-8-
المؤامرة ..
على ضوء الفجر البكر حيث وضعنا العظام على ملاءة ، أمكنني الآن التأكد من أنني كنت .. مخطئا في البداية .. فعلا هذه عظام طفل ..
صاح أحد الرجال في عصبية :
ـ " من فضلكم لا تقولوا إنها فتحت القبر وذهبت .."
قلت في هدوء لأمتص غضبه :
ـ " لا شيء من هذا .. هناك من أخذها لغرض ما .. ربما ليدفنها في قبر أفضل أو من أجل طقوس لا نعرفها .."
ثم تنهدت ونظرت الى الساعة .. إنها السابعة صباحا .. لقد استغرقت كل هذه الاحداث أربع ساعات .. وانا جائع وموشك على التجمد .. قلت لهم إن الوقت حان للعودة الى الخان وترتيب الخطوات التالية ..
ومشي الموكب عائدا في ضوء النهار الخجول الذي لا يجرؤ على ان يفصح أنه نهار ..
من بعيد كان الخان ، وقدرت أنني سأغسل وجهي وأصلي وأتناول الإفطار ، ثم انام عشر سنوات في الفراش الدافئ حتى توقظني الساحرة لتخبرني بأن الدور دوري ..
لكن الجو لم يكن مريحا .. في البداية وجدنا ان مسز ( بانكروفت ) ليست هناك .. ثم صعدت الى الطابق الذي اقيم فيه ، فوجدت ان باب غرفة الفتاة مفتوح عنوة ..
هناك من اقتحمه .. كنت وحدي الآن فلم استطع طلب عون ، لكن القصة واضحة .. لقد عادت او عاد كي يأخذ الاوراق التي هي بالتأكيد مهمة جدا ، وكان غضبها مسيطرا حين وجدت أنه لا شيء منها في الغرفة ..
و .. ( ماجي ) !!
هرعت الى غرفتها وكانت المصيبة التي توقعت إن الباب مفتوح..
افتحمت الغرفة لأجدها نائمة على الفراش بكامل ثيابها .. ليست هذه نومة استرخاء او نومة من قضي الليل ساهرا .. سقط قلبي في قدمي ودنوت منها في حذر .. بسبب ارتباكي فشلت فعلا في ان ارى إن كان صدرها يعلو ويهبط ام هو ثابت كالحجر ..
لكنها كانت تتنفس ..
بالحقيقة تتنفس ..
جوار الفراش جثوت وانا اغالب دموعي .. حمدا لله .. للمرة الأولى افطن إلى ان ( ماجي ) كائن حي يعيش ويموت وليست رمزا . كنت احسبها كالعدل أو الحقيقة .. هل رايت يوما جثة عدل أو اشلاء حقيقة ؟
في النهاية فتحت عينيها وكانتا حمراوين كالدم ..
لا داعي للمزيد من البحث .. هاتان عينا إنسان يفيق من مخدر ..
بالمناسبة أنا لا ارى الطفلة من حولها ..
هتفت من بين شفتين التصقتا من القشور :
ـ " إليانوووووووور "
كما توقعت بالضبط ..
جلبت بعض الماء وسقيتها إياه .. ثم سكبت الباقي على وجهها .. وماء ايرلندا بارد .. بارد ..
اخيرا جلست في الفراش وراحت ترمش بعينيها في بلاهة ، ثم سألتني من جديد :
ـ " أين ( إليانور ) ؟"
ـ " حسبتك اقدر مني على الإجابة عن هذا السؤال .."
نهضت من الفراش في حزم صائحة :
ـ " خطفوها !"
القصة كما حكتها لي هي ان المسز ( بانكروفت ) جاءت في الخامسة صباحا تقرع الباب .. قالت لها إنها راغبة في إخبارها بشيء مهم .. وهكذا لم يكن من مبرر لإبقاء الباب موصدا .. فتحته فدخلت المرأة ذات الشعر المعقوص .. قالت لها كلاما كثيرا عن خوفها من أن تكون هي الضحية التالية .. ربما لأن جدة جدتها كانت في تلك القصة المشئومة ..
طمأنتها ( ماجي ) .. وكانت الطفلة نائمة في الفراش فلم تسمع شيئا من المحادثة .. إلا ان ( ماجي ) نهضت الى الحمام كي ..
وهذا آخر ما تذكره من القصة ..
حدث أي شيء . .على الأرجح منديل مبلل بالكلوروفورم على الأنف او شيء من هذا القبيل .. بعدها وجدت نفسها في الفراش وانا اوقظها كالكابوس ..
ـ " هذا يعني ان مسز ( بانكروفت ) متواطنة .. كنت اعرف انها تبدو كساحرة .."
- " انت قتل لي ان اثق بها وامضي الوقت معها .."
ـ " انا قلت هذا ؟ إذن كنت حمارا .. ما علينا .."
قالت وهي ما زالت متحشرجة الصوت ، ويبدو ان راسها ما زال غير ثابت :
ـ " ربما لم يكن لها دور .. ربما هوجمنا معا .."
ـ " وهذا يجعلنا نتساءل اين هي ؟ وأين الطفلة ؟"
كنت اتمنى ان اقول إن هذا خبر طيب لي ، لكني لست بهذه القسوة طبعتا .. لقد اختطفت الطفلة وبيد أشخاص لم يبد حتى هذه اللحظة أن في قلوبهم أدنى ذرة من الرحمة .. إن من ير جثة ( بارنيل ) يعرف جيدا معنى ما اقول ..
