-8-

9 0 00

-8-

المؤامرة ..‏

على ضوء الفجر البكر حيث وضعنا العظام على ملاءة ، أمكنني الآن ‏التأكد من أنني كنت .. مخطئا في البداية .. فعلا هذه عظام طفل ..‏

صاح أحد الرجال في عصبية : ‏

ـ " من فضلكم لا تقولوا إنها فتحت القبر وذهبت .." ‏

قلت في هدوء لأمتص غضبه : ‏

ـ " لا شيء من هذا .. هناك من أخذها لغرض ما .. ربما ليدفنها في ‏قبر أفضل أو من أجل طقوس لا نعرفها .."‏

ثم تنهدت ونظرت الى الساعة .. إنها السابعة صباحا .. لقد استغرقت ‏كل هذه الاحداث أربع ساعات .. وانا جائع وموشك على التجمد .. قلت ‏لهم إن الوقت حان للعودة الى الخان وترتيب الخطوات التالية ..‏

ومشي الموكب عائدا في ضوء النهار الخجول الذي لا يجرؤ على ان ‏يفصح أنه نهار ..‏

من بعيد كان الخان ، وقدرت أنني سأغسل وجهي وأصلي وأتناول ‏الإفطار ، ثم انام عشر سنوات في الفراش الدافئ حتى توقظني ‏الساحرة لتخبرني بأن الدور دوري ..‏

لكن الجو لم يكن مريحا .. في البداية وجدنا ان مسز ( بانكروفت ) ‏ليست هناك .. ثم صعدت الى الطابق الذي اقيم فيه ، فوجدت ان باب ‏غرفة الفتاة مفتوح عنوة ..‏

هناك من اقتحمه .. كنت وحدي الآن فلم استطع طلب عون ، لكن ‏القصة واضحة .. لقد عادت او عاد كي يأخذ الاوراق التي هي بالتأكيد ‏مهمة جدا ، وكان غضبها مسيطرا حين وجدت أنه لا شيء منها في ‏الغرفة ..‏

و .. ( ماجي ) !!‏

هرعت الى غرفتها وكانت المصيبة التي توقعت إن الباب مفتوح..‏

افتحمت الغرفة لأجدها نائمة على الفراش بكامل ثيابها .. ليست هذه ‏نومة استرخاء او نومة من قضي الليل ساهرا .. سقط قلبي في قدمي ‏ودنوت منها في حذر .. بسبب ارتباكي فشلت فعلا في ان ارى إن كان ‏صدرها يعلو ويهبط ام هو ثابت كالحجر ..‏

لكنها كانت تتنفس ..‏

بالحقيقة تتنفس ..‏

جوار الفراش جثوت وانا اغالب دموعي .. حمدا لله .. للمرة الأولى ‏افطن إلى ان ( ماجي ) كائن حي يعيش ويموت وليست رمزا . كنت ‏احسبها كالعدل أو الحقيقة .. هل رايت يوما جثة عدل أو اشلاء حقيقة ‏؟ ‏

في النهاية فتحت عينيها وكانتا حمراوين كالدم ..‏

لا داعي للمزيد من البحث .. هاتان عينا إنسان يفيق من مخدر ..‏

بالمناسبة أنا لا ارى الطفلة من حولها ..‏

هتفت من بين شفتين التصقتا من القشور : ‏

ـ " إليانوووووووور " ‏

كما توقعت بالضبط ..‏

جلبت بعض الماء وسقيتها إياه .. ثم سكبت الباقي على وجهها .. وماء ‏ايرلندا بارد .. بارد ..‏

اخيرا جلست في الفراش وراحت ترمش بعينيها في بلاهة ، ثم سألتني ‏من جديد : ‏

ـ " أين ( إليانور ) ؟" ‏

ـ " حسبتك اقدر مني على الإجابة عن هذا السؤال .."‏

نهضت من الفراش في حزم صائحة : ‏

ـ " خطفوها !"‏

القصة كما حكتها لي هي ان المسز ( بانكروفت ) جاءت في الخامسة ‏صباحا تقرع الباب .. قالت لها إنها راغبة في إخبارها بشيء مهم .. ‏وهكذا لم يكن من مبرر لإبقاء الباب موصدا .. فتحته فدخلت المرأة ‏ذات الشعر المعقوص .. قالت لها كلاما كثيرا عن خوفها من أن تكون ‏هي الضحية التالية .. ربما لأن جدة جدتها كانت في تلك القصة ‏المشئومة ..‏

طمأنتها ( ماجي ) .. وكانت الطفلة نائمة في الفراش فلم تسمع شيئا ‏من المحادثة .. إلا ان ( ماجي ) نهضت الى الحمام كي ..‏

وهذا آخر ما تذكره من القصة ..‏

حدث أي شيء . .على الأرجح منديل مبلل بالكلوروفورم على الأنف او ‏شيء من هذا القبيل .. بعدها وجدت نفسها في الفراش وانا اوقظها ‏كالكابوس ..‏

ـ " هذا يعني ان مسز ( بانكروفت ) متواطنة .. كنت اعرف انها تبدو ‏كساحرة .."

