الفصل 4

7 0 00

الفصل 4

رافقني زكي مرتين في الجو، الأولى حين رافقته للمرة الأولى لذهابي للإٌقامة معه في السعودية، والمرة الثانية حين اصطحبني وثلاثاً من أصغر أبنائنا إلى اليونان، أحسست فيهما بمتعة الحياة، وبجمال مرافقة المرأة لزوجها، بعيداً عن المنزل وفي جو مرح واسترخاء، لا أصدق نفسي هذه الأيام، كم أحسست بالإنجاز والسعادة، ألقيت عبء القلق على زكي، لم أفكر بخوفي العادي والشديد من ركوب الهواء، التصق به ,امسك بيده، أو الصق كتفي بكتفه، يرانا أطفالنا فيحسون براحة وسعادة، يواصلون النظر في وجوه بعض، بينما تتصاعد الطائرة في الجو، فرحوا بجمال الصعود وهيبته، فتتلاحق الهتافات من أفواههم بتسارع يعلقون على ما يلاحظون على وجه الأرض قبل الابتعاد عنها، يقول أحدهم (ياويلي البقرة أصغر من القطة) والبنت تقول: انظر للسيارة أصغر من سيارتي اللعبة التي في البيت، غير هاتين الرحلتين لم يصدف أن ركبنا الطائرة سوياً، كلما سافرنا من السعودية إلى عمان، يجعلنا نسافر قبله بشهر أو أكثر، ثم يلحقنا وحده، ويعود لعمله قبلنا، فنعود له أنا وأبناؤنا، بعده بشهر أو أقل أو أكثر.

رسائل زكي المتتالية بعد سفرته الأولى كانت تثيرفيّ مشاعر مختلطة، كثرة مطالعاته وحبه الشديد للقراءة أعانته على إتقان صياغة تعبيراته العاطفية الساحرة، قدرته على التأثير معجزة، كل رسالة منه تحمل مزاحاً أوتحدياً، غمزاً أوتحذيراً، وفي خلاصتها يؤكد تمسكهً بي، يطرز رسائله بأسلوبه كلوحة فنية متماسكة جاذبة، كنت أتماهى معها وأعيش بين سطورها، لا تستطيع فصل أي جزء عن الآخر، وربما كان يقصد ذلك، فأضطر لقراءتها عشرات المرات، وفي كل مرة أعيد قراءة أي رسالة منه فلا أتوقف إلا بإنهائها، وأكتشف شيئاً جديداً في نبضه أو فيّ أنا شخصياً، فأعود لقراءتها ثالثة ورابعة، ظلت رسائله تتراكم وتتوالد وتتكاثر وتنام وتصحو في حقيبة يدي، أحملها معي أينما حللت أو حيثما تحركت، لو زرت شقيقتي في السلط، أو الأخرى التي في الزرقاء أو الثالثة التي في ماركا، أو الرابعة التي في عجلون، أو شقيقي الذي في إربد، أو شقيقتي التي في نابلس، أتباهى بكنزي الذي في حقيبة يدي، تعوضني عن ابتعاد زكي نوعا ما، لكنني وبالمقابل مهما نأيت عن عمان، تظل روحي معلقة بك يا عمان، مدينتي التي تختزن كل أسرار حياتي، وكل أسرتي نشأوا لا يفضلون عن عمان مكاناً، حتى إن جدي لوالدي ضحى بأملاكه في فلسطين، ولم يفكر هو ولا إخواني بالعودة لاستغلال بيوتهم الضخمة وأملاكهم الواسعة التي أقام بها أقاربهم، وفي بعض ألأحيان، كان زكي يتضايق لتعصبي لأردنيتي فيحيرني بإصراره على أن أدعو صديقاتي وجاراتي من النساء إلى التمسك بالقومية العربية، وبالعمل على تشجيع الوحدة العربية، يقول إنها المنقذ الوحيد لأمتنا ولبلادنا ولفلسطين، ثم أكد لي مراراً أن العرب لن يتقدموا ما دام أن المرأة لا تملك رأياً وليست حرة وكرامتها غير مصونة، والمرأة المسحوقة لا يمكن أن تعلم أطفالها المحافظة على الحق والعدل والمساواة، ثم حب العرب والأخوة العربية، للاستعداد لما سيأتي من بلاءات ستتعاقب، وظل يكرر مقولته التي ظلت على لسانه عبر سنوات الستينات من القرن العشرين قائلاً: بدون الوحدة العربية والحرية والمساواة سيجد الإنسان العربي نفسه مستقصدا ممسوخاً ومخنوقاً أينما حلّ في هذا العالم، ويضيف حتى لو كان في عقر بيته والزوج في حضن زوحته أو العكس، ويضيف على استحياء وربما بقلق قائلاً: ليت حكامنا يتغيرون ويمكن تبديلهم كحكام الدول الحرة والغربية واليابان، ينظر لي ويتأمل أثر كلامه عليّ، وحين يتوقف عن الكلام تماماً، أبتسم وأتأمل وجهه وعينيه فألمح الإخلاص والصدق فيما يقول، أسمع من إخواني أننا مع الأشراف حكام الأردن، نطيع أوامرهم وهم يؤمنون لنا العيش المقبول والأمن، وكلما أطرى التعلق بالوحدة العربية، أجيبه في شبه همس، ومراعياً أن لا يسمعني أحد سواه (لماذا لاتهتم بنفسك وبمستقبلك وبدينك)، فيجيبني بلهجة شبه ساخرة قائلاً: لماذا لا يتكل الناس على الله أن يساعدهم وينجدهم، يطعمهم ويسقيهم ويحمي صدورهم وظهورهم، ثم بعدها يرتاحون ويجلسون ينتظرون رحمة ربهم؟ كنت أفهم من ذلك أنه يشير إلى إخواني الصوفيين، والذين يقضون الساعات الطويلة في الذكر وفي البحث عن الدراويش، أو بقضاء الأوقات الطويلة في زيارة مقامات الصحابة وقبور الصالحين في الأغوار وفي غير الأغوار، لإقامة حلقات الذكر وطقوس التصوف بها، هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى التي كنا نختلف عليها كثيراً فهي طريقة إنفاق الدخل، وحاجاتي وطلباتي وتطلعات معظم الزوجات التي لا تنتهي، وربما رحل عن عمان والأردن كلها كي أفهم غايته في الاقتصاد والصبر والتأجيل.

