الفصل الثاني

8 0 00

الفصل الثاني

اقترب الأمير من أوجين بافلوفتش فجأة وأمسك يده، وقال له بلهجة فيها حميّا غريبة:

– أوجين بافلوفتش، ثق أنني أقدّرك رغم كل شيء، لأنني أعدّك رجلاً نبيل القلب وأعدّك أحسن الناس. أحلف لك على هذا.

دُهش أوجين بافلوفتش، وبلغ من الدهشة أنه تراجع خطوة إلى وراء. وخلال لحظة من الوقت، كظم رغبة عنيفة قوية في الضحك. لكنه حين أنعم النظر في الأمير تبيّن له أن الأمير ليس في حالة طبيعية أو هو على الأقل في حالة غير مألوفة. وهتف يقول:

– أراهن يا أمير أن هذا ليس ما كنت تنوي أن تقوله لي، بل ربما كنت تريد أن توجه هذه الكلمات إلى غيري لا إليّ أنا!... ولكن ماذا بك؟ أتراك مريضاً؟

– جائز، جائز جداً. لقد برهنت على أنك تملك كثيراً من دقة الملاحظة ولطافة الإدراك إذ قلت إنني ربما كنت أريد أن أوجّه أقوالي تلك إلى غيرك لا إليك أنت. قال الأمير ذلك وابتسم ابتسامة خاصة يمكن أن توصف بأنها مضحكة. ثم بدت عليه الحماسة والحرارة فجأة فقال صائحاً:

– لا تذكرني بسلوكي الذي سلكته قبل ثلاثة أيام.. إنني ما برحت أشعر بالخجل والخزي والعار منذ ذلك الوقت... أنا أعلم أنني أخطأت.

– ولكن... ما هو الشيء الرهيب الذي فعلته، ما هو الذنب الهائل الذي اقترفته؟

– أرى أنك ربما كنت تشعر بالخجل لي أكثر من الآخرين جميعاً. إن وجهك يحمرّ، وهذه علامة نبل القلب. سأنصرف فوراً. ثق بهذا.

اتجهت إليزابت بروكوفيفنا بالكلام إلى كوليا فسألته مروّعة الهيئة:

– ماذا دهاه؟ هل نوباته تبدأ هكذا؟

– لا تكترثي يا إليزابت بروكوفيفنا. ليس عندي نوبة، وسأنصرف بعد قليل. أنا أعلم أنني... إنسان حرمته الطبيعة. لقد لبثت مريضاً طوال أربع وعشرين سنة، أو قولوا إلى السنة الرابعة والعشرين من عمري. فاحسبوا إنني ما أزال مريضاً. سأنصرف فوراً، فوراً، ثقي بهذا. ليس يحمرّ وجهي خجلاً، فإنه ليكون شيئاً غريباً – أليس كذلك؟ – أن يحمرّ وجهي خجلاً من مرضي هذا. لكن وجودي في المجتمع زيادة يتعبني. لا أبدي هذه الملاحظة من باب الشعور بالكرامة. لقد فكرت ملياً خلال هذه الأيام الثلاثة فانتهيت إلى أن من واجبي أن أنبئكم بذلك صادقاً عند أول مناسبة. ثمة أفكار معينة، أفكار رفيعة سوف أمسك عن الكلام عنها حتى لا أضحك جميع الناس... لقد ألمع الأمير «شتش...» إلى هذا منذ قليل. ما من حركة من حركاتي تخلو من شذوذ. إنني لا أعرف القصد والاعتدال. لغتي لا تناسب المعاني التي في ذهني، فهي لذلك تغض من قيمتها وتفسدها. لذلك لا يحق لي أن... ثم إنني شديد الاشتباه والارتياب. صحيح أنني... أنني مقتنع بأن أحداً لا يمكن أن يهينني في هذا المنزل، وأنني محبوب فيه أكثر مما أستحق. ولكني أعلم (علماً لا مجال للشك فيه) أن أربعة وعشرين عاماً من المرض لا يمكن إلا أن تخلّف آثاراً، وأن من المستحيل أن لا يسخر الناس مني ويتهكموا علي... من حين إلى حين... أليس هذا صحيحاً؟

قال الأمير ذلك وأدار بصره على الحضور كأنه ينتظر جواباً أو قراراً. كان الجميع قد دُهشوا من هذه الاندفاعة المرضية التي لم يتوقعها أحد، والتي لم يكن ثمة ما يدعو إليها ويبعث عليها، فكانت سبباً لوقوع حادث غريب هو أن آجلايا صاحت فجأة تسأل الأمير:

– لماذا تقول هذا هنا؟ لماذا تقول هذا لهم «هم»... لهؤلاء الناس؟

كانت تبدو في ذروة الاستياء والامتعاض. وكانت عيناها تسطعان.

