-2-

5 0 00

-2-

خيـــوط الفضيحــة

في مثل هذه الأيام من شتاء (1943) ماتت في حلب امرأة جميلة، عبثت زماناً بعواطف الشبان، وتلاعبت بالكثير من عقلاء الرجال. لم يحزن أحد من أجلها حزناً حقيقياً، لسمعتها السيئة، سوى كاتب ناشئ، تجرأ على رثائها بمقال صغير، نشرته إحدى جرائد المدينة. وكان المقال بليغاً مؤثراً، تحدث عنه المتأدبون في إعجاب شديد. ولكنه لم يرقْ للحاكم - على ما يظهر - فأمر باعتقال الكاتب المسكين. وكان هذا التدبير مثاراً للدهشة والدعابة في آن واحد.

فالحاكم المذكور كان مشهوراً بالحزم والجد، وكانت قبضته الحديدية - كما يقولون - تخمد الأنفاس من أجل الأمن والنظام، وليس من المعقول أن يهتم بمقال أدبي، سمحت الرقابة بنشره، ولم يتعد الحديث عن امرأة فاسدة.

والغالب أن الحاكم كان على رأي آخر. فحين قرأ المقال، شعر بأن الكلمات تتجاوز حدود الموضوع، وأنها كتبت بروح ماكرة، لابدّ من أن تفضح وجدان صاحبها، لكي يعرف الجميع أن عين السلطة، لا تغفل عن كل ما يمس هيبة الدولة، من بعيد أو قريب. ولما كان الحاكم يعدّ نفسه ممثلاً للدولة - وكان بالفعل من «المواطنين» القلائل الذين وثقت بهم قوات الاحتلال - وأطلقت يدهم في مصائر الناس، فقد وجد أن هناك تهجماً خبيثاً، لا يستبعد أن يكون مقصوداً.

وكانت للحاكم مسوغاته، فقد كان - بحكم منصبه - على صلة بكل ما تفعله غانية، من هذا الطراز. وكان - بحكم المنصب أيضاً - شبه مدين من الناحية الوطنية. والرأي العام - كما هو معروف - يتسع لكل ما يقال أو يشاع، في مثل هذه الحالة، عن جميع المرموقين.

هكذا أُخذ الكاتب، ولما كانت إجراءات القضاء شبه ملغاة، في ظروف الحرب القاسية، فقد قضى أكثر من شهرين في السجن، دون تحقيق أو محاكمة. وكان من الممكن أن تحتفظ به جدران السجن، حتى نهاية الحرب، لولا أن الشائعات رشحته لمهمات سياسية خطيرة، وحشره بعضهم في قائمة المناضلين، الذين كانوا يكتبون النشرات السرية ضد السلطة، ويحرضون على المقاومة من اجل الاستقلال.

وعندئذٍ، دُعيَ إلى التحقيق، ونظراً لغموض الاتهام، فقد تولى الحاكم بنفسه عملية الاستجواب. وفي اليوم المحدد، حدث أن أصيب السجين بأزمة مرضية عنيفة، يرجح أنها نوبة قلبية خطرة، فاستدعى الحاكم أحدث الأطباء في الخدمة، إما لعدم ثقته بالأطباء القدامى، وقد عاصروا ملابسات القضية منذ البداية، وإما لأنه - هو نفسه - كان بحاجة إلى طبيب «جديد» يؤتمن على السر. كان الحاكم - رغم صلابته وجبروته - نهبة لأوهام المرض، والغالب أنه في هذه الحقبة، كان يشكو أعراض داء لا يحسن ذكره. وهكذا قُدِّرَ لتوفيق أن يكون الشخص الثالث، في هذه الجلسة «القضائية» المغلقة.

كان الموعد في الساعة العاشرة والنصف من صباح السبت. في هذا الوقت يكون توفيق في مزاج مرح، موفور الحيوية والنشاط.

كان من عادته أن يقضي يوم الجمعة كله، في الراحة واللهو، خلال مأدبة نهارية صاخبة مع الأصدقاء، إما خارج المدينة وإما في منزل «سريّ» ترتاده أجمل المحترفات، وأحدثهن عهداً بالزلل. وفي أولى ساعات الليل كان يأوي إلى الغرفة، والعالم ينبض حوله بعنفوان النشوة. وما يلبث خدر الاكتفاء أن يغريه بالنوم الهادئ العميق. ولا يستيقظ إلا مع طلوع الشمس. وفي الصباح يتحول إلى كائن أخر، يصبح طبيباً عاملاً، لا يعرف السأم أو الكلل، لا همَّ له إلا أن يؤدي واجبه المهني، بما تمليه الروح الإنسانية الصادقة.