قالت في توتر وهي تتجه الى الباب :
ـ " ساعرف حالا .. اقسم لك إنني لن اغادر هذه البلدة إلا وهي معي .. وانت .."
ثم نظرت في عيني وهمست كأنما تذكرت شيئا :
ـ " للابد ؟"
كانت تقولها من دون هيام ، بل في توتر .. كأنما تستوثق من أنني لم اتغير بعد ، أو تطمئن على ان اسلحتها محشوة .. قلت لها :
ـ " ماذا ؟"
ـ " ستكون ملكي للأبد ؟"
ـ " وحتى تحترق النجوم كلها .. وحتى .."
ثم توقفت .. هذه المرة لأن رجل الشرطة الأحمق اقتحم الغرفة .. وهتف إذ رآني :
ـ " اين مسز ( بانكروفت )؟"
ـ " هذا ما كنا نتكلم فيه حين دخلت دون استئذان .."
وبسرعة حكيت له القصة فازداد شاربه كثافة وتقلص وجهه كأنما يموت .. ثم ابتلع ريقه وقال :
ـ " هناك امرأة ماتت في البلدة هذا الصباح .. لا .. ليست مسز ( بانكروفت ) .. ماتت بنفس الطريقة الشنيعة .. هذه المرة طار عنقها من على كتفيها ، لكننا لا نعرف شيئا عن علاقتها بالقصة .."
قلت في ملل :
ـ " لا بد انه امن أخبر القس .. كي يخبر ( كيليبارون ) بان .. إلى آخر هذا الهراء .."
أضاف بنفس اللهجة الخطرة :
ـ " الفتى ( اونيل ) كذلك اختفى .."
ـ " المختفون أكثر من اللازم في هذه البلدة .. هل تعني أنهم غادروها ؟ "
ـ " بل على الأرجح هم مختفون في مكان ما .. إن ( أوليفر كليباتريك ) لم ير أحدا يخرج من البلدة منذ أمس .. إن ( وليفر كليباتريك ) هو .."
ـ " نعم .. نعم .. هو رجل يمكنه ان يعرف من غادر البلدة .. وفر شرح ما لا طائل وراءه .. وهل في بلدتكم مخابئ ؟"
فكر قليلا وهو يعتصر شفته السفلى كأنما ليمزقها ، ثم قال :
ـ " هناك الكنيسة بدهاليزها الخفية .. هناك القلعة .. هناك كهفان .."
ضربت ( ماجي ) بكفها على صدرها كأنما تلطم وهتفت :
ـ " يا إله السماوات ! يمكن إخفاء كتيبة من الجيش الروماني في تلك الأماكن .. نحن لن نجد هؤلاء أبدا .."
قلت لها في ثبات نافشا صدري :
ـ " لكننا سنبحث فيها جميعا .. فقط اريد دقائق كي ادخل غرفتي واستعيد كياني .. لسوف يكون يوما طويلا .."
قلتها بلهجة ابطال الروايات شديدي المراس ، ودخلت الى حجرتي ، ثم نمت .. نمت وانا استند الى حوض غسيل الوجه .. ثم نمت حين خرجت .. ثم نمت وانا اقول لنفسي إنني لن انام ..
ظهرت بعد ساعة ونصف متظاهرا بالانتعاش .. وكان الجميع جالسين في قاعة الجلوس ، وقد جلست (ماجي ) جوار رجل في الخمسين من عمره ممن يعرفون ما يفعلونه ، وقد فردوا على المنضدة خارطة مرسومة بالقلم الأسود العريض للبلدة .. ورأيته ينظر الى مجموعة من الرجال الأشداء يرتدون سترات ثقيلة ويحملون العصى :
ـ " ( رايان ) و ( أوليفر ) .. الكنيسة .. القبو ( ج ) .."
وانطلق الرجال .. هنا فهمت انهم يشكلون فرقا للبحث .. إنهم اشداء فعلا واحمد الله على أنني لست تلك الفتاة ( لورين بلاك ) ..
وجدت مقعدا جوار المنضدة فجلست ، وكانت هناك قهوة مددت يدي لها دون أن اسال من شرب منها .. نظرت ( ماجي ) لعيني الحمراوين ففهمت على الفور النشاط الذي كنت أمارسه ، وابتسمت في رفق ابتسامة عصبية سريعة .. تذهلني قوة تحمل النساء ايضا .. إنهم لا يملكن قوة جسدية لكنهم يتحملن الأوضاع الصعبة اكثر منا نحن الرجال بمراحل ، وعلى قدر علمي هي لم تنم امس إلا قدر ما نمت أنا : لا شيء تقريبا ..
قال لي الرجل الذي يعرف ما يجب عمله :
ـ " دكتور .. هلا انتحينا جانبا ؟ اريد كلمة معك "
نظرت له في عدم فهم ، ثم نهضت واتجهنا الى ردهة جانبية تقود الى السلم .. كان كما قلت في الخمسين ، ضخم الجثة مما يوحي بأنه رياضي قديم .. ذلك الترهل القوي الذي يميز من كانوا يمارسون رياضة عنيفة ثم توقفوا ، وكأنه حليق الوجه بعناية وله عينان ثاقبتان ..
