3
الجريئة
عام ونصف وأكثر حاول فيها الأهل توجيه النصح والتنبيه لابنهما إلى أن هذا الارتباط لن يكون حميدًا إذا اكتشف أحدهما خطأ في الآخر لم تمنحه الرغبة في الارتباط فرصة اكتشافه أو حتى مجرد الالتفات لمن ينبئ به، فالتعلق يناصر البصر على البصيرة ويشلّ إرادتها. في هذه الفترة كان والده يستعلم بدوره عن الفتاة التي ستحل عضوًا جديدًا على أسرته التي طالما اجتهد في الحفاظ على سيرتها الطيبة، وصفحتها الناصعة، وتأكد له أنها ذات خلق رفيع، وتتمتع بتفكير ناضج كما أخبرت إحدى الجارات زوجته. محبة للآخرين نابعة من عاطفة فياضة قد تكون الحالة التي عاشتها سببًا في تكوينها... هذه الصفات الطيبة في الفتاة التي عرفت عنها من خلال شهود الحق (الجيران والأصدقاء) ممن تربطهم علاقات رحم وصداقة بعائلة الفتاة؛ جعلت الأب يعلن موافقته ويحدد موعدًا للخطبة.
كان يومًا مشهودًا له بالسرور والحبور، شمسه الفرح، ونسيمه البهجة، وزاده الأمل في المستقبل. في هذا اليوم وضع الأبوان حجر أساس أسرة جديدة. تعالت زغاريد الأُمَّين والأخوات والجارات والقريبات، وتناثرت في الهواء قطع الحلوى المغلفة بالشوكولا، وتعاقبت كئوس العصائر المختلفة اللون والمذاق. صدحت حناجر النسوة بالزغاريد، وكانت درجة الصوت أعلى فقد تسرب خبر – طلب مسربه عدم ذكر اسمه – يقول: إن موعد الزفاف قد حدد بعد واحدٍ وعشرين يومًا.
مضت الأيام بطيئة وسريعة، فتجهيزات الفرح تحتاج إلى عمل متواصل وجهد مضاعف. المساحة الزمنية التي حددت، قليلة بالنسبة لحجم المناسبة، ولكن اتفاق الجارات على تولي كل واحدة مهمة محددة، أو توفير مادة معينة يسهل الأمر كثيرًا على أهل المناسبة، ويخفف العبء الكبير الذي تفرضه العادات والتقاليد. في الجانب الآخر يقف العاشقان يعدان الثواني. الشوق جعل اليوم الواحد كجبل الريان، ولكن الصبر يخبرهم: بأن لذة الوصول إلى قمة الجبل تكمن في تحمل مشقة التسلق؛ فلذة اللقاء رهن بمقدار الشوق.
الجميع في غمرة الشوق والتوهج والاستعداد ليوم التاسع والعشرين من أغسطس، ولكن إبراهيم غارق في قلقه، يصارع الهواجس والظنون؛ فعند عودته إلى بيته ليخبر زوجته بالأحداث المفرحة، ولكي يستعدا ويلحقا بركب الفرح، لم يجدها، لم يصدق أنها ليست في البيت، بحث في كل أرجائه: في المطبخ، في غرفة النوم، في الصالون، في دورات المياه، في الردهة، لكنه لم يجدها، جلس على كرسي، ثم على الثاني. وقف. تحرَّك إلى الباب فتحه ثم أغلقه بعنف. عاد وجلس على الطاولة. عض أنامله. جلس مجبرًا كي ينتظر مقدمها.
... انتظرها فلم تأتِ
انتظرها طويلا لم تأت
طفقت نفسه تحدثه بأشياء...
لم يبالِ بها، كررت الإيحاء، حركت غيرته فالتفت إليها.
قالت:
- لابد أنها خانت العشرة.
- قال: قبحك الله إنها ثلاث عشرة سنة لم يعكر ودها إلا الحرمان من الولد وهذا ليس بيدها. لم تغادر فيها البيت إلا بإذن، حتى إلى الجيران، حتى أهلها لم تزرهم بغير علمي.
- أنت لا تعرف النساء.
- ولكني أعرفها.
- في الثلاث عشرة سنة الماضية.
