الفصل 3

9 0 00

الفصل 3

السفن تقيم بأمان في الموانئ، لكنها

لم تصنع من أجل ذلك

يقول زكي (حتى القرود إن عاشت في السعودية لفترة تزيد عن ستة شهور فسوف تتطبع وتختلف طبائعها، لم يكن أحد حراً في أي شيء يلزم حياته في السعودية، حتى في اختيار طعامك وشرابك) في تلك المرحلة الزمنية التي عشنا ها في الرياض على الأقل، أي بين العام 1965 والعام 1975 ميلادية، وأضاف زكي قائلاً في أحدى رسائله لي، (في نجد والقصيم بصفة خاصة).

تركني في الأردن وسافر للعمل في السعودية، بعد أقل من أربعة شهور على زواجنا ، أفتقد زكي، تضيق الأماكن بي أينما حللت، هل كان سفره وحيداً هرباً مني أم ضيقاً، أم هو خبار أفضل لي وله؟ ما زلت لا أعرف الإجابة على تساؤلي، فعلت الكثير وقلت أكثر وكنت أظن مكابراً أن زكي ليس مهماً في حياتي، لكن بعدها صرت أتساءل، هل يحسّ بخواء كما أحسّ؟ أم أنني وحدي أسير تلك الأحاسيس؟ لابد لحواء من آدم، فرضت عليهما عيش الدنيا سويا بعذاباتها وملذاتها، لكنني ما زلت أتساءل: أيهما أصرّ على التمتع بثمار طعم التفاح أولاً!

عمان جافة لولا سيلها، كان يروي البساتين وتترعرع الخضرة حوله، وتتلألأ ثمار على الأشجار، وعادةً ما تكون سهلة المنال، ولما أخرج الفلسطينيون من ديارهم أتوك يا عمان، هاموا على وجوههم في كل مكان حلوا فيه، حتى استقر المقام بمئات الآلاف منهم في عمان وفي كل موقع في شرق الأردن، غرسوا الكثير من الزيتون والليمون والتين والتفاح والرمان والملوخية والباذنجان في كل بقعة وكل متر من فراغ في عمان وما حولها من أراضي شرقي الأردن، ثم بدأت جحافل كثيرة من بوادي شرق الأردن تزحف هي الأخرى صوب عمان، أو لضواحيها التي اهتزت وربت وأنبتت. . . . ،

تكاثرت الطيور المدينية فيها والذباب والحشرات والمومسات والطيبات، صارت التناقضات تبرز في كل مكان، تحبل عمان وتتوالد وتنتفخ كل عام، يتوافدون من كل حدب، وتعلو أصوات الاستغاثة طلباً للعمل والتلهي والانشغال، تمتلئ المقاهي والبارات ومواقف الباصات وسفوح التلال بالمحتارين، يتساءلون سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً عن معنى الحياة من أجل الحياة، أغلبهم يتهامسون حائرين عن معاني الحرية والكرامة والتفوق والفرص، وآخرون يقعون فريسة للناهشين، أناس يشرقون ويغصون بالشبع والهناء، وآخرون لتوليد البلاء أو توليفه، جارنا البدوي الشوبكي قال لنا أكثر من مرة أنه من كبار المستفيدين من وحدة الضفتين، فقد أصبح يبيع 150 خروفاً كل يوم، وربحه نصف دينار على كل رأس، هذا في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ويواصل القول لكن للأسف حين ضاعت الضفة الغربية، أصبحت أصارع لأجل لقمة العيش، ولولا أملاك زوحتي من أهلها، لما تعلم أولادي وبناتي.