أشعل لفافة تبغ غليظة ، وقال لي :
ـ " لقد سمعت القصة من الآنسة .. هناك كما فهمت جماعة سرية تحاول إعادة ( رونيل السوداء ) الى البلدة.. إن الآنسة لم تحك قصتها مع المقبرة إلا الآن .."
ـ " هل تعتقد ان الجماعة ما زالت تحاول ؟ اعتقد انها نجحت .. وإلا فمن هي ( لورين) ؟ وما سر حالات الوفاة هذه ؟
ـ " لن نعرف أبدا .. ربما كان الانتقام مطلوبا كي تستطيع الساحرة العودة .."
ـ " هذا يضعنا في مأزق آخر .. كيف عادت ؟ هل غادرت قبرها ؟ هل مست تلك الفتاة ( لورين ) ؟"
قال من جديد :
ـ " لن نعرف أبدا .. لكن هناك شيئا مؤكدا يجب ان تعرفه ولا تخبر به الآنسة .. لانها لو عرفت لفقدت صوابها .. الطفلة في خطر داهم .. ولربما انتهى هذا كله .."
ـ " لماذا ؟ "
- لان ( رونيل السوداء ) كانت تلتهم الاطفال .. الم يخبرك أحد بهذا ؟"
وتصلبت .. واستندت الى الجدار ..
كانت المرة الاولى التي اسمع فيها هذا الجزء ..
هذا جزء لم يخطر لي ببال قط ..
***
-9-
أين هم ..
كان الفريق الذي ضمني الرجل إليه مكلفا بتفقد كهف عتيق على حدود البلدة ..
وقررت في هذه المرة أن آخذ ( ماجي ) معي في كل خطوة .. لن أمارس من جديد سيناريو ( لقد ـ نسينا ـ الآخرين ـ وانشغلنا ـ بوهم ..
عند الظهيرة وصلنا هناك .. ظهيرة ( ايرلندا ) الباردة الشبيهة بالغروب عندنا .. وكان الكهف يقع فيما بعد جغرافيا جزءا من مرتفعات ( إريجال ) .. يرتفع عن الارض حوالي سبعة امتار ، وهو ما يجعله من الكهوف المرعبة بالنسبة لي .. كانوا قد وضعوا حبالا تغلق مدخله كي لا يدخله الاطفال ، وبدا لنا ان هذه الحبال لم تمس ..
في الداخل على ضوء الكشافات كان المشهد مروعا .. الرائحة عطنة اقرب الى الماء الآسن .. وكان الماء بالفعل يتساقط من هوابط السقف ..
هناك وطاويط انتظرت لحظة ثم هرعت تفر من المكان وقد تضايقت من هذا الإزعاج ..
شعرت بيد ( ماجي ) النحيلة تضغط على يدي فضغطت أكثر ، وإن كنت اعرف جيدا انه لا يوجد شيء مقلق هنا .. ليس الأمر بهذه السهولة .. ولو قابلن السحرة فلن يكون هذا وسط كل هؤلاء الرجال الأشداء .. حين تقابل السحرة سيكون هذا بشروطهم في أسوأ ظروف ممكنة .. وأنت وحدك تماما اعزل كطفل رضيع ..
يجب ان أقول هنا إن ( ماجي ) _ وهذا من حقها _ تغيرت تماما .. لم تعد تملك أي روح دعابة .. صارت عصبية متوترة مكتئبة كالبومة .. إنها تحب الطفلة حقا ..
رحنا نفتش في الكهف الذي كان عميقا .. لكن لم يكن هناك شيء .. وضايقني أنهم يضيعون وقتا أكثر من اللازم في إثبات حقيقة واضحة من اللحظة الأولى ..
في النهاية قال قائدنا لاهثا :
ـ " لا احتمالات للخطأ .. هؤلاء القوم ليسوا هنا .."
ـ " أخيرا !"
وقالت ( ماجي ) وهي تحكم إغلاق سترتها على رأسه ا:
ـ " لنعد إلى الخان .. فلعل الآخرين ظفروا بحظ أفضل .."
***
يمكن دون جهد كبير ان تصف اجتماعنا في الخان مرهقين ، تجمدت عروقنا ، بردا ، بأنه ( مجمع الخائبين ) .. وكان الخان قد تحول الى غرفة عمليات بالفعل ، والنسوة رحن يعددن القهوة الساخنة للرجال العائدين الذين لم يجدوا شيئا .. كما شممت رائحة تدل على ان هناك حساء يتم إعداده .. لو ان المسز ( بانكروفت ) ما زالت حية فلا بد انها كانت ستموت لو رأت ما حل بالخان الأنيق الجميل ..
لقد بدا الأمر كأن عشيرة من ثيران المسك اتخذت سكناها هنا .. الأحذية على المناضد والدخان في الهواء .. رماد التبغ على البساط والعلب الفارغة في كل مكان .. هناك من يبصقون على الأرض لكنهم قلة لحسن الحظ ..
لكنني كنت سعيدا .. برغم كل شيء .. كنت سعيدا ..