‏- " انت قتل لي ان اثق بها وامضي الوقت معها .."‏

ـ " انا قلت هذا ؟ إذن كنت حمارا .. ما علينا .."‏

قالت وهي ما زالت متحشرجة الصوت ، ويبدو ان راسها ما زال غير ‏ثابت : ‏

ـ " ربما لم يكن لها دور .. ربما هوجمنا معا .." ‏

ـ " وهذا يجعلنا نتساءل اين هي ؟ وأين الطفلة ؟"‏

كنت اتمنى ان اقول إن هذا خبر طيب لي ، لكني لست بهذه القسوة ‏طبعتا .. لقد اختطفت الطفلة وبيد أشخاص لم يبد حتى هذه اللحظة أن ‏في قلوبهم أدنى ذرة من الرحمة .. إن من ير جثة ( بارنيل ) يعرف ‏جيدا معنى ما اقول ..‏

قالت في توتر وهي تتجه الى الباب :‏

ـ " ساعرف حالا .. اقسم لك إنني لن اغادر هذه البلدة إلا وهي معي .. ‏وانت .."‏

ثم نظرت في عيني وهمست كأنما تذكرت شيئا : ‏

ـ " للابد ؟"‏

كانت تقولها من دون هيام ، بل في توتر .. كأنما تستوثق من أنني لم ‏اتغير بعد ، أو تطمئن على ان اسلحتها محشوة .. قلت لها : ‏

ـ " ماذا ؟"‏

ـ " ستكون ملكي للأبد ؟"‏

ـ " وحتى تحترق النجوم كلها .. وحتى .."‏

ثم توقفت .. هذه المرة لأن رجل الشرطة الأحمق اقتحم الغرفة .. ‏وهتف إذ رآني : ‏

ـ " اين مسز ( بانكروفت )؟"‏

ـ " هذا ما كنا نتكلم فيه حين دخلت دون استئذان .."‏

وبسرعة حكيت له القصة فازداد شاربه كثافة وتقلص وجهه كأنما ‏يموت .. ثم ابتلع ريقه وقال : ‏

ـ " هناك امرأة ماتت في البلدة هذا الصباح .. لا .. ليست مسز ( ‏بانكروفت ) .. ماتت بنفس الطريقة الشنيعة .. هذه المرة طار عنقها ‏من على كتفيها ، لكننا لا نعرف شيئا عن علاقتها بالقصة .."‏

قلت في ملل : ‏

ـ " لا بد انه امن أخبر القس .. كي يخبر ( كيليبارون ) بان .. إلى آخر ‏هذا الهراء .."‏

أضاف بنفس اللهجة الخطرة : ‏

ـ " الفتى ( اونيل ) كذلك اختفى .."‏

ـ " المختفون أكثر من اللازم في هذه البلدة .. هل تعني أنهم غادروها ‏؟ " ‏

ـ " بل على الأرجح هم مختفون في مكان ما .. إن ( أوليفر كليباتريك ) ‏لم ير أحدا يخرج من البلدة منذ أمس .. إن ( وليفر كليباتريك ) هو .."‏

ـ " نعم .. نعم .. هو رجل يمكنه ان يعرف من غادر البلدة .. وفر شرح ‏ما لا طائل وراءه .. وهل في بلدتكم مخابئ ؟"‏

فكر قليلا وهو يعتصر شفته السفلى كأنما ليمزقها ، ثم قال : ‏

ـ " هناك الكنيسة بدهاليزها الخفية .. هناك القلعة .. هناك كهفان .."‏

ضربت ( ماجي ) بكفها على صدرها كأنما تلطم وهتفت : ‏

ـ " يا إله السماوات ! يمكن إخفاء كتيبة من الجيش الروماني في تلك ‏الأماكن .. نحن لن نجد هؤلاء أبدا .."‏

قلت لها في ثبات نافشا صدري : ‏

ـ " لكننا سنبحث فيها جميعا .. فقط اريد دقائق كي ادخل غرفتي ‏واستعيد كياني .. لسوف يكون يوما طويلا .."‏

قلتها بلهجة ابطال الروايات شديدي المراس ، ودخلت الى حجرتي ، ثم ‏نمت .. نمت وانا استند الى حوض غسيل الوجه .. ثم نمت حين خرجت ‏‏.. ثم نمت وانا اقول لنفسي إنني لن انام ..‏

ظهرت بعد ساعة ونصف متظاهرا بالانتعاش .. وكان الجميع جالسين ‏في قاعة الجلوس ، وقد جلست (ماجي ) جوار رجل في الخمسين من ‏عمره ممن يعرفون ما يفعلونه ، وقد فردوا على المنضدة خارطة ‏مرسومة بالقلم الأسود العريض للبلدة .. ورأيته ينظر الى مجموعة من ‏الرجال الأشداء يرتدون سترات ثقيلة ويحملون العصى : ‏

ـ " ( رايان ) و ( أوليفر ) .. الكنيسة .. القبو ( ج ) .."‏

وانطلق الرجال .. هنا فهمت انهم يشكلون فرقا للبحث .. إنهم اشداء ‏فعلا واحمد الله على أنني لست تلك الفتاة ( لورين بلاك ) ..‏

وجدت مقعدا جوار المنضدة فجلست ، وكانت هناك قهوة مددت يدي ‏لها دون أن اسال من شرب منها .. نظرت ( ماجي ) لعيني الحمراوين ‏ففهمت على الفور النشاط الذي كنت أمارسه ، وابتسمت في رفق ‏ابتسامة عصبية سريعة .. تذهلني قوة تحمل النساء ايضا .. إنهم لا ‏يملكن قوة جسدية لكنهم يتحملن الأوضاع الصعبة اكثر منا نحن ‏الرجال بمراحل ، وعلى قدر علمي هي لم تنم امس إلا قدر ما نمت أنا : ‏لا شيء تقريبا ..‏

قال لي الرجل الذي يعرف ما يجب عمله : ‏

ـ " دكتور .. هلا انتحينا جانبا ؟ اريد كلمة معك "‏

نظرت له في عدم فهم ، ثم نهضت واتجهنا الى ردهة جانبية تقود الى ‏السلم .. كان كما قلت في الخمسين ، ضخم الجثة مما يوحي بأنه ‏رياضي قديم .. ذلك الترهل القوي الذي يميز من كانوا يمارسون ‏رياضة عنيفة ثم توقفوا ، وكأنه حليق الوجه بعناية وله عينان ثاقبتان ‏‏..‏