لبث الأمير أمامها صامتاً كالأخرس، واجتاحت وجهه صفرة مفاجئة. وانفجرت آجلايا تقول:

– ليس هنا شخص واحد يستحق أن يسمع هذه الكلمات! إنهم جميعاً لا يساوون خنصر يدك، لا فكراً ولا قلباً! أنت أشرف منهم قاطبة. أنت تفوقهم نبلاً وطيبة وذكاء! هنا أناس لا يستحقون أن يشيلوا المنديل الذي سقط من يديك الآن على الأرض... فلماذا تذل كبرياءك وتضع نفسك تحتهم؟ لماذا قلبت كل شيء في نفسك رأساً على عقب؟ لماذا لا تكون لك عزة وأنفة؟

قالت إليزابت بروكوفيفنا وهي تضّم يديها إحداهما إلى الأخرى:

– رباه! من كان يمكن أن يصدّق هذا؟

وصاح كوليا يقول متحمساً:

– مرحى! الفارس الفقير!...

فقالت له آجلايا:

– اسكت!

وأضافت تقول لأمها وقد استبد بها انفجار من انفجارات الاهتياج التي لا تعرف حدوداً ولا عقبات، قالت بقسوة وخشونة:

– كيف يجرؤ أحد أن يهينني هنا في دارك؟ لماذا يضطهدونني هنا جميعاً من أولهم إلى آخرهم؟ لماذا يرهقونني منذ ثلاثة أيام بسببك يا أمير؟ لن أتزوجك في يوم من الأيام بحال من الأحوال! اعلمْ أنني لن أفعل هذا في يوم من الأيام بحال من الأحوال! ضع هذا في رأسك! هل تتزوج فتاة إنساناً مضحكاً مثلك! انظر إلى وجهك في المرآة لترى كيف هو في هذه اللحظة! لماذا يناكدونني زاعمين أنني سأتزوجك؟ يجب عليك أن تعرف هذا! لا شك أنك متواطئ معهم! لا شك إنك شريكهم في المؤامرة!

تمتمت آديلائيد تقول مذعورة:

– لم يناكدها أحد في وقت من الأوقات!

وهتفت ألكسندرا إيفانوفنا تضيف قائلة:

– لم يخطر ببال أحد أن يناكدها في لحظة من اللحظات!

وقالت إليزابت بروكوفيفنا تسأل جميع الحضور وهي ترتعش

– من ناكدها؟ متى ناكدها أحد؟ من ذا تجرأ أن يقول لها كلاماً كذلك الكلام؟ أهي تهذي أم هي مالكة رشدها محتفظة بعقلها؟

فأجابت آجلايا بلهجة تمزق القلب ألماً:

– هم جميعاً قالوا هذا الكلام! هم جميعاً صدّعوا أذني به خلال هذه الأيام الثلاثة! لا أستثني منهم أحداً.

ثم انفجرت تبكي بدموع غزيرة، وأخفت وجهها بمنديلها وتهالكت على الكرسي.

– ولكنه حتى الآن لم يخطبـ...

قال الأمير كمن يتكلم بغير إرادة:

– أنا لم أخطبك يا آجلايا إيفانوفنا.

فصاحت إليزابت بروكوفيفنا تقول بلهجة تمتزج فيها الدهشة بالاستياء بالهلع:

– ماذا؟ ما معنى هذا؟

كانت لا تستطيع أن تصدق أذنيها، فأخذ الأمير يقول بكلمات متقطعة:

– قصدت... قصدت... أردت أن أقول... أردت أن أشرح لآجلايا إيفانوفنا.. بل أردت أن أتشرف بأن أشرح لها إنني لم أنتوِ... أن أتشرف بخطبتها... وحتى في المستقبل!... ليس لي في هذا الأمر أي ذنب أؤاخذ عليه يا آجلايا إيفانوفنا، الله يشهد إنني ليس لي في هذا الأمر أي ذنب أؤاخذ عليه!! أنا لم أنتوِ أن أخطبك في يوم من الأيام، حتى إن هذه الفكرة لم تخطر على بالي قط، ولن تخطر على بالي أبداً؛ لسوف ترين هذا! لا تشكي في صدق ما أقول! لا بدّ أن شخصاً شريراً سيئ النية وشى بي إليك متجنياً. ولكن في وسعك أن تهدئي نفساً وأن تطمئني بالا!

كان وهو يتكلم قد اقترب من آجلايا. فأزاحت المنديل الذي كان يغطي وجهها وألقت على الأمير نظرة سريعة. فرأت سحنته المنقلبة وهيئته المروّعة، فأدركت معنى أقواله، فانفجرت ضاحكة مقهقهة أمام أنفه. وقد بلغت ضحكتها من قوة الصراحة وشدة السخرية أنها انتقلت إلى آديلائيد، فاحتضنت آديلائيد أختها بكلتا يديها وانطلقت تضحك معها ذلك الضحك نفسه، ذلك الضحك الطفولي الذي لا يقاوم ولا يغالب. فلما رآهما الأمير على هذه الحال أخذ يبتسم هو نفسه، وراح يقول معبراً عن الفرح والسعادة:

– آه... الحمد لله... الحمد لله!...