كم كنت أفرح حين أرافق والدتي في صغري أو إي شقيق لي لزيارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة في القدس، لكن بعد ارتباطي بزكي، اختلطت الأمور في رأسي، أحسّ بالفرق الشاسع بين مفاهيمي وبين من عرفتهن مثل أم جريس وابنتها الشابة المتحررة، ثم مع جاراتنا وأخواتي، أثناء تلك الشهور التسعة التي غابها زكي عني كنت أتذكر كل دقيقة حلوة عشناها معاً، فأصبحت أعيش على انتظار وصول رسائله، ريثما يحين وقت عودته لي، لكن لم أسمح لأي إنسان أن يقرأ رسالة كاملة من زكي، ولم يسبق أن تحدثت لأي من إخواني عن تعلق زكي بي، ووصفه لتحرقه وانتظاره مرور العام الدراسي على مضض كي يعود إليّ، واصفاً لي شقاءه وقسوة الأيام عليه في بلدة الخرج المدينة الصغيرة والتي كان فيها مصنع فرنسي لأسلحة حربية خفيفة، وقاعدة عسكرية أمريكية صغيرة، تبعد عن العاصمة السعودية حوالي الثمانين كيلومتراً.

وصية والدي رحمه الله، كما أخبرتنا والدتنا، وأكد كلامها أكبر أشقائي سناً، كان ملخص وصية والدي الشفوية :(غادرت فلسطين إلى شرق الأردن، بدعوة من مشايخ عشائر أردنية لتعليم الدين والقرآن والتطبيب، كل العرب عانوا من الحكم العثماني، ظلمونا وأمعنوا في تجهيلنا، فتزوجت زوجتي الثانية من شرق الأردن قبل مجيء الأشراف بثلاثين عاماً تقريباً) ثم يخاطب والدتي مضيفاً (أستحلفك بالله أن لا تعارضي زواج أبنائي وبناتي من أهل فلسطين، نحن بلد واحد، شعب واحد، لا أصرعلى جميع أولادي وبناتي، لكن اجعلوها مناصفة على الأقل أو حسب النصيب)

وماذا كان جوابك له يا والدتي، تسأل فهيمة باهتمام وهي تقترب من والدتها، كان عمر فهيمة ثلاثة عشر عاماً تقريباً، تريد أن تسجل في ذاكرتها كل حرف أو كلمة صدرت عن والدها الذي توفي قبل ولادتها، فتجيبها والدتها،

كنت أقول له ( أدعو الله أن يطول عمرك يا حج لتزوج بناتك وأبناءك حسب رغبتك، وفي حياتك.)