- هل يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ هل تتغير طباع البشر من... إلى... في لحظة. لا لا يمكن إني أثق بها، لكن لِمَ لا، ربما. كل شيء تغير، كما أنها ابنة خالة نورا والدة سهام، وأن العرق دسَّاس: آه. صرت مشوشًا لا أستطيع أن أفكر، أنا في حيرة. أخرجته رنتان من جرس الباب من شروده. توجه نحو الباب تدفعه حمى الغضب بعد أن خذله حلمه. جذب الباب بقوة فانفلت من يده اصطدم بالجدار حتى أسقط قطعة من الطلاء. لم يهتم لحال الباب ولا للكدمة التي أصابت مقدم إبهامه. صدمته بمن وراء الباب أكبر، ما إن انفتح الباب حتى كان مع نورا وابنتها سهام وجهًا لوجه. عوجتا على بيت (زينب) في طريق عودتهما من السوق ليسلما عليها. لم يمنحها فرصة إلقاء السلام. فنظرات عينيه وتشنج عضلات وجهه أخرست لسانها. تعرف سلفًا أنه لا يطيقها ولا يرتاح لزياراتها النادرة أصلاً. لكن زيارتها اليوم تختلف عن سابقتها؛ فالنفس البشرية رهن بالمواقف.. قلةٌ الأقوياء الذين يتمالكون ردود أفعالهم عند الغضب، إبراهيم ليس منهم. انفجر في وجهها بعد احتكاك الشكوك والوساوس بالرابط العرقي بينها وبين زوجه. نورا شائبة تعلق بها وتكدر صفو عفافها في نظره كلما يراها وبخاصة في بيته. كان حضور العقل يحجمه عن التصريح بما في جوفه أمَّا الآن وقد غيبت الأحداث عقله فلم يعد هناك ما يعقل لسانه. غياب العقل يجسر المرء على خلع وقاره، وفعل ما يخجل الصبية من الإقدام عليه. يخرجك من صفة الناطق إلى صفة الأعجم. ينزع عنك ثوب الحياء فيذرك كالشجرة بغير لحاء. قال بصوت النافر: ألا يكفي ما أنا فيه. أكان لابد أن تأتي في هذه اللحظة لتؤججي نار الشك والغيرة في نفسي لتحرقي بقية الثقة التي تحفظ اتزاني؟ رؤيتك تجعلني ألعن الجمال ألف مرة، فما أكثر ما يخدع ذا البصيرة. فكم من جميلٍ العفنُ منبته. ألم تدركي بعد أني لا أطيق رؤيتك في بيتي، لا أريدك أن تدنسي الطهر الذي يحويه. أنت كطير البوم. هل من عاقل يقبل أن يستقبل البوم؟ أنت وأمثالك من ضيعن الشرف والعفاف، وأغوين الطهر حتى خر مكبّا في مستنقع الرذيلة. ألم تفهمي من معاملتي لك أني أنبذك وأتطير من علاقتك بزوجي واليوم تكثف تطيري فاغربي عن وجهي. لم تنبس بكلمة. عيناها نطقتا بالإنابة، ليس كلامًا بل دموعًا بللت الأرض تحت قدميها. لم تُمَكَّن من الدفاع عن نفسها وترد إهاناته، وبِمَ ترد وهي كسيرة الشرف ذليلة النفس. التفريط في العرض مهانة لا تزول حتى ينزع الحرير من السدر دون تمزُّق. وصمة تلاحق صاحبها حتى في القبر. لا شيء يوازي العرض. لا قدر يثمنه. لا أسَّ يطبب كسره. هول الموقف لم يمنحها فرصة التفكير في الانسحاب والتخفيف من جرعة الهوان. سهام الأخرى لا تقف على قدمين؛ إنما ألوح صمَّاء. قلبها يرتعش. عيناها تدوران لا إراديّا. الجفنان شلت حركتهما. تمالكت نورا نفسها وسحبت بجهد قدميها الثقيلتين. لم تتبعها سهام، لقد تسمَّرت مكانها. عادت إليها لتسحبها من يدها فسقطت على صدرها. أغلق الباب وتركهما خارجه. تحاول أن ترفع سهام دون جدوى من قربهما مرَّ طارق بسيارته. استنجدت به نورا كي يوصلها إلى المستشفى. أوقف سيارته وفتح الباب لتتمكن من إجلاس ابنتها على الكرسي الخلفي. لم يتوجه بهما إلى المستشفى، عمد إلى عيادة صديق له. أشرف بنفسه على استدعاء الطبيب، ولمَّا كان الأمر يستدعي بقاءها تحت المراقبة للاطمئنان على نفسيتها المنهارة ولتكون تحت المراقبة خوفًا من تفاقم وضْعِهَا، وَضَعَهَا في غرفة خاصة. واستأذن لبعض شأنه مع وعد بعودة سريعة.