ولم تستطع ألكسندرا نفسها عندئذ أن تقاوم، فأخذت تضحك هي أيضاً من أعماق قلبها. وطال ضحك الأخوات الثلاث حتى لكأنه لا يريد أن ينتهي.

قالت إليزابت بروكوفيفنا مدمدمة:

– إنهن لمجنونات، فتارة يروِّعنك، وتارة...

ولكن عدوى الضحك كانت قد سرت إلى الأمير «شتش...»، وإلى أوجين بافلوفتش، وحتى إلى كوليا الذي أصبح لا يسيطر على نفسه، وراح ينقَّل بصره بين هؤلاء وأولئك. فأخذ الأمير يضحك مثلما يضحكون!

هتفت آديلائيد تقول:

– هلموا نتنزه! ليأت الجميع، ولينضم إلينا الأمير! ليس هناك أي سبب يدعو إلى انسحابك يا أمير وأنت على ما أنت عليه من لطف وتهذيب. أليس لطيفاً مهذباً يا آجلايا؟ أليس هذا صحيحاً يا ماما؟ وفوق ذلك، يجب عليّ حتماً أن أقبّله... تقديراً للتوضيح الذي قدّمه بين يدي آجلايا. يجب عليّ أن أقبّله. ماما، عزيزتي ماما، هل تأذنين لي أن أقبّله؟ وأنت يا آجلايا، اسمحي لي أن أقبّل «أميرك»!

بهذا هتفت الفتاة الماكرة...

وقرنت القول بالعمل فاندفعت إلى الأمير وقبّلته على جبينه. فتناول الأمير يديها، وشدّ عليهما شدّا بلغ من القوة أن آديلائيد كادت تصرخ من الألم؛ ونظر إليها بفرح لا نهاية له، ثم حمل يد الفتاة إلى شفتيه فجأة فقبّلها ثلاث مرات.

قالت آجلايا:

– هلموا، فلنمش! يا أمير، ستكون أنت مرافقي. هل تأذنين يا ماما؟ أليس الأمير خطيباً رفض خطبتي منذ هنيهة؟ ألم تعدل عني إلى الأبد يا أمير؟ ولكن ما هكذا يمد رجل ذراعه إلى سيدة لتتناولها؟ ألا تعرف كيف تُمدّ الذراع لتتناولها سيدة؟ حسن، الآن مددتها مدّاً صحيحاً. هلم نسِرْ، ولنكن في المقدمة. هل تقبل أن نسير في طليعة السائرين، وأن نكون «وحيدين»؟

كانت تتكلم دون توقف وما تبرح تضحك فجأة من حين إلى حين.

وكانت إليزابت بروكوفيفنا تقول مردّدة، دون أن تعرف على وجه الدقة ما الذي كان يبهجها ومم كانت تغتبط:

– الحمد لله! الحمد لله!

وحدّث الأمير «شتش...» نفسه قائلاً: «هؤلاء أناس عجيب أمرهم». لقد قال هذه العبارة ربما للمرة المائة منذ أن أصبح يختلف إليهم، ولكنه... كان يحب هؤلاء الناس الذين يرى أن أمرهم عجيب! لعله كان لا يحس هذا الشعور نفسه تماماً تجاه الأمير. وحين خرجوا للنزهة اربدّ وجهه واكتست هيئته معنى الهم.

إن أوجين بافلوفتش هو الذي كان يبدو أكثرهم ارتياحاً. ولقد ظل طوال الطريق إلى الفوكسهول يسلي ألكسندرا وآديلائيد. فكانت هاتان تضحكان ضحكاً فيه من المجاملة والمسايرة لمزاحه إلى حدّ أنه انتهى إلى الاشتباه في أنهما ربما كانتا لا تصغيان إلى كلامه، فإذا هو، دون أن يستطيع تفسير ذلك لنفسه، ينفجر ضاحكاً ضحكاً فيه من الصراحة مثل ما فيه من الانطلاق الذي لا تكلف فيه ولا اصطناع (ذلك كان طبعه!). كانت الأختان مشرقتي المزاج، لا تبرحان تنظران إلى أختهما الصغرى التي كانت تسير مع الأمير في طليعة السائرين. كان واضحاً أن وضع آجلايا يبدو لهما لغزاً لا تفهمانه، أو أحجية لا سبيل إلى حلها. وكان الأمير «شتش...» ما ينفك يجهد في التحدّث إلى إليزابت بروكوفيفنا عن أمور لا قيمة لها، فلعله كان يريد أن يصرفها عن أفكارها وخواطرها، لكنه لم يستطع إلا أن يبث في نفسها سأماً شديدا وضجرا رهيبا. كان يبدو أنها في حالة غير طبيعية. فهي تجيب خبط عشواء، أو هي لا تجيب البتة.

