-3-
أشياء خاصة أخرى عن الحاكم والطبيب
هذه هي الفضيحة التي أرغمت الدكتور توفيق، على أن يحدد منذ البداية، سمات شخصيته «الحلبية» - على حد تعبيره - وأن يجيد الاستمتاع بمسرات الحياة، في هذه المرحلة الغضة، من سنوات العمر، مرحلة الخروج إلى الحياة العملية. رأى أن تفاصيل اللقاء الثلاثي، في مكتب الحاكم، قد تسربت إلى الأوساط المعنية، بما فيها التقرير الطبي الكاذب، وظهور «سهام» من جديد، فلم يعترف، لم ينكر، بل وجد نفسه في حل من الجواب، على أي استفسار في هذا الموضوع، مادام الحاكم - أي السلطة - إلى جانبه. وكثيراً ما كان يحرج، ولاسيما أن المرأة عادت إلى الحياة العامة، في كثير من ضوضاء الشهرة، فقد تحولّت إلى مغنية وراقصة، بالإضافة إلى مهمتها الأصلية. ولم يكن من الصعب على الحاكم، بما له في المدينة من ألسنة تحسن التنقل، مثلما تفعل عيونه المنتشرة في كل مكان، أن يقنِع الرأي العام، بأن الشبه الفاضح بين سهام التي حزن عليها الجميع، وبين الغانية «الجديدة» - وقد أطلقت على نفسها اسم سوسن - ليس إلا محض مصادفة. والغالب أنه استطاع خلال أيام غيابها الطويلة، أو في فترة «موتها» المعلن، أن يروضها على أساليب جديدة في ممارسة الأنوثة، تُبْعِد الظنون، عن مريديها المفتونين على الأقل.. لقد احتفظ بها شهرين كاملين في مخدع منعزل، وأغدق عليها من ألوان الرعاية والمتعة والرفاهة، ما كاد ينسيها، بأن الابتذال قد قدّر عليها، منذ اختارت هذا الطريق الملوث، بل كانت تشعر أحياناً، وهي في غمرة عاطفية من خلواتهما الدافئة، بأنها - على الرغم من السمعة السيئة والشروط الاجتماعية القاسية - تستطع أن تتحدى أية امرأة «محترمة» في الاستئثار بأي رجل.. ولتكن هذه المرأة زوجة الحاكم نفسه.
والواضح أنه هو الذي كان يشعرها بهذا كله، حين كان يؤكد لها - وقد عبث به الخمر والمُجون - أنها وحدها عالمه الحقيقي، في علاقته بالجنس الآخر طبعاً، وأنه لم يصطنع قصة وفاتها الظاهرية، خوفاً من أزمة عائلية، بل من أجل ما يقتضيه المنصب الرسمي ليس إلا.
وقد يبدو لأول وهلة أنه لا مجال للإسهاب في مثل هذه الأمور.
والحقيقة أنها أصبحت أساسية، في التجارب الراهنة للدكتور توفيق، وقد امتد وعيه بطبيعة الحال، إلى كل ما يتعلق بالقضية، لا لأنه وجد نفسه من القلائل، الذين يُتاح لهم لقاء سوسن، واستسلامها في أي وقت يشاءون فحسب - ولا ننسَ أن الحاكم قد وعده بشيء من هذا القبيل - بل لأن الرجل المسؤول - وهو الآن أمام توفيق، محض إنسان عادي على عتبة الكهولة، يبحث عن الملذات - قد أقحم الطبيب الشاب في الكثير من شؤونه الخاصة. لقد أوكل إليه مهمة الإشراف على صحته، وذلك يعني أن على الدكتور توفيق أن يتتبع قي يقظة، جميع التغيرات التي تطرأ على مزاج عضوي نادر، اعتاد على توتر الفعالية، والتنبه الحذر أثناء العمل، مثلما أدمن على المتعة الجسدية، في كل شيء. ومع أن الدكتور توفيق لم يكتشف أي خلل في تكوين الرجل ووظائفه العضوية. فقد كان عليه أن يبقى دوماً تحت الطلب، ولاسيما في الساعات المتأخرة من الليل، حين يبدأ الجسد أحياناً بمحاسبة صاحبه، على الإفراط في استهلاك طاقته. وهكذا أتيح للدكتور توفيق أن يكون على اتصال مباشر بالحياة العائلية، التي كان ينبغي أن ينعم بها الحاكم العابث.