ما إن أغلق الباب بذات القوة التي فتحه بها وربما أكثر حتى عاد لقلقه وحيرته. يدور في صالة البيت. يجلس. يضرب يديه إحداهما بالأخرى. يفركهما. يتجه صوب الهاتف. يقف أمامه. يمد يده إلى السماعة. يتراجع عن الفعل. من أطلب؟ وما سأقول له؟ هل أسأله عن زوجي. أعصاب المعدة وجدت مناخها الملائم فزادت حدة توتره. لا إراديّا وجَّه كامل جسده وكل حواسه إلى الباب. سمع صوتًا يصدر عن مفتاح الباب. كانت تفتحه بسرعة واضطراب. أخذت عملية نزع المفتاح من القفل وقتًا إضافيّا سببه الإرباك. أغلقت الباب واستندت عليه بظهرها أفزعها صوته الحاد لم تكن تتوقع وجوده، توقعت أنها أنجزت بغيتها دون أن يعلم مغادرتها، لم ترد. فقدت القدرة على النطق. يزعق بنبرات حادة ووجه متجهم، ولسان متهكم:
- أين كنت يا بنت الحسب والنسب يا زوجة مصون؟
قالت بتلعثم وقد أذهلها تواجده في البيت: ستعرف.
- الآن لابد أن أعرف.
كررت قولها بما يشبه الاستجداء:
- أرجوك اصبر وستعرف.
- هل تطلبين مني أن أصبر؛ إلى متى، إلى أن يجرفني التيار!
أذهلتها الكلمة فقد جرحت مشاعرها أحست بمرارة لم تُبْدِها له وقالت بتجاهل:
- أي تيار تقصد؟
- أقصد ما أقصده وما يجب أن تفهميه.
- قالت بحسرة: سامحك الله.
قال في داخله: يبدو أن ما حدثتني به نفسي فيه جانب من الصحة، ثم شدها من رأسها وقال بغضب ظاهر: معك إلى صلاة ظهر يوم الاثنين القادم أفهم الموضوع وإلا اعتبري نفسك طالقًا. فرحت في داخلها بينما تركها هو وخرج مسرعًا.
تسارعت الأيام فسارعت وتيرة قلقها فالغد هو الموعد الذي حدده لها، وما كان فرحها إلا للمدة فهذه المدة أكثر قليلا من المدة التي تحتاج لإتمام موضوعها. بدأت الأحوال تسوء وارتفع أذان صلاة الظهر ليوم الاثنين، ارتفع معه قلبها من مكانه وانقبضت للحظة أنفاسها وتغير لونها، في الوقت الذي أكمل فيه استعداده للخروج للصلاة.
نظر إليها وهو يمسح يديه من الوضوء وقال:
- هل تحتاجين للتذكير بنهاية المهلة أم أذكرك؟
ازدادت غيظًا ولكنها ابتلعت ريقها ولم ترد. فقال:
- معك حتى عودتي من الصلاة، فإن لم يكن عندك ما تقولينه جهزي نفسك. وأخذ الباب خلفه.