على أن آجلايا إيفانوفنا لم تكن قد فرغت من بث الحيرة في نفوس من كانوا حولها ذلك المساء. وقد احتفظت للأمير بآخر لغز تحيّره به دون سواه. فحين أصبحت على مسافة مائة خطوة من الفيلا أسرعت تهمس في إذن مرافقها الذي ما برح صامتاً صمتاً عنيداً، فتقول له:

– انظر يمنةً.

فأطاعها الأمير ونظر يمنة.

– انظر بمزيد من الانتباه، هل ترى دكةً، في الحديقة، هناك، قرب تلك الشجرات الثلاث.. دكةً خضراء؟

فأجاب الأمير بأنه يرى الدكة. فسألته:

– هل يعجبك ذلك المكان؟ إنني في بعض الأحيان أجيء مبكرة، في نحو الساعة السابعة، حين يكون الجميع ما يزالون نائمين، فأجلس هنالك وحيدة.

وافقها الأمير متمتماً على أن المكان رائع.

قالت له:

– والآن ابتعد! لا أريد الآن أن أسير متأبطة ذراعك؛ بل هات ذراعك، ولكن لا تقل لي الآن كلمة واحدة. أريد أن أخلو إلى أفكاري...

الحق أن هذا الطلب كان نافلاً. فالأمير ما كان له أن ينطق بكلمة واحدة أثناء النزهة ولو لم تأمره هي بالصمت. خفق قلبه خفقاناً شديداً عنيفاً حين سمع كلامها المتعلق بالدكة. ولكنه غير رأيه بعد دقيقة، وخجل من نفسه طارداً الفكرة التي خطرت بباله.

يعرف الناس، أو يؤكد جميع الناس، أن الجمهور الذي يرتاد الفوكسهول بمدينة بافلوفسك هو في غير أيام الأحد «أرقى» منه في أيام الأحد أو في أيام الأعياد، أي الأيام التي يتوافد فيها إليه من بطرسبرج «أنواع شتى» من الناس. ولئن لم تكن الثياب التي يرتديها الجمهور في تلك الأيام هي ثياب يوم الأحد، فإنها أكثر أناقة وأرفع ذوقاً من الشياب التي يرتديها جمهور يوم الأحد. إن من العادات الراقية أن تأتي الصفوة إلى هذا المكان تسمع الموسيقى. ولعل الأوركسترا هنا أحسن من جميع الأوركسترات التي تعزف في الحدائق العامة عندنا، ومن المعروف أن معزوفاتها تتضمن طرائف جديدة. وإن ما يسيطر على هذه الاجتماعات من جوّ عائلي بل ومن تعارف حميم لا ينفي أن يلتزم أصحابها أعلى آداب اللباقة وأقسى أصول التعامل. ولأن الجمهور يكاد يخلو إلا من الأسر المصطافة في بافلوفسك، فإن الجميع يجيئون إلى هذا المكان ليلتقي بعضهم البعض. إن أناساً كثيرين يجدون متعة كبرى في هذا النوع من تزجية الوقت لا يدفعهم إلى المجيء إلا هذا الباعث وحده، غير أن هناك أناساً آخرين إنما يجيئون من أجل الموسيقى وفي سبيلها. والفضائح نادرة هنا أشد الندرة، ولكن لا يخلو أن تقع فضيحة من حين إلى حين، حتى في غير أيام الأحد. ذلك أمر لا يمكن تحاشيه.

كان المساء في ذلك اليوم رائعاً، وكان الجمهور كبيراً. إن جميع الأماكن المجاورة للأوركسترا مشغولة، فجلس أفراد جماعتنا على كراسي بعيدة بعض البعد، قرب باب الخروج الأيسر. إن جمهرة الناس وألحان الموسيقى قد سرّت عن إليزابت بروكوفيفنا قليلاً، وروّحت عن بناتها وسلّتهن. وقد تبادلت البنات بعض النظرات مع عدد من معارفهن، وهززن رؤوسهن بتحيات صغيرة لطيفة أرسلنها إلى الآخرين. وقد اتسع وقتهن كذلك لأن يدققن النظر في ثياب الحضور وزيناتهن وأن يلاحظن بعض أنواع الشذوذ والغرابة فيها فعلقن عليها بابتسامات ساخرة. وقد أغدق أوجين بافلوفتش تحيات كثيرة هو أيضاً. كما لوحظ أن آجلايا والأمير كانا معاً. وسرعان ما اقترب من الأم والبنات شباب من معارفهن. وبقي منهم اثنان أو ثلاثة يثرثرون. إنهم أصدقاء أوجين بافلوفتش. أحدهما ضابط شاب هو فتى وسيم جميل زاخر نشاطا وحماسة، سرعان ما عقد حديثا بينه وبين آجلايا، وبذل كل جهوده ليأسر انتباه الفتاة التي أظهرت له كثيراً من اللطف والمرح. وقد طلب أوجين بافلوفتش من الأمير أن يأذن له بتعريفه بهذا الصديق، فلم يدرك الأمير ما طلب منه إلا نصف إدراك، ولكن التعارف تم، فحيا الرجلان كل منهما الآخر وتصافحا. وألقى صديق أوجين بافلوفتش على الأمير سؤالا لم يجب عنه الأمير، أو قل إنه أجاب عنه بجمجمة بلغت من الغرابة أن الضابط حدّق إلى عينيه ثم نظر إلى أوجين بافلوفتش. فلما أدرك عندئذ لماذا عرفه صاحبه بالأمير ابتسم ابتسامة خفيفة لا تكاد تلاحظ والتفت نحو آجلايا من جديد. فكان أوجين بافلوفتش الشخص الوحيد الذي لاحظ عندئذ أن آجلايا احمرت في تلك اللحظة فجأة.

