1

10 0 00

1

سهام سالم

لا يمكن لك أن تقنع أحدًا بجهلك قصص العشق والغرام عبر تاريخ الإنسانية، لن تخلو مداركك من لحظة معرفية بقصة قيس وليلى، أو عنترة وعبلة، أو جميل وبثينة، أو كُثير وعزة، أو روميو وجولييت، أو... ومن الطبيعي أن تكون قد مرت بك جميعًا، ولكن قد أجد لك العذر في جهلك قصة العشق بين مدينتي والبحر لقصورٍ في النقل أحمل وأمثالي وزره. فلم نبث عبر حلقات الزمن الغرام الطاهر، والهيام اللامتناهي، والاحتضان الأبدي الذي ساد رحلة الهوى الطويلة التي جمعتهما سويّا؛ إنه يلفها بذراعيه منذ بدء التكوين وحتى الأزل. لا يعبأ بمحاولات العابثين فك ذراعيه، وتلقي المعشوقة بمساحة ودها الممتدة عبر تاريخ الكون في أعماقه، كأنها سيف يقبع في غمده وتسترخي على صدره المنبسط عبر الأفق الواسع كأنها ماسة في جيد حسناء، لم يدنس الراكبون عبابه الرابط القوي بينهما، ولم يفلحوا في فك عراه. كان التفافه بها يشكل مع حسنها قيمتها المستقاة من عناقها له. تلك القيمة الخالدة التي رسخت في ذهن الدهر منذ أن صنعوا لها اسمًا أمسى عقدًا يتدلى على صدرها فيزين صدر التاريخ. ترقد في حضنه. تتوسد ذراعيه مغمضة العينين. يداعب نسيمه وجنتيها، ويعبث بخصلات شعرها الأشقر الطويل حتى سفحيها. تعانق المد وترحل مع الجزر. تسبح في أحلامها. لا شيء يقلقها إلا رجع صدى الأوامر المنبعثة من حنجرة (روميل) بدكّ أطرافها، ودوي مدافع الحلفاء المضادة، وأزيز رصاص بنادقهم. تفزعها الكوابيس فتصحو على بقايا حطامهم المحاطة بسياج الذاكرة، وتحتفظ برفات رفاقهم في غربها وجنوبها. منها ما تطل من علٍ ترقب الفُلْكَ في غدوها ورواحها كأنها تستجيب لنداءات أرواح قاطنيها الآملة في عودتها إلى موطنها الأصلي، وتحتفي تلكم الذاكرة بأمجاد أبناءٍ حاكوا لها نطاقًا من عز. وبُعيد اكتمال استدارة القمر، وفي سكون ليالي الصيف والربيع التي لا يعكر صفوها إلا نباح الكلاب، ومواء القطط، تشرع مبانٍ قديمة تقوست أعمدة سقفها في سرد حكاياتها الطويلة مع الزمن الغابر، والطائرات التي كانت تتقيأ حممًا فوق أسطحها.

العاشق يمتد فضاء رحبًا في شمالها ليربطها بالعالم الآخر، ناظراك يجوبان فضاءه لعلهما يقعان على نهاية له دون جدوى. تكسر بصرك موجة تلملم نفسها من بعيد، تلمحها تسير هوجاء نحوك تبدي نية اقتلاعك من مكانك. تتباطأ حركتها ويقل علو شأنها، فتتحطم عند أطراف قدميك ويتلاشى منها القول والفعل، لكن الحقيقة تُظهر أنها لا تخشاك، ولا تعبأ بحبات الرمل المترمّلة على الشاطئ؛ إنه إعياء آخر المطاف، فقد أتت من بعيد من الأفق، من أقصى القلب تغربل ذاتها بالتموج لعل عالقة نالت من نصاعة بياضها لتحط رحالها أمامك وأنت شزرًا تنظر إليها مهلهلة القوى، فلم تهب بعد الريح التي تجعلها لا تحترم وجودك أو سواك وتثأر لنفسها من غرورك وترد لك بغضب الحليم استهزاءك وتخدش بعنف المضام كبرياءك وتمحق كل من لم يعرها اهتمامه.

العشق لم يمنعه ابتلاع فلذاتها، ليس تجنيًا على المحبوب؛ إنما ظن بأنهم هداياه. هو يعلم قدر جودها. يعلم أن الجود أبلغ سماتها فلا يستغرب أن تجود بذويها، فلا يزعزع ذلك مساحة الالتصاق، ويمنح في المقابل هداياه حتى من المارين في جوفه في رحلاتهم الدائمة في مواسم الهجرة. فيستمد كل وجوده من الآخر.

