الفصل الثاني
أسفار
اضطررت لتغيير موعد سفري لظروف خاصة، القلق يسيطر عليّ هذا اليوم وأنا أتجه من ولاية تكساس في جنوب الولايات المتحدة إلى نيويورك، تركت أبنائي وبناتي وقد تزوج أغلبهم، كرر أولادي وبناتي قولهم:
سنفتقدك يا أمي، لا تمكثي طويلاً. لا تنسي أن تبلغينا بسلامتك فور وصولك.
كدت أبكي لحظتها، لكنني كأي أم عربية، اعتدنا على الهموم والأحزان، اشتقت إلى عمان اليوم، عمان الأمس وهو الأصح، لا بد من خمس ساعات في مطار نيويورك أو ست، قبل حلول موعد إقلاع الطائرة إلى عمان، كان مزدحماً أكثر من أي سفرة سبقت، اعتدت على كثرة السفر من هذا المطار وإليه، نظرت في كل اتجاه، ذرعت ممرات المطار والأسواق والناس في كوكب مطار نيويورك، عثرت على ركن هادئ أمام تلفاز، كان مقعداً وثيراً وواسعاً، أحسست براحة جسدية حين أرخيت نفسي، تعبت قبل أن أركب الطائرة إلى عمان، صحوت عند السابعة من صباح اليوم، جهزت نفسي وغادرت المنزل عند العاشرة، لأنني لا أحب الزحام ولا التأخر، وغادرت مطار دالاس في الثانية عشرة ظهرا، ثم أربع ساعات في الطائرة إلى نيويورك، وها هي الساعة تقارب السابعة مساء، أتأكد من سلامة الحقيبتين الصغيرتين، أدخلهما بين ساقي تارة، أو ألصقهما بجانبي على الكنبة تارة أخرى، أو أمدّ ساقاُ فوق كل منها، خشية وقوع المحظور، إذ كثيراً ما نسمع عن سرقة حقائب في المطارات، أو يحصل تبديل لها كما اعتدنا أن نشاهد في الأفلام، والأشرار كثر، وقد يبتليك أحدهم بحقيبة تشبه حقيبتك ، تحتوي على ممنوعات جرى مراقبتها من قبل أمن المطار أو مخدرات، فيضطر للتخلي عما يحمل ولو غلا بعد أن رأى الخناق يضيق على عنقه أو عنقها.
طفل يصرخ في وجه والدته، يرفض ان يمشي معها او أن يتبعها، يريد البقاء عابثاً ولاعباً في ساحات مباني المطار، العالم المصغر والمضغوط في مباني معقدة التواصل، وشديدة الدقة في التصميم والتكنولوجيا، تريد الأم الانتقال إلى صالة المسافرين المخصصة لركوب طائرتها، لكن الولد الذي يقارب عشر سنوات، وملامحه خليط من اللون القوقازي اي الأشقر ومن الملامح المكسيكية او الهندية، كلما همت الأم بجذبه أوضربه تذكرت انها في امريكا، وفي محل عام، ولا تستطيع معاقبة ابنها او ضربه، فقد تقع تحت طائلة المسئولية، والشرطة تراقب كل شيء في كل مكان في أمريكا، فهناك شرطة مكشوفون، ويرتدون ملابس رسمية خاصة برجال الأمن، ولكن المخفيين والمموهين أضعاف اضعاف عدد الشرطة المكشوفين، لقت انتباهي هذا الغلام العنيد، حمدت الله لأن أيا من اولادي وبناتي لايتصرفون مثل هذا التصرف الصلب من طفل في مثل عمره، يظهر الغيظ والقهر على ملامح والدة الطفل، هذا إن كانت والدته، وهي أمريكية شقراء، لكنها نحيفة طويلة القوام شديدة البنية، تتحرك بنشاط واقتدار، وتحاور الطفل بوسائل مختلفة، من بينها الوعود والتهديد والوعيد، كان الاثنان قريبين من مكان جلوسي، وأسمع كل كلمة ينطق بها أي منهم، ولكن عناده ضغط على أعصابي كاد ينسيني همومي واهتماماتي بموعد سفري وأشيائي التي احملها. وكم فكرت بالتدخل لمساعدة تلك المرأة المحرجة، تخشى أن تفوتها طائرتها، تنظر المرأة يساراً ويميناً، وكأنها تستنجد بأي شخص يلين من عناد ذلك الطفل. نهضت وفي يدي لوح طويل من الشوكولاته، وقدمته للطفل، أخذها مني وحاول الابتسام فلم يستطع، لكن والدته ذكرته قائلة: ماذا نقول: فقال يخاطبني قائلاً : شكراً، قلت له استمع لوالدتك واتبعها، وإلا ستذهب وتتركك هنا في المطار حيث سيحضر أمن المطار ويأخذونك لمكان بعيد لا يعرف أحد عنه، يزيل الورق عن طرف لوح الشوكولاته، يقضم كسرة صغيرة، ثم بدون أن يتكلم يتقدم ويمسك يد والدته ويبتعدان.