أشعل لفافة تبغ غليظة ، وقال لي : ‏

ـ " لقد سمعت القصة من الآنسة .. هناك كما فهمت جماعة سرية ‏تحاول إعادة ( رونيل السوداء ) الى البلدة.. إن الآنسة لم تحك قصتها ‏مع المقبرة إلا الآن .."‏

ـ " هل تعتقد ان الجماعة ما زالت تحاول ؟ اعتقد انها نجحت .. وإلا ‏فمن هي ( لورين) ؟ وما سر حالات الوفاة هذه ؟ ‏

ـ " لن نعرف أبدا .. ربما كان الانتقام مطلوبا كي تستطيع الساحرة ‏العودة .."‏

ـ " هذا يضعنا في مأزق آخر .. كيف عادت ؟ هل غادرت قبرها ؟ هل ‏مست تلك الفتاة ( لورين ) ؟"‏

قال من جديد : ‏

ـ " لن نعرف أبدا .. لكن هناك شيئا مؤكدا يجب ان تعرفه ولا تخبر به ‏الآنسة .. لانها لو عرفت لفقدت صوابها .. الطفلة في خطر داهم .. ‏ولربما انتهى هذا كله .."‏

ـ " لماذا ؟ "‏

‏- لان ( رونيل السوداء ) كانت تلتهم الاطفال .. الم يخبرك أحد بهذا ؟"‏

وتصلبت .. واستندت الى الجدار ..‏

كانت المرة الاولى التي اسمع فيها هذا الجزء ..‏

هذا جزء لم يخطر لي ببال قط ..‏

‏***‏

-‏9-

أين هم ..‏

كان الفريق الذي ضمني الرجل إليه مكلفا بتفقد كهف عتيق على حدود ‏البلدة ..‏

وقررت في هذه المرة أن آخذ ( ماجي ) معي في كل خطوة .. لن ‏أمارس من جديد سيناريو ( لقد ـ نسينا ـ الآخرين ـ وانشغلنا ـ بوهم ..‏

عند الظهيرة وصلنا هناك .. ظهيرة ( ايرلندا ) الباردة الشبيهة ‏بالغروب عندنا .. وكان الكهف يقع فيما بعد جغرافيا جزءا من مرتفعات ‏‏( إريجال ) .. يرتفع عن الارض حوالي سبعة امتار ، وهو ما يجعله ‏من الكهوف المرعبة بالنسبة لي .. كانوا قد وضعوا حبالا تغلق مدخله ‏كي لا يدخله الاطفال ، وبدا لنا ان هذه الحبال لم تمس ..‏

في الداخل على ضوء الكشافات كان المشهد مروعا .. الرائحة عطنة ‏اقرب الى الماء الآسن .. وكان الماء بالفعل يتساقط من هوابط السقف ‏‏..‏

هناك وطاويط انتظرت لحظة ثم هرعت تفر من المكان وقد تضايقت من ‏هذا الإزعاج ..‏

شعرت بيد ( ماجي ) النحيلة تضغط على يدي فضغطت أكثر ، وإن ‏كنت اعرف جيدا انه لا يوجد شيء مقلق هنا .. ليس الأمر بهذه ‏السهولة .. ولو قابلن السحرة فلن يكون هذا وسط كل هؤلاء الرجال ‏الأشداء .. حين تقابل السحرة سيكون هذا بشروطهم في أسوأ ظروف ‏ممكنة .. وأنت وحدك تماما اعزل كطفل رضيع ..‏

يجب ان أقول هنا إن ( ماجي ) _ وهذا من حقها _ تغيرت تماما .. لم ‏تعد تملك أي روح دعابة .. صارت عصبية متوترة مكتئبة كالبومة .. ‏إنها تحب الطفلة حقا ..‏

رحنا نفتش في الكهف الذي كان عميقا .. لكن لم يكن هناك شيء .. ‏وضايقني أنهم يضيعون وقتا أكثر من اللازم في إثبات حقيقة واضحة ‏من اللحظة الأولى ..‏

في النهاية قال قائدنا لاهثا :‏

ـ " لا احتمالات للخطأ .. هؤلاء القوم ليسوا هنا .."‏

ـ " أخيرا !"‏

وقالت ( ماجي ) وهي تحكم إغلاق سترتها على رأسه ا: ‏

ـ " لنعد إلى الخان .. فلعل الآخرين ظفروا بحظ أفضل .."‏

‏*** ‏

يمكن دون جهد كبير ان تصف اجتماعنا في الخان مرهقين ، تجمدت ‏عروقنا ، بردا ، بأنه ( مجمع الخائبين ) .. وكان الخان قد تحول الى ‏غرفة عمليات بالفعل ، والنسوة رحن يعددن القهوة الساخنة للرجال ‏العائدين الذين لم يجدوا شيئا .. كما شممت رائحة تدل على ان هناك ‏حساء يتم إعداده .. لو ان المسز ( بانكروفت ) ما زالت حية فلا بد انها ‏كانت ستموت لو رأت ما حل بالخان الأنيق الجميل ..‏

لقد بدا الأمر كأن عشيرة من ثيران المسك اتخذت سكناها هنا .. ‏الأحذية على المناضد والدخان في الهواء .. رماد التبغ على البساط ‏والعلب الفارغة في كل مكان .. هناك من يبصقون على الأرض لكنهم ‏قلة لحسن الحظ ..‏

لكنني كنت سعيدا .. برغم كل شيء .. كنت سعيدا ..‏

انا وانت هنا .. في هذا الموضع الدافئ بينما العاصفة تزأر بالخارج ‏‏..انا وانت هنا نواجه نفس الخطر ونفكر في الأشياء ذاتها .. ما يهددك ‏يهددني وما يطمئنك يطمئنني .. فلتزأر العاصفة .. فلتزأر العاصفة ..‏

