2
لولا..
ثمرة جميلة في منبت سوء كانت سهام، فلم تمض سنة حتى دبت الخلافات بين من يسميان مجازًا أبويها. أُجبر الأهل على التدخل أكثر من مرة، ولكن بطلان القواعد يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى انهيار السقف. انهار البنيان المؤسس على جرف هار من العبث والخطيئة. الطلاق كان نهاية عقد يعرف المتعاقدون أنه باطل قبل توقيعه. لا يمكن للخطأ أن يحجب الصواب إلى الأبد. لا بد لأشعة الشمس أن تنفذ ولو من شق في الجدار، فأشعة الشمس حتمًا تعيد الخفافيش إلى كهوفها. لم تنجح نورا في تحاشي الانفصال وضمان الاتصال بينها وبين سالم لمعرفتها بموقف أهلها منها وبأي عين سينظرون إليها. أجبرتها إهاناته المتكررة، ولامبالاته بشعورها، وتهوره المقزز، واستغلاله لوضعها على الانفصال، لم تسعفها القدرة على تحمل سوء معاملته. لم تنجح في الحفاظ على بيتها المبني من أعواد الثقاب المطفأة، فعادت أدراجها تحمل نفسًا كسيرةً وتتلحف وزرها، جرحها ينزف، وكبرياؤها محطمة. رد فعلها الوحيد نذر تعهدت لنفسها أن تحققه وهو منعه من الاتصال بابنته أو حتى مجرد رؤيتها.
وعاشت سهام في بيت جدها لأمها بعد أن فقدت حقها الطبيعي في العيش في المكان الطبيعي. إن فراق أبويها وزر لم تساهم فيه بشيء ولكنها مجبرة على حمله.
شبت سهام، جميلة كزهر التين الشوكي. حاضرة في الكون كالنجوم، حضورها ذو مذاق مميز كمذاق نكهة القهوة في مساء شاعر. الأدب زينتها، والخلق النبيل شيمتها، وقد حباها الله بذكاء خارق ولباقة في حسن التعامل مع الآخرين. أخذت تزداد جمالا مع ازدياد سني عمرها، كالوردة كل يوم يمر عليها يمدد لها في تفتحها وانبلاجها، ويزيد عبيرها تضوعًا؛ فالسنة الحادية عشرة سلمتها للسنة الثانية عشرة والثانية عشرة أوصت بها الثالثة عشرة خيرًا والثالثة عشرة أمَّنت عليها الرابعة عشرة والرابعة عشرة استودعتها عند الخامسة عشرة.. وكَمُّ الجمال صاحبه كَمُّ الإعجاب، وناظرهما حرص وصون للنفس والسمعة من جانبها، فكانت تتعامل مع الغير في نطاق الحدود المسموح بها، لا تتعدى النهج الذي رسمته لحياة شريفة وكل من يحاول طرق بابها، إن رأت فيه صلاحًا توجهه صوب باب والدتها (ولي أمرها) الذي تعرفه.
الكل يتودد إليها سعيًا وراء جمالها، صغارًا وكبارًا، حتى أصحاب المحال التجارية يلقون عبارات الغزل في طريقها، وعندما تطالب الواحد منهم بالتقدم لغايته رسميّا، وفق ما شرّع الله يقول: بودي ذلك لولا... يتكرر معها هذا الأسلوب باستمرار، حتى الشاب الذي أحبته من نفس الحي، عندما طالبته ليتقدم لخطبتها قالها: قلبي يريد ذلك لولا... ما هذه اللولا؟ (قالت في نفسها) وتناسته وتناست الأمر.
أوصلها ذكاؤها إلى الدراسة الجامعية. تمثلت فيها صفات الطالب الجامعي التي أصبحت نادرة الوجود. الفصل الدراسي كان سببًا في نشوء علاقة حميمة بينها وبين (هبة) وقد جمعت الصفات المشتركة - التي تكاد تطابق النسخ – بينهما. لم تكن سهام تركن لسواها فهي الوحيدة التي كانت تشاطرها آلامها وتستمع إليها حين تبث شكواها من سوء نظرة الآخرين لها. كانت هبة الفتاة الخلوقة الجميلة المتزنة ذات العينين الخضراوين مثل ورق عشبة الشكروان، والوجه الصافي كبقية ماء المطر على الصفواء، والأنف الذي تشبه مقدمته حبة الكرز. يكسو كل هذا شعر أطول من ليلة بلا عشاء، وأسود من حياة المدين، وجسم وسط في كل شيء ما عدا الطول فهو أكثر من الوسط قليلاً. جادة في أسلوبها سهلة المعاشرة إن تيقنت من صدق النوايا، محبة للعلم صلبة في رأيها، وفية لخلانها. لقد أكسبتها هذه الصفات حب والديها وحب الجميع، ولكنها فرضت الحذر في الاقتراب منها، والتفكير أكثر من مرة، وبأكثر من أسلوب قبل الخوض في أي حديث معها، ولاسيما الأحاديث ذات الحساسية. كانت وحدها مصدر ثقة سهام، والوحيدة التي تتبادل معها الأحاديث الخاصة. يقضيان أوقات الفراغ بين المحاضرات متلازمتين تحت شجيرات الجامعة أو في قاعة المكتبة الجامعية. هبة في المقابل تحكي لها كل أسرارها . وكان أكثرها مفاجأة لها سر علاقتها بـ (أحمد) موظف المكتبة الهادئ الوسيم. لقد تفاجأت سهام حقّا لأنها تعرف هبة لا تقيم علاقات مع أحد من الشباب. سألتها ما هذا التحول؟
- ألم تكن عيناك صوامتين عن النظر إلى أعين الآخرين والحكم عليهم بأنهم جميعًا طائشون؟ علت ابتسامة عريضة وجهها وأجابت بنصف تنهيدة:
- إنه يختلف عن الجميع.