يمتزج البحر بالجبل، والجبل بالسهل، والسهل بالهضاب، والحدب بالصوب، والريف بالحضر، والحضر بالمدنية المستورد بعضها من الجوار، وبعض بعضها الآخر مستقى عبر الفضاء. وعلى ضفاف هذا التمازج تخلّق تمازج بين العرف والقانون، وتقارب البون بين العادات والتقاليد والتقليد؛ إنها مزيج الزمان والمكان، مزيج الماضي بالواقع، والواقع بالمستقبل، والجهل بالمعرفة، والمدنية بالعصبية، ومزيج الفصول. وحدها الكرم والنجاد والمشاركات الوجدانية لا انزياح لها ولا مزيج لها مع غير ذاتها المتجذرة في عمق الأصالة. يصعب وصفها إطلاقًا بما يصنفها في طور المدنية، كما يصعب التعامل معها من منظور البداوة. فهي مزيج العلاقات الاجتماعية. مزيج النظام وخلافه. مزيج الارتفاع والانخفاض. مزيج الرمال والصخور. حتى المياه السوداء والمياه الزرقاء مزيج. ليس من الصدق وصفها وصفًا مطلقًا بالمدينة، وليس من العدل نعتها نعتًا مطلقًا بالقرية، فمحال تزيين النساء المنتشرة فيها، والتي لم تعد تعمل وفق نظام اليومين في الأسبوع، بل كل أيامه، ولم تعد العرائس وحدها الزبائن. ومحال بيع الملابس الراقية – ليس ذوقيّا؛ بل لمسايرتها الموضة – التي تعج بما انشق وارتفع، وما تزيَّن بالعبارات الأجنبية الخادشة للحياء، والداعية للانسلاخ من الهوية، والمروجة للأفكار الجوفاء من القيم والمبادئ، والتي تمازج بين الموضتين (الإيطالية والتركية) والأطباق التي تزين أسطح كل المنازل – تقريبًا – حتى المسقوف بالزنك منها، والموزعة الاتجاهات، وتضوع رائحة المعسل في سمائها، حتى طغت على رائحة ما نبت من ورود وشجيرات نجت من أيدي العابثين، والمنبعثة من أفواه لم تعرفها من قبل، الفضول وحده جرها إليها لتغدو عادة ثم إدمانًا، أفواه تخفي بين جدرانها أسنانًا لم تتبدل بعد، وأخرى أكلها السوس، وأخرى باعدت الأيام بينها. وزعت الزجاجات ذات الأعناق الطويلة المزركشة، والخراطيم الملفوفة حول أعناقها، وشعلات الجمر المتوهجة بفعل المراوح اليدوية. وزعت على طاولات تحتل المساحات المخصصة لوقوف المركبات؛ كلها صفات وفعال تجنح بنا لننعتها بالمدينة بغض النظر عن رفضها أو قبولها.

واصطفاف مجموعات من الماعز والضأن على جانب الطريق الأيمن تلتقط حبات القمح والشعير التي تتساقط من عربات النقل الثقيل , حين تتجه بها من الميناء الواقع شرق المدينة , إلى مصنع الأعلاف الواقع في غربها، وما يتبقى منها بين الفواصل ولم تتمكن الشياه من التهامه على الرغم من محاولاتها، يظهر مع أول زخات للمطر ليصنع خطّا أخضر على امتداد الطريق، ولا يمكن لهذه المجموعات أن تكون بلا مأوى عندما تعود في المساء بطانًا من هبات مطبات الطريق. والجهل بإشارات المرور فلا فرق عند البعض بين أحمرها وأخضرها وأصفرها، التوقف والاستعداد والانطلاق هي الأخرى مزيج، هذا المزيج يقود إلى عشوائية التصرف والجهل بكيفية السير في جزر الدوران، ومبدأ الأولوية. وسد الطرق الترابية في الأحياء بالأحجار وأنصاف البراميل، لمنع مرور السيارات, كل هذا يشدنا صوب تغليب الطابع القروي الذي ينفر من التقييد والتعقيد وإن كان نظامًا. فالريف حرية في التصرف. حرية في الحركة. حرية في المساحة وهذا ما يجعل أهليه يفكرون أبدًا في توسيع نطاق الحِمى لأقصى درجة ممكنة. في هذه المدينة القرية، أو القرية المدينة، المتكئة على أريكة من معدن التاريخ في قلب العاشق الذي يضمها إليه، ويجذبها نحوه بشغف لا يترك لها إلا ناحية وحيدة تنظر إلى الصحراء من خلالها، حيث تتصل بها ببعض الأودية غير العميقة وقد نمت على سفوحها بعض الأشجار التي غرستها السيول بعد أن جرَّت معها بذرتها وهي مندفعة صوب البحر، رأت عينا (سهام) النور، بعد أن حلت ضيفة على الحياة. تشكلت في الكون على الرغم من أنها لم تسكب نقطة حبر، أو تخط سطرًا في تشكيل كتاب حياتها، ولم تسهم ولو بمقدار نطفة في صنع عذاباتها التي تقبع في ركن الأيام، وتنسج خيوط شبكتها الممتدة بين أغصان السنين. تضررت وليس بيدها، وحطمت صخور البحر المسننة دفة قاربها دون أن تتمكن من التجديف بعيدًا عن التيارات، أو أن تقدر على الرسو بأمان. لم تقترف ذنبًا سوى الحياة، ومشاركة الآخرين الأكسجين، والغذاء من ثديي منجبتها دون أن تميز طعم الحليب. لم تكن تدري عن سني عمرها كيف ستكون، أو كم كأسًا من العذاب ستتجرع، ولم تكن تتوقع أنها ستجني على أحد ممن تحب.