تواترت الأخبار عن أن والدي الذي ولدت بعد وفاته، كان شيخاً جليلاً في عمان، أي من المقربين إلى الله، ولكن أكثر الاحترام كان من الأعراب المجاورين لمدينة عمان، وخاصة من عشائر الصخور، والعدوان والحديد، والحويطات، والحنيطي والعجارمة والشركس، سمعت أنهم كانوا يحضرون لزيارته والسلام عليه والتبرك بمجالسته، ويطلبون منه النصح وحل بعض مشاكلهم الأسرية والمرضية، حتى أنه كان يحاول إشفاءهم من الأمراض النفسية ومشاكل الجن أو الهوس أو الخرف أو الخوف من الوحدة أو الظلام، مع انني أكثر المخلوقات خوفاً من الظلام، ومنه تعلم شقيقي الأكبر وعلى يديه مهنة التطبيب العربي، فورث بعض مكانته، وظل رجال البادية ونساؤها على اتصال بأسرتنا ويزوروننا، وكان أغلبهم لا ينسون إحضار هدية مناسبة مما يتوفر لديهم، أو يصحبون خروفاً أو كمية من الزبد أواللبن الجميد مرة كل عام لوالدي ثم لخليفته شقيقي البكر من بعده، خفت مرة من إحدى البدويات، يقول أهلها عنها أنها مجنونة أو مضطربة العقل، ولكنني لم أصدقها، كنت بعمر يقارب الأحد عشر عاماً، حاولت تعذيبها، وتيقنت أنها تمثل عليهم أو تدعي المرض، لأنها متضايقة من ابن عمها الذي يصر على الزواج منها عنوة، كان شقيقي شريف لا يستأنس لأمثال أولئك الزوار حتى لو أحضروا معهم قطيعاً من الغنم، على نقيض شقيقي الأوسط، فقد تدين مبكراً وبشدة لدرجة التصوف، وكلفه ذلك الكثير من التعطل والتأخر عن ركب أصدقائه وأقرانه في الوظيفة الرسمية الحيوية التي أتيحت له، تقدم كل زملائه ووصلوا مراتب عليا وجاهاً ومالاً، أما هو فظل على حاله حبيس أفكاره الصوفية، ورهن رغبات زوجته، تحصره عن لقائنا أو الاستماع لنا، وقصص أهلي تطول لو بدأت شرحها.

البعض ممن انتقل للعيش في عمان، سواء من المهجرين الفلسطينيين، او من زحفوا من القرى والبوادي صوب عمان، أشغلتهم صعوبة الحياة، وقادتهم إلى مسالك الفحش وابتعدوا عن فضائل الطيبات، وربما مضطرين، عمروا الكهوف والأزقة والساحات حول سيل الماء وعلى التلال، تمددوا إلى الشعاب والوديان وتسلق البعض وتشبثوا بالجبال، يبحثون ويتنافسون فيما بينهم عما تخبئ الأقدار لهم، يشقون طرق عمان وأزقتها بأنفسهم ولا يشتكون من وعورة جبال عمان التي كان معظمها خالية، إلا حبل عمان وحتى الدوار الثاني، وامتدت حتى الدوار الثالث بعد توحيد المملكة الأردنية الهاشمية، وجبل الحسين والقلعة من الجهة المواجهة لوسط البلد، وكانت مقبرة المصدار التي على يمين الصاعد صوب مخيم الوحدات على أطرافك يا عمان، لا تعيقهم الأدراج الطويلة ولا وعورة الجبال، لايوقفهم حائل عن الوصول لما يريدون، يتسلقون سفوح جبالك ياعمان والأكتاف وصولاً إلى القمم، لا يتوقفون ليلاً ولا نهاراً هؤلاء الفلسطينيون، يتزايدون ويتشجعون ويشجعون سواهم على القدوم إليك يا عمان، هؤلاء الفلسطينيون الحائرون، لا يعيقهم ضيق ولا عقبات، سواء في ضياء أو ظلام.

سافر زكي للسعودية وتركني، (لماذا سافرت يا زكي؟ ألم تكن موظفاً مع حكومة الأردنً مضمون الراتب والمستقبل، وظيفة يتمناها معظم الشباب؟ ثم لم يمض على زواجنا خمسة شهور، فكيف تسافر وتتركني على أشواك الماضي؟ ونهش الأحلام من أجل مستقبل بلا مستقبل؟، وكتاباته تقول لي:

لا تقلقي يا حبيبتي!،

إنها الحرية!،

نريد أن نكون أحراراً،

ما دام مجتمعنا لا يتمتع بحرية الكلام والسلام،

فلنكن أحراراً في الصرف والتمتع بجيوب لها قدرة على الصمود وتلبيبة حاجاتنا الأساسية، والعيش الكريم.

من يستسلم للقليل فلا يستحقه، ومن يعمل من أجل الأسمى والأقوى لا بد أن يحصل على شيء له ولأسرته ولحياته ولشيخوخته

اصبري يا فهيمة!.