- احكي لي عنه. بل عن قصتكما، لعلِّي – بل بكل تأكيد – سأجد فيها العزاء لحالي فأنتِ تعرفين كم يسعدني كل أمر طيب يخصك. احكِي. تبسمت هبة ثم قالت:
- دخلتُ المكتبة ذات يوم، وكان وقتي ضيقًا جدّا بسبب ضغط المحاضرات وتكثيف أوراق العمل، وكنت أبحث عن كتاب أستعين به كمرجع لورقة العمل التي أعدها. كنت أبحث بقلق. يبدو أنه كان يراقب تصرفاتي من وراء مكتبه المقابل للأرفف التي أبحث فيها. تقدَّم مني بلطف بالغ وقال:
- بإمكاني مساعدتك. عن أي كتاب تبحثين؟
- قلت دون شعور: كتاب مهم لورقة العمل.
- قال: أعرف أنك تبحثين عن كتاب. ما اسمه؟ وما اسم مؤلفه؟
- قلت: كتاب الأسطورة في الشعر لأنس داوود وفي أقل من دقيقة كان يناولني الكتاب. نظرت إليه ثم مددت يدي وتناولت الكتاب. حدث هذا في زمن لا يزيد عن نصف دقيقة لكن انطباعي الداخلي يؤكد لي أنه لا يحمل في نفسه غرضًا غير المساعدة.
قالت سهام:
- في اليوم التالي جئت تبحثين عن كتاب الغزل عند عمر بن أبي ربيعة.
- إن استمرتِ في التعليق أتوقف عن الحكي.
- إني أمازحك.
- بعد أيام دخلت المكتبة وبدأت البحث خاطبني:
- إن كل الكتب التي تتحدث عن التراث في الأدب عمومًا وضعتها لكِ في الرف الثالث على اليمين. كان يلفظ الكلمات باحترام بالغ وحياء ظاهر. توجهت إلى المكان وشرعت أقلب الصفحات. لم أرفع عيني. لكن إحساسي أكد لي أنه كان ينظر لي باهتمام كاهتمامك الآن بما أقول.
تطفل إحداهن قطع الحديث. أخذ الحديث منحًى آخر سرق الوقت المتبقي عن زمن المحاضرة.
وفي الجامعة تعرفت سهام على زميل لها من خارج القسم ومن خارج بلدتها، تبادلا الارتياح والإعجاب ومن ثم الحب، وبعد فترة أخبرته أنّها ترغب في إضفاء صفة الشرعية على علاقتهما، وبحكم تقاليد بيئته رحب بالعرض، وتعهد بأن يضع الأمر بين يدي والديه لنيل موافقتهما. بالفعل أخبر والدته- التي أخبرت والده - برغبته في الارتباط بمن اختارها قلبه، فأرجأه إلى أن يتمكنا من الحصول على معلومات عن البنت وعن أهلها، وبعد أيام أخبرته أمه بما لا يحب ولا يتوقع، برفض والده، وعندما سأل عن السبب أخبرته على مضض أنها ابنة غير شرعية. ابنة زنا، ابنة زنا؟ ردَّد في رأسه. قابلها بعد طول تهرب من ملاقاتها، وكان قد تأكد مما أعلمته به والدته، وبعد سلام حار منها، وفاتر منه، سألته عن سبب هذا الانقطاع في حين أنها كانت تنتظر قدوم أهله، أجابها بالهدوء الذي يسبق العاصفة:
- اسمعي يا سهام أنت بنت جميلة وذكية وطيبة وكل واحد يتمنى الارتباط بك لولا...