لقد نسجت رغبات آخرين مأساتها التي أرقتها طوال حياتها في زمن لا يتعدى زمن تلاشي الدخان المتصاعد من عود الثقاب إثر نفخه تُقر بانتهاء مهمته إلى الأبد، وحيكت خيوطها قبل بضع سنين في مدينة تشهد تمازجًا بين الحضارة والبداوة، وفي مساءٍ لا تزال السماء تكثف مساعيها الجادة في تكوين غيومها، وتلملم أطرافها كأنها قطعان من الحمر الوحشية قد أدركها خطر الموت، فتداعت فيما بينها تلتمس الأمان، وتصطنع القوة، ولعل هذه الغيوم تجبر ما أفسدته سنون خلت خلفت جفافًا مقيتًا، ولتعطي الإذن لسيولها أن تجري حافية القدمين في أودية المدينة لتصب في سهولها ومن ثم البحر، تغسل أديم الأرض، وتنشر الاخضرار. أوحت بأنها آثرت أن تبدأ الشتاء بزخاتها المتلاحقة، وتشرع في رحلة الهطول للموسم الجديد، بصحبتها برد لدود تسكبه رياح الغربي في جوف المدينة القاحل، فسارع أبناؤها بإخراج الأحذية والجوارب والملابس الشتوية من سباتها في قعر الخزائن، وعلى شراء كميات من الفحم، وصيانة أجهزة التدفئة، وتنظيف السخانات من رواسب المياه. الكل يشعر بالبرد إلا (مستورة) وحدها كانت تشعر بالدفء يدب في أوصالها كأنه الخدر الذي لا تعلم مصدره؛ أهو الألم المصاحب لأشهر الحمل الأخيرة؟! أم ألم المأساة التي ستحل إن أنجبت جنينًا لا صرخة له؟! أم حرارة الأمل في أن القادم مولود ذكر يشع بالحياة تدوي صرخته في أذني ذاكرة السنين العجاف، وتنمو عليها أزهار الغد.

بعد انقضاء أيام وليالٍ لم تتعدَّ سني صبرها استهل سالم الحياة بصرخة... الصرخة التي انتظرها بلهفة شديدة كل ذوي الرحم، فالأب والأم لا يمكن تصوير حالة السرور والغبطة التي علت محياهما. وجده لأبيه الذي حرص على الفوز بالسبق الشرعي في تسميته؛ فهو من وسمه بهذا الاسم تيمنًا وأملاً في ألا يلقى المولود الجديد مصير سابقيه، فسلامة المولود هذه ذات صلة بالتسمية، كذلك الحال بالنسبة لوالدته التي سلمت من يمين زوجها "والد سالم" عليها فقد قال لها يومًا بعد أن علم بحملها الأخير: أقسم بالله العلي العظيم إن لم ينجُ هذا المولود لأتزوجنَّ عليك. وعلى الرغم من أن "سالم" ولد ناقصًا "ابن سبعة" إلا إنّه ضمن السلامة للجميع ولا سيما بعد أن أكمل الشهرين الناقصين في المستشفى.

نعم سلم "سالم" وسلم بسلامته الجميع. الأب من القلق والحيرة والخوف من انقطاع النسل واندثار الاسم ، والأم من الطلاق أو الضرة، والجد من حمل هم ولده وزوجه، ومن الفراغ الذي يعيشه في المدينة بعد أن جاء إليها قسرًا، بعد وفاة زوجته (كريمة)، وزحف الجفاف والتصحر على أرضه التي كان يعيش منها هو ومواشيه، والتي كانت تأكل وقته من صياح ديوك (زوجه) حتى انطلاق معزوفة حماره المنكرة طلبًا للعشاء. وبعد رحيل رفاقه الذين نسقت الأيام لقاءهم الأول مع بدايات الحرب العالمية، ويذكر كيف أن هذه الأيام التي جلبت عليهم البؤس والفجائع، وهي ذاتها ساقت الجود والعون والأصالة والإخاء والوفاء واللحمة، يذكر كيف أن ضنك العيش قد يقتضي أسلوبًا خاصّا، وقد يكون اصطناعيًا لضمان الاستمرار والبقاء، ويؤثر على الصلات بين أفراد المجتمع والعائلة والأسرة. لا يزال يذكر رفيقه (محمد) ولا يفتأ يكرر إعجابه بشخصيته الجادة، وإصراره على نيل ما يهدف له، فهو حريص على الالتقاء به، شغوف برواية مغامراته، ولا سيما تلك التي خلقت جفوة بينه وبين والده؛ فقد طلب منه يومًا أن يشتري له ثوبًا (لا يأخذ من الثوب غير الاسم. مصنوع من قماش خشن يسمى "البيسة" يخاط من الجانبين وتفتح فيه فتحة من أعلى، واثنتان من الجانبين العلويين ليسمحا بمرور اليدين) رد َّعليه: وفِّر ثمنه واشتره. أظهر صمته عدم رضاه بالرد وزمجر بآخر حلقه. التقت الخطوط الأربعة في جبهته والتي تظهر عند غضبه، انسحب من أمام والده وسحب معه فكره الذي بدأ على الفور في إصدار الأوامر له في البحث عن شيء يوفر به ثمن الثوب، ثبت على فكرة صيد طائر (القاليل) الذي يكثر في الأرض المنبسطة ذات اللون الترابي كالصحراء، وقد أخذ لونه منها فغدا وسيلة دفاعه. سريع في الجري والطيران يميزه صوت جميل. بعد صيد عدد منه سيذهب لبيعه ويطلب من والده شراء الثوب. حينها سيثبت لوالده أنه رجل يمكنه العناية بنفسه. بدأ في اليوم التالي قبيل إطلالة الشمس برأسها الأحمر الذي يشبه ثمرة خوخ وبري طازجة. بعد عمليات الكر والفر والمطاردة ونصب الشراك تمكن من الإمساك بعدد منها، لكن أتت الحاجة بما لا يشتهي محمد فتزامن صيده لسبع قاليلات مع نقص في الشاي والسكر والطحين، فطلب منه والده أن يعطيهم صيده ليشتروا الغذاء فهو الأهم ويؤجل الثوب؛ فرفض الطلب، أصر والده. أصرَّ على موقفه. استخدم والده العنف وأمر بأخذها بالقوة. كلَّف إخوته الذين يكبرونه بأخذها عنوة. كان أسرع منهم. سبقهم إلى المكان الذي احتجزها فيه بعد أن قصَّ ريش أجنحتها. أدرك أنها ستضيع منه لا محالة ويضيع الثوب. رفع عنها الغطاء الذي كان يحبسها. انتشرت في الأرض بكامل سرعتها، انطلق الجميع وراءها أخذت تراوغهم بين كثبان الرمال، ونباتات (المثنان والرمث والعجرم). ولم يتمكنوا من القبض إلا على أربعة منها.

