يطلق عليك لقب "المرحوم"؟ ..)

كانت الدهشة لم تفارق د. علام بعد وهو يقول .. (ولكن لماذا تريدانه ؟!)

رد عليه الرجل قائلاً .. (ليس هذا من شأنك .. هيا أخبرنا أين هو)

تقدم د. علام ببساطة وأخرجه من بين مراجعه التي تكتز بها مكتبته وقال .. (هاهو ...)

اختطفه الرجل منه بفرحة وقال .. (أخيراً .. لقد تمت المهمة بنجاح .. )

قال د. علام بتعجب .. (أي مهمة ؟!! .. ولعلمكم إن كنتم تظنون أنكم تسلبونني إياه .. فهناك ثلاث نسخ منه بقسم الأبحاث بوزارة الصحة ..)

ضحك الرجل قائلاً .. (لا تشغل بالك بالنسخ الموجودة هناك .. لقد أتت إلينا ..)

عقد د. علام حاجبيه في قوة وقال .. (يا إلهي .. أذلك الحادث الغامض كان لأجل هذا البحث ؟!!)

قال الرجل (يا لك من عبقري .. بالطبع كان لأجله والآن نحن لدينا جميع الأوراق التي تضم هذا البحث وبهذا يكون قد انتهى)

قال د. علام بصرامة .. (مخطئون .. لقد نسيتم مصدر البحث نفسه .. إنه أنا .. بالطبع سأستغرق وقتاً لأخطه ولكنه حتماً سيعود ...)

نظر كل من الرجلين إلى الآخر بقلق ودهشة وكأنهما قد فوجئا بما لم يتوقعا .. ثم نظر إلى د. علام .. وقال حامل المسدس .. (أنت لم تترك لنا الخيار)

كانت الدهشة قد تملكت جميع أركان د. علام وحازت كل كيانه وهو يقول .. (أي شيء وأي خيار !!! .. وما الذي تريدونه من وراء هذا البحث ؟!!)

قال أحدهما .. (عذراً يا د. علام التخلص منك أصبح أمراً حتمياً .. وما دامت نهايتك آتية .. لا ضير من أن تعرف التفاصيل .. خلاصة الأمر أن بحثك الأخير يهدد إحدى شركات الأدوية بالخسارة الفادحة .. فهذا المرض الذي توصلت إلى حل له .. كانت شركة الأدوية هذه تحتكر صناعة الدواء الوحيد الذي كان يستعمل لتخفيف آثار هذا المرض ... وكانت الشركة تربح من ورائه المليارات في كل عام ...

ولكن بحثك الأخير أتى لينهي هذا المرض .. وبالتالي يذهب بهذه الأرباح .. لذا وجب التخلص من هذا البحث)

كانت عينا د. علام تكاد أن تهجرا محجريهما غير مصدق لما يسمع وأخيراً نطق قائلاً .. (يا إلهي !! .. هل أصبحت الضمائر خربة إلى هذه الدرجة ؟! أمن أجل بضعة جنيهات ترفضون رقي البشرية وترضون بآلام آلاف من النساء؟! .. هؤلاء النسوة من الممكن أن يكن أماً أو أختاً أو ابنة لأحدكم .. ألم تفكروا في هذا؟!!) .

هز الرجل رأسه قائلاً .. (لسنا هنا لنسمع محاضرة في علم الأخلاق .. هيا يا دكتور علام .. قل للدنيا وداعاً ..)

وبعدها بقليل .. كانا يبتعدان تاركين خلفهم جثة د. علام مضرجة في دمائها وقاما بسرقة بعض الأشياء الثمينة كي يجذبون أنظار الباحثين عن آثار الجريمة إلى أسباب أخرى غير الحقيقية ...

************

(رحم الله الدكتور علام ... لقد كان عالماً بمعنى الكلمة ... )

نطق شاهين بهذه العبارة أثناء حديثه مع زوجته سها التي قالت (المهم أن ولادة سامر ولدنا قد تمت قبل وفاته ... ) ..

قال شاهين .. (هل تعلمين ؟! .. لقد كان ينوي أن يوطد الصلة معنا فقد أخبرني أنه يعد بحثاً ما وأن ولدنا سامر له دور كبير في هذا البحث)

قالت سها في تفهم .. (الآن عرفت لماذا كان يسألني تلك الأسئلة العجيبة يوم الحفل ..)

قال شاهين في تساؤل ... (أية أسئلة هذه ؟!)

قالت سها في ضجر .. (لقد كان يسألني عن العاطفة التي بيني وبين سامر ولدي وهل إذا تم إبداله هل سأتعرفه أم لا ؟ .... وكان ذلك بطريقة مثيرة للدهشة .. ولكن عندما سألته هل يقوم بإعداد بحث ما نفى ذلك في ارتباك شديد .. فما سر ذلك ؟! )

قال شاهين مجيباً على تساؤلها .. (أمثال هؤلاء العلماء تكون لهم طريقة عجيبة في كل تصرفاتهم وأسلوب معيشتهم .. المهم ... ما هو حالك وحال ولدنا وأمل المستقبل سامر ؟)

*********

كانت أسماء تضم ولدها أنس إلى صدرها ويحيى يجلس في مقابلتها ويؤرجح ابنته أماني على قدميه وهو يقرأ تلك الصحيفة التي تصدر يومياً ...

ألقى الصحيفة جانباً وقال ... (سبحان الله .. {وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت} ... صدق الله العظيم )

نظرت أسماء نحوه قائلة ... (ماذا هناك يا يحيى ؟؟)

قال يحيى في تأثر شديد ... (د. علام الذي قام بتوليد أنس ولدنا .. قتل أمس في محاولة لسرقة منزله)

شهقت أسماء وقالت .. (يا إلهي !! .. ومن فعل ذلك ؟)

هز يحيى رأسه في تأثر قائلاً .. (حتماً بعض الأشقياء الذين لا يراعون للدين حدوداً .. ولا يعرفون لله حقاً ... إن أكثر ما يؤلمني أن يقتلوا عالماً مثله أفاد البشرية بأبحاث عديدة ... وبالطبع كان يعد المزيد ... والله أعلم ماذا كان يحوي بحثه الأخير .. )

قالت أسماء .. (نسأل الله عز وجل أن يعافينا ويبعد عنا كل ضر .. ويبارك لنا في ولدينا) ...

ردد يحيى وراءها قائلاً ... (اللهم آمين) .

************

وهناك ....

عند إحدى المقابر بالقاهرة .....

هبت نسمة خفيفة ... فأطارت بعضاً من الوريقات التي تحيط بالزهور الملقاة فوق قبر أحد العلماء ....

إنه عالم نعرفه جيداً ...

ذخرت حياته بالأبحاث الناجحة التي دفع حياته ثمناً لأحدها .....

وكان يعد العدة ليخرج بنتيجة جديدة عبر بحثه الأخير .... ولكن القدر لم يمهله ليتم هذا البحث .... وبدا من الواضح أن المشيئة الإلهية قدرت أن يظل ما فعل مع العائلتين سراً لا يدري به أحدا ....

إنه قبر د. علام ...............

************