أما الأمير فإنه لم يلاحظ حتى وجود آخرين يحدثون آجلايا ويلاطفونها ويتوددون إليها. أكثر من ذلك أن هناك لحظات كان يبدو عليه أثناءها أنه ناسي وجود آجلايا إلى جانبه. وفي بعض الأحيان كانت تستولي عليه رغبة في أن ينصرف ذاهباً إلى أي مكان، وأن يغيب غياباً تاماً وأن يختفي اختفاء كاملاً. كان يتمنى أن يلجأ إلى ملاذ مظلم معتم يخلو فيه إلى أفكاره ولا يستطيع أحد أن يهتدي إليه. أو كان على الأقل يتمنى أن يكون في داره، على الشرفة، شريطة أن لا يكون إلى جانبه أحد، لا ليبديف ولا أولاده. كان يتمنى أن يجد نفسه هناك، فيرتمي على الديوان دافناً رأسه في الوسادة، فلو أتيح له هذا إذن لبقي على تلك الحال يوماً فليلة فيوماً آخر. وكان في لحظات أخرى يحلم بالجبال، ولا سيما بموقع على جبال الألب كان يحب كثيراً أن يستحضر ذكراه، وهو المكان الذي كان يقوم فيه بنزاهته المفضلة عنده الأثيرة لديه حين كان يعيش هناك. فمن ذلك المكان يرى المرء القرية في حضن الوادي، ويستشف تساقط مياه الشلال الصغير التي تمازجها الثلوج، ويبصر السحب البيضاء، ويلمح قصراً قديماً مهجوراً. لشد ما يتمنى أن يجد نفسه الآن هناك، وأن يكون رأسه خالياً إلا من فكرة واحدة... فكرة واحدة طوال حياته، ولو دامت حياته ألف سنة! لا يهمه في الواقع أن ينسى هنا نسياناً تاماً. بل إن هذا لضروري. ولعله كان من الأفضل أن لا يُعرف هنا قط، وأن لا تكون جميع الصور التي مرت أمام عينيه إلا حلماً! ومهما يكن من أمر، ألم يكن الحلم والواقع شيئا واحدا؟

ثم أخذ الأمير يلاحظ آجلايا على حين فجأة، ولبث خمس دقائق لا يحوّل بصره عن وجه الفتاة، لكن نظرته كانت غريبة غير مألوفة: فكأنه كان يحدق إلى شيء يقع منه على مسافة فرسخين، أو كأنه كان ينظر إلى صورة لا إلى الشخص نفسه.

قالت آجلايا تسأله وقد توقفت عن الكلام والضحك مع من حولها فجأة:

– ما بالك تتفرّس فيّ هكذا يا أمير؟ إنك لتخيفني. يتراءى لي في كل لحظة إنك تريد أن تمد يدك لتلمس وجهي وتحسه. ما رأيك يا أوجين بافلوفتش؟ أليس هذا ما يحسه المرء حين يرى نظرته؟

أصغى الأمير إلى كلماتها، وكأنما أدهشه أن يراها تخاطبه هو. بدا عليه أنه أدرك معنى أقوالها ولو إدراكاً ناقصاً في أغلب الظن. ولم يجب بحرف واحد، لكنه إذ لاحظ أن آجلايا تضحك وأن الجميع يضحكون معها، انفرج فمه وأخذ يفعل مثلهم. وتضاعف الضحك من حوله حينذاك. أما الضابط الذي كان بطبعه شديد المرح فيما يبدو فقد أخذ يقهقه قهقهة شديدة. ودمدمت آجلايا تقول لنفسها وقد استبد بها غضب شديد مفاجئ:

– أبله!