انا وانت هنا .. في هذا الموضع الدافئ بينما العاصفة تزأر بالخارج ..انا وانت هنا نواجه نفس الخطر ونفكر في الأشياء ذاتها .. ما يهددك يهددني وما يطمئنك يطمئنني .. فلتزأر العاصفة .. فلتزأر العاصفة ..
إن الليل يقترب بسرعة دون نتائج ..
لم نجد أثرا للطفلة ولا الفتى ( أونيل ) ولا العجوز ( بانكروفت ) ولا الفتاة ( لورين ) ..
قال الرجل الذي يعرف ما يجب عمله :
ـ " لماذا لم يصل رجال البحث الجنائي هؤلاء ؟ إنهم اقدر على حل كل هذه الالغاز .. "
ثم نظر حوله وهتف :
ـ " هل الجميع هنا ؟؟؟ لا نريد ان نترك خلفنا أحدا .."
تقريبا كانت البلدة كلها هنا .. لا تنس ان هذه البلدان قد يكون تعداد سكانها مائتين او ثلاثمائة .. لسنا في مصر هنا حيث يبلغ تعداد مدينة واحدة دولة أوروبية بأكلمها .. لكن بالتأكيد هناك مواطن واحد قد نسيناه ، وهذا الواحد ميت الآن بطريقة بشعة ..
ساد الصمت ورحنا نصغي لصوت الريح بالخارج .. والنار في المدفأة التي اشعلتها النسوة .. وجاءت فتاة شقراء متجهمة الوجه كبيرة اليدين تحمل دلوا فيه مغرفة .. وصبت لي بعض الحساء الساخن في طبق ووضعته امامي ، ثم تركتني لتفعل الشيء ذاته مع ( ماجي ) .. ذكرني مظهرها بساعة توزيع ( اليمك ) في السجون .. نفس الدلو واقسم على هذا .. صرنا كأننا في معسكرات الإيواء بعد الكوارث .. اما عن الحساء نفسه فقد اعتدت على حساء اليورانيوم في كل اوروبا فلم يعد يثير اشمئزازي .. لكن ماذا عن حساء الأحذية ؟
راحت ( ماجي ) ترشف الحساء شاردة الذهن .. فجأة هتفت وقد تذكرت شيئا :
ـ " لحظة .. هناك كهف في المقابر .. قربها لا ادري الكهف الذي وجدوا فيه حاجيات تلك الفتاة ( لورين السوداء ) كما حكى لنا السيد ( بارنيل ) هل رايتهم هذا الكهف ؟"
قال الرجل الذي يعرف ما ينبغي عمله :
ـ " لا احد يذكر مكان هذا الكهف .. على قدر علمي اندثر منذ زمن .."
ـ " وعلى قدر علمي الكهوف لا تندثر بل تتوارى فتحاتها .. البلدة لم تشهد زلازل قط .."
تبادل رجلان النظرات ، ثم قال احدهما وهو يضع طبق الحساء جانبا :
ـ " ربما يعرف ( إدوود ) شيئا عن هذا ؟"
قال الرجل الذي يعرف ما يجب عمله :
ـ " ليكن .. ( أونولان ) و ( رايان ) و ( أوليفر ) .. إذهبوا لتروا ( إدوود ) لو كان ما زال حيا .. خذ معك ما يلزم يا ( رايان ) .."
هنا وضعت حسائي بدوري .. واشرت لـ ( ماجي ) ان تنهض معي .. هذه المرة سيكون هذا الكهف مهما بحق .. لو كان له وجود ..
ـ " خذوا المشاعل .. ولا بأس من السلاح .."
وارتدينا السترات الثقيلة والقفازات .. هذه المرة لم يعد من مجال للخجل ، لذا وضعت على رأسي القلنسوة الصوفية التي كانت عندي ولم أجسر على ارتدائها قط .. القلنسوة ذات أذني الحمار التي تذكرك بالشيالين في شونة غلال ( أبو كبير ) .. إنها تجلب الكثير من الدفء ، لكنها لا تترك لك شيئا من الوقار او عزة النفس .. رأتها ( ماجي ) فلم تملك برغم اكتئابها إلا ان تقول :
ـ " باتمــان !"
كان متاع الرجل حقيبة حملها ( رايان ) على ظهره ، وغادرنا الخان ، وكانت الساعة الثامنة مساء ، لكن كل شيء يوحي بأنها الساعة الخمسون مساء ..
وركبنا سيارة عتيقة اتجهت بنا الى المقابر عبر شوارع باردة لكنها جافة لحسن الحظ ..
المقابر جاثمة في الظلام كالكابوس ، ومن بعيد شبح الكنيسة .. لا يوجد قمر هذه المرة .. لكن الأفق يتألق بضوء غريب كأنه النذير .. اعتقد انها ظاهرة فيزيائية في شمال أوروبا كثيرة كالذباب .. ليس الشفق القطبي أغربها ..
هناك اتجه احدنا الى الغرفة التي يقم فيها حارس المقابر وقرع الباب ..كنت اعرف يقينا اننا سنجده قد مات .. لماذا ؟؟ لأنني اعرف ما يكفي من هذه القصص ..