أشقيت نفسك يا فهيمة، إن تزاحم الأفكارفي مكبرك تنزع من نفسك الكثير من الطمأنينة، تدركين بأن السعادة مزيج من حظ وسعي مضن، ويمكن أن نموت قبل أن نحصل عليها، هل حقاً أنت التي أشقيت نفسك؟ أم زكي؟ أو إن أغلب المسئولية تقع على غيرك، أو هي خيوط عنكبوتية متداخلة تبدأ في اليوم الذي تحسّ المرأة أنها بدأت تعرف الناس....، يقترب موعد إقلاع الطائرة، قالوا لنا إننا سنطير عند العاشرة مساء، أتوق لوصول عمان معشوقتي، أشعر بحماس للقائها، لكنني أحس بشيء من غمّ مكتوم، أحمال وهموم لا أستطيع تحديدها تجعل يومي أكثر ثقلاً، وبلا إجابات شافية لها عندي، يقطع تفكيري بين الحين والآخر أعلان عن أقلاع طائرة أو هبوط أخرى، ونحن في مطار نيويورك، وهل تمر دقيقة دون إقلاع أو هبوط؟ أستمع نداءات على مسافرين لأماكن مختلفة من هذا العالم الكبير الصغير، العالم كله مختزل في مدينة نيويورك، أو حتى في مطار نيويورك، كل دقيقة أو أقل أو أكثر يعلن عن وصول أمواج بشرية جديدة تهبط إلى الأرض الأمريكية، لحسن حظي أن سمعي ما يزال قوياً برغم أنني بلغت من الكبر عتياً، ولطول إقامتي في أمريكا اكتسبت القدرة على فهم الإنجليزية باللهجة الدارجة، بينما عيناي تستطلعان الآلاف من البشر كل يجري إلى أجل ومصير معلوم أو مجهول، أرى بعضهم فرحين مستبشرين، وآخرون يتذمرون وغيرهم يتململون والحيرة تغلب على ملامحهم، عيون مشرقة وأخرى مغربة، البعض يفكر وآخر يهذي، نساء يثرثرن وأخريات يتلفظن كلمات مرة من الشكوى والسباب واللعنات على الظروف والأسباب التي أتت بهن إلى مطار نيويورك، أو اضطرتهن ومن يرافقهن لمغادرة الأرض الأمريكية، أو القدوم لها.