هل كان والدي يحبك يا والدتي؟

شيخ جليل يحترم نفسه، ويحترم كل الناس، يحبه كل من بتعامل معه أو يزوره أو يجلس معه، كان يحب زوجتيه وأسرته كلها، لا بل يعيش على الحب والجد والاجتهاد والتصوف.

وأنت؟

كنت منشغلةً طول وقتي في رعاية أولادنا الأربعة وبناتنا الخمسة، .لم يطل به العمر بعد وصيته تلك، وكأنه كان يحسّ بأن عمره قد قارب على الانتهاء، وها أنا أهرم بتسارع بعد ثلاثة عشر عاماً على وفاته حزناً عليه، لأنني حرمت من استمرارية تذوقي لحبه وحنانه ورعايته، وأحمد الله أنه أبقى لي أولاداً وبنات هم كل ما يشد من عزيمتي، ويجعلني أتعلق بالحياة.

أذكرما كتبه زكي لي مرة في إحدى رسائله عن أهل البلدة التي يعمل بها مدرساً

(تتذكرين أنني طلبت من مدير البعثة السعودية والذي التقيناه في رام الله بمنزل الدبلوماسي السعودي الأسود، أن يساعد في تعييني في مدينة صغيرة وليس في الرياض وبعيداً عن مدن القصيم المتزمتين، والذين يشعرون أنهم الصفوة وفي نظرهم أن باقي الشعب والأجانب هم لمساعدتهم ولتنفيذ ما يرونه وبطاعة مطلقة، كانت شوارع مدينة الخرج كلها رملية، والصلاة في المساجد على الرمل بدل السجاد،وفي بعضها الحَصُـر، والبدو يعيشون حول المدينة الصغيرة كجزء من تركيبتها السكانية، سياراتهم وخاصة سيارات البكاب ويسمونه الوانيت، يعشقون الوانيت أحمر فورد، تلك البكبات الحمراوات تقف بجانب الخيمة أو العشة أو أمامها أو خلفها، والدجاج حولك وحول البيت والغنم في كل ركن تتجه له أنظارك وكذلك في الشوارع، تتجول في أمان وتبحث عن بقايا طعام أو ورق صحف أو مجلات تأكلها، عايشتهم وعاشرتهم، والفرق بيني وبين عرار أنه لا يوجد لا سكر ولا عربدة ولا زنا في الجو الذي عشته وعايشته، طهر ونقاء وبساطة بعيدة عن الزيف، هكذا عشت ذلك العام في أوقات فراغي بينهم وما أسهل ما يحبك البدو، حين تكون طبيعياً معهم ومنفتحاً ولطيفا ومهذباً، وتحترم تقاليدهم، أحببت بناتهم وأمهاتهم، وأحبوني وصرت كأنني فرد من أسرة، وكنت على علاقة بريئة نظيفة مع عائلتين من قبيلة عتيبة، اتبطح في ساح الدارعلى الرمل كأي فرد منهم، وتجلس النسوة والرجال في مجلس واحد، تسترني دشداشة غير تامة النظافة مثلهم، تعلمت الكثير من المفردات العربية البليغة منهم، مع ما توفر لي من الوقت لقراءة كل كتاب وقعت يدي عليه، والصحراء فتحت لي آفاقاً للقراءة الواعية , وأحسّ أن ذهني يصفو يوماً بعد يوم، يستقر إيماني وتزداد وضوحاً مطامحي، فقرأتُ المتنبي والمعري وأبو تمام والبحتري وابن خلدون وابن زيدون وابن حزم وأحمد شوقي، وراجعت شعر جرير والفرزدق، وقرأت القليل لابن رشد والمزيد من كتابات طه حسين والمنفلوطي والعقاد وخاصة عبقرياته و جبران، ونجيب محفوظ، قرأت لفيكتور هوجو وبودلير، والمزيد عن الرسول عليه الصلاة عدا عن استماعي للموسيقى والسيمفوني لساعات طويلة.