إن الليل يقترب بسرعة دون نتائج ..‏

لم نجد أثرا للطفلة ولا الفتى ( أونيل ) ولا العجوز ( بانكروفت ) ولا ‏الفتاة ( لورين ) ..‏

قال الرجل الذي يعرف ما يجب عمله :‏

ـ " لماذا لم يصل رجال البحث الجنائي هؤلاء ؟ إنهم اقدر على حل كل ‏هذه الالغاز .. "‏

ثم نظر حوله وهتف : ‏

ـ " هل الجميع هنا ؟؟؟ لا نريد ان نترك خلفنا أحدا .."‏

تقريبا كانت البلدة كلها هنا .. لا تنس ان هذه البلدان قد يكون تعداد ‏سكانها مائتين او ثلاثمائة .. لسنا في مصر هنا حيث يبلغ تعداد مدينة ‏واحدة دولة أوروبية بأكلمها .. لكن بالتأكيد هناك مواطن واحد قد ‏نسيناه ، وهذا الواحد ميت الآن بطريقة بشعة ..‏

ساد الصمت ورحنا نصغي لصوت الريح بالخارج .. والنار في المدفأة ‏التي اشعلتها النسوة .. وجاءت فتاة شقراء متجهمة الوجه كبيرة ‏اليدين تحمل دلوا فيه مغرفة .. وصبت لي بعض الحساء الساخن في ‏طبق ووضعته امامي ، ثم تركتني لتفعل الشيء ذاته مع ( ماجي ) .. ‏ذكرني مظهرها بساعة توزيع ( اليمك ) في السجون .. نفس الدلو ‏واقسم على هذا .. صرنا كأننا في معسكرات الإيواء بعد الكوارث .. اما ‏عن الحساء نفسه فقد اعتدت على حساء اليورانيوم في كل اوروبا فلم ‏يعد يثير اشمئزازي .. لكن ماذا عن حساء الأحذية ؟

راحت ( ماجي ) ترشف الحساء شاردة الذهن .. فجأة هتفت وقد ‏تذكرت شيئا : ‏

ـ " لحظة .. هناك كهف في المقابر .. قربها لا ادري الكهف الذي ‏وجدوا فيه حاجيات تلك الفتاة ( لورين السوداء ) كما حكى لنا السيد ( ‏بارنيل ) هل رايتهم هذا الكهف ؟"‏

قال الرجل الذي يعرف ما ينبغي عمله : ‏

ـ " لا احد يذكر مكان هذا الكهف .. على قدر علمي اندثر منذ زمن .."‏

ـ " وعلى قدر علمي الكهوف لا تندثر بل تتوارى فتحاتها .. البلدة لم ‏تشهد زلازل قط .."‏

تبادل رجلان النظرات ، ثم قال احدهما وهو يضع طبق الحساء جانبا : ‏

ـ " ربما يعرف ( إدوود ) شيئا عن هذا ؟"‏

قال الرجل الذي يعرف ما يجب عمله : ‏

ـ " ليكن .. ( أونولان ) و ( رايان ) و ( أوليفر ) .. إذهبوا لتروا ( ‏إدوود ) لو كان ما زال حيا .. خذ معك ما يلزم يا ( رايان ) .." ‏

هنا وضعت حسائي بدوري .. واشرت لـ ( ماجي ) ان تنهض معي .. ‏هذه المرة سيكون هذا الكهف مهما بحق .. لو كان له وجود ..‏

ـ " خذوا المشاعل .. ولا بأس من السلاح .."‏

وارتدينا السترات الثقيلة والقفازات .. هذه المرة لم يعد من مجال ‏للخجل ، لذا وضعت على رأسي القلنسوة الصوفية التي كانت عندي ‏ولم أجسر على ارتدائها قط .. القلنسوة ذات أذني الحمار التي تذكرك ‏بالشيالين في شونة غلال ( أبو كبير ) .. إنها تجلب الكثير من الدفء ، ‏لكنها لا تترك لك شيئا من الوقار او عزة النفس .. رأتها ( ماجي ) فلم ‏تملك برغم اكتئابها إلا ان تقول : ‏

ـ " باتمــان !"‏

كان متاع الرجل حقيبة حملها ( رايان ) على ظهره ، وغادرنا الخان ، ‏وكانت الساعة الثامنة مساء ، لكن كل شيء يوحي بأنها الساعة ‏الخمسون مساء ..‏

وركبنا سيارة عتيقة اتجهت بنا الى المقابر عبر شوارع باردة لكنها ‏جافة لحسن الحظ ..‏

المقابر جاثمة في الظلام كالكابوس ، ومن بعيد شبح الكنيسة .. لا ‏يوجد قمر هذه المرة .. لكن الأفق يتألق بضوء غريب كأنه النذير .. ‏اعتقد انها ظاهرة فيزيائية في شمال أوروبا كثيرة كالذباب .. ليس ‏الشفق القطبي أغربها ..‏

هناك اتجه احدنا الى الغرفة التي يقم فيها حارس المقابر وقرع الباب ‏‏..كنت اعرف يقينا اننا سنجده قد مات .. لماذا ؟؟ لأنني اعرف ما يكفي ‏من هذه القصص ..‏