عادت لحيرتها وتلاحقت عليها الدقائق وأخذ منها الخوف من الآتي مبلغه لدرجة أنه جعلها تدور داخل الصالة كالمجنونة، وتحدث نفسها بهواجس المجهول ولم تنتبه لجرس الهاتف الذي كانت تنتظره من شدة شرودها إلا بعد وقت. ارتمت عليه ورفعته بسرعة. ألو ألو عمي لقد تأخرت كثيرًا، هات ما عندك تغير حالها من الأخبار التي نقلها لها عمها، وصارت أكثر طمأنينة وأقل قلقًا. إذن أسرع بالمجيء فتأخرك يعني إفساد ما ضحيت لأجله. مع السلامة. نسيت أن تضع سماعة الهاتف مكانها، ومع دخوله انتبهت لحالها أرادت أن تضعها بسرعة الارتباك لم يمكنها من إنجاز العمل. نظر إليها نظرة شك أكدها قوله: أمرك مُريب. مع من كنت تتحدثين، أصابها ذهول شديد وصارت تنظر إليه والسماعة تتدلى من يدها دون شعور منها. رفع صوته في وجهها، إني لا أكلم الكراسي. ما أمرك؟ هيا أخبريني قبل أن ينزل بك ِغضبي.
انتبهت لنفسها وقالت:
- سأخبرك بما تريد. فقط امنحني بعض الوقت.
- ولمَ ليس الآن؟
- سيحدث، وأخذت تدور في الكلام وتختلق الإجابات كسبًا للوقت وتتمتم بينها وبين نفسها (لقد ورطتني يا عمي بتأخرك) وهو ينظر إليها بحنق ممزوج بتعجب، ولكن صبره نفد. قفز تجاهها ليجبرها على ما يشفي غليله لكن جرس الباب أنقذها منه فهرعت إليه وهي تدري أنه عمها. فتحت بسرعة، وعانقته عناق المستغيث وهمست بكلمات متتالية (لقد وأدت أعصابي). اتجه إلى صهره وسلّم عليه، ثم سأل عن أخباره وأحواله. فعاجله بقوله:
- إن أحوالي سيئة وأخباري لا تسر إلا العدو بسبب ابنة أخيك يا عمي.
- ماذا فعلت؟ ماذا فعلت؟!!!
- إن تصرفاتها مريبة لدرجة أنني (لا حول ولا قوة إلا بالله) وإن لم توضح لي الأمر فسيحدث ما لا تحمد عقباه.
تدخلت عن قصد:
- الغداء جاهز سأحضره حالا.
أجابها عمها:
- تفعلين فينا خيرًا.
أما هو فقال:
- لا، ليس قبل أن أعلم، وهي تعلم أني أقسمت وحددت مهلة تنتهي الآن و...
قاطعه عمها:
- ما دام الأمر كذلك اجلسي كي نخبره.
- اسمع يا بني: اعلم أن زوجتك أصيلة المعدن، نقية الشرف حريصة على عرضك ومالك؛ ولكنها عاشت معك ثلاث عشرة سنة - يعلم الله – أنها لم تشتكِ منك يومًا إلا أنها لم تكن راضية على ما تسببه لك من حرمان الولد، وهي تعلم أن العيب ليس فيك، كما تعلم مدى حبك لها وتعلقك بها على الرغم من هذا الحرمان، وهي تقر بأنها لا تستطيع العيش بدونك، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تحمل تضحياتك من أجلها دون أن تبادل التضحية بالتضحية، وقد ألحت علي في طلب أنا نفسي أدهشني اعتبرته غريبًا لم أعهده من النساء لكني أقررته، فقد أخذتني لمنزل أهل صديقة قديمة لها وطلبت مني أن أطلب يدها لك. قاطعه قائلا:
- لي أنا؟!
- نعم لك أنت. على الرغم من قسوة هذا الأمر على المرأة واحتياجه لجرأة غير عادية إلا أن الحب والتضحية معًا يصنعان من الأصيلة جريئة.
وقف على رءوس أصابعه وصرخ في وجهيهما:
- لا. لا يمكن. كيف يحدث هذا؟ ثم أنتِ تفعلين هذا وأنا الذي ظننت فيك ظن السوء.
ونظر إليها وكأنه ينتظر منها نفي ما قاله عمها.
- هل ما قاله عمك صحيح؟
غالبتها دموعها حتى سقطت أمامها وقالت بصوت أجش:
- صحيح.
- وكيف تفعلين هذا؟ هل أوحيت لك يومًا بأني منزعج من قدري.