لم يدهشها شيء من كلامه كله إلا لولا هذه قالت:
- لعنة الله على لولا.. التي صارت تطاردني في كل مكان حتى أنت وصلت إليك. لابد أن أعرف سرها، لماذا لولا في كل زمان ومكان؟ لماذا؟ لماذا؟
فرد عليها بما حول دهشتها إلى حيرة:
- اسألي أمك.
إجابة جعلت الهواجس جميعها تدور رحاها في رأسها عدا ما هو واقع فعلا "أنها ابنة زنا" غادرته تحت إكراه دموع – غصبًا عنهًا – انحدرت إلى مجراها.
عادت إلى سكناها هائمة على وجهها يدفعها قلق عارم ورغبة جامحة لمعرفة ما وراء لولا. دخلت وعلى الفور توجهت تلقاء والدتها لتسألها سؤال الملهوف، لهفة الهيم العطشى للماء، و تطالبها بأن تفسر لها سر ما يحدث معها، قالت: وما الذي يحدث معك يا بنتي؟ كلما يسعى أحدهم للتقرب مني وأطالبه أن يتقدم بصورة رسمية يقول: بودي ذلك لولا. أريد أن أعرف ما هذه اللولا التي أجدها حيثما حللت؟. تنهدت الأم، واغرورقت عيناها بالدموع وقالت: آه يا بنتي. ثم استوقفت لسانها للحظات، وأطلقت العنان لحديث النفس الموءودة: ما أجهل الإنسان بنفسه. أقرب اثنين وأكثر اثنين لا يعرفان كيف يصون كل منهما الآخر. نفس المرء معلقة بفعاله. وفعاله غير محسوبة. لا يلقي بالاً لصغائر الأمور حسب ظنه. اللحظات العابرة يعاملها كورقة يطويها ويرمي بها في متن حقيبة غير مستعملة مخزنة في خزانة الملابس المهملة. يظن أن كل شيء أمكن إخفاؤه عن الأنظار يبقى أبدًا كذلك. النزوة لا يراها شيئًا ذا تأثير لأنها لم تأخذ من مساحة الزمن إلا النزق اليسير. أو كثانية من دقيقة، أو دقيقة من ساعة، أو ساعة من دهر. يتغافل عن أن الطوفان يبتلع في ساعة ما كُوِّن في قرن. والروح تنزع في ثانية. يعتقد أن كلَّ شيء سيسير وفق ما رأى هو وكما أراد. يرى أن رؤى الآخرين عبث بأفكاره وتدخل سافر في شأنه الفعلي. وأن التغير رهن بهواه لا هوى الأيام. أنانيته تقوض بصيرته فهو لا يرى في وقته الآني أن فعله قد يؤثر في غيره. يجهل أن فعلاً طائشًا هينًا قد ينغص العيش عمرًا بأكمله، ولا يدرك أن خرقًا كثقب إبرة في سفينة يغرقها. ولا يعلم أن قطع عرق من شجرة قد يميتها. دائمًا يرى أن الأشياء لا تتبدل إلا بعد استشارته ومحاورته في الآتي، وهو لا يقيم وزنًا لمساحة الفكر الممددة في فضاء العقل. وربما يسبق المنطق في طرقه للأفعال. تزين له ذاتيته طعم النجاح المطبوخ في قدرٍ من حنظل. فيرى تبوء الصدارة على حساب المبدأ والكرامة كسبًا. والكسب على حساب العافية ربحًا... أسقطت دموعًا حارقة من عينيها مسحتها بيدٍ ترتعش. ارتشفت ريقها... تأنت برهة فكّرت فيها بأن تحجب عنها الحقيقة، ولكنها تراجعت، فلا ينبغي لها أن تضيف جناية أخرى على جنايتها الأولى. قالت بتلعثم وتردد: لولا هذه ليست لولاك. إنها لولا اثنين أنكرا كل حس بالمسئولية، وتجاهلا مع سبق الإصرار والإمعان في الوزر كل تجن على حق الآخرين في العيش بشرف. إنها لولا امرأة سلمت للشيطان قيادها وهي تدرك أن الشيطان لن يكون ناصحًا أبدًا لابن آدم، وإلا يخل بوعده الذي قطعه على نفسه. فلولا الطيش وسوء الخلق ما كانت لولا. لولا هذه البويضة القذرة الفاسدة لكنت أنت من يشترط ما يريد على الآخرين عكس ما يجري الآن. يا بنتي الحقيقة المرة التي لابد من كشفها؛ أنك ابنة لحظة ضعف أمام الرغبة والشهوة، ابنة غياب العقل وتسلط العاطفة، ابنة لحظة تفريط في الشرف، ولا مبالاة بالعرض وسمعة الأهل والذات. أنك ابنة نزوة. أخرجتها وكأنها تخرج جلمودًا من حلقها. تقيأت السّر النتن وجاشت بالبكاء، كما جاشت سهام في الصمت والصدمة، لا تدري ماذا تقول؟ وكيف تقول؟ فمن الحزن لم تجد عيناها للدمع طريقًا، وظلَّ قلبها كظيمًا.
