الفصل الأول

8 0 00

الفصل الأول

المصحك أن ملايين ممن يتمنون الخلود،

لا يحسنون ما يفعلونه في أوقات فراغهم

سوزان إيرتز

Millions long for immortality

who do not know

what to do with themselves

in their weekend

Susan Ertz

كان الهواء عاصفاً في الخارج، وذرات الرمل الدقيق المتطاير تملأ الجو، وتحجب الكثير من الرؤية، سبب الضجر لي والضيق، يمتزج بالكبت والانكماش، جو يدخل في نفسك شعوراً بضعف وإحباط، لايقلل ذلك الإحساس إلا مطر غزير وجارف، كي يغسل الأدران الظاهرة والخفية على الأرض، وهومتوقع في أي يوم من السنة في تكساس.

قبلت دخول الكنيسة مترددة يوم الأحد، وللمرة الأولى، لا أنا ولا زكي نعرف ما الهدف من وجودنا اليوم في معبد مسيحي، أصرت العائلة الأمريكية على اصطحابنا إلى الكنيسة في يوم أحد، صالة كبيرة فسيحة بها صفوف من مقاعد منتظمة وبعضها مختلف الأبعاد والمقاسات، (زكي محجوب) مجامل ومحب للاستطلاع، قال لي في شبه همس (لا إكراه في الدين). ثم أكمل قائلاً

- كنت أرافق أصدقائي وصديقاتي الطلبة للكنيسة في سني المراهقة والدراسة الثانوية في رام الله، وها أنت ترينني ما زلت مسلماً ولم أتنصر، والأكثر من ذلك أنني أحرص على تعليم أولادي وبناتي روح الإسلام وآدابه وصلب الدين والقصد من العبادات. الصلاة بالقلب والعقل والفهم وليس مجرد كلمات أو طقوس وركوع وسجود.

لم أتجاوب مع زوجي زكي، كعادتي لا أرد وكأنني لم أسمع شيئاً، يتهمني ببرود في المشاعر، لم أهضم ماقاله، ولا تداولت أفكاره وكلماته في عقلي، بقيت صامتة أقلّب عينيّ فيما أرى، أثارني في الكنيسة الأمريكية جماليات الأضواء الضعيفة الكثيرة في كل ركن في صالة الصلاة الواسعة وأشكالها وتنويعاتها، وفي الزوايا، شاهدت النساء العجائز في الكنيسة يشعلن شموعاً ترتجف ذبالاتها، مع ارتجافات أياديهن، ودخان ضعيف يعلو في تموجات عبقة كأنها مهدئة، وتوحي بالهيبة وفي هدوء وسكون في الفضاء الفسيح، الهواء عاصف في الخارج، مدينة إيرفتح في تكساس تتعرض لغضب من السماء هذا اليوم ، وتحجب الكثير من الرؤية، أنها تبعث على الأسى والضيق، تكرّس في نفسك الشعور بالغربة والخوف من أمر مجهول.

واصلت معظم الأبخرة والروائح والطيوب تتصاعد لتصطدم بسقف المعبد، ولا أظنها تصل السماء في صعودها، ولا أعتقد أنها ستؤثر في أجواء الهواء خارج المعبد، بل يبقى كل شيء حبيس ذلك المكان المهيب، ونيران القلوب الضعيفة الهزيلة تبحث عن أجواء فسيحة تنساب بها أو تستقر، عيون وملامح ووجوه أثقلتها السنون، كان الأهم لدى معظم الحاضرين الخاشعين أو العاملين في جد وهمة، هو المساعدة على إنجاح ذلك التجمع كي يرض الرب عنهم وعن أعمالهم، أو الحصول على ثناء من الكاهن والمتطوعين وما أكثرهم وربما كان بعضهم بحاجة لمن يساعدهم، ما إن تضعف فتيلة شمعة حتى تدب إحداهن لإشعال واحدة جديدة تخرجها من حقيبتها أو من صندوق موضوع على رف مزخرف جاذب للأنظار، تتنفس تلك النيران الباهتة وتتمايل في هزال، آآآه تذكرت موسى عليه السلام "لعلي آتيكم منها بقبس، أو أجد على النار هدى"، الإيمان والنار، النار تثبت الإيمان والأيمان يخلق الدفء والدفء يطمئن القلب ويشعرها بالسلام، الإنسان على هذه الأرض هو أهم ما خلق الله، والنار التي (وقودها الناس والحجارة)، علمها عند ربي، لاتستقيم حياة الإنسان بدون دفء وحرائق، وبالمقابل لايقوى على التحكم بالنار إلا الإنسان، ثم إن الخوف من النار يعلم الناس الحرص والأمانة والقوة والعدل، وإلا كيف ستكون سلوكيات أغلب الناس عبر سني أعمارهم لو لم يخافوا الم النار وحرقة الجوى، تقول زوجي إن الكلام حول هذا يطول.