لم أكن أصدق الناس في الشهور الأولى، ولا حتى نفسي أنني أصبحت زوجة زكي المحجوب إلا بعد أن ابتعد ونأى، في اليوم الثاني لسفره بدا الإحساس بالفراغ في حياتي، جلدت ذاتي كثيراً لأنني كنت سلبية معه، صامتة شبه موافقة على الزواج منه، صامتةشبه موافقة على سفره، لم أفكر ولو لمرة واحدة أن أسأل (وماذا بعد ذلك؟) لم أطالب باستئجار شقة ولا بيت صغير ولا حتى غرفة واحدة بشكل دائم، تخصني وحدي كي أودع فيها أغراضي الخاصة، وفراشنا البسيط وملابس عرسي وزينتي ومصاغي المتواضع جداً، بيت أهلي في عمان، وشارع المهاجرين حيث تربيت وترعرعت كان مصيري ثانية، لم أفكر بما دار في خلد زكي محجوب قبل سفره، هل كان يدرك أحاسيسي حيال أمور كثيرة خفية ملموسة أو غير محسوسة؟ وماذا قصد حين ترك الأمر لي؟ ترك الأمر لي؟؟؟؟؟؟! ! . . . أي أمر، بل تركني في بحر صاخب عميق الغور مترامي الأطراف، أو هل أدرك أن ابتعاده سيضطرني أن أتخذ موقفاً حاسماً، أو هو اختبار لي أراده أن يكون مبكراً؟هل أفقت من غفلتي وجهلي وجهل اهلي وقتها؟؟؟. . . .الشكوك صارت تنهشني وقتها وتذكرني بالشهور التي سبقت زواجنا وعبر مراحل شديدة التعقيد، أغلبها من أفكاري أو ترددي. . . أو شريف أخي.

كان خيار الإقامة مع والديه محسوماً بالنسبة لي ولشريف، لم أقبل مشاركتهم السكن في القرية حتى مع زوجي لو كانت وظيفته هناك، حتى أنني لم أقبل إكمال خمسة أيام نعيشها مع والديه وأسرته الكبيرة بعد زفافنا، أما بعد شهر العسل – كما اعتاد الناس قوله عن الشهر الأول من الزواج- وبعض الناس لايحصلون حتى أسبوع عسل، ولا أستبعد أن البعض لا يعيش أكثر من لحظات عسل، مفهوم العسل مطاط، أعتقد أنني عشت وزكي ثلاثة أيام بعيدة عن أي نوع من عسل حسب مفهومي في بلدته، وأسبوعاً عسلياً واحداً في رام الله، نعم كانت سبعة أيام فقط فيها حلاوة وطيش.

ما أصبر هذا الإنسان وما أقوى إرادته! ترك جميع الخيارات مفتوحة لي ولرغباتي، الشيء الوحيد الذي صممت عليه أنني لن أكون قادرة على خيانته، حتى لو تراكمت على وجودي كل منابع التعاسة والذكريات وكل مغريات آدم وحواء، وحين أصمم على شيء وأقتنع به فلا تهزني أي إثارة مهما كانت فعالة أو مقصودة، صحيح أنني لم أكن قانعة ولا سعيدة بالتسرع في ترتيبات زواجنا، حتى أنني صرت أتهيب من الذهاب لدار سينما بسمان أو سينما زهران في مدينتي الحبيبة عمان بعد زواجنا مع جاراتي أو إحدى زوجات إخواني.

أهلي هم إخواني وأخواتي، لأن والدي كلاهما كانا قد توفيا قبل زواجي، أما أبناء العمومة وما له صلة قربى بأهلي فلم يكونوا على قائمة اهتماماتي وعلاقاتي، وشقيقي شريف المطّي ما زال أعزباً، وهو الأقرب إلى قلبي وعقلي دائماً، أضرّني ربما وأضررت به، عودني على نمط عجيب من الحياة والفكر والتعامل مع الغير، أقمت معه في شقة صغيرة خاصة بنا بعد وفاة والدتي، كانت هي حصته مما ورثه عن والدي في شارع المهاجرين، نحيا على الوهم والسراب، نستمتع بعزلتنا وحيدين، ثم رجعت للإقامه معه بعد سفر زكي محجوب للسعودية، ترسّخ تأثيره فيّ أكثر من ذي قبل، وخاصة انني لم أحمل خلال الشهور الأربعة التي قضاها زكي معي.