فدمدمت إليزابت بروكوفيفنا تقول حانقة:

– كيف يمكن، يا رب، أن تختار مثل هذا الـ... أتراها فقدت عقلها تماماً؟

فقالت ألكسندرا تهمس في إذن أمها واثقة مطمئنة:

– هذه مزحة. هذا تكرار لمزحتها في ذلك اليوم مع «الفارس الفقير»، لا أكثر من ذلك. لقد عادت تناكده بطريقتها. ولكن هذه المزحة تفوق وتتجاوز حدود القصد. فيجب أن تضع لها نهاية يا أمي! منذ قليل أخذت تتلاعب بحركات وجهها كممثلة، فارتعنا من ذلك أشد الارتياع.

دمدمت إليزابت بروكوفيفنا تقول وقد خففت عنها ملاحظة ابنتها رغم كل شيء:

– من حسن الحظ أن من تعامله هذه المعاملة أبله كهذا الأبله.

وكان الأمير قد سمع أنه يوصف بأنه أبله، وها هو ذا يرتعش، لكنه لم يرتعش بسبب هذا النعت الذي سرعان ما نسيه فورا. وإنما ارتعش لأنه لمح بين الجمهور، غير بعيد من المكان الذي كان جالساً فيه، لمح من جانب (وهو لا يستطيع أن يحدد على وجه الدقة لا الموضع ولا الاتجاه)، لمح وجهاً شاحباً، له شعر أدكن مضفور، وله ابتسامة ونظرة يعرفها حق المعرفة. إن هذا الوجه لم يزد على أن ظهر ظهوراً خاطفاً. ربما كانت هذه الرؤية ثمرة خياله. لم يبق من هذه الرؤية في ذاكرته إلا ابتسامة مصعّرة، وعينان، ورباط عنق أخضر فاتح يدل على طموح إلى الأناقة لدى الشخص الذي ظهر ذلك الظهور الخاطف. تُرى هل اندس الشخص في الجمهور فغاب فيه أم هو تسلل في الفوكسهول؟ ذلك ما لا يستطيع الأمير أن يحدده.

لكنه أخذ يتفحص الأمكنة القريبة، قلقاً مهموماً مغموماً، بعد لحظة، على حين فجأة. إن ظهور ذلك الشخص الأول يمكن أن ينذر أو أن ينبئ بظهور شخص آخر. بل إن هذا لأكيد لا شك فيه. كيف نسي إمكان حدوث مثل هذا اللقاء حين ساروا متجهين إلى الفوكسهول؟ صحيح أنه لم يدرك عندئذ إلى أين كان ذاهباً، وذلك بسبب ما كان عليه من حالة نفسية خاصة. ولو استطاع أن يكون أكثر انتباهاً ويقظة للاحظ أن آجلايا كانت منذ أكثر من ربع ساعة تتلفت قلقة من حين إلى حين وكأنها تبحث بعينيها عن شيء ما حولها. أما وقد أصبح هو نفسه متوتر الأعصاب مزيداً من التوتر، فإن انفعال آجلايا واضطرابها قد اشتدا وتفاقما، فكلما نظر هو إلى وراء أسرعت تقوم هي بهذه الحركة نفسها. وما لبثت هذه المخاوف أن وجدت ما يبررها.

فهذه عصبة يبلغ عدد أفرادها عشرة أشخاص على الأقل تلج المدخل الجانبي الذي كان الأمير وآل إيبانتشين قد اتخذوا أماكنهم على مقربة منه؛ وفي مقدمة هذه العصبة تسير ثلاث نساء كانت اثنتان منهن جميلتين جمالا ساحراً لا يستغرب المرء أن يجرّ وراءه هذا العدد الكبير كله من العبّاد. ولكن هؤلاء العبّاد، وشأنهم في ذلك شأن أولئك النساء أنفسهن، كانت لهم هيئة خاصة تميزهم عن الجمهور المجتمع حول الموسيقى. وقد لاحظهم جميع الحضور تقريباً منذ دخلوا، ولكن أكثر الناس تظاهروا بأنهم لم يهتموا لحضورهم، إلا عدداً من الشباب ابتسموا وتبادلوا بعض الملاحظات بصوت خافت. وكان من المستحيل على كل حال أن لا يرى المرء هؤلاء القادمين، لأنهم دخلوا يعرضون أنفسهم ويتكلمون في صخب، ويضحكون ضحكاً مجلجلاً. من الجائز أن يكون بينهم أفراد سكارى، رغم أن كثيرين منهم كانوا يرتدون ثياباً فيها كثير من الأناقة والذوق. ولكن الناظر إليهم يلاحظ بينهم كذلك أفراداً يلفتون الانتباه بغرابة سلوكهم وثيابهم معاً، كما أن وجوههم تبدو ملتهبة التهاباً شديداً. وكان بين أفراد هذه العصبة أخيراً بضعة عسكريين، بل كان بينهم أيضاً أناس متقدمون في السن. كان بعضهم يرتدي ملابس متأنقة فضفاضة على آخر زي، ويضعون في أصابعهم خواتم، ويزينون عرى أكمامهم بأزرار فخمة؛ وعلى رؤوسهم ووجناتهم شعر مستعار فاحم السواد. وهم يصطنعون مظهر النبالة، ولكن هيئاتهم تعبر عن التعالي المفتعل. إنهم من أولئك الناس الذين يفر منهم الآخرون، في المجتمع الراقي، فرارهم من الطاعون. طبيعي أن في مراكز التجمع التي تقع قرب المدن ببلادنا، محلات تتميز بحرص شديد على حسن المعاملة، وتتمتع بشهرة طيبة وسمعة عطرة. ولكن أشد الناس حذراً وأكثرهم حيطة لا يضمن أن لا تسقط على رأسه في أي لحظة من لحظات حياته قرميدة من سطح المنزل المجاور. إن هذه القرميدة هي التي ستقع على رأس الجمهور المصطفى المتجمع حول الموسيقى.