لكن ـ وهذا غريب ـ الرجل فتح الباب .. يبدو أنني صرت اثق بنفسي ‏اكثر من اللازم هذه الايام .. هل تذكرون مراحل قيادة السيارات الأربع ‏؟ المرحلة الأولى انت اخرق ترتكب الكثير من الاخطاء .. المرحلة ‏الثانية لا ترتكب اخطاء لكنك لا تستطيع تلافي اخطاء الغير .. ثم تتعلم ‏كيف تتلافى اخطاء الغير كذلك .. المرحلة الرابعة انت واثق بنفسك ‏تعتقد انك افضل من يقود سيارة على وجه الارض .. عندئذ .. طاخ !! ‏أي .. إن اكثر الاخطاء ـ في كل شيء ـ تحدث من معدومي الخبرة ومن ‏الواثقين بأنفسهم اكثر من اللازم !‏

كان ( إدوود ) يترنح .. ليس هذا جديدا ..وقد اصغى الى سؤالنا لبرهة ‏ثم قال : ‏

ـ " كهف ( رونيل السوداء ) ؟ هناك شيء كهذا لكن المكان خطر .. لا ‏أنصحكم بان .."‏

ـ " دع نصائحك وقدنا اليه .."‏

هكذا مشى الرجل ونحن خلفه بين شواهد المقبرة .. مكان رهيب فعلا ‏ويثير الخيال .. تعرفون الملصق الشهير ليد تخرج من القبر لتمسك ‏بساق المار فوقها ؟ حسن .. لم تبد هذه الفكرة بذات الغرابة وقتها ..‏

اخيرا وصلنا الى أطراف المقبرة حيث السهل الخالي المقفر ..‏

كان هناك تل صغير ارتفاعه خمسة امتار .. وكانت هناك شجيرات ‏تكسو اسفله ..‏

ـ " هنا بالضبط .." ‏

ـ " كيف ؟"‏

ـ " ليس هذ امن اختراعي .. كنت منذ طفولتي اعرف انه هنا ، لكنني ‏لم اضطر لاستكشافه قط .. إنه مجرد تجويف في مرتفع لا شيء فيه ‏يثير .."‏

ومد يده وبدأ يزيح الشجيرات ـ التي لم تكن كلها ذات جذور في الارض ‏ـ على ضوء الكشاف .. بالفعل كانت هناك فتحة في الصخر .. هنا هتفت ‏انا غير فاهم :‏

ـ " هذا يعني ان هذا الكهف خال .. ما كان احدهم ليغطيه بالشجيرات ‏بعد ان يدخل .."‏

قالت ( ماجي ) وهي تسلط الكشاف على الأرض : ‏

ـ " لا يا ( رفعت ) واضح انهم كثير .. هناك من دخل ، ومن بقي ‏بالخارج ليغطي المدخل بالشجيرات المتشابكة .."‏

كانت آثار الاقدام على الأرض تحكي قصة واضحة ..‏

ـ " هل ندخل ؟"‏

هتفت ( ماجي ) في عصبية :‏

ـ " هل تمزح ؟ لو كان هناك احتمال واحد في المائة أن ( اليانور ) هنا ‏فلسوف ندخل .."‏

كان معنا ثلاثة رجال أشداء .. اعتقد ان الواحد منهم يستطيع تهشيم ‏اعناق اربع ساحرات .. وكان احدهم مسلحا ببندقية .. ثم إنني لست ‏عاجزا .. احيانا استطيع توجيه ركلات قوية إلى قصبات الأرجل ، ‏بشرط ان تعطيني المساحة الزمنية والمكانية .. لا ارى ما يمنع من ان ‏نجرب الآن ..‏

صاح حارس المقابر وهو يتراجع للوراء : ‏

ـ " اما بعد هذا فلا اعرف .. انا لم اعد ذا نفع لكم اسمحوا لي ‏بالانصراف .."‏

ثم انطلق يركض بين الشواهد .. رحنا نرمقه ونتمنى أن يسقط فيدق ‏عنقه ..‏

وعلى ضوء كشاف وكلوب ، رحنا نعالج الشجيرات حتى كشفناها كلها ‏‏.. بالفعل كان أكثرها مجرد تعمية ( كاموفلاج ) كالتي يستعملونها في ‏الجيش ..‏

اخيرا بدا لنا مدخل الكهف .. كأنما هو فم الموت الفاغر ..‏

واخذنا شهيقا عميقا ثم دخلنا ..‏

‏10- الداخل ..‏

كان هناك ممر طوله نحو خمسة أمتار ..‏

مشينا فيه .. ولم يفتنا ان نرى بعض قطع العظام مدفونة في الأرض .. ‏عظام أطفال على الأرجح ..‏

وشعرت بـ ( ماجي ) تتنفس بعمق من طاقتي أنفها .. كدت أحطم ‏رأسها لأنني لا اطيق هذا الصوت بالذت .. كانت منفعلة ولهذا اعتقدت ‏ان من حقها ان تتحول الى صافرة سفينة ..‏

في نهاية الممر كان هناك باب موارب .. باب عبارة عن قضبان حديدية ‏‏.. كأنه باب قفص .. ولم يكن مغلقا .. كان جنزير معلقا جواره وقد ثبت ‏فيه قفل مفتوح .. ودون كلمة واحدة أطفأ الرجال جميع مصادر الضوء ‏‏.. وحبسوا الأنفاس .. السبب هو ان الضوء كله كان ياتي من الجهة ‏الأخرى .‏

ولبثنا في الظلام ننظر عبر باب لقفص الى القاعة المجاورة .. الآن ‏نفهم أشياء عن المكان .. واضح اننا الآن تحت الأرض لأن الممر كان ‏ينحدر بزاوية شديدة للأسفل .. ومن الواضح كذلك ان هناك نظام ‏تهوية ومدخنة تخرج كل هذا الدخان الى مكان بعيد عن المقبرة ..‏