بهذه الروح مدَّ يده يصافح الحاكم العرفي، وهو يضع حقيبته الطبية على مقعد من الخيزران، في محاذاة مقعد آخر مماثل، يقف أمامه شاب رثّ الثياب، شاحب اللون، تدل نظراته القلقة واضطراب وقفته، على أنه لم يؤذن له بالجلوس بعد. وجلس الحاكم وراء مكتبه العريض، وهو يقول في ابتسامة غامضة، ويشير إلى إحدى الأرائك القريبة من المكتب:

- أهلاً.. دكتور توفيق.. تفضل.. كان ينبغي أن نلتقي في مناسبة أفضل.. ولكن ...

فأجاب توفيق وهو يجلس في شيء من الاطمئنان:

- كان عليّ أن أتشرف بالزيارة من قبل، ولكن الظروف الطارئة..

وتوقف عن الكلام، وقد لاحظ طابع الجد في ملامح الحاكم، وأحس فجأة أنه لا مجال لعبارات المجاملة «التافهة» وأن كل عبارة يتفوه بها في مثل هذا المكان، ينبغي أن تحسب عليه. ولم يكن إحساساً خاطئاً فقد بادره الرجل قائلاً:

- كل شيء أصبح في مهنة الطب، على ما أظن، ولكن الأمور تنتهي بسرعة... أما هنا...

وأشار إلى الشاب وهو يأمره بالجلوس ويردف:

- الطوارئ تصبح مشاكل معقدة صعبة الحل.. من كان يتصور مثلاً أن تستمر الحرب كل هذه الأعوام؟..

فقال توفيق وهو ينظر إلى الشاب في تساؤل، وكان هذا قد جلس على حافة المقعد في مظهر اغتراب واضح:

- أله علاقة بهذه المسألة؟..

فأجاب الحاكم وهو يصطنع المزاح:

- الحرب؟.. هل يبدو عليه أنه من الذين يستطيعون شيئاً؟.

واستدرك وقد عادت إلى لهجته نبرات الجد:

- ومع هذا فإن الذين يعلنون الحروب ويوقفونها، هم مثلنا من الناس... المهم أنه يدعي المرض المزمن في القلب، بسبب حبس طارئ.. الواضح أن الذين في مثل سنه، لا يعرفون هذا المرض، إلا إذا تعرضوا للتعذيب، هذا ما يريد إثباته على ما يظهر.

والتفت إلى الشاب في انفعال صارم لا يخلو من السخرية:

- هل مسّك أحد أيها الكاتب الموهوب؟. أجب. ها هنا شاهد حيادي.. كيف عذبوك؟..

فقال الشاب في هدوء غير متوقع، بل ينطوي على شيء من التحدي المكتوم:

- لا أشكو شيئاً من هذا... لا السجن ولا التعذيب. أنتم الذين استدعيتموني.

فقال الحاكم وقد احتدت لهجته:

- إذن هناك مجال لذكر التعذيب؟! أنت سجين، هذا أمر مفروغ منه.. من حق السلطة أن تؤدب من تشاء، أما أن تزعم أننا السبب في نوباتك القلبية.. إنني لا أسمح بهذا التزوير...

- من قال بأنني أزعم؟.. صدري يضيق في الليل، وقلبي يضرب بعنف، حتى لأخاف أن يتوقف ذات ليلة. أليس هذا مرضاً حقيقياً؟..

- الآن نعرف. دكتور، هل تسمح بفحصه؟ تلفظ بالعبارة الأخيرة دون أن يلتفت إلى توفيق، وقد كانت هذه البادرة كافية لإقناع الطبيب الناشئ، بأن أمامه حاكماً جديراً بهذا الاسم، يجري في دمائه حب التعسف والسيطرة.