للانتقال من الكازينو إلى الأرض الممهدة التي تستقر فيها الأوركسترا، يجب هبوط درجات ثلاث. وقد وقفت العصبة أمام هذه الدرجات مترددة أن تهبط. غير أن إحدى السيدات تقدمت، فلم يجرؤ أن يتبعها من صحبها إلا رجلان. فأما الأول فهو رجل متوسط العمر متواضع الهيئة حسن المظهر من جميع النواحي، ولكن الناظر إليه يدرك أنه من أولئك الناس الذين ليس لهم جذور، فلا يعرفون أحداً ولا يعرفهم أحد. وأما الثاني فهو رجل سيئ الهندام مشبوه الهيئة. ولم يصحب السيدة الغريبة الأطوار أحد غير هذين الرجلين. ثم إن السيدة، حين هبطت الدرجات الثلاث، لم تشأ حتى أن تلتفت إلى وراء، فهي لا تبالي أن يتبعها أحد أم لا. وما برحت تضحك ضحكاً صاخباً مجلجلاً. إن عيب أناقتها القصوى وثيابها الفاخرة وزينتها الثرية أنها مسرفة في خطف الأبصار وشد الانتباه. ومرت أمام الأوركسترا لتنتقل إلى الجهة الأخرى من الأرض الممهدة التي يستقر عليها العازفون، حيث توجد مركبة فخمة ترابط عند حافة الطريق ويبدو أنها تنتظر أحداً.

إن الأمير لم يرها منذ أكثر من ثلاثة أشهر. إنه منذ أن عاد إلى بطرسبرج لم ينقض عليه يوم واحد إلا انتوى أن يزورها. لكن لعل توجساً خفياً كان يصده عن ذلك. وهو لم يستطع، على الأقل، أن يدرك الشعور الذي يمكن أن يحسه إذا هو لقيها، رغم أنه حاول، مع غير قليل من الخوف، أن يتصور بخياله ذلك اللقاء. إن الشيء الوحيد الذي كان يبدو له واضحاً هو أن اللقاء سيكون شاقاً أليماً. لقد استحضر عدة مرات خلال هذه الأشهر الستة الإحساس الأول الذي أيقظه في نفسه وجه هذه المرأة. فحتى حين لم يكن تحت بصره إلا صورة ذلك الوجه، كان إحساسه إحساسا موجعا جدا. إنه يتذكر هذا. والشهر الذي قضاه بالأقاليم، وكان يلقاها أثناءه كل يوم تقريباً، قد أحدث في نفسه من المخاوف ما جعله يطرد من ذهنه في بعض الأحيان حتى ذكرى ذلك الماضي القريب. لقد كان في وجه تلك المرأة دائماً شيء يعذب نفسه عذاباً مبرحاً. انه في حديث جرى بينه وبين روجويين قد وصف شعوره بأنه «عاطفة شفقة لا نهاية لها». وهذه هي الحقيقة: إن مجرد النظر إلى صورة هذه المرأة الشابة يوقظ في نفسه جميع آلام الشفقة. إن عاطفة الشفقة هذه التي بلغت حدّ الألم لم تبارحه في يوم من الأيام، وما تزال مستبدة به إلى الآن، بل إنها لتشتد مزيداً من الاشتداد يوماً بعد يوم.

ومع ذلك كان التفسير الذي قدّمه لروجويين لا يكفيه. فالآن فقط يكشف له ظهورها المباغت، بحدس مباشر، عن نقص ذلك التفسير، وهو نقص لا يمكن أن تملأه إلا كلمات يمكن أن تعبر عن ذعره، نعم عن ذعره!! لقد كانت هنالك أسباب تدعوه إلى الاقتناع الكامل المطلق بأنها مجنونة. تصوروا رجلاً يحب امرأة أكثر مما يحب أي شيء في هذا العالم، أو يحس، بما يشبه النبوءة، أنه يحبها هذا الحب، ثم إذا هو يتصور هذه المرأة مكبلة بالسلاسل وراء قضبان حديدية على حين فجأة، يشهر عليها العصا حارس يهم أن يهوي بها فوقها: تلكم هي على وجه التقريب طبيعة الانفعال الذي نشب في نفس الأمير.