جرت السنون سراعًا، جرَّت معها عمر سالم، دخل المدرسة. كان والداه يتعاملان معه بحب مبالغ فيه نابع من الفرح الكبير به، وكيف لا وقد رزقاه بعد طول انتظار، مما جعل والده ينذر على نفسه بألا يجعل ابنه يحرم مما حرم منه، فقد عاش حياة صعبة أقل من الكفاف، كانت هي الدافع الرئيس للنجاح الذي هو فيه الآن فعمله في المقاولات العامة يوفر دخلاً يضمن له وضعًا ماديّا أقرب إلى الغنى مكنه من أن يغدق على ابنه، على الرغم من تأخر مستحقاته في بعض الأحيان (إن شرب ولم يمد القدح). يباهي بوحيده لدرجة الغلو، وبما أن ما زاد عن حده انقلب إلى ضده فقد كان لهذا الحب المفرط رد فعل في الاتجاه غير المرجو، أصبحت الدراسة لديه شيئًا ثانويّا. أكمل التعليم الأساسي بشق الأنفس وبعد عدة محاولات، كانت رؤيته أن لا حاجة لذي المعيشة الرغدة بعذابات طلب العلم، ماذا يقدم له العلم؟ العلم للمال والمال بين يديه. لم يدرِ أن المال بغير علم خبال. لا يعلم أن العلم يصنع المكانة ويجلب المال، والمال وحده يضيع بعضه. العلم ليس كالمال؛ إنما كالأكل والشرب، وأنَّ فقيرًا ذا معرفة أغنى من غني جاهل. أقنعته والدته وبالمقايضة أن يواصل التعليم الثانوي. شرع في الدراسة الثانوية ولكن حتى مغريات المقايضة لم تفلح في ضمان استمراره فهجر التعليم. حاول والده أن يستقطبه لعمل المقاولات ليكون عونًا له وأمينًا على رزقه أيضًا. لم يفلح الاستقطاب، فرغبته أن يبقى بلا علم ولا عمل , كان لهذا الفشل والاستهتار مردوده السلبي على الحياة الأسرية. المناوشات وكَيْل الاتهامات، صارت السمة الغالبة على نقاش الأب والأم، كل يحاول إيقاع اللوم على الآخر فيما آل إليه وضع ابنهما. الأم ترى أن الأب مهتم بحمل اسمه فقط ليبقي على أثره، لا يفكر في كيفية الأثر. يعترض على كل محاولة لعقابه، يرى أن لطف المعاملة أنجع في التربية. العقاب يضيعه. لا يدرك أن الدلال مضيعة. والأب يرى أن إجبارها له على ما لا يرغب فيه هو سبب إحجامه. الصراع بسببه وهو غير مكترث لما يحصل بينهما، وغير مبالٍ بالسنين التي تمر من عمره، غير ملتفت لما وصل إليه أنداده، ولِمَ الاكتراث والمبالاة والالتفات وكلُّ سُبل الحياة وبأقل جهد – أو بدون جهد– متوفرة بين يديه.

ذات نهار والمنزل خال إلا منه، جالس على كرسي ورجلاه إحداهما فوق الأخرى فوق طاولة الصالون، وأمامه فنجان قهوة بياضُ جوفه أكثر من البُني، ويده اليسرى تتحكم بجهاز التحكم عن بعد ويتنقل بين قنوات "الهوت بيرد" وهو يلقي بقشور الفستق على الأرض بعد إفراغ ما في جوفها في فيه؛ إذا بجرس الهاتف يقوم بوظيفته الدائمة بالإبلاغ عن مكالمة قادمة رفع السماعة بيمناه:

- ألو، من يتكلم؟ (كان الصوت أنثويّا).