والغريب أنه شعر - وهو يتناول السماعة ويضعها على صدر الشاب - بأنه ليس بعيداً، أن يكون هو نفسه السجين، في مناسبة أخرى بالطبع، وعندئذ يمكن أن يستباح كل شيء، لإيذائه وإهانته. فماذا يكون بمقدوره أن يفعل! هل يذعن في صمت ويستسلم، أو يجرؤ على المقاومة؟ أم يتخاذل فيلتمس الشفقة في توسل ذليل؟ هذا ما كان يدور في أفكاره وهو يقوم بالفحص، ويتوجه بالأسئلة (الطبية) المألوفة، بينما كان الحاكم يقلب أوراقاً مشتتة في إضبارة زرقاء، دون أن يغيب عن ناظريه ما يحدث. وقال الدكتور توفيق وهو يعود إلى أريكته في اطمئنان:

- لا شيء، الحمد لله، القلب سليم. وضيق الصدر من البرد.

وابتسم الحاكم بارتياح وقال في نوع من التشفي الودي:

- أرأيت يا أستاذ؟. هنا لا يضرب أحد. وما ذنبنا إذا كان الشتاء بارداً إلى هذا الحد؟. المهم.. ما دام الدكتور هنا نستطيع أن نُقلّب هذه الإضبارة...

وتناول ورقة كبيرة، ممتلئة بالحواشي، على ما يظهر، فقد كان ينقل عينيه في أطرافها جميعاً وهو يقرأ ويعلّق ويتوجه إليهما بالكلام في آن وتحد:

- بتاريخ 7/1 صدر أمر بتوقيف السيد محمود الرامي...

في الأصل: الأستاذ، ولكن شُطِب على الكلمة.. في المدرسة يقولون أستاذ، صحيح؟.. (أومأ الشاب بالإيجاب).. كيف يعطون هذا اللقب لمعلم في الابتدائي؟..

فاعترضه توفيق قائلاً:

- الأولاد هم الذين ينادونه هكذا...

- في زماننا كنا نقول: معلّم.. بالفرنسية طبعاً.. حتى في الثانوي.. أما الأستاذ.. المهم.. بتاريخه أعلاه، أوقف المذكور توقيفاً طارئاً، لأنه نشر في الجريدة شيئاً خطيراً، لا يمكن السكوت عنه.

فتدخل محمود وقد لمس في جوّ الحديث شيئاً من الانفراج النفسي.. - إذا صح التعبير- :

- شيء خطير؟.. ليست إلا كلمة أدبية من نوع التأبين... كل إنسان يتأثر أمام حوادث الموت المفاجئ...

فقال الحاكم:

- إعلانات النعي تملأ الجدران كل صباح.. لماذا لم يخطر لك أن «تتأثر» من أجل شخص آخر؟.. والموت. كل موت، لا يأتي إلا فجأة، هل هناك أحد يقدّر بالضبط لحظة النهاية!... هذا شيء معروف.. ثم إن الشخص الذي كتبت عنه لم تعلن وفاته...

هل رأيت ورقة النعي في شارع؟.. امرأة تافهة شاع أنها غادرت هذا العالم... لمَ كل هذا التشهير؟..

- الجميع يعرفونها.. كانت أشهر امرأة في حلب.

- وأجمل النساء.. وأكثرهن فساداً وخلاعة.. الخ...

المهم... أنك تكتب في موضوع لا تعرفه، وليس لك علاقة به، وتحاول أن تشوه سمعة البلد.. لا بد أنك تذكر جيداً ما كتبت.

وأهم من هذا كله أنك تُزوّر الحقيقة.. تستغل هذا الموضوع من أجل شيء آخر.. كل الناس يحزنون لموت امرأة جميلة.. ولكن ليس صحيحاً أن رجولة البلد أصبحت كما تقول.. هذا أولاً... وثانياً أنك تستغفل الرقابة والسلطة، وتستغفلني أنا أيضا، هل تعتقد أن مثل هذه الأشياء تمر عليّ؟..

والتفت إلى الطبيب وقد تحرك الانفعال الجديّ في ملامح وجهه، وشيء من التهكم في نبرة صوته، ويده تمتد إلى الشاب بنسخة من جريدة قديمة:

- دكتور.. اسمع.. سوف يقرأ علينا هذه الدرّة النفيسة من الأدب... وأنت، يا سيد محمود، انتبه إلى العبارات، التي وضع تحتها خط احمر.. يمكن الاكتفاء بقراءتها وحدها..