بقيت أيامًا على هذه الحالة، تخاطب نفسها بين الفينة والأخرى ابنة زنا؛ أي ابنة حرام، أنا المعتدّة بنفسي، الراغبة عمن يرغبني، الساعية لفرض أسلوبي على الآخرين. اعتدادي كان طيشًا وغرورًا، بل هباء منثورًا. ابنة غير شرعية. الآن أدركت أنهم على حق أنا مضغة تافهة غير صالحة للحياة. انزواء من أسعى للارتباط به سببه تفكيره فيمن بعده. كيف لعاقل أن يدخل على أسرته قطعة من نجاسة. الدموع كانت تتدفق من عينيها ونحيبها يظهر في شهيقها وزفيرها المتقطعين. مسكينة سهام. لم يشفع لها عند البشر جمالها، ولا أخلاقها، ولا ذكاؤها، وتيقنت أنها تحمل وزرًا لم تقترفه، لم تعش لحظاته، كان قبل أن ترى النور. وزر رجل وامرأة صارا يسميان مجازًا أبًا وأمّا.
أخذت تذبل مع الأيام كأوراق شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وطفق بريقها يخفت كمصباح نضب زاده، ازدادت حياتها بؤسًا وشقاءً، حاولت أن تخرج للحياة من جديد، لكنّها لاقت صعوبة جمة في ذلك مما جعلها عاجزة على مكافحة أحزانها. كانت ترى أن الكل لا يرغبها إلا كقطعة ذهبية تزين صدرًا، أو تحفةً في مدخل، ليس أكثر من ذلك، وأن الجميع يتهامسون عليها، وينعتونها فيما بينهم بابنة الحرام، ويرون أن هذه الصفة تيسر عليهم صيدها كما اصطيدت أمها من قبل.
افتقدتها هبة فقامت بزيارتها في البيت وجدتها في حالة يأس، وقد تحطمت إرادتها في الحياة تحت قدميها. سألتها. ألحت عليها. استحلفتها أن تشركها حزنها. أخبرتها على مضض. تألمت هبة لحالها كثيرًا. أخذت تواسيها بكلمات تنم عن عقل وحكمة. قالت لها: لا يمكن إعادة الماء المسكوب في الرمل، وليس بمقدور المرء أن يحمل أوزار الآخرين عن طيب خاطر، وفي نفس الوقت لا يمكنه أن يغير مجرى القدر، لكن بإمكان الآخرين مراعاة ذلك إن أرادوا، (تبقى المعضلة في هذه الإرادة). لقد خففت كلماتها آلام (سهام) لكن لم تزلها. ولم تغير وجهة قدمها عن درب القنوط.
اعشوشبت كل الأفكار السيئة في نفسها، وامتلكت مشاعرها، وأحكم اليأس قبضته على زمام تفكيرها، وفي غفلة من العقل، وتضعضع في الإيمان قررت الخلاص من معاناتها بالانتحار، وبعد تفكير قصير حددت مكان التنفيذ، شجرات بجوار الحي الذي عاشت فيه، فهي تتذكر هذه الأشجار تذكرها لطفولتها التي لم تعد تعني لها شيئًا، أعدت عدتها وتسللت متسترة بخيوط الغسق متجهة إلى المكان المراد، وعندما اقتربت من المكان المقصود للغاية المقصودة، وهي وضع حد لحياتها البائسة بعد أن تلاشت كلّ آمالها. في طريقها إلى المكان تذكرت كلمات هبة. وتذكرت كلمات أمها المعجونة بالندم والمرارة. تذكرت أن الإنسان خلق ضعيفًا. وأدركت أن فعلتها لن تلغي وزرًا بل تزيد الأوزار. بقية من عقل راجح أزاحت أرتالاً من القنوط أرجعتها بعض الشيء إلى وعيها؛ فالواحد أحيانًا تسوقه الهموم والانفعالات للتفكير فيما لا يريد. وحصر انشغالاته فيما لا ينوي فعله حقيقة. واسترجعت حتمية قبول المرء لحقيقة هبوب الرياح الأربع. عليها أن تعيش الحياة كما قُدِّرت، وهي على يقين بأنه من العسير عليها أن تتذوق طعم العسل على سن خنجر. ومن العسير أن تجد نفسها مرغمة على الأسف على شيء لم تفعله. عادت إلى بيتها وأغلَّقت عليها باب غرفتها. وغطَّت في حزن عميق...