والصحارى التي تحيط مدينة الخرج من كل مكان، أماكن فسيحة للتأمل والتعود على الصبر، يقول زكي: كنتُ افترش الرمال ليلاً واتأمل في تناثر النجوم في السماء، يضيف زوجي زكي قائلاً: احس ان زوجتي تشاركني النظر لنجوم السماء الصافية في الوقت نفسه، فينتابني حزن شديد، وأحياناً أجد نفسي كالمهبول أضحك بصوت عال ينطلق في فضاء واسع يبتلع الآهات، اما مجالستي رجال ونساء وأطفال العائلتين البدويتين ، جعلتني أتصور كيف عاش الناس القرون الطويلة بلا كهرباء ولا مذياع ولا حتى ملابس نظيفة أو كاملة الستر، قساة أحياناً على الغريب المعادي، والذي لا يعرفهم ولا يعرفونه، لكن حين يثقون بك، أو يشعرون أنك بحاجة للمساعدة، فما أسرع نجدتهم وأكرم وفادتهم، تكتشف أنهم أرق مخلوقات الأرض وأشدهم حرصاً على حياة تجمعاتهم وأسرهم، يحبون المرأة والطفل والضيف والكرامة، والبدوي هو كتلة من النخوة والصبر والسلام

كنت أتمنى أن تستمر والدتي بالتحدث عن والدي ، وعن الأمور التي كان يحبها أو تمناها، والأمور التي كان يكرهها ولا يريدها. تجيب والدتي

- لم أسمع منه ولا عنه أنه كره أحداً، أو تمنى الضرر لمخلوق، لم يكن النفور من الناس من طباعه.

رافقت زكي إلى السعودية في العام التالي، وبدأت أتخلق ثانية من جديد، تعلمت أشياء مهمة في غيبته عني خلال عام دراسي كامل ، ومن أهم ما افتقدته بعد سفره وغيابه احتضاني لرجل والالتصاق به ليلاً على الأقل، وحين نأينا عن أهلنا كلانا، صرت أسترجع كلام شقيقاتي وجاراتي (أن أي فتاة مصيرها أن تصحب رجلاً لتنجب أطفالاً تربيهم، وتقوم بدور الأم لهم.) ، فأؤنب نفسي في داخلي: (ليتني اعترضت على سفرته الأولى للسعودية وحده) فور وصولنا مطار الرياض في العام الدراسي التالي، أقمنا أكثر من عشرة أيام في فندق رخيص غير مكيف في شارع البطحاء بمدينة الرياض، كنا في أيام شدة الصيف الحارقة في أوائل شهر أيلول، قالوا لنا أن صاحب الفندق هو فلسطيني، عانيت في تلك الأيام العشرة الأمرين، كنت أختنق ليلاً ونهاراً من شدة الحر والعرق والسجن في الفندق، حتى الطعام المعقول لم ننعم كلانا به، لأسباب مادية لظروف زوجي والغلاء مقارنة بأسعار بلدنا الأردن، غادرنا الفندق بعدها إلى مدينة الخرج الصغيرة، هناك استقبلتني أفواج الالاف من الصراصير المرحبة وبالملايين من الذباب، في الشوارع وفي ساحة البيت، كانت أغلب بيوت مدينة الخرج من الطين، وكل بيت هو باحة في الوسط تحيط بها ثلاث غرف أو أربعة، ذات أبواب ضيقة منخفضة، ذلك هو النموذج الغالب على بيوت الخرج أيامها، وبأبواب لا تمنع دخول الذباب أو الصراصير، غير متقنة الإطر ولا المقاسات، وتقيم الصراصير في أغلب الأوقات على حواف الماء في الحوض الإسمنتي الصغير الموجود في كل منزل لأن الماء لا تتوفر إلا ليوم واحد كل أسبوع، والصراصير تهنأ بالظلام والرطوبة تحت الغطاء الخشبي غيرالمحكم، والمفروض أن نشرب من ذاك الحوض الصغير الذي هو على شكل قبر أو تابوت أثري مثبت فوق سطح الأرض، ولكن حاشا لله أن أفعلها حتى لو مت من العطش، لم يكن زكي قادراً وقتها على شراء ثلاجة، كنت أحرص على تعبئة قربة من ماء الصنبور حين تأتينا المياه بالأنابيب، وصفيحة أخرى لي، لكن زكي كان بشرب ماء الخزان بعدغليه، ولا يهتم بكونه بارداً أو دافئاً،أما أنا فكنت أبقي القربة معلقة على مسمار في جدار سطح المنزل ً، كي نبرد عطشنا في أيام الصيف الحارقة ولياليها، كان زكي يعرف أنني أحب المشروبات الغازية، فيشتري لي زجاجة منها كل يوم، وفي اليوم الذي لا يأتيني بقارورة بيبسي أو سفن آب، وأحياناً يحضر قالب ثلج صغير من السوق لتبريد الماء، وحين لا أجد الثلج، أشرب الشاي طول النهار كلما جف ريقي أو كلما نهشني العطش.