المطاعم والمتاجر تعج بالمسافرين أو ممن سيغادرون، يتزودون بما يريدون، كل حسب قدرته على الدفع، وأسعار الطعام مرتفعة في كل مطارات الدنيا، لكن النفس حين تشتهي لا يوقفها رادع أو تقنين، وأكثر المحظورات تحصل بسبب ذلك، لأن النفس أمارة بالسوء، كما يقولون، وكثيرون يقرأون لوحات الطعام في المطاعم قبل ولوجهم لملء بطونهم مما يلذّ لهم ويطيب من المآكل والمشارب، أو تجربة طعام مختلف عما ألفوه، وبألوان ونكهات الأطعمة من مختلف دول العالم، والمطاعم الدولية توطنت هي الأخرى في مطار كنيدي العملاق في نيويورك، إلا كلمة طعام عربي، فلم أجدها على أية لوحة تطريها أو تشير لها، مع أن انواعاً كثيرة من الطبائخ العربية متوفرة هي الأخرى هناك، درج الأميركان وخاصة اليهود منهم على تسمية الطعام العربي أكل يوناني أو أكل مكسيكي أو شرق أوسطي، حتى لا ترد مفردتي مأكولات عربية، أحس بدوخة وباشمئزاز من تلك الروائح المختلطة، نكهات أطعمة مختلفة تمتزج وتتسرب إلى أنوفنا، وروائح أشربة متنوعة. بحثت عن مكان أستريح فيه، فتواردت إلى انفي وعيني عطور وصدورمتهيجة مشدودة أو مرخية تشدّ الأعين للتحديق والتشريق والتغريب، وتسمع شهقات بعض الرجال وزفراتهم، متابعين تلك المغريات بنهم، تعرف النساء الغربيات ذلك، فيزددن بهاء ودلالاً وغنجاً، كلما لمحن عيوناً تلاحقهن، لا بل يعشن على مثل هذه الأحاسيس، وتزدهر تجارة الملابس والموديلات الكاشفة، حلل تتلألأ وأساور من فضة تكسو المعاصم وتزيدها خشخشة، تتماوج أبخرة الأطعمة والأدخنة وتصل إلى عينيّ وصدري فتكتم أنفاسي، حمدت الله إنني لم أطعم شيئاً إلا فنجاناً من القهوة مع قطعة من الكيك صباح هذا اليوم في منزلي، ولقد وهبني الله القدرة على الصيام، لا بل أراه ضرورياً لي ولصحتي، أحسّ أنني على وشك القيء لكنني أشغل نفسي وأتلهى بتأمل هذه التنويعات الحياتية في مطار نيويورك، انتقل العالم كله إلى مطار جي اف كي، فلا يخطر ببالك أمر إلا وتجده في هذا المطار، بشر أو لباس أو طعام أو دعاية لكل سلع الدنيا بدءأ من قرص الأسبرين وقرص الكمبيوتر حتى السيارات والبنوك والتأمين والتجميل والملابس، وصدور النساء وأحواضهن وأماكن الاسترخاء، ويصعب على أي مشاهد الإحاطة بكل ما يجري حولنا في كوكب كنيدي الفريد، إعلان في مكبرات الصوت يبلغوننا أن طائرة الملكية الأردنية ستقلع عند الساعة الحادية عشرة مساء، والدقة ليست متوقعة في المواعيد العربية.
المهم أنني سعدت بعدها ببدء تحليق الطائرة، وقد مضى على تحركي من البيت اثنتا عشرة ساعة، بعد أن قضينا ساعة إضافية محبوسين في الطائرة مقفلة الأبواب متوقفة على أرض المطار قبل إقلاعها، تلك الساعة أنهكت قواي أكثر، ابتعدت طائرتنا مئات الأمتارعن الموقع الذي كانت متوقفة فيه، وأكثر ما يثير عجبي واستغرابي أن معظم الطائرات العربية لا يسمح لها بالالتصاق ببوابات المطار، تحملنا حافلة من قاعة محدودة وشبه محصورة وتنقلنا إلى الطائرة الرابضة بعيداً عن مبنى المطار، فيشعر معظم المسافرين بحزن متميز وبمرارة، لعزلنا بهذه الطريقة عن بوابات مطار نيويورك وعوالمه المتألقة المثيرة، مع أن كل طائرات العالم تلتصق بمبنى المطار، ويدخل المسافر للطائرة عبر نفق يربط الطائرة بصالة المسافرين، أمضت الطائرة تلك الساعة تنتظر دورها في الإقلاع كما أبلغنا، والمخفي أعظم، هذا ما قيل لنا رداً على تذمرنا من التوقف والانحباس