ونهض محمود الرامي يتناول الجريدة، وهو في أشد حالات الارتباك. كان من الطبيعي أن تكون مهنة التعليم قد أوحت إليه وهو يهم بالقراءة، بأنه كان أشبه بتلميذ كسول في امتحان صعب، ومع هذا فقد ارتفع صوته بتلاوة هادئة سليمة، كان يحرص على أن تكون موجهة إلى الدكتور توفيق، على الرغم من أن الحوار الذي تخللها، كان بينه وبين الحاكم، الذي كان يستوقفه بين الحين والآخر على النحو التالي:

- رثاء امرأة.. «باعت نفسها للأغراب».

- أي عنوان؟!. هل هناك غريب في نظر المومس؟. اقرأ:

- «هكذا تمضين في رواق النسيان الأبدي» وحيدة، صامتة، دون ضوضاء، ومن غير عودة، تمضين! بل تسقطين السقطة الأخيرة، وهو ما قدّره لك الجميع.. فليس للرذيلة إلا هذا المصير.

- قف... ثرثرة لا معنى لها.. أهذا ما يقال عن الأموات؟ الرذيلة؟.. اذكروا محاسن موتاكم..

- ومن أجل هذا، أنت جديرة بالرثاء، فقد يغتفر للموت أنه يذهب بجمالك الأرعن، وجسدك الأنثوي الغض، وجميع رغباتك الدافئة.. ولكن ما لا يغتفر على الإطلاق، أن يسلبك السلطان المهيمن على النفوس... إغراء نظرة فاتنة أو همسة حب، أو إشارة موعد.. أن تصبحي فجأة شيئاً يُلقى في التراب دون اكتراث، بعد أن كنت تتلاعبين «بأصلب الرجال، وتخدّرين أقوى العقول».

- انتظر.. أي سلطان تملكه بغيّ!.. هذا يتناقض مع العنوان. كانت تبيع نفسها!. وللأغراب!. ماذا تريد أن تقول بالضبط؟.. الآن.. تابع..

- فالموت معقول دائماً، إلا حين يعترض الإنسان على هذه الصورة الشرسة، فيقذف به من أعلى قمة إلى أعمق هاوية...

كم يكون الموت محتملاً، لو أنه يكتفي بأن ينحدر بالإنسان درجة أو درجتين، لو انتزع منك الجمال مثلاً، أو سلبك سِحرَ الإغراء.. إذن لبقيت لك أنفاس الحياة على الأقل....

- أي ذهن ركيك ألهمك هذه المساومة مع الموت؟.. وبأي حق تساوم؟.. ومن أجل من.. استمر.. الموت معقول...

- ولكن لا يرحم .. إنه يعتدي على كل شيء دفعة واحدة، ولا منطق في عدوانه الآثم، ولا سيما مع الذين اعتادوا أن ينالوا كل ما يريدون، ويجدون الحكمة في كل ما يفعلون.. لأنهم يرون أنفسهم أبداً فوق الجميع..

- توقف.. دكتور، ألا ترى الغمزة الجديدة؟.. ولكن.. لنتابع.. لا.. انتقل إلى الخط الأحمر.. هناك في السطور الأخيرة.. من عند.. وحين..

- وحين لم تلتفتي إلى رجل غريب في النهار، إلا لتستسلمي له في الليل.. وإذ كنت حريصة على أن يعرف الجميع مخازيك، ويكثروا عنها الأحاديث، كما لو أنها فضائل، جديرة بالزهو والفخَار... أما العار فقد طواه خنوع العاشقين... وخوف المتلهفين... لم يكن لديك وقت لحديث الوجدان... ولماذا؟. مادام كل شيء يجري في الخفاء . أنت في مكانك السري المغلق من طرف.. والعالم كله من الطرف الآخر.. جميع الآخرين.. تمنحينهم رضاك المعطر، وتخونينهم جميعاً، دون اكتراث. أية رعية مأخوذة، يراقب بعضها بعضاً من أجلك، في غيرة وفيّة، ويا بؤس الذين يكتمون عنك شيئاً، أو يحاولون أن يعرفوا ماذا..

- كفى.. كفى.. اقرأ العبارات الأخيرة..

- وها أنت، أخيراً، تضطرين، وآ أسفاه، إلى أن تتركي جميع المعاصي.. ذهبت ضعيفة منتهية.. كالأكذوبة الواهية.. لا عزاء لك إلا أنك لم تتوقعي هذا المصير.. ولم يخطر لك في أي يوم أنك لم تكوني إلا الأداة في يد الآخرين...