أما أخي شريف المطّي فظل يقاوم دعوات الأهل والأصدقاء والأقارب له بالزواج، وربما إن وجودي عنده أشغله عن التفكير بأي أنثى، لا أصارح أحداً ما بمثل ما أصارح شقيقي شريف، لكنني أتلفته بدوري بتخصيص وقتي كله للقيام بكل خدمة يتمنى، وكلما فعلت له شيئاً يحسّ بسعادة غامرة، يمدحني فأزداد حماساً لفعل المزيد لإسعاده

دليني يافهيمة كيف تفهمين مشاعري؟ هل تتوقعين أن أعثر على فتاة بمثل عقلك؟

المدينة والدولة تعج بالصبايا الذكيات الماهرات، وتعرف أن عمان أصبحت مائة عمان، بعد تهجير الفلسطينيين.

لو كنت اهتم بالجمال فقط، لتزوجت امرأة شركسية، وتعرفين علاقاتي مع معظم الشركس المقيمين في حي المهاجرين، ليس الجمال وحده هو مطلبي، أريدها بمواصفات تشبه مواصفاتك، وجه حسن وعقل سليم تعيش لتسعدني وتسعد نفسها، تقدرني وأقدرها، تعمل من اجلي وأعمل من اجلها.

وكلما سمعت ذلك منه أزداد انفعالاً وأفعل له أضعاف ما يفكر فيه، أغسل ملابسه أفضل من أي امرأة أو محل متخصص، وأكويها لدرجة أن أشهر كواء في عمان لن يفعل أفضل مما أفعل، حتى حذاءيه كلما نظر إليهما قال ، من أين لي بامرأة ، تجعل من حذائي محل إعجاب الضباط والجنود ، يكاد يرى وجهه في لمعان جلديهما، مع أنني فكرت كثيراً لماذا يهتم القادة بتلميع حذاء العسكري عندنا؟ هل العسكري والشرطي للعمل وحماية الوطن أم للانشغال ساعات طويلة بالترتيب والنظافة والاستعداد للمراسم؟

لم تقلقني فكرة سفر زكي في بداية الأمر، حيث كان البديل عودتي لأهلي، ثم لم أعترض أثناء انشغاله وسعيه لقبوله للعمل في السعودية، وقد شقي كثيراً حتى تم قبول التعاقد معه من البعثة السعودية، وأصيب بخيبة ومرارة حتى حين قدم استقالته من وزارة التربية والتعليم، وشكى لي من الشيخ الذي كان وزيرها وقتها عام 1960 ولكن حين لمست سعادة أخي شريف، استمتاعه بعودة خدماتي له، بدأ شعور بالذنب يتسرب إلى عقلي، بسبب تقصيري مع زوجي زكي، وبعد مرور أسبوع كانت أفكاري تتراوح بين إرضاء شقيقي، وبين تعداد الأيام على سفر زكي، أو حساب الشهور الطويلة الباقية لعودته، هذا إذا عاد، بعدها كثيراً ما أنساني القلق أساليب شقيقي شريف وأحاديثه الودية معي، وحياة أسرتنا الحافلة بالسهر والولائم والزيارات والمزاح، وباجتماعات الجارات، ثم عادة نساء أهلنا وجاراتنا الخروج للسوق أو للسينما.