- ألو، أريد نجلاء.

- نجلاء فوق السطح تنشر الغسيل: نجلاء. يا نجلاء.

- سمعت الصوت سوف تأتي.

- وأنتِ ما أخبارك؟

- بخير.

- هل أنت صديقتها؟

- نعم.

- ولِمَ لا تكونين صديقة لي أيضًا؟

- أنا لا أعرفك.

- الأيام سوف تعرف بيننا.

- يبدو أنك مثقف.

- جدّا!!!

- تأخرت نجلاء.

- أقول لك شيئًا وتعاهدينني ألا تغضبي.

- قل.

- عاهديني.

- قل.

- عاهديني أولا.

- أعاهدك.

- وألا تقطعي المكالمة.

- لن أقطع المكالمة.

- بصراحة ليس لدينا أحد بهذا الاسم، ولا يوجد في البيت أنثى غير أمي، وهي خارج البيت الآن.

- ولِِِمَ كذبت عليّ .

- لأكسب الوقت.

- سوف أغلق الخط.

- لقد وعدتني.

- لقد ضحكت علي.

- لأتعرّف عليك.

- ليس بالخداع.

- لم أجد غير ذلك يبقيك فترة معي حتى نتعرَّف.

- وهل تعرَّفت؟

- ليس بعد.

- أريد أن أنهي المكالمة.

- دعينا نتحدث قليلا.

- مرة أخرى.

- صحيح؟ صحيح؟

- هل الرقم عندكِ؟

- آه أعطني إيّاه؛ فالمكالمة كانت بالخطأ.

- قصدك صدفة، وربّ صدفة خير من ألف ميعاد: الرقم هو...

- حفظته حفظته، باي باي

وضع السماعة ووضع يديه متشابكتين خلف رأسه ونظر إلى أعلى وتنهّد.

مرت أيام وهو قابع في ذات المكان أغلب الأحيان، مما لفت انتباه أمه التي داعبته قائلة: لو أن الكرسي ينطق لشكاك، فلم يُعرها اهتمامه – وربما – لم ينتبه إليها أصلا. وفجأة ولول الهاتف، وبأسرع من دهشة المفاجأة اندفعت إليه يُمناه:

- ألو ألو.

جاء الردّ جافيًا غليظًا على عكس ما يرجو ويتوقع تمامًا:

- أين أبوك؟

- ليس موجودًا.

- أخبره أنّي اتصلت به وإن لم يكمل العمل في المسكن في الوقت الذي اتفقنا عليه سوف أخرب بيته. وقفل الخط. بقيت السماعة في يده. بقي مذهولا للحظات قطعها صوت أمه: مَنْ؟ وماذا يريد؟ وضع السماعة وأجاب: بني آدم جاهل يهدد. مسكين لا يعلم أن أبي يأخذ من هذا ليبني لهذا، ويماطل حتى تنخفض أسعار المواد. مجددًا يقطع رنين الهاتف الحوار، تتسابق كلتا يديه، تنتبه والدته لذلك. تضع يديها متعاقبتين على صدرها وهي تستند للجدار، ورجلها اليمنى معقوفة على اليسرى بزاوية منفرجة.

- ألو ألو.

- نجلاء موجوده؟

- فوق تنشر الغسيل.

- لِمَ هذا التأخير؟

- كيف حالـ.. ينتبه لوجود والدته: ماذا تفعل الآن يا سمير. تتفهم الأمر. تنسحب وهي تبتسم ساخرة من المحاولة المكشوفة لتضليلها. يدور بينهما حديث ينثر خلاله كل منهما الحَبَّ للآخر داخل شَرَكِه، ويتفنن هو في طلاء ألفاظه بالعسل المصفّى. ويفرش المستقبل بِبُسُطٍ من حرير على جانبيها أكاليل من ياسمين. يخبرها في ثقة أن إحساسه الذي لا يخطئ، المؤسس على نبرات صوتها، يوحي له بأنها أجمل من الحوريات. إطراء مكَّنه من معرفة اسمها (نورا) بينما لم تحتج إلى عناء كي تعرف اسمه (سالم) لقد قدَّمه مجانًا، وعرف أنّها في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية. الإغواء والرغبة والإلحاح أثمرت اتفاقًا على لقاء، لم يكن أحدهما يتوقع حصوله في هذا الزمن القياسي. ما أبلغ الاهتمام إذا كانت النزوات هي المحرك. وما أحرص المرء على المواعيد إن كانت خارج نطاق الصواب، وثمارها متعة لحظة. ما أسهل الانصياع لمطالب العاطفة، وما أصعب الإنصات لنداءات العقل. وما أتعس عاقبة الأولى، وما أطيب ثمر الآخرة. في اليوم التالي كان اللقاء. في البداية تعطّلت لغة الكلام. الحياء المؤقت المرتب كديكور يلمع الظاهر كان يؤجل لحظة الانطلاق العاطفي، ويؤخر زمن البوح. ويكبت الرغبات. ولكن الغلبة للشهوة التي تخفف درجات الخجل وتضع حجر أساس الاستدراج . بدأ تبادل الحديث. كانت المقدمات كيلاً للثناء على الصدفة التي كانت أساس هذا اللقاء. بادرها قائلاً:

- ليس الخطأ دائمًا يضر.