- قفْ.. إذن هذا هو العزاء؟.. لم تشعر بأنها «أداة».

«هي في طرف والجميع في الطرف الآخر»، «تُمتّع الكل وتخون الكل».. «رعية يراقب بعضها بعضاً..» تفتخر بأن مخازيها على ألسنة الجميع.. ثم ماذا ؟.. هات الجريدة..

وبينما كان محمود يعيد الجريدة، وقد هيمن على الثلاثة جو غامض من الحيرة، كان الحاكم مستمراً في ترديد المقاطع الواردة: «السقطة الأخيرة..» «ليس للرذيلة إلا هذا المصير..» «الأكذوبة الواهية..» .. «رواق النسيان الأبدي» ثم توجه إلى الطبيب في شيء من التساؤل:

- عبارات جميلة منمقة.. ولكن.. دكتور.. هل تراها من أجل هذه المناسبة؟.. هل هي مرثية حزن، أم شماتة؟... ومن يخطر له أن يشمت بشخص ميت؟.. المهم.. ما كان هناك شيء يدعو إلى الاهتمام، لولا هذه الخاتمة القصصية الماكرة.. سوف أقرأ بنفسي. اسمع ماذا يقول كاتبنا (العاطفي) البارع، هذا هو لب الموضوع...

«ولكن إلى من تتوجه بالتعزية؟.. وما من أحد يعترف بك بعد الآن؟. بل هناك الرجل «المجهول» الذي أحببت حقاً، ولا بد أنه كان يبادلك الحب الصادق.. كنت تُشْعرينَ الجميع، في كل خلوة، أنه الوحيد الذي يعيش في قلبك الدافئ، الوحيد الذي تحبين..

كنا نتوهم أنه «شخص» خيالي، تتحدثين عنه للإثارة... كل المومسات يلجأن إلى هذا الأسلوب، في تحريض الرجال.. أما عندك، فقد كان هذا الحبيب كل الحقيقة.. عيناه العسليتان في صفاء البلور، وسمات الرجولة القوية في وجهه الأسمر، وشفتاه الرقيقتان، توحيان بالعزم والتصميم، مثلما يوحي جبينه الرحيب بالمهابة، وقد تهدّل عليه مفرق لامع، بدأ البياض ينساب في منابت شعره الأنيق...».

هنا توقف الحاكم عن القراءة، وجعل يمسّد براحته خصلة شعر، تنحدر على جبهته، وهو ينقلّ نظراته بين الرجلين، في ابتسامة ذكية. وقال الدكتور توفيق في دهشة، وهو يشاركه الابتسام، ويلتفت إلى محمود في تساؤل:

إذاً هذه هي القضية. هل كنت تعرف السيد الحاكم من قبل؟..

فقال محمود وهو يتجاهل السؤال:

- هذه هي الأوصاف التي كانت تذكرها أبداً.. كانت تعذب بها الجميع...

فقال الحاكم:

- وأنت واحد منهم.. لابدّ.. انظر إليّ.. حاكم المدينة لا يكون مجهولاً في المدينة.. هل تراني وسيماً إلى هذا الحد؟..

وما علاقة «الحبيب المجهول» بمسألة الرثاء؟ مع الموت يجب أن تذهب الغيرة..

فأطرق محمود هنيهة وقال في انفعال حزين:

- كانت المرأة الوحيدة التي أحببت.. إذا كان لا بد من الاعتراف... وهي كانت تحبني في جنون... كل مرة كانت تعترف وتهدد بالانتحار، إذا تخليت عنها.. أية امرأة!..

وتعثرت الكلمات في شفتيه، وشحب وجهه، وهو يردف في خنوع مفاجئ:

- سيدي.. مادام انتهى كل شيء، ألا يحق لي أن أذرف دمعة من أجلها، في كلمة عابرة؟.. أنا معلّم المدرسة الفقير، البائس؟.. ألا يحق لي أن أُعبّر عن غيرة الحب للمرة الأخيرة؟.

إنها انتشلتني من حضيض التعاسة، والشعور بالتفاهة، والهوان، وأعطتني كل شيء.. من قال إنها بغي؟.. متى كان الجسد وحده مصير الإنسان؟ فتاة بريئة القلب، في مثل هذا الجمال الغض، ليس لها أحد، تضطر إلى مجاملة هذا أو ذاك، بعض الوقت، ما ذنبها؟...