لكن ـ وهذا غريب ـ الرجل فتح الباب .. يبدو أنني صرت اثق بنفسي اكثر من اللازم هذه الايام .. هل تذكرون مراحل قيادة السيارات الأربع ؟ المرحلة الأولى انت اخرق ترتكب الكثير من الاخطاء .. المرحلة الثانية لا ترتكب اخطاء لكنك لا تستطيع تلافي اخطاء الغير .. ثم تتعلم كيف تتلافى اخطاء الغير كذلك .. المرحلة الرابعة انت واثق بنفسك تعتقد انك افضل من يقود سيارة على وجه الارض .. عندئذ .. طاخ !! أي .. إن اكثر الاخطاء ـ في كل شيء ـ تحدث من معدومي الخبرة ومن الواثقين بأنفسهم اكثر من اللازم !
كان ( إدوود ) يترنح .. ليس هذا جديدا ..وقد اصغى الى سؤالنا لبرهة ثم قال :
ـ " كهف ( رونيل السوداء ) ؟ هناك شيء كهذا لكن المكان خطر .. لا أنصحكم بان .."
ـ " دع نصائحك وقدنا اليه .."
هكذا مشى الرجل ونحن خلفه بين شواهد المقبرة .. مكان رهيب فعلا ويثير الخيال .. تعرفون الملصق الشهير ليد تخرج من القبر لتمسك بساق المار فوقها ؟ حسن .. لم تبد هذه الفكرة بذات الغرابة وقتها ..
اخيرا وصلنا الى أطراف المقبرة حيث السهل الخالي المقفر ..
كان هناك تل صغير ارتفاعه خمسة امتار .. وكانت هناك شجيرات تكسو اسفله ..
ـ " هنا بالضبط .."
ـ " كيف ؟"
ـ " ليس هذ امن اختراعي .. كنت منذ طفولتي اعرف انه هنا ، لكنني لم اضطر لاستكشافه قط .. إنه مجرد تجويف في مرتفع لا شيء فيه يثير .."
ومد يده وبدأ يزيح الشجيرات ـ التي لم تكن كلها ذات جذور في الارض ـ على ضوء الكشاف .. بالفعل كانت هناك فتحة في الصخر .. هنا هتفت انا غير فاهم :
ـ " هذا يعني ان هذا الكهف خال .. ما كان احدهم ليغطيه بالشجيرات بعد ان يدخل .."
قالت ( ماجي ) وهي تسلط الكشاف على الأرض :
ـ " لا يا ( رفعت ) واضح انهم كثير .. هناك من دخل ، ومن بقي بالخارج ليغطي المدخل بالشجيرات المتشابكة .."
كانت آثار الاقدام على الأرض تحكي قصة واضحة ..
ـ " هل ندخل ؟"
هتفت ( ماجي ) في عصبية :
ـ " هل تمزح ؟ لو كان هناك احتمال واحد في المائة أن ( اليانور ) هنا فلسوف ندخل .."
كان معنا ثلاثة رجال أشداء .. اعتقد ان الواحد منهم يستطيع تهشيم اعناق اربع ساحرات .. وكان احدهم مسلحا ببندقية .. ثم إنني لست عاجزا .. احيانا استطيع توجيه ركلات قوية إلى قصبات الأرجل ، بشرط ان تعطيني المساحة الزمنية والمكانية .. لا ارى ما يمنع من ان نجرب الآن ..
صاح حارس المقابر وهو يتراجع للوراء :
ـ " اما بعد هذا فلا اعرف .. انا لم اعد ذا نفع لكم اسمحوا لي بالانصراف .."
ثم انطلق يركض بين الشواهد .. رحنا نرمقه ونتمنى أن يسقط فيدق عنقه ..
وعلى ضوء كشاف وكلوب ، رحنا نعالج الشجيرات حتى كشفناها كلها .. بالفعل كان أكثرها مجرد تعمية ( كاموفلاج ) كالتي يستعملونها في الجيش ..
اخيرا بدا لنا مدخل الكهف .. كأنما هو فم الموت الفاغر ..
واخذنا شهيقا عميقا ثم دخلنا ..
10- الداخل ..
كان هناك ممر طوله نحو خمسة أمتار ..
مشينا فيه .. ولم يفتنا ان نرى بعض قطع العظام مدفونة في الأرض .. عظام أطفال على الأرجح ..
وشعرت بـ ( ماجي ) تتنفس بعمق من طاقتي أنفها .. كدت أحطم رأسها لأنني لا اطيق هذا الصوت بالذت .. كانت منفعلة ولهذا اعتقدت ان من حقها ان تتحول الى صافرة سفينة ..
في نهاية الممر كان هناك باب موارب .. باب عبارة عن قضبان حديدية .. كأنه باب قفص .. ولم يكن مغلقا .. كان جنزير معلقا جواره وقد ثبت فيه قفل مفتوح .. ودون كلمة واحدة أطفأ الرجال جميع مصادر الضوء .. وحبسوا الأنفاس .. السبب هو ان الضوء كله كان ياتي من الجهة الأخرى .
ولبثنا في الظلام ننظر عبر باب لقفص الى القاعة المجاورة .. الآن نفهم أشياء عن المكان .. واضح اننا الآن تحت الأرض لأن الممر كان ينحدر بزاوية شديدة للأسفل .. ومن الواضح كذلك ان هناك نظام تهوية ومدخنة تخرج كل هذا الدخان الى مكان بعيد عن المقبرة ..
هناك نار .. نار مشتعلة .. وهناك من يرقص حولها ..