- ماذا تقصد؟

- قد تكون للأخطاء فوائد.

- كيف؟

- أليس الخطأ هو الذي جمع بيننا؟!!

- بلى.

- وقد يفرِّق بيننا.

- لا أحب التشاؤم.

- ليس تشاؤمًا. ألا يقولون (ما بني على باطل فهو باطل) والخطأ باطل.

- لا أحب هذا الكلام.

- هل غضبت؟ أمازحك فقط.

- دعنا نذهب.

- ابقِي قليلاً.

- المرة القادمة.

اتفقا على لقاءٍ قريبٍ آخر وأنجزاه، عقبه لقاء، ثم لقاء، ولقاءات، ومع كل لقاء يزداد الانفتاح العاطفي ليطغى على كل تفكير. وفي غفلة من ذات لقاء من لقاءات الغفلة، وجدت الرغبة غير المكبوحة ذاتها ولاسيما عند فتاة في الثامنة عشرة من العمر، تتابع الأفلام والمسلسلات وتنبهر بالأغاني، فمع مقبلات من معسول القول الذي سرى في أحاسيسها كسريان الماء في الأرض الممهدة، وباقات من الأماني بدوام الوصل حدث ما لابد من حدوثه في مناخ كهذا ، حملٌ غير شرعي، أحلّ الحزن مكان الفرح، والعواقب مكان الأماني، والحنظل في الرحيق، والخوف والقلق محل الأمن والطمأنينة، والهروب بديلا ًعن لهفة اللقاء. أيامًا لم تره أو تسمع له صوتًا. كثرت اتصالاتها. تكرارها أجبره على الاستجابة. تجدُّ في تحريضها له كي يجد حلا وهو يتصنّع أن لا حل لهذه المشكلة، أخبرته أن الحل عنده، والأمر بيده ، أنّ عليه أنْ يأتي ويطلبها للزواج في أقرب وقت. أن يصلح ما أفسد العسل المغشوش. محاولات التهرب لم تثنها عن الإصرار على ضرورة الحل. وخَامَةُ العاقبة تكون دائمًا على المرأة. الكسر في الزجاج ليس كمثله في أي مادة أخرى. عِلْمُهَا المتأخر بهذه الحقيقة يوجه تصرفاتها، وينمي إلحاحها. شعر بأن عليه أن يفعل شيئًا يواري سوأتهما. وعدها بأن يفكر في حل سريع يمكن أن يصلح الخطأ.

لاحظت الأسرتان ما طرأ على ابنيهما من قلق ولم يعرفا السبب. كان سالم يتحجج بالفراغ الذي يعيشه، وكانت تعيد الأمر لضغط الدراسة، ولكنه – أخيرًا - صرح لوالدته برغبته في الزواج، انعقد لسانها من المفاجأة وأول ما نطقت سألته:

- وهل تقدر على مسئولياته؟ أنت الذي لا تعير بالاً لأي شيء غير الهاتف وجهاز التحكم والسهر!

ردّ بحنق بعد أن رمى بجهاز التحكم على الأرض:

- وهل ترينني طفلا ً؟ أو أنك ترينني ماجنًا. المهم زوجوني وحالا. ركّزت الأم على كلمة حالاً وسألت:

- وِلمَ حالا؟

- هكذا.

اندهشت من طلبه وانصرفت. عندما عاد زوجها – بعد جزء من الراحة – أخبرته استغرب بادئ الأمر ولكنّه استطرد قائلاً:

- ولِم لا. ربما الزواج سيصلحه ويجعله يعرف الدنيا ويغير نمط حياته، بلّغيه أنّي موافق ولكن بشرط.

- ما هو؟.

- موافقته على العمل معي.

هنا زالت دهشتها من موافقته السريعة. استوعبت فكرته في استغلال الموضوع وإجبار سالم على ما لم يكن يبالي به. حملت الأم الخبر لسالم وهي تُحدّث نفسها كيف تتحاشى غضبه وردة فعله على شرط والده واستغلاله للموقف، ما إن أكملت – بعد تردد - الخبر الذي تنقله، حتى ظهرت نواجذه. وأذهلتها موافقته السريعة والممزوجة بالفرح. نسي نفسه تركها واقفة لم تطبق شفتيها. ارتمى على الهاتف واتصل بـ (نورا) أخبرها بموافقة أهله، صرخت أمه التي عبثت بعقلها مفاجآت هذا اليوم، وحيرتها بين التعجب والفرح:

- لم تعلمني من هي البنت التي ستأخذك مني؟

- إنها بنت جميلة و و و...

تلقت الخبر بنصف الفرح، النصف الآخر مختزل في موقف أهلها، وفي مدى الجرأة في انتزاع الموافقة دون إجبار على الإقرار فالمهمة أصعب. كيف ستقنع أهلها وهي تعلم أنّهم لا يزالون يعاملونها معاملة تلميذة وعليها.. وعليها.... ولكن الأبناء – بالغريزة - يعلمون أن عاطفة الأم هي المدخل الأنجع لأي عويص، وتأسيسًا على ذلك تجرّأت نورا وحكت مع والدتها مبلّغة إيّاها أنّ شابّا ممتازَ الأخلاق، جيدَ المستوى، حسنَ الحسب يريد أن يتقدم لها. دونما تفكير صرخت في وجهها:

- تفكرين في الزواج، أين عقلك؟ أنت لم تكملي دراستك بعد، ولم تتعلمي شئون البيت بعد، ولم... ولم... ولم...، اطردي الفكرة من رأسك.