لو كنت تعرفها يا دكتور؟.. إنها طفلة.. طفلة في كل شيء... حتى الساعة الأخيرة، كان وجهها يشرق بالعفوية والطهارة، كأنها وردة تتفتح منذ لحظات، كأن لم يلمسها أحد.. هكذا ظهرت في هذه المدينة، وبالرغم من أنهم تداولوها في نذالة ولؤم، بقيت هكذا.. ولأنها حافظت على معدنها الأصيل، قتلوها.. من يُصدّقْ أنه موت طبيعي؟.. مستحيل.. مستحيل!..

كان الانفعال قد بلغ أوجه في نبرات صوته، مزيج من هيجان الحقد والانتحاب معاً، ترك تأثيره الواضح في مشاعر الطبيب، غير أن الحاكم بقيَ يبتسم دون اكتراث، بل إنه قال في شيء من التحدي:

- تدافع عنها أم عن نفسك؟.. كانت تحبك أم تحبها...

هذا موضوع آخر. المهم أنك تتمادى في الفضيحة، لو كان هناك حب حقيقي، لما أقدمت على هذا التشهير.. بها أولاً، ثم بي أنا أيضاً.

هل يقرأ أحد هذا الوصف دون أن يذكر الحاكم؟.. ماذا يكون موقفك أنت، حين تحشر في مثل هذه القصة «القذرة»؟ لكل شيء حدود.. ومع هذا، لنترك «الغراميات» جانباً. كيف خطر لك أن تدمج بيننا، أنا وهي، بهذه الصورة الخبيثة، العبارات تفضح نفسها. كل ما تقوله عنها في الجريدة تُلمّح فيه إلى شخصي...

أسلوبي في ضبط الأمن وسياسة البلد، لا يشبّه بتصرفات مومس، ليس الناس أغبياء إلى هذا الحد.. كل شيء يُفهم بحذافيره، والنيات السيئة لا تخفى على أحد... هل تنكر سوء النية؟... أجب... تعرف أنه لا شيء يهمني، ولا أحد يستطيع شيئاً أمامي... ومع هذا... أريد أن تعترف.

هذا ما قاله الحاكم وهو ينهض في شيء من فرض المهابة، يعرف به جميع الموظفين، الذين يتكلمون من موقع القوة - على حد التعبير المألوف - وقال لتوفيق:

- عفواً دكتور، أخذنا من وقتك أكثر مما يجب، ولكن.. هذا لابدّ منه. القضية ما تزال في البداية..

فقال توفيق:

- الحقيقة أنني لا أفهم.. هناك أمور خاصة على ما يظهر... فبادره الحاكم قائلاً في حدّة:

- أبداً.. حين يكون الإنسان على هذا الكرسي، فكل ما يتعلق به، يصبح من القضايا العامة، لو كانت مسألة شخصية لتوليتها بطريقة أخرى. كل إنسان يتصرف كما يجب، عندما تمسُّ سمعته، أو توجه إليه إهانة. ولكن الإهانة توجه إلى الدولة كلها...

ولماذا؟.. لأن هذا الصعلوك، أراد أن يعلن أنه عاشق، ولم يكتفِ بالإعلان الذي يحاول أن يؤكد به لنفسه، أنه شخص ذو أهمية، بل تجرأ على النيل من أعلى مقام في البلد.. ولذلك يجب أن يُعاقب من أجل أشياء كثيرة: البغاء، والتحريض على الرذيلة، والقدح والذم في شخصية مسؤولة، وربما .. قتل امرأة.. هذا ممكن «ما دام يؤكد العلاقة السرية الوثيقة»...

عندئذٍ نهض المعلّم الشاب معترضاً، وهو يرتجف في هيجان عنيف، وقال وقد التمع في عينيه بريق الغيظ واليأس معاً:

- لا.. لا.. ليس إلى هذا الحد!.. ماذا تريد يا سيدي الحاكم؟.. أعترف بكل شيء.. حتى سوء النية..؟ ولكنني أُقسم بأنني لم أقصد إلى هذا... لا علاقة لي بالسياسة...

فتدخل توفيق:

- لا أحد يتهمك بهذا..

فقال محمود وهو يتوجه إلى الحاكم في هذا الحوار:

- ولكن هذا ما تعنيه يا سيدي، على ما أظن..