يمكنك ان ترى النساء اللاتي يرقصن حول النار بالداخل .. كلهن منكوشات الشعر يضحكن في هستيريا وجنون .. بعضهن شابات مليحات وبعضهن قهرمانات في التسعين من العمر .. هل ترى هذه المراة ؟ نعم .. هي مسز ( بانكروفت ) .. لقد تغيرت كثيرا جدا لكن من الصعب ان تخطئها .. بالطبع لم تكن إذن في ذلك الحفل الذي رأته ( ماجي ) في تلك الليلة وإلا لعرفناها في الصور ..
هناك رجال كذلك .. وهم يلبسون ثيابا حمراء فاقعة اللون .. وقلنسوات .. هذا الفتى ضخم الجثة هو ( اونيل ) طبعا اما هذا فهو ـ صدق أو لا تصدق ـ الشرطي عديم الكفاءة .. ثمة رجلان اعرفها لكن لا اعرف اسميهما .. إذن عاد ( اونيل ) من ( دبلين ) خصيصا من اجل موعد الطقوس هذه ..
الغناء يتعالى ولا يمكنك ان تفهم حرفا منه ..
هناك ما يوحي بان حفل شواء سيقام حالا .. هناك قدر يغلي على النار وهناك نطع كبير عليه شاطور .. وهناك ...
في منتصف المكان يوجد سرير حجري .. وعلى هذا السرير الطفلة مقيدة !
من بين اسنانه ووسط هذا الصخب همس ( اونولان ) بصوت كالفحيح :
ـ " واضح ان الحفل في ذروته .. لا شك ان موعد التضحية البشرية قادم .. الخطة كما يلي .. سأقتحم المكان أنا ورفيقاي .. ونناولكما الطفلة .. غادر المكان انت والآنسة ولا تنظر للوراء ابدا .. نحن نعرف كيف ندبر أمورنا .."
خطة محكمة .. والحقيقة انه لا توجد خطة أخرى . يمكن مثلا ان تدخل المكان وتطالبهم بتسليمك الطفلة لكن من يعرف كيف يتصرف هؤلاء المخابيل ؟ ربما يسارعون بقتلها قبل ان تأخذها انت ..
ـ " الآن !ّ!"
وركل الباب ليقتحم القاعة مع رفيقيه .. انطلق الرصاص في الهواء فتساقطت حجارة من السقف .. وعلى الفور انقض ( اوليفر ) على رجلين ليخنقهما ، بينما راح الثاني يركل من يسدون طريقه ، وهرع الى السرير الحجري او مائدة التقديمات ، وبخنجر مزق الحبال التي تربط الفتاة ..
كان المشهد الآن قد تحول الى جحيم .. وراحت ( بانكروفت ) تعوي كالذئاب :
ـ " لن تهربوا ايها المدنسون ! لن تهربوا ! إن ( رونيل السوداء) سوف .."
في هذه اللحظة وجدت الطفلة بين ذراعي ، فتذكرت الخطة وهرعت اركض في الممر و ( ماجي ) تركض ورائي وهي تنشج ..
نظرت للوراء ، فوجدت مشهدا لا يصدق ..
إن ( رايان ) يمسك بجركن كبير تخرج منه خرقة من القماش ، فأشعل طرفها ثم طوحها الى داخل القاعة .. وسرعان ما جرى الرجال يغادرون المكان .
كلينج !
كان هذا صوت الباب المعدني إذ يغلق في وجه السحرة ، ثم لف ( اوليفر ) الجنزير ليوصده بإحكام .
ـ " افتح ايها المدنس !!"
هنا كانت النار من الفتيل قد امسكت في البنزين الذي يملأ الجركن ، وسرعان ما توهجت النار كأنما هي قنبلة ..
هذا المشهد ياخذ مكانه في ثقة في ألبوم كوابيسي ليظل هناك الى يوم الدين .. رباه !!
هذه الوجوه الكاحلة الكريهة الممسوخة تتشبث بالباب الحديدي وتعوي كالذئاب محاولة الخروج .. تمد ايديها المخلبية نحونا .. بينما النار تنتشر وتتفاقم ..
هرعنا الى الخارج حيث ظلام المقبرة الموحي بالسلام ، وكانت ( ماجي ) تعتصر الطفلة كأنما تريد ضغطها داخل ضلوعها .. حتى لا تسمع كل هذا الصراخ غير الكوني .. حتى لا تشم كل هذا الشياط ..
انتهى الأمر .. لقد صارت الطفلة مجنونة بالتأكيد .. ستحتاج الى علاج نفسي لمدة عشرة أعوام .. ولو لم تجن ستتحول الى مدمنة مخدرات مثلما حدث فيما بعد للطفلة ( ليندا بلير ) التي قامت ببطولة فيلم ( طارد الارواح الشريرة ) .. إنها في منتصف العمر الآن ـ عام 2001 ـ لكنها ما زالت تعالج من تجربة الفيلم ..
امسكت بـ ( أونولان ) من ياقة سترته وصحت :
ـ " قاتل !! لماذا فعلت هذا ؟ كان بوسعنا ان نحبسهم ونأتي برجال القرية هنا .."
قال دون ان ينظر لي :
ـ " لقد اتفقنا على هذا مع رجال البلدة .. لا يوجد مظلومون في هذا القبو .. كانوا سيجدون سبيلا للفرار .. إنهم سحرة .."