داخلها دون نشاط، اللهم إلا دوي طائرتنا الخفيف، وأزيز الطائرات العملاقة المقلعة أو الهابطة، تراخت أعصاب جبهتي حين بدأت طائرتنا تتحرك للتحليق، أي أن الزمن الباقي لوصول عمان بعد ذلك كان ثلاثة عشر ساعة أخرى ربما، بعد الاثنتي عشرة ساعة التي مرت منذ مغاردتي منزلي في تكساس، حاولت نسيان ما كان يشغل بالي أثناء إقلاع الطائرة وبعد انتظام تحليقها على الارتفاع المقرر، أغمضت عيني وأنا جالسة كغيري من المسافرين، لمحت الكثيرين منهم قلقين وآخرون فرحين، وبعد ساعة من إقلاعنا، تكلمني مضيفة وهي تمد يدها سائلة عمّا أريد أن أشرب، ماذا ترغبين أن تشربي مدام! مدام؟ مدام؟
أنتبه لأجد مضيفة أنيقة جذابة واقفة تنتظر إجابتي، ظنت المضيفة أن خللاً عقلياً بي، فاضطرت أن تلمس كتفي حتى تلفت انتباهي، قالت معلقة إنها ترى عيني مفتوحتين، وأطالع ظهر المقعد الذي أمامي، متأكدة أنني لم أكن نائمة ولا يبدو عليّ نعاس، وهذا ما زاد من حيرتها، وبنفاذ صبر أحولت عينيها وأشاحت بوجهها قليلا حين تنبهت لها وابتسمت، بادرت بعدها تساعدني على الاختيار:
- عصير تفاح، برتقال، مشروب غازي، كحول، ماء ؟ ثم أردفت قائلة، هل تخشين ركوب الطائرات؟ أنظر لها مستغربة.
أنا؟ أتسألينني؟ هزّت المضيفة رأسها موافقة، ولماذا أخاف؟ وعلى ماذا أخاف؟ منذ خمسة وأربعين عاماً وأنا أسافر بالطائرة مرة أو مرتين كل عام، فالموت سيان يابنتي سواء في الجو أم في البحر أم على الأرض!
آسفة أقلقتك، سأمرعلى باقي الركاب، فهلا اخترت ما تريدين شربه؟
سامحيني إن كنت عطلتك. لم تنتظر سماع اختياري، تركتني أفكر وانشغلت بخدمة راكب آخر بجانبي، أبتسم ثانية قبل ابتعادها، وأنظاري على الناس القريبين حولي أرقب الأفواه المتحركة، والأيدي الممدودة، والعيون المترقبة، والكؤوس التي بدأت تصعد صوب الأفواه وتنزل، أمامي وخلفي، وعلى يمينى البعيد في الجانب الآخر. أجلس في الجانب الأيسر لطائرة إيرباص الضخمة قالوا إنها أوربية الصنع، كمنافسة لطائرة البوينج الأمريكية العملاقة.
أرى شيباً وشباباً يطلبون النبيذ أو البيرة أو الويسكي، وبعضهم لاينتظرون المضيفات حتى يحضرن لهم ما أرادوا، فيقومون للحصول على المزيد من الكحول، عجوز يكافح محاولاً أن يكتم سعاله، لا شك أنه مدخن، ومتضايق من قرار منع التدخين أثناء الطيران في السنوات الأخيرة، تجرأ فطلب كأساً من الويسكي هو الآخر، أحسّ بجفاف في حلقي، وهذا حد من قدرتي على تبادل الحديث مع المرأة اليمنية التي تجلس بجانبي، عادت المضيفة ثم نظرت لي في لطف وتهذيب، تحثني على سرعة تحديد السائل الذي أرغب في شربه.
أي سائل لديك، عصير برتقال من فضلك. برشاقة كانت كأس صغيرة تنتصب أمامي، وتحتها قطعة مستديرة من الورق النشاف المزخرفة
قبل ستين عاماً، كنت في أواخر عمر الطيش، كانوا يسهلون كل أمر أمامي، تلك كانت طبيعة أهلي، بل لم أكن في الواقع مهيأة لاتخاذ قرار مصيري، كنت وقتها كأي فتاة عربية تقليدية في مرحلة المراهقة في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، الوالدان أو الكبار من الرجال في العائلة هم الذين يقررون ويعرفون مصلحة البنت، يقول شقيقي الأكبر، كل شيء ممكن، ونحن على استعداد لاستقبال أي إنسان ذي كفاءة يريدنا ويحب مصاهرتنا بإخلاص. واليوم تركت ورائي ثمانية من الشباب والشابات أبنائي وبناتي يعملون ويكافحون، أفتقدهم قبل أن أغادر الأراضي الأمريكية.