زوجة جميلة طيبة القلب، ومنزل مترف أشبه بالقصر الأنيق، وأطفال مرحون، في حاشية من الخدم والأتباع.. إلى ما هنالك.
شيء واحد كان يحول بين رب الأسرة، وبين ما ينبغي أن يكون عليه - في تقدير الدكتور توفيق بالطبع - هو التساؤل القلق عما «ينبغي». هذا ما يُلاحظ في مزاجه للوهلة الأولى. وهي ملاحظة صحيحة، على الرغم من أنه يبدو راضياً عن كل شيء في الجو العائلي. إذا كان للطب - ويمثله الدكتور توفيق الآن - أن يضع يده على كلمة السر، في هذا التناقض فذلك أن الرجل «القوي» قد اعترف منذ البداية، بأنه في طبيعة الحياة - وهو يعني كيانه الجسدي «الحيّ» - ما يشبه الداء الخفيّ، يترعرع في الأعماق وينمو دون أن يشعر به أحد، وكل ما نعرف من أمره، أنه لا بدّ من أن يكون هو المصوّر الغامض لجميع ألوان الهموم العضوية
- إذا صح التعبير - مثلما يُقال عن نزعة الشر الكامنة في طبيعة كل إنسان؛ إنها الشيطان الداخلي الذي يعبث بروح البراءة بين حين وآخر، ويدفع إلى المعصية والخطيئة. في هذا التصور التقليدي تتراءى أقصى حدود الوعي الأخلاقي لدى الحاكم. والواضح أنه وعي حيادي، كما تدل عليه شخصية الرجل وتصرفاته. هناك واقع لا بدّ من التسليم به، والإذعان لما يمليه من السلوك، لا لأنه لا يُقاوم، بل لأن المقاومة لا تُجدي، بل كثيراً ما تكون نوعاً من الحماقة أو الجنون: وساوس الداء الكامن في الجسد، والنزوات «الشيطانية» الماكرة. قد يكون من الصعب أن نعزو «استهتار» توفيق، إلى تأثره، بشيء من «حكمة» رجل السلطة في هذا المجال، ولاسيما ما يتناول الجانب الأخلاقي - إذ قلّما يكون همُّ الجسد مشكلة في مثل هذا السن - غير أنه كان في الحقيقة، يشعر بنوع من الهيمنة الخفية، تحرّضه على الرغبة في الاستباحة على الأقل....
الحقيقة أن هذه النقطة هي وحدها التي بقيت موضع التساؤل «المريب» في وجدان الدكتور توفيق، من كل عناصر الفضيحة.
شيء بينه وبين نفسه، يبعث القلق أحياناً، ولكنه لا يُبدّل شيئاً من السلوك. والواضح أن الدكتور لم يهتم كثيراً بأن تكون المسألة أزمة داخلية، مقدار اهتمامه الشديد، بأن يفعل كل ما يشاء، دون أن يشعر برقابة الآخرين. لماذا!. إنه نفسه يجهل. ولا يعرف أيضاً، أهو شيء في طبعه، أم أنه من ثمرات استسلامه الصامت لشخصية الحاكم؟، الشريك الأكبر في القضية، وقد أصبح بصورة عفوية، شريكه أيضاً في سوسن.
كان الطبيب يوافيها مرة في الغالب، خلال الأسبوع، وهو يعلم أن الحجرة الأنيقة التي كانت تستقبله فيها، قد أعدت من أجل كثيرين. أما منزلها الحقيقي فقد كان من أجل الحاكم وحده.
* * *