ـ " لكنك حرقتهم أحياء وبدم بارد .."
ـ " قلت لك لم يكن مناص من ذلك .. ولا تستفزني ايها الطبيب .. انت رأيت بعينيك انهم كانوا يوشكون على التهام الطفلة .."
هل نبلغ الشرطة عن هذا ؟ سوف نقرر حالا .. المهم الآن ان نطمئن على الصغيرة ..
كانت ترتجف لكنها في حال طيبة .. طبعا لا إجابات عل أية أسئلة .. ذهول لا شك فيه .. وجهه ملطخ بالدماء لكنها ليست دماءها .. إنها دماء رسمت عليه ..
قالت ( ماجي ) في حزم :
ـ " الآن نعود الى الخان .. غدا نترك هذه البلدة اللعينة بأسرع ما يمكن .."
ودون أن تنتظر ردي او ضوءنا ، حملت الطفلة وراحت تشق طريقها عبر المقبرة ..
الخاتمة ..
في التاسعة صباحا دققت باب غرفة ( ماجي ) ففتحت لي ..
كانت ترتدي الروب ، وقد اغتسلت وتخلصت من آثار الليلة السوداء ، فعادت ( ماجي ) التي اعرفها في يدها كوب من عصير البرتقال لا ادري من اين جاءت به ، وعلى وجهها ابتسامة منتعشة لطيفة ..
قالت لي :
ـ " برغم كل شيء لم نخسر واحدا من رجالنا .. سنعود بكامل عتادنا .."
ثم غمغمت وهي تنظر في عيني :
ـ " للأبد ؟"
ـ " ماذا ؟"
ـ " ستكون ملكي للأبد ؟"
ـ " وحتى تحترق النجوم كلها .. وحتى .."
ثم تذكرت ما جئت من اجله ، فقلت لها وانا أنظر من فوق كتفها :
ـ " هل الطفلة نائمة ؟"
ـ " طبعا .. لم تنم إلا منذ ساعتين .. ولا ألومها على شيء .."
قلت لها وانا أتنحى جانبا :
ـ " هلا ارتديت ثيابك ولحقت بي ؟ إن الغرفة رقم ( 13 ) فارغة وبابها مفتوح .. أريد ان نتكلم هناك على حريتنا .."
ثم اتجهت الى الغرفة المذكورة . .غرفة ( لورين بلاك ) الرهيبة التي بدأت كل هذه الاحداث .. جلست على الفراش ورحت ارتب أفكاري.. بعد قليل ظهرت ( ماجي ) على الباب في ثياب بسيطة غاية في الأناقة كعهدها ..
قلت لها بعد فترة صمت :
ـ " صباح اليوم عدت الى المقبرة .. كنت وحدي هذه المرة .."
ـ " عدت ؟ولماذا ؟"
ـ " كانت علامات استفهام كثيرة تضايقني .. لم استوعب جيدا ما حدث البارحة .. وماذا تظنين انني رأيت فوق شاهد قبر ( رونيل السوداء ) ؟"
اتسعت عيناها بمعنى انها غير راغبة في الاستنتاج ، فقلت :
ـ " جثة مس ( لورين بلاك ) !!"
لم اصف لها منظر الجثة .. ولن أصفه لكم لأن هذه قصة وليست مرجعا في الطب الشرعي او دليلا للسفاحين .. لكني وجدت جوارها حقيبتها بين الأعشاب وكانت تحوي رزمة من الأوراق ..
ـ " لقد سمعت ما قلناه على الأرجح وفضلت الفرار عن طريق النافذة .. لقد ادركت انها صارت هدف غضب الموجودين .. لكنها اتجهت الى المقابر في الظلام او هذا ما احسبه فعلته .. ثم .."
ومددت يدي لـ ( ماجي ) برزمة الأوراق التي كتبت بخط دقيق منمق ..
راحت تأملها وقالت :
ـ " هل قرأت الملحوظات ؟"
قلبت الأوراق ثم راحت تقرأ بصوت عال :
ـ " تنبأت الساحرة بانها ستعود بعد ثلاثمائة عام .. من الجميل ان أكون في القرية في هذا الوقت .. يجب ان اعيش التجربة كاملة .. البس الاسود وأزور مقبرتها من حين لآخر .. سأتخيل اني هي .. ولن اكتب حرفا قبل ان أتقمص الدور كاملا .."
وتوقفت ومطت شفتها السفلى وقالت :
ـ " ما معنى هذا ؟"
ـ " معناه ان ( لورين ) لم تكن أكثر من كاتبة قصص رعب ثرية غريبة الأطوار ، كما حسبناها من البداية .. ظلمها جمالها فجعلنا نصدق أي شيء يقال عنها .. بينما عملية استعادة ( رونيل السوداء ) تتم ولا علاقة لها بها .."
ـ " ومن قتل هؤلاء ؟ "
ـ " ليست هي طبعا .. هناك عدد كبير في هذه الجماعة .. لا بد أن احدهم كان ينفرد بالضحية .. معظم الأعمال تحتاج الى اكثر من واحد على كل حال .. طبعا لم يكن القاتل هو مسز ( بانكروفت ) لانها كانت امامنا اكثر الوقت . لا بد أن ( اونيل ) الشاب لعب دورا لا بأس به .. كذلك الشرطي .."