- وهذا ما آلمني، أنك لم تشك يومًا على الرغم مما فيك.
- وهل تعلمين ما بداخلي.
- إنه حس الأنثى. والآن نسق مع عمي وحددوا يومًا للناس فإنهم ينتظرون.
قاطعها ثائرًا:
- ومن قال لك إني موافق على تصرفك الأحمق هذا.
- يجب أن توافق كي أرتاح مما أشعر به من ذنب تجاهك.
هدأ وقال لها:
- إنه ليس ذنبًا. وإن كان فهي إرادة الله.
تجاهلت قوله وكررت:
- أي يوم يناسبك ليتفق عمي معهم عليه؟
وقف وسار بخطوات وئيدة نحوها وهو يقول:
- ليس هناك يومٌ يناسبني ولا تتكلمي في هذا الموضوع مرة أخرى.
ونسي وجود عمها وأمسك بيديها وقال بصوت هادئ حنون:
- إن لم يعطني ربي الولد فقد أعطاني حسنة الدنيا. أخلاق وجمال ويدان تحولان الرمل ذهبًا وتصيران الحديد ماسًا، واليوم زادت صفة أخرى إنها التضحية والأثرة فلقد فكرتِ وفعلتِ ما لم تفعله امرأة قط. حبيبتي اسمعي هذا الكلام واعتبريه نهائيّا لا رجعة فيه: لن أشرك معك في قلبي أحدًا، ولا في بيتي أحدًا، ولن أكون في يوم زوجًا لغيرك، ولن تكون غيرك زوجة لي، وحبك وحده كما كفاني فيما مضى من عمري يكفيني ما بقي من عمري.
اغرورقت عيناها بالدموع، ونسيت نفسها وأطبقت على كلتا يديه بكلتا يديها وهمت أن تلقي بنفسها في أحضانه لكنها في اللحظة الأخيرة انتبهت لوجود عمها وقد أذهله ما يسمع ويرى. حاولت مداراة خجلها:
- آه لقد نسينا الغداء. دقائق وسيكون أمامكم.
تظاهر العم بعدم الانتباه وأخذ – ووجهه تعلوه الابتسامة - ينظر إلى صهره نظرات إعجاب وإكبار وعبَّر عما في نفسه باختصار:
- الحمد لله الذي جمعنا بك.
اجتمع الثلاثة على المائدة تشاركهم السعادة، ثم الشاي، ثم الفاكهة. استأذن العم في الخروج متعللا بارتباط لديه فأذنا له بعد أن شكراه وتمنيا على الله أن يطيل لهما في عمره. ودعته عند الباب قبل أن يبتعد ناداه إبراهيم وطلب منهما أن يرافقاه إلى مكان يصلح فيه خطأ، ويعتذر عن حماقة اقترفها فترة غياب عقله. إلى سكن نورا. انطلقا جميعًا. لم يجدا في السكن أحدًا. عرفا من طارق ما حدث. زاد ذلك من تأنيب ضميره. أسرعا إلى العيادة. قدّم كمّا من الاعتذار الشديد ووعد بفتح صفحة جديدة. طلب من سهام أن تبتسم ليعرف أنها قد سامحته. أظهرت ابتسامة تخفي وراءها قناعة بأن المرء قد يفعل أي شيء بمنتهى السهولة وبكامل الجرأة، ولكنه يجبن عند مواجهة العواقب. عند باب العيادة ودَّعا عمهما، وعادا إلى عشهما. خلف الباب تبادل الاثنان النظرات. بادرها معاتبًا فردت بلطفها المعهود:
- أعلم أن تصرفي وخروجي بدون علمك لم تعهده مني، ولم أفكر فيه يومًا ولكنه من أجلك أنت لا من أجل غيرك كما فكرت، ابتسمت وقالت: أرجوك سامحني فأجابها بالعناق ودخلا ليخلدا لنوم القيلولة المهم بالنسبة له.