- أمي أرجوك أن توافقي أرجوك.

- غيِّري الموضوع واطرديه من رأسك.

تركتها وغادرت المكان، لحقت بها نورا في المطبخ وهي تدرك أن لا سبيل لها إلا العزف على وتر العاطفة. بكت بين يديها وتجرّأت ثانية وأخبرتها أنّها تحبه ولا تريده أن يضيع منها ردت الأم على دموع ابنتها مع تغير في لهجة الخطاب:

- يا ابنتي أنا أعْرَفُ منك وأخاف عليك.

- أمي لا تجعلي خوفك يقف في طريق مستقبلي.

تنهدت الأم ووعدت أن تحدث أباها. قفزت إلى حضن أمها وهي تدري أن الآتي أصعب. وقد كان. ما إن أخبرته حتى اشتاط غضبًا:

- هل جنّت البنت؟ وأنتِ كان من المفروض أن تحسمي الأمر من عندك.

- حاولت؛ ولكنّها (قاطعها).

- لكنّها ماذا؟ أحضريها لي .

- لا لا سأعلمها برأيك.

نقلت الرفض القاطع – وهي حائرة بين الواجب والعاطفة – فلم تتمالك نورا نفسها وجاشت بالبكاء فهي وحدها تعلم ما سيترتب على هذا الرفض، فكّرت أن تطلعها على الحقيقة المؤلمة، لكن أرجأت ذلك للحظة الأخيرة، وأقنعت أمّها بأن لها حظوة عند أبيها وعليها أن تستغلها في التأثير عليه. عادت الأم وفتحت الموضوع مجددًا مع زوجها، انفعل لذلك:

- عليك وعليها أن تنسيا هذا الموضوع، وأدار وجهه عنها لكنّها كرّرت المحاولة وبشيء من الدبلوماسية الأنثوية، وشيء من التذكير بالعشرة الطويلة بينهما، ومكانتها عنده، وبأنها أم، استطاعت أن تُليّن موقفه، وحاول أن يخبرها أسباب رفضه لكنها قاطعته:

- أعرف من حبك لنا وحرصك علينا، لكن أرجو أن تستمع لرأيي: أرى أن نوافق على خطوبة فقط، بذلك لا يخرج الأمر عن سيطرتنا.

صمتَ واستند إلى الكرسي. رفع رأسه إلى أعلى. وضع يديه على وجهه ثم أخرج زفرة وقال: سأعمل برأيك.

طارت الأم بالخبر السعيد، ظنّا منها أنها قد أمسكت السعادة من أذنيها ووضعتها تحت وسادة ابنتها. أبلغتها بسرور الموفق نبأ موافقة أبيها. ما إن نطقت أمها بالموافقة حتى صرخت فرحًا وانطلق لسانها – كجرس هاتف سالم.

– احبك يا أمي أحبك أحبك.

أكملت الأم:

- لقد أقنعته بعد جهد كبير واتفقنا على فترة خطوبة.

وفي أقل من هنيهة تبدل الحال فهذا ليس المطلوب إن هذه الموافقة ناقصة؛ إنها لن تفي بالغرض، ولا تجعل ما حرصت على إخفائه في طي الخفية. تعطلت لغة الكلام، ولكن ليس كالتعطل الأول؛ فشتان شتان بين الاثنين.

- ماذا يا ابنتي ألم تكن غايتك ألا تفقديه؟ لم تُجب نورا. وإن أجابت فبماذا تجيب؟ ليس أمامها خيار. أدركت أن إطلاع أهلها على الأمر أهون من إطلاع الآخرين عليه. لا مناص من البوح بالسر على الرغم مما فيه من مرارة، وما يحمل من ألم، وما له من عواقب؛ لكنها بين أمرين أحلاهما مر: اسمعي يا أمي بصراحة الأمر أكبر من موضوع زواج، تسمّرت كل جوارح الأم قبل أن تكمل ابنتها اعتراف الألم . وقعت مكانها، فقد تبين لها – بحكم المعرفة والإحساس – ما كانت ابنتها تداريه، انكبت الفاعلة عليها لترفعها، لكنها ظلت على حالها لفترة أفاقت بعدها منهارة لا تدري ما تقول بل لا تدري ماذا تفعل؟

عاد الأب وفي جعبته أن يخبر زوجته أن تخبر ابنته أن أباها يريد معرفة اسم وعنوان عائلة صهره المنتظر كي يرسل إليهم للاتفاق على يوم لإعلان الخطوبة، لكنه وجد البيت الذي توقع أن يجده يموج فرحًا؛ حزينًا كئيبًا، وزوجته ملقاة على السرير كأنها قد علمت أباها. المطبخ لا حياة فيه بالرغم من أن موعد الغداء بعد ساعة، ونورا التي لم يحن موعد عودتها من المدرسة موجودة في البيت، والسكون هو الوحيد الذي له نبض، دارت في رأسه كل الهواجس، ومرت أمام عينيه أعظم المصائب، إلا المصيبة التي حلّت به فعلا وجعلت حال بيته كما رأى، وكما سيرى. توجه تلقاء زوجته . وقف عند رأسها وسألها:

- ما الخطب؟ ولم يدر أن رحى كل الهواجس تدور في رأسها، كرّر، لم ترد عليه، نهرها ففاضت عيناها بالدموع؛ زادت قلقه، ألحّ على معرفة المصاب، فانفجرت تغذيها الحسرة:

- ابنتك.