ـ " ولماذا لم نجد هذه الأوراق في حجرة مس ( لورين ) ؟ "
ـ " لاحظي ان الشرطي و ( بانكروفت ) هما من فتش الحجرة .. هل رأى أحدنا المخطوطات اللاتينية التي زعما انهما وجداها ؟ بالطبع لا .. كانا يريدان ان تثبت الصورة في أذهاننا أكثر .."
ثم مددت يدي في جيبي وأخرجت بعض الأشياء :
ـ " هل تعرفين هذه ؟ "
مدت يدها وراحت تتفحص الصور التي التقطتها في المقبرة ، وهتفت :
ـ " كيف وجدتها ؟ "
ـ " تحت نافذتك .. لم يتخلص منها أحد .. لقد ألقيت إلقاء .."
ثم أخذت منها الأوراق ورحت اقلب حتى وجدت نص كلمات ( لورين ) على شكل خاطرة :
ـ " الآن أرجو ان تصغي لهذا الجزء : لم افهم جيدا نص كلمات ( رونيل السوداء ) وهي على المحرقة .. لكن من كانوا دانين سمعوها تتحدث عن العودة بعد ثلاثمائة عام لتنتقم .. ستعود في شكل طفلة اسمها في المرآة .. لا افهم هذا .."
نظرت لي في غباء فأخرجت قلما من جيبي وخططت على الجدار :
ـ " RONAELE .. ELEANOR "
وقلت في تؤدة :
ـ " لو قرأت ( أليانور ) بالمقلوب لصارت ( رونيل ) .. كأنك تضعين الحروف امام مرآة .. بالمناسبة الساحرة اسمها الاصلي ( هيلين ) و ( إليانور ) تنويع على اسم ( هيلين ) .. وجدت هذا في قاموس ( ويستر ) الذي احمله دائما .."
هبت واقفة وصاحت :
ـ " اكرر .. ما الذي تعنيه ؟"
ـ " اعني ان ما رأيناه امس لم يكن طقوس تضحية بالطفلة .. بل كانت طقوس تنصيب إن ( رونيل السوداء ) قد استحوذت على الطفلة وسوف تبدأ دورة حياة جديدة معها "
ـ " أنت مجنون "
ـ " وما الدافع الذي جعلك تأتين هنا بالذات مع الطفلة في هذا الوقت بالذات ؟ يسهل ان نتصور ان من سرق الصور هي الطفلة ذاتها وهي من رماها من النافذة .. كانت قد بدأت تتحول لكن التحول لم يكن تاما .. كان لا بد من تنفيذ الانتقام اولا بعدها يتم الحفل الصاخب .."
ـ " نحن قاطعنا هذا الحفل في ذروته .."
ـ " بل متأخر جدا .."
كان هذا الصوت من وراء كتف ( ماجي) فأجفلنا ونظرنا للوراء ..
كان صوت أنثى في منتصف العمر لكننا وجدنا أمانا ( إليانور ) ذاتها حافية القدمين في قميص نومها .. وعلى وجهها ضحكة لن تصدقها ما لم ترها ..
كانت تقف على الباب ترمقنا بمزيج من حقد وتلذذ وسخرية وكراهية .. وقالت :
ـ " تأخرتما كثيرا جدا .. لقد عادت ( رونيل السوداء ) وهذه المرة لن يمسها سوء لأن هذا العصر لا يعترف بحرق الساحرات "
صحت وانا ارتجف هلعا :
ـ " نحن نعرف كل شيء .."
" لكنكما لن تستطيعا المس بي .. يومها ماذا تقولان للشرطة ؟ كانت ساحرة ؟ "
ثم انفجرت في ضحكة مستهترة قبيحة ماجنة كريهة وخرجت من الغرفة ..
وسقطت ( ماجي ) على الأرض باكية .. اعترف ان أعصابي لم تسمح لي إلا بالاستناد الى الفراش .. وهتفت ( ماجي ) وهي تنشج :
ـ " لن اتركها .. إنها قريبتها .. سآخذها معي الى ( إنفرنسشاير ) وسأفعل المستحيل كي تشفى .."
ـ " تأخذين معك من تعيش داخلها ساحرة شريرة ؟"
ـ " لا تتوقع مني ان اربطها الى عمود وأحرقها . .إنها حالة نفسية لا أكثر .. ربما فصام من فرط كل ما عانته .."
قلت لها :
ـ " أنا كذلك اعتقد ان شفاءها ممكن .. إنها ممسوسة او مجنونة .. لان الساحرة لم تعد للحياة ولم تغادر قبرها .. ربما أمكن ان نجد حلا .."
ولبثنا ساعات على الأرض نرتجف .. ونفكر في المستقبل الغامض ..
***
لم تنتبه قصة ( إليانور ) وكانت لي معها تتمة سأحكيها فيما بعد .. لكني كنت مرغما على العودة الى مصر ، ،وقد أنذرت ( ماجي ) بان تتخلص من الطفلة في اقرب فرصة .. طبعا كان هذا نفخا في قربة مثقوبة لأنني اعرفها .. واعرف نفسي ..
هل الطفلة مريضة أم ممسوسة ؟ لم اعرف هذا إلا بعد فترة ..
(( تمــت ))