كللت السعادة أيامهما التالية إلى أن جاء يوم أخرجته فيه من عمله مكالمة منها تطلب سرعة الحضور فهي متعبة جدّا وتعاني ألمًا في معدتها يمنعها عن الحركة، جاء مسرعًا ونقلها إلى المستشفى. دخل معها الطبيب غرفة الكشف، وبقي ينتظر في مكتب الطبيب، وبعد نصف ساعة خرج الطبيب وفي يده أوراق التحاليل وجلس على مكتبه يكتب الوصفة الطبية، فبادره قائلا:
- إني أشك في أن الخضراوات والفواكه المشبعة بالأسمدة والمبيدات التي تنتجها الصوبات الزجاجية والمزارع المروية دون رقابة ذاتية أو قانونية؛ هي السبب في الوعكة الصحية المفاجئة. سامحهم الله. لم يرد عليه الطبيب واستمر في الكتابة وبعدما أكمل كتابته رفع رأسه ونظر إليه وقال: ما قلته صحيح. وليست الخضروات والفواكه فقط، فالمعلبات المنتهية الصلاحية. والمشبعة بالمواد الحافظة، والحلويات مثلها تسبب دائمًا في مثل هذه الحالات وربما تؤدي لأمراض أكثر خبثًا، ولكنها ليست السبب. فزوجتك حامل. لم يسعه المكان، ولم يمكّنه الفرح من الكلام، والمفاجأة من القيام. قاوم الذهول ودون دراية قفز إلى الباب، السعادة منحته طاقة تجعله يهز الكون تنفسه ، يهد الصخر تمرده ، يهاب الخلق توعده ، يطأ الأرض بقلبه، يبصر الأفق بعقله، يقاتل اليأس بقيده. لقد حمل في صلبه بذرة عتقه. حاول اقتحام المكان لكنه اصطدم برفض الممرضة. دقائق وستخرج. لم يصدق أن التي مرت دقائق؛ إنها سنوات حرمان الولد. لولا صد زوجته لضمَّها أمام الجميع. ولن يلومه أحد.
كان انتظاره الأول لها كي يصطحبها لمشاركة الحاج خليل فرحته بزواج ابنه الوحيد (منصور) لكنه ذهب ليُشَارك فرحته. لم يفقد الأمل فبتر اليأس. الإنصاف شأن يتكرر دائمًا. لا بد أن تعقب المرارة حلاوة، وأن تتبع الحلاوة مرارة. طغى الحديث عن النبأ السعيد على خبر الفرح. الكل فرح له ولزوجته. مرت الأيام والفرح يغمر المكان والزمان وكأن الفضاء مطلي بالإكليل. أيام إبراهيم زاد نبضها في رحم الحياة. حرصه الأول تضاعف. كل يوم يسألها أن يذهبا لمراجعة الطبيب للاطمئنان. يذكرها. ألم يقل الطبيب: عليكم بمراجعتي بعد تسعين يومًا؟
- يا رجل لم ينقضِ إلا نصفها.
منصور هو الآخر يراجع الطبيب من وقت لآخر حرصًا على ثمرة حبهما الذي ناضلا من أجله حتى انتصرا على كل الظروف، فترة موافقة الأهل وحدها أخذت عامًا ونصفًا. يسعى جاهدًا في دلال حبيبته، يلبي كل الطلبات خشية أن ينقص شيء مما تشتهيه، ويقر في قرارة نفسه: لو توحمت على بيضة جمل لأحضرتها لها. وبين الحين والآخر يفاجأان بزيارة من أحد والدي منصور، أو كليهما، أو من أحد والدي هدى، أو كليهما، وفي بعض المرات يحلان جميعًا في صدفة تثلج صدري العاشقين الصغيرين؛ فيطرحون على طاولة الحديث، ذكريات الشد والجذب، والمماطلة والتأجيل، والامتحان، ومن ثم الرضا والقبول، لينتهي مطاف الحديث إلى يوم الفرح. ثم يتذكرون الحاج إبراهيم واشتهاء رؤيته. قال والد منصور:
- منذ عملية الحمل وهو لا يغادر البيت. رد والد هدى:
- عنده حق، ثلاث عشرة سنة وهو ينتظر، لو كنت مكانه لما تركت الغرفة حتى إلى الصالة، ولكنت الطبَّاخ والكنَّاس. ضحك الجميع ودعوا له بأن يرزقه الله بالابن الصالح، وتواعدوا على زيارة قريبة له.