- ما بها؟

- ابنتك.

- ماذا جرى لها؟

بصوت طغى البكاء عليه:

- ابنتك حامل.

صَمَتَ ونطقت عيناه! تجلّد وفضحته قسمات وجهه، اندفع صوب الباب. تعلّقت به. شدّ ثيابه. تعلّقت به وتوسّلت إليه أن يسمعها؛ فتمهل، قالت:

- فكّر فينا، فكّر في مركزك الاجتماعي، في مدى قدرتي على مقابلة جاراتي أو قريباتي، هنا انتبه وسألها: أهُو. أوْمَأت برأْسها نيابة عن نعم.

قال بعنف الجريح: أريد معرفة أهله.

قبل العصر كان عند أبي سالم في موقع عمله الذي استدل عليه من أحد جيرانه، وجده يربط أسلاك حديد السطح. طلب منه أن ينزل كي يكلمه. سلّم عليه سلامًا حادّا جافيًا، وقال له:

- أريدك على انفراد.

لحق به ولم يتكلم من الدهشة. بادره:

- عليك أن ترغم ابنك أن يصلح غلطته.

- أي غلطة؟

- لا أعرف. ما أعرفه هو أنه يجب وبأي شكل أن يصلح غلطته.

- أي غلطه تريده أن يصلح إذا كان لم يصلح نفسه؟!

- أنت قلتها هو غير صالح. ابنك يا سيد ضحك على ابنتي.

- المعاكسات والوعود كثيرًا ما يفعلها شباب اليوم، وإن كان قد وعدها بالزواج فأخبرك أنه لا يملك حتى السكن المستقل. أنا أعتذر بالنيابة عنه، ومن حقك أن تخاف على ابنتك من العبث.

- وأي عبث تريد بعدما هتك عرضها!

أذهل النبأ والد سالم. تلعثم في الكلام. كان يظن أن الأمر غير ذلك. تمالك نفسه وقال محاولاً إيجاد فرصة للدفاع، والظن الأقرب كيلا يبتلع الحقيقة جرعة واحدة:

- صحيح أن لابني سلبيات كثيرة لكن لا أعتقد أنها تصل لهذه الدرجة.

- بل وصلت. وعليه أن يتحمل مسئولية ما اقترف.

هنا ربط والد سالم الأحداث. إصرار ابنه على الزواج وبلهفة، وموافقته دون تردد على شرطه الذي طالما رفضه. أخفى هذه الأمور على محدثه ولم يُبدها له، ووعده بالسعي في جبر الكسر – الذي لن يجبر – إن كان الأمر كما يقول. وكما بدأ النقاش سريعًا ومختصرًا كان تفرقهما.

وعندما قفل إلى بيته وفاتح زوجته فيما أخبر به لم يحدث الحديث مفاجأة لها، لأنها كانت تحس أن سرّا ما وراء التحولات التي طرأت على ابنها منذ اليوم إيّاه، وتعرف أن الخطب ليس عاديّا، ومع ذلك وبعاطفة الأمومة التي تعمى عن الخطأ في الغالب، حاولت تبرئة ابنها، هذه البراءة التي ذهبت أدراج الرياح، ونكصت على صاحبتها باعتراف سالم بجرمه.

هذا الاعتراف فرض على والده أن يذهب لوالد نورا مكبلاً بفعلة ابنه ليعرف منه ماذا يريد، وما إن أقرّ له، وأخبره بسبب مجيئه، حتى بادره:

- ألا تعرف ما ينبغي عمله.

- بلى؛ ولكن كيف؟

- يعقد عليها فورًا.

- ولكن كيف وهي..؟ أليس هذا مخالفا للشرع؟

- أنتم تتكلمون عن الشرف. ثم ما يهمني هو مركزي وسمعة العائلة، ومواراة الفضيحة. ثم أليس العرف في هذه المدينة يُوافق على ذلك، ويضع أهلها الشرع وأحكامه على جنب في مثل هذه المسائل؟

- وهل هناك من يعقد لنا؟

- هناك. ابحث عنه ستجده ولكن عليك أن تعرف كيف تجعله يكتم السر إن اضطررت لإطلاعه على الحقيقة.

بعد يومين من اللقاء الأخير كانت الأكف ترفع، والألسن تنطق: آمين... وبعد عشرة أيام زُفَّا لبعضها على أصوات زغاريد الأقارب والجيران الذين لا يدركون الحقيقة. ومع انقضاء الشهر السادس بعد الأيام العشرة استهلت (سهام) الحياة بصرخة متقطعة، وحركة دءوبة كحركة طائر السنونو قبيل المطر.