- نعم هذا ما أعني... مسألة دعارة تستغل ضد السلطة..

- إنني أتراجع عن كل شيء... أرجوك دعني أذهب..

- تتراجع؟ وكيف!... الجريدة طُبعتْ ونُشرَتْ...

- أَنْشُر تكذيباً في الجريدة نفسها؟..

- ماذا تكذب؟ أنها ماتت؟..

- كما تشاء كيف أستطيع أن أتراجع؟.

فقال الحاكم في ابتسامة هادئة:

- حتى عن الحب؟.

فقال توفيق وهو يضحك في شيء من المرح:

- طبعاً.. مادام الحبيب قد فُقدْ...

وسادت الجو هنيهة صمت، مثقلة بالحيرة، ثم قال الحاكم في لهجة جدية غريبة، وهو يتفرس وجه الطبيب:

- الآن نصل إلى جوهر المسألة. معذرة، دكتور، أظن أنك لا تمانع في مساعدته على إيجاد حل معقول. صحيح أنني تأخرت في بحث القضية، ولكنها في الواقع أصبحت معقدة أكثر مما نتصور...

ولكن الظروف أرسلتك في الوقت المناسب.. نحن الآن في (11) آذار، اليوم يكون هذا الرجل قد قضى في السجن الانفرادي، ثلاثة وستين يوماً، وهو لا يعرف ما يحدث في الخارج، فيما يتعلق بقضيته. لقد وجهت إليه تهمة القتل عمداً.. أو هذا ما أنوي على كل حال.

لم يكن الأمر مستعجلاً. في أول يوم من العام، أعني بعد رأس السنة بساعات، علمت المدينة بحادثة الموت المفاجئة. ولم تكن الأحوال ملائمة لا للتشييع والدفن، ولا للتحقيق. كنا نطبق حالة الطوارئ ومنع التجول، بسبب الإضراب والمظاهرات، ولذلك لم يسأل عنها أحد، ومن حسن الحظ أنها كانت مقطوعة في البلد، لا أهل ولا أقارب. ولكن هذا العاشق المحترم بدأ يثرثر.. الجميع يعرفون علاقته بها، وربما كانت تحبه بالفعل، ولكن للتسلية لا أكثر. وكل ما يقوله عنها صحيح، مستهترة ولكنها بريئة طيبة القلب... إنها ما تكاد تبلغ السادسة عشرة من العمر، ولهذا لا بد من أن يكون هناك من يحميها... كانت تجهل حتى ماذا يعني، أن تصبح الفتاة مومساً.. المهم الآن تسوية الأمور بصورة قانونية!.. دكتور.. متى باشرت وظيفتك في حلب؟..

قال توفيق وقد فاجأه هذا الاستدراك:

- 1/1 .. أول يوم من السنة...

- عال.. المفروض أنك بدأت العمل في المستشفى على الفور...

ما زال الحديث بين الحاكم والطبيب، الذي استدرك قائلاً:

- نعم .. ولكنه يوم عطلة..

- هذا لا يهم... يمكن وضع التاريخ بعد أربع وعشرين ساعة... الخدمة التي أرجو أن تؤديها، وعلى مسئوليتي، هي تقرير طبي بسيط عن الوفاة: موت طبيعي، أو حادث دهس، أو تسمم، أو حتى محاولة انتحار ناجحة.. تستطيع أن تكتب «الحيثيات» كما تريد.

- ولكن هذا مستحيل، يا سيدي الحاكم.. إنني لم أرَ شيئاً ولا أعرف...

قلت لك، على مسئوليتي.. والقضية خدمة إنسانية كما ترى... هذا المسكين متهم بالقتل، وهو سجين لهذا السبب، المدينة كلها، أصبحت تعرف هذا.. والأرجح أن الظروف لن تسمح بمحاكمته قضائياً، ولهذا لا بد من أن يبقى في السجن، حتى نهاية الحرب على الأقل. شيء غير معقول وجدانياً، وبيدك الآن وحدك أمر إنقاذه.

- ولكنني من الناحية الوجدانية أيضاً، لا يحق لي أن أُزوّر مثل هذا التقرير...

- تزوّر؟ معاذ الله، كل ما في الأمر، أنه سوف يكون بخط يدك وتوقيعك.. التزوير شيء آخر... ثم إنك طبيب غريب عن البلد.. تقوم بخدمة مؤقتة... هل تنوي أن تفتح عيادة هنا؟...