هناك نار .. نار مشتعلة .. وهناك من يرقص حولها ..‏

يمكنك ان ترى النساء اللاتي يرقصن حول النار بالداخل .. كلهن ‏منكوشات الشعر يضحكن في هستيريا وجنون .. بعضهن شابات ‏مليحات وبعضهن قهرمانات في التسعين من العمر .. هل ترى هذه ‏المراة ؟ نعم .. هي مسز ( بانكروفت ) .. لقد تغيرت كثيرا جدا لكن من ‏الصعب ان تخطئها .. بالطبع لم تكن إذن في ذلك الحفل الذي رأته ( ‏ماجي ) في تلك الليلة وإلا لعرفناها في الصور ..‏

هناك رجال كذلك .. وهم يلبسون ثيابا حمراء فاقعة اللون .. وقلنسوات ‏‏.. هذا الفتى ضخم الجثة هو ( اونيل ) طبعا اما هذا فهو ـ صدق أو لا ‏تصدق ـ الشرطي عديم الكفاءة .. ثمة رجلان اعرفها لكن لا اعرف ‏اسميهما .. إذن عاد ( اونيل ) من ( دبلين ) خصيصا من اجل موعد ‏الطقوس هذه ..‏

الغناء يتعالى ولا يمكنك ان تفهم حرفا منه ..‏

هناك ما يوحي بان حفل شواء سيقام حالا .. هناك قدر يغلي على النار ‏وهناك نطع كبير عليه شاطور .. وهناك ...‏

في منتصف المكان يوجد سرير حجري .. وعلى هذا السرير الطفلة ‏مقيدة !‏

من بين اسنانه ووسط هذا الصخب همس ( اونولان ) بصوت كالفحيح ‏‏: ‏

ـ " واضح ان الحفل في ذروته .. لا شك ان موعد التضحية البشرية ‏قادم .. الخطة كما يلي .. سأقتحم المكان أنا ورفيقاي .. ونناولكما ‏الطفلة .. غادر المكان انت والآنسة ولا تنظر للوراء ابدا .. نحن نعرف ‏كيف ندبر أمورنا .."‏

خطة محكمة .. والحقيقة انه لا توجد خطة أخرى . يمكن مثلا ان تدخل ‏المكان وتطالبهم بتسليمك الطفلة لكن من يعرف كيف يتصرف هؤلاء ‏المخابيل ؟ ربما يسارعون بقتلها قبل ان تأخذها انت ..‏

ـ " الآن !ّ!"‏

وركل الباب ليقتحم القاعة مع رفيقيه .. انطلق الرصاص في الهواء ‏فتساقطت حجارة من السقف .. وعلى الفور انقض ( اوليفر ) على ‏رجلين ليخنقهما ، بينما راح الثاني يركل من يسدون طريقه ، وهرع ‏الى السرير الحجري او مائدة التقديمات ، وبخنجر مزق الحبال التي ‏تربط الفتاة ..‏

كان المشهد الآن قد تحول الى جحيم .. وراحت ( بانكروفت ) تعوي ‏كالذئاب : ‏

ـ " لن تهربوا ايها المدنسون ! لن تهربوا ! إن ( رونيل السوداء) ‏سوف .."‏

في هذه اللحظة وجدت الطفلة بين ذراعي ، فتذكرت الخطة وهرعت ‏اركض في الممر و ( ماجي ) تركض ورائي وهي تنشج ..‏

نظرت للوراء ، فوجدت مشهدا لا يصدق ..‏

إن ( رايان ) يمسك بجركن كبير تخرج منه خرقة من القماش ، فأشعل ‏طرفها ثم طوحها الى داخل القاعة .. وسرعان ما جرى الرجال ‏يغادرون المكان .‏

كلينج !‏

كان هذا صوت الباب المعدني إذ يغلق في وجه السحرة ، ثم لف ( ‏اوليفر ) الجنزير ليوصده بإحكام .‏

ـ " افتح ايها المدنس !!"‏

هنا كانت النار من الفتيل قد امسكت في البنزين الذي يملأ الجركن ، ‏وسرعان ما توهجت النار كأنما هي قنبلة ..‏

هذا المشهد ياخذ مكانه في ثقة في ألبوم كوابيسي ليظل هناك الى يوم ‏الدين .. رباه !!‏

هذه الوجوه الكاحلة الكريهة الممسوخة تتشبث بالباب الحديدي وتعوي ‏كالذئاب محاولة الخروج .. تمد ايديها المخلبية نحونا .. بينما النار ‏تنتشر وتتفاقم ..‏

هرعنا الى الخارج حيث ظلام المقبرة الموحي بالسلام ، وكانت ( ماجي ‏‏) تعتصر الطفلة كأنما تريد ضغطها داخل ضلوعها .. حتى لا تسمع كل ‏هذا الصراخ غير الكوني .. حتى لا تشم كل هذا الشياط ..‏

انتهى الأمر .. لقد صارت الطفلة مجنونة بالتأكيد .. ستحتاج الى علاج ‏نفسي لمدة عشرة أعوام .. ولو لم تجن ستتحول الى مدمنة مخدرات ‏مثلما حدث فيما بعد للطفلة ( ليندا بلير ) التي قامت ببطولة فيلم ( ‏طارد الارواح الشريرة ) .. إنها في منتصف العمر الآن ـ عام 2001 ـ ‏لكنها ما زالت تعالج من تجربة الفيلم ..‏

امسكت بـ ( أونولان ) من ياقة سترته وصحت : ‏

ـ " قاتل !! لماذا فعلت هذا ؟ كان بوسعنا ان نحبسهم ونأتي برجال ‏القرية هنا .."‏

قال دون ان ينظر لي : ‏

ـ " لقد اتفقنا على هذا مع رجال البلدة .. لا يوجد مظلومون في هذا ‏القبو .. كانوا سيجدون سبيلا للفرار .. إنهم سحرة .."‏