أنظر حولي فلا أهتم إلا بأطفالي، يتبعوننا في حيرة والبنات يلتصقن أو يحطن بي، وكثير من تساؤلات تدور في أذهانهن أطفالنا لا شك، أربع بنات وأولاد أربعة أكبرهم بعمر بعمر ثلاثة عشر، تذكرت لحظتها أننا رزقنا بهذا العدد الكبير من الأطفال في أقل من عشر سنين، ما أعجب الإنسان! !....ينظرون لنا بحيرة، لم أستطع أن أعرف أهو استغراب أم إعجاب بي وبزوجي زكي، ثمانية أطفال، أما عند الأمريكان فتحتمل الأسرة طفلين وربما ثلاثة، ولديهم فلسفة خاصة بهم، الأطفال مسئولية، سمعت زكي يترجم لي ماقالته إحداهن، تقول الأم الأمريكية الأربعينية

- بعد أن يكبروا إما يتركوننا، كما يترك الأطفال الدمى القديمة التي كانوا يلعبون بها في طفولتهم أو ينسونها، تبقى مخزونة على الرفوف او في العلب، او يلقونها أمام البيت، وبعضهم يركلها بقدمه، والبعض يلقونها في حاويات القمامة، أو انهم سينشغلون عنا بما يطيب لهم، وقد يسافرون بعيداً أو يغتربون فينسوا البيوت التي بها نشأوا، والناس الذين قاموا على تربيتهم، وحين سألت إن كانت تلك المرأة قد رزقت بأطفال، ثم انطلقت بحماس تقول

- كلا وهل أنا مجنونة؟ لقد رأيت ما حصل لصديقاتي وقريباتي، لذلك إن أهم طفل عندي هو كلبي الذي أعتز به، ويعوضني من الحب أضعاف ما أغدق عليه، وأصلي إلى الله دائماً أن يطيل في عمره ليبقى رفيق حياتي، إنه ليس كلباً ضخماً، بل أحتمل أن يقعي في حضني وفوق ركبتي لأوقات طويلة نوعا ما.

جلسنا على مقعد خشبي غير منجد، حتى يتساوى الناس في جلستهم أثناء الصلاة، استمعنا لخطبة أو قراءة من الكتا ب المقدس، سألت زوجي أن يترجم لي ملخص ما قاله الكاهن، فأجاب، لم أفهم كلمة واحدة. بعد خطبة الصلاة نقلونا إلى موقع آخر داخل الكنيسة، وأكلنا وشربنا، ثم استأذنا بالخروج بحجة أولادنا الذين بدأو يتذمرون. ودعنا كثير من العائلات وكذلك الكاهن ومساعديه.

أنهى زوجي زكي دراسته وحصل على الشهادة الجامعية الثانية، أي الماجستير من جامعة دالاس بتقديرمشرف، وبرغم أن سنه تخطت الأربعين إلا أنه أصرّ على الدراسة والنجاح، ترك وظيفته التي تثير اللعاب كما يقولون، وغامر إلى أمريكا. كانت العادة أن ترتب الجامعة اتصالات مع العائلات لمساعدة الطلاب الأجانب الوافدين ايامها، للتكيف مع البيئة الأمريكية، ولتقديم التراث الأمريكي بأسلوب ودي وبالتدريج، حتى لا يصاب الطالب بصدمة حضارية. أو خشية أن يقع بين أيدي عصابات أو مضللين يشغلونه عن هدفه الأساس من قدومه إلى أمريكا، وقد يتم استغلال بعضهم في تسويق مخدرات أو مهمات سرية أبعد من ذلك. ولأن زوجي زكي المحجوب كان ناضجاً وكبيراً في السن مقارنة مع غيره من الطلاب الأجانب، فقد وجد أناساً كثيرين يرحبون بالتعارف عليه، وبمساعدته، وخاصة وانهم عرفوا أنه متزوج وعنده ثمانية أطفال، وحضر للدراسة ثم للعودة لعمله أو عائلته. وساعده رجال ونساء، وبعض من عائلات. ودعوتنا اليوم كانت من عائلتين تملكان مصنعاً للرخام الصناعي، وأبدوا رغبة في التعاون مع زكي، سواء ليعمل معهم في مصنعهم بأمريكا بعد تخرجه، أو ليكون مدير تسويق لهم في الأسواق العربية.

ولأنه حضر قبلنا بما يقارب العامين فقد بنى علاقات وطيدة مع أفراد وعائلات عدة من مدينتي دالاس وإيرفنج. ولهذا كنت أتشنج وأٌُقلق دائماً حين يحضر اي فرد لزيارتنا أو لمساعدتنا وخاصة من النساء، وكرهت بصمت تنامي تلك العلاقات، وعملت على الإقلال منها وبالتالي لهدمها بأسلوبي الخاص بي، دون أن أبوح لزكي صراحة عن ذلك، لكن وجهي واستقبالي لهم كان غير طبيعي، لأجعلهم يعرفون أنهم غير مرحب بهم في بيتنا، وأستعجل القول إنني نجحت بعض الشيء بأسرع ما توقعت.