- لا... عيادتي مفتوحة في دمشق...

- ما الذي تخشاه إذن؟.. ولا تنسَ أنها مناسبة لإنشاء صداقة حقيقية بيننا، أنا وأنت، كل شيء سوف يكون في متناول يدك...

وقبل أن يتاح للدكتور توفيق، أن يفحص الأمر أو يفكر كما ينبغي، وجد نفسه يتلو مسودة تقرير، قدّمه إليه الحاكم وهو يقول:

- لقد أعددتُ كل شيء.. وما عليك إلا أن تحذف العبارات التي ليس لها لزوم.. انتحار، حادث،.. الخ وتضيف الأسباب المباشرة للوفاة بشكل معقول..

على هذا النحو، استطاع الحاكم أن يضع الدكتور توفيق في مأزق حرج، ويحول المشكلة إليه بكل براعة... والغريب أن الطبيب الشاب لم يفكر - وهو يقرأ نص التقرير - بأن هناك ما يدعو إلى سوء الظن بالمسؤول الكبير - وقد بدا له في هذه اللحظة بصورة خاصة، تجسيداً ذكياً، لكل ما ينبغي أن تكون عليه السلطة القوية. - ووجد نفسه يعمد إلى إجراء التعديل المطلوب.

وها هنا لابدّ من الإشارة إلى هذه الصفة في طابع شخصيته، مادام قد أصبح الآن موضع الاهتمام. صفة الانقياد تجنباً للمتاعب، أو الاطمئنان للحلول الجاهزة التي درسها الآخرون جيداً، وأعدّوا لها الصيغة النهائية. غير أنه قد اعترض في البدء، مستنكراً «التزوير» والمخالفة الوجدانية... وها هو ذا يتناسى «الجانب الأخلاقي» من فوره، كما لو أن اعتراضه لم يكن أكثر من مزاج عابر. هذه هي الصفة البارزة لدى أمثاله من الأشخاص الذين يسهل عليهم التنازل. التنازل على الإطلاق، هذا هو التعبير المناسب، مهما يكن هناك مجال للمناقشة، والتفكير، وحرية الاختيار.

وهكذا سويت القضية... ويمكن استخدام العبارة ذاتها في موقف الرجلين الآخرين، الحاكم تنازل عن الحق العام، في تهمة القتل، وتجريح السلطة، وعفا عن المعلّم، ومحمود الرامي تنازل عن حقه الإنساني العفوي، في التعبير عن عاطفته «الجياشة» في الحب والرثاء، وعن مشاعره الغامضة، أمام الدولة كما يمثلها حاكم المدينة. وبينما كان الثلاثة يتصافحون، في شيء من التصافي والود، إيذاناً بانتهاء المقابلة، فتح باب داخلي صغير، عن يمين المكتب، وظهرت فتاة جميلة، ما تكاد تتجاوز المراهقة، غير أن ثيابها الأنيقة، وقد انحسرت عن أنوثة مبكرة، توحي بأنها تقارب العشرين، وقال الحاكم كمن يقدمها للرجلين وهو يدعوها إلى الاقتراب:

- الآنسة سهام عبد المجيد...

فصاح المعلّم الشاب في دهشة عفوية:

- سهام؟. أنت هنا؟.. على قيد الحياة؟.

وقال الدكتور توفيق في حيرة:

- إذن هذه هي!.. سهام عبد المجيد!. الاسم الذي ورد في التقرير...

وقال الحاكم وهو يمسك بيدها في حنان، ويوشك أن يقهقه ضاحكاً:

- هي ذاتها.. إنها ميتة من الناحية الطبية، والصحفية، والغرامية... ولكنها عندنا، ما تزال تتمتع بالحركة والحياة، وكل هذا الجمال...

وأردف وهو يشير إلى الباب الخارجي، في نوع من الأمر بالانسحاب:

- إلى اللقاء..

وبينما كانا يهمان بالخروج، استدرك مخاطباً الطبيب:

- مع هذا.. دكتور، تستطيع أن تجتمع بها في أية ليلة.. إذا شئت.. قريباً، أتصل بك من أجل سهرة.. عنوانك المستشفى طبعاً؟...

فأومأ الدكتور توفيق بالإيجاب، وخرج إثرَ ِ صاحبه الجديد.

* * *