ـ " لكنك حرقتهم أحياء وبدم بارد .."‏

ـ " قلت لك لم يكن مناص من ذلك .. ولا تستفزني ايها الطبيب .. انت ‏رأيت بعينيك انهم كانوا يوشكون على التهام الطفلة .."‏

هل نبلغ الشرطة عن هذا ؟ سوف نقرر حالا .. المهم الآن ان نطمئن ‏على الصغيرة ..‏

كانت ترتجف لكنها في حال طيبة .. طبعا لا إجابات عل أية أسئلة .. ‏ذهول لا شك فيه .. وجهه ملطخ بالدماء لكنها ليست دماءها .. إنها ‏دماء رسمت عليه ..‏

قالت ( ماجي ) في حزم : ‏

ـ " الآن نعود الى الخان .. غدا نترك هذه البلدة اللعينة بأسرع ما يمكن ‏‏.."‏

ودون أن تنتظر ردي او ضوءنا ، حملت الطفلة وراحت تشق طريقها ‏عبر المقبرة ..‏

الخاتمة ..‏

في التاسعة صباحا دققت باب غرفة ( ماجي ) ففتحت لي ..‏

كانت ترتدي الروب ، وقد اغتسلت وتخلصت من آثار الليلة السوداء ، ‏فعادت ( ماجي ) التي اعرفها في يدها كوب من عصير البرتقال لا ‏ادري من اين جاءت به ، وعلى وجهها ابتسامة منتعشة لطيفة ..‏

قالت لي : ‏

ـ " برغم كل شيء لم نخسر واحدا من رجالنا .. سنعود بكامل عتادنا ‏‏.."‏

ثم غمغمت وهي تنظر في عيني : ‏

ـ " للأبد ؟" ‏

ـ " ماذا ؟"‏

ـ " ستكون ملكي للأبد ؟"‏

ـ " وحتى تحترق النجوم كلها .. وحتى .."‏

ثم تذكرت ما جئت من اجله ، فقلت لها وانا أنظر من فوق كتفها : ‏

ـ " هل الطفلة نائمة ؟"‏

ـ " طبعا .. لم تنم إلا منذ ساعتين .. ولا ألومها على شيء .."‏

قلت لها وانا أتنحى جانبا : ‏

ـ " هلا ارتديت ثيابك ولحقت بي ؟ إن الغرفة رقم ( 13 ) فارغة وبابها ‏مفتوح .. أريد ان نتكلم هناك على حريتنا .."‏

ثم اتجهت الى الغرفة المذكورة . .غرفة ( لورين بلاك ) الرهيبة التي ‏بدأت كل هذه الاحداث .. جلست على الفراش ورحت ارتب أفكاري.. ‏بعد قليل ظهرت ( ماجي ) على الباب في ثياب بسيطة غاية في الأناقة ‏كعهدها ..‏

قلت لها بعد فترة صمت : ‏

ـ " صباح اليوم عدت الى المقبرة .. كنت وحدي هذه المرة .."‏

ـ " عدت ؟ولماذا ؟"‏

ـ " كانت علامات استفهام كثيرة تضايقني .. لم استوعب جيدا ما حدث ‏البارحة .. وماذا تظنين انني رأيت فوق شاهد قبر ( رونيل السوداء ) ‏؟"‏

اتسعت عيناها بمعنى انها غير راغبة في الاستنتاج ، فقلت :‏

ـ " جثة مس ( لورين بلاك ) !!"‏

لم اصف لها منظر الجثة .. ولن أصفه لكم لأن هذه قصة وليست ‏مرجعا في الطب الشرعي او دليلا للسفاحين .. لكني وجدت جوارها ‏حقيبتها بين الأعشاب وكانت تحوي رزمة من الأوراق ..‏

ـ " لقد سمعت ما قلناه على الأرجح وفضلت الفرار عن طريق النافذة ‏‏.. لقد ادركت انها صارت هدف غضب الموجودين .. لكنها اتجهت الى ‏المقابر في الظلام او هذا ما احسبه فعلته .. ثم .."‏

ومددت يدي لـ ( ماجي ) برزمة الأوراق التي كتبت بخط دقيق منمق ..‏

راحت تأملها وقالت : ‏

ـ " هل قرأت الملحوظات ؟"‏

قلبت الأوراق ثم راحت تقرأ بصوت عال : ‏

ـ " تنبأت الساحرة بانها ستعود بعد ثلاثمائة عام .. من الجميل ان ‏أكون في القرية في هذا الوقت .. يجب ان اعيش التجربة كاملة .. ‏البس الاسود وأزور مقبرتها من حين لآخر .. سأتخيل اني هي .. ولن ‏اكتب حرفا قبل ان أتقمص الدور كاملا .." ‏

وتوقفت ومطت شفتها السفلى وقالت : ‏

ـ " ما معنى هذا ؟"‏

ـ " معناه ان ( لورين ) لم تكن أكثر من كاتبة قصص رعب ثرية ‏غريبة الأطوار ، كما حسبناها من البداية .. ظلمها جمالها فجعلنا ‏نصدق أي شيء يقال عنها .. بينما عملية استعادة ( رونيل السوداء ) ‏تتم ولا علاقة لها بها .."‏

ـ " ومن قتل هؤلاء ؟ "‏

ـ " ليست هي طبعا .. هناك عدد كبير في هذه الجماعة .. لا بد أن ‏احدهم كان ينفرد بالضحية .. معظم الأعمال تحتاج الى اكثر من واحد ‏على كل حال .. طبعا لم يكن القاتل هو مسز ( بانكروفت ) لانها كانت ‏امامنا اكثر الوقت . لا بد أن ( اونيل ) الشاب لعب دورا لا بأس به .. ‏كذلك الشرطي .."‏