عشنا أسبوعين هادئين أول زواجنا، منتشيين بجسدينا، بعدها صرت أصرّ على زيارة أهلي في عمان كل أسبوع، أو أن يحضر واحد منهم على الأقل لزيارتي في فلسطين في رام الله، وأكثر ما كان يهمني لقاء شقيقي شريف الأعزب، أما أكبر أشقائي فكان منشغلا بإنفاق الرزق الكثير الذي ينهال عليه، على وجبات الطعام الضخمة الدسمة، كالمناسف والكنافة، وعلى الإكثار من اللحم والدهن وكبد الغنم والكوارع ، والتي كان يحب الإكثار من أكلها، ويشجع زوجته وأطفاله الكثر أن يأكلوا من الرزق الذي يأتيهم من حيث لايعلمون، تلك المرأة التي كانت فاتنة في كل أجزاء جسدها، وجهاً وشعراً، وطولاً ونحافة وعينين، تحولت زوجة شقيقي الأكبر بعد أعوام قليلة من زواجهما إلى امرأة ممتلئة ملفوفة، يثقل جسمها يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وبدأت ملامح الجاذبية تغيب عن ملامحها قليلاً قليلا، أما شقيقي الأوسط، فقد احتوته زوجته وغلفته بسحر كلامها وحركاتها، ولم يعد يرى أو ينطق أو يفكر إلا من خلال حواسها، أو بقدر ما تسمح له باستعمال ذكائه الذي كان مضرب المثل بين أهله وأصدقائه، فلم نعد نستطيع رؤيته أو التحدث إليه إلا نادراً، مع أن بيوت أسرتنا الستة كانت كلها متجاورة، وإذا دعي ذلك الشقيق لطعام أو لوجبة دسمة، حضر في آخر لحظة عند بدء الطعام تماماً، وما إن يشبع حتى يحتج بأنه يريد أن يغسل يديه، يطلب من زوجته الإمساك بيده، فيخرجان متلاصقين ولا يعود أي منهما للسهرة أو للجلوس مع باقي الأسرة، أصبحت زوجته قبلته، واستطاعت أن تحول بينه وبين المشاركة في حفلات الرقص الشركسي، كان من الشباب الذين اختلطوا بالشركس وتعلم لغتهم بعمق، وأتقن رقصاتهم التراثية القوقازية الشهيرة، وصار مضرب مثل بها ثم للتدريب عليها، ظل معارفه وأصدقاؤه يلحون عليه لمتابعة نشاطاته بمشاركتهم في مثل تلك الحفلات كل أسبوع، ولم ينقطعوا عن الألحاح عليه لثلاث سنوات، وخاصة في الحفلات التي كانت تتم في فندق جراند بالاس الواقع بجوار المدرج الروماني وسط مدينة عمان.

في أوائل شهور زواجنا، سخرت من زكي مرة ومن أفكاره الريفية، قال لي

أرجو أن تفهميني يا فهيمة، ما زلت إنساناً ريفياً أخاف الله، وهكذا رباني والداي، وإن والدتي زجرتني مرات عدة عن المزاح مع بنات القرية، وعن التقارب من إحداهن، ليس تكبراً، وإنما للحفاظ على سمعة العائلة وتقاليد الشرف، هناك أمور جمة أود أن يكون بإمكاني التحدث عنها، لكن نأيك عن التواصل مع قلبي، وتباعدك عن فهم ما يدور في داخلي، أو التواصل مع قلبي الذي يديره عقلي، يجعلني أقف عاجزاً في أحيان كثيرة عن رسم طريق نتوافق فيه.

لكنك يا زكي لا تتوقف عن التحدث عن قريتك وعن أهلك، وعن فلسطين والقراءة والكتب والكتابة أو هي نتيجة مرض موهوم تدور في خيالك

أحب الناس وأرض الأجداد، ولطالما تمنيت العيش بسلام في قريتي في فلسطين، يا إلهي لو أستطيع أن أحكي لك الشقاء الذي عانيت حتى استطعت أن أكمل دراستي الثانوية كي أستقر مع والدي، وأخدمهما وأساعدهما في تربية بقية أخواني واخواتي وتعليمهم، ثم إنني أحلم دائماً بالوقت الذي يستعيد الفلسطينيون به أرضهم التي حرموا من فلاحتها، والإقامة عليها، والاستفادة منها.

لكنني لا أستطيع احتمال أسلوب حياتك وحياة أهلك، "أنت تحيا من أجل غيري، والدتك وأخوانك وأخواتك وقريتك.

لم أجرؤ على ذكر والده الشيخ الطيب المسالم، فهو فعلاً بحاجة لزكي، وحتى إخواني كانوا يحبون والده، وربما كان احترامهم له وتقربهم منه واحداً من أسباب موافقتهم على تزويجي لزكي، فصرت أنا الأخرى أحترمه وأجله وأجلس قربه عندما أزور القرية مع زكي، لا أريد أن أجالس أي واحدة من نساء أهل زكي، سواء والدته أو أخواته أو بنات أخواله أو بنات أعمامه، يسأل أهل القرية والد زكي الشيخ:

هل سيأتي يوم تحرير الأرض المقدسة في حياتنا يا سيدنا الشيخ؟ يبتسم الشيخ ويحاول أن لا يجيب، يهز رأسه، لكنهم يلحون عليه، يستنشق نفساً عميقاً أويزفره، ويقول

الله أعلم. ما دام الآباء ينبهون الأبناء، فالأرض ستبقى مكانها، تنتظر أصحابها كي يستردوها ثانية، ثم يقول: إن المسلمين لا ينسون الظلم مهما طال.