ـ " ولماذا لم نجد هذه الأوراق في حجرة مس ( لورين ) ؟ "‏

ـ " لاحظي ان الشرطي و ( بانكروفت ) هما من فتش الحجرة .. هل ‏رأى أحدنا المخطوطات اللاتينية التي زعما انهما وجداها ؟ بالطبع لا .. ‏كانا يريدان ان تثبت الصورة في أذهاننا أكثر .."‏

ثم مددت يدي في جيبي وأخرجت بعض الأشياء : ‏

ـ " هل تعرفين هذه ؟ " ‏

مدت يدها وراحت تتفحص الصور التي التقطتها في المقبرة ، وهتفت : ‏

ـ " كيف وجدتها ؟ " ‏

ـ " تحت نافذتك .. لم يتخلص منها أحد .. لقد ألقيت إلقاء .." ‏

ثم أخذت منها الأوراق ورحت اقلب حتى وجدت نص كلمات ( لورين ) ‏على شكل خاطرة : ‏

ـ " الآن أرجو ان تصغي لهذا الجزء : لم افهم جيدا نص كلمات ( ‏رونيل السوداء ) وهي على المحرقة .. لكن من كانوا دانين سمعوها ‏تتحدث عن العودة بعد ثلاثمائة عام لتنتقم .. ستعود في شكل طفلة ‏اسمها في المرآة .. لا افهم هذا .."‏

نظرت لي في غباء فأخرجت قلما من جيبي وخططت على الجدار : ‏

ـ " ‏RONAELE ‎‏.. ‏ELEANOR ‎‏"‏

وقلت في تؤدة : ‏

ـ " لو قرأت ( أليانور ) بالمقلوب لصارت ( رونيل ) .. كأنك تضعين ‏الحروف امام مرآة .. بالمناسبة الساحرة اسمها الاصلي ( هيلين ) و ( ‏إليانور ) تنويع على اسم ( هيلين ) .. وجدت هذا في قاموس ( ويستر ‏‏) الذي احمله دائما .."‏

هبت واقفة وصاحت : ‏

ـ " اكرر .. ما الذي تعنيه ؟"‏

ـ " اعني ان ما رأيناه امس لم يكن طقوس تضحية بالطفلة .. بل كانت ‏طقوس تنصيب إن ( رونيل السوداء ) قد استحوذت على الطفلة ‏وسوف تبدأ دورة حياة جديدة معها "‏

ـ " أنت مجنون "‏

ـ " وما الدافع الذي جعلك تأتين هنا بالذات مع الطفلة في هذا الوقت ‏بالذات ؟ يسهل ان نتصور ان من سرق الصور هي الطفلة ذاتها وهي ‏من رماها من النافذة .. كانت قد بدأت تتحول لكن التحول لم يكن تاما .. ‏كان لا بد من تنفيذ الانتقام اولا بعدها يتم الحفل الصاخب .."‏

ـ " نحن قاطعنا هذا الحفل في ذروته .."‏

ـ " بل متأخر جدا .." ‏

كان هذا الصوت من وراء كتف ( ماجي) فأجفلنا ونظرنا للوراء ..‏

كان صوت أنثى في منتصف العمر لكننا وجدنا أمانا ( إليانور ) ذاتها ‏حافية القدمين في قميص نومها .. وعلى وجهها ضحكة لن تصدقها ما ‏لم ترها ..‏

كانت تقف على الباب ترمقنا بمزيج من حقد وتلذذ وسخرية وكراهية .. ‏وقالت : ‏

ـ " تأخرتما كثيرا جدا .. لقد عادت ( رونيل السوداء ) وهذه المرة لن ‏يمسها سوء لأن هذا العصر لا يعترف بحرق الساحرات "‏

صحت وانا ارتجف هلعا : ‏

ـ " نحن نعرف كل شيء .."‏

‏" لكنكما لن تستطيعا المس بي .. يومها ماذا تقولان للشرطة ؟ كانت ‏ساحرة ؟ " ‏

ثم انفجرت في ضحكة مستهترة قبيحة ماجنة كريهة وخرجت من ‏الغرفة ..‏

وسقطت ( ماجي ) على الأرض باكية .. اعترف ان أعصابي لم تسمح ‏لي إلا بالاستناد الى الفراش .. وهتفت ( ماجي ) وهي تنشج : ‏

ـ " لن اتركها .. إنها قريبتها .. سآخذها معي الى ( إنفرنسشاير ) ‏وسأفعل المستحيل كي تشفى .."‏

ـ " تأخذين معك من تعيش داخلها ساحرة شريرة ؟"‏

ـ " لا تتوقع مني ان اربطها الى عمود وأحرقها . .إنها حالة نفسية لا ‏أكثر .. ربما فصام من فرط كل ما عانته .."‏

قلت لها : ‏

ـ " أنا كذلك اعتقد ان شفاءها ممكن .. إنها ممسوسة او مجنونة .. ‏لان الساحرة لم تعد للحياة ولم تغادر قبرها .. ربما أمكن ان نجد حلا ‏‏.."‏

ولبثنا ساعات على الأرض نرتجف .. ونفكر في المستقبل الغامض ..‏

‏*** ‏

لم تنتبه قصة ( إليانور ) وكانت لي معها تتمة سأحكيها فيما بعد .. ‏لكني كنت مرغما على العودة الى مصر ، ،وقد أنذرت ( ماجي ) بان ‏تتخلص من الطفلة في اقرب فرصة .. طبعا كان هذا نفخا في قربة ‏مثقوبة لأنني اعرفها .. واعرف نفسي ..‏

هل الطفلة مريضة أم ممسوسة ؟ لم اعرف هذا إلا بعد فترة ..‏

‏(( تمــت ))‏