هامست آجلايا تسأله بسرعة وهي تنظر إليه وتشده من يده بسذاجة:

– ماذا بك؟

فالتفت إليها وتفرس فيها ورأى في عينيها السوداوين التماع شعلة لم يفهمها حينذاك. وجهد أن يبتسم للفتاة، لكنه لم يلبث أن نسيها وحوّل عنها بصره يمنة وقد بهرته رؤية خارقة من جديد.

ففي تلك اللحظة كانت ناستاسيا فيليبوفنا تمر قرب الكراسي التي تشغلها الآنسات. وكان أوجين بافلوفتش يقص على ألكسندرا إيفانوفنا حكاية لا بد أنها كانت شائقة ومضحكة جداً فلقد كان يرويها بكثير من الحرارة والنشاط. لقد تذكر الأمير فيما بعد أن آجلايا قالت عندئذ بصوت خافت: « آه... ما أروع...» ثم أمسكت فجأة عن الكلام ولم تكمل جملتها. غير أن ما قالته كان كافياً. وكانت ناستاسيا فيليبوفنا تمر مرور من لا ترى أحداً، ثم إذا هي تلتفت نحوهما فجأة، وتتظاهر بأنها تكتشف وجود أوجين بافلوفتش على غير توقع، فتصيح وهي تتوقف عن السير حالا:

– ها... تارة يعجز المرء عن لقائه بأية طريقة من الطرق، ولو بعث إليه الرسل، وتارة يعثر به حين لا يتوقع أن يراه... كنت أظن أنك هناك... عند عمك!...

احمرّ وجه أوجين بافلوفتش احمراراً شديداً، ورشق ناستاسيا فيليبوفنا بنظرة زاخرة بالغضب والحنق، ثم أشاح بوجهه إلى جهة أخرى.

– ماذا؟ ألا تعلم؟ إنه لم يعرف شيئاً بعد! هل تصدقون هذا؟ لقد انتحر عمك! أطلق في رأسه رصاصة هذا الصباح! علمت بذلك منذ قليل، في الساعة الثانية. ونصف سكان المدينة يعرفون النبأ الآن. لقد اختلس ثلاثمائة وخمسين ألف روبل من خزينة الدولة. بعضهم يقول إنه اختلس خمسمائة ألف. هه! وأنا كنت أعوّل على أنه سيورثك ثروة طائلة! لقد أكل كل شيء، ذلك الشيخ الفاجر الداعر. الخلاصة: وداعاً، «أتمنى لك التوفيق»! ألن تذهب حقاً لقد عرفت كيف تقدّم استقالتك في الوقت المناسب. إنك لماكر صاحب حيلة! ولكن ما هذا الذي أقوله؟ لا شك إنك كنت تعرف كل شيء، لا شك إنك كنت تعرف كل شيء سلفاً. ربما كنت على علم بالأمر منذ أمس...

واضح أن ناستاسيا فيليبوفنا، إذ اتخذت لهجة الاستفزاز الوقحة هذه، وإذ أعلنت بهذا الأسلوب عن وجود صلة حميمة وهمية بينها وبين من تخاطبه، إنما كانت ترمى إلى غاية وتسعى إلى الهدف. لم يكن في الإمكان أن يبقى ثمة ظل من شك. وقد ظن أوجين بافلوفتش أن في وسعه أن يخرج من المأزق دون فضيحة إذا هو تظاهر بأنه لا يولي المرأة المستفزة أي انتباه. لكن أقوال ناستاسيا فيليبوفنا سقطت على رأسه؛ فحين ذكرت أن عمه مات صار وجهه كالأبيض من فرط اصفراره، والتفت نحو المرأة الوقحة. فما كان من إليزابت بروكوفيفنا إلا أن أسرعت تنهض وتنصرف بما يشبه الركض، مقتادة كل عالمها، إلا ليون نيقولايفتش وأوجين بافلوفتش اللذين تلبثا برهة: فأما الأول فكان يبدو مرتبكاً متحيراً، وأما الثاني فكان ما يزال منفعلاً مضطرباً. ولكن ما كاد آل إيبانتشين يقطعون عشرين خطوة حتى وقعت فضيحة رهيبة.

إن الضابط الذي كان يحدث آجلايا، وهو صديق أوجين بافلوفتش الحميم، قد استاء استياء شديداً وامتعض امتعاضاً قوياً، فها هو ذا يقول بصوت يكاد يكون عاليا:

– إنما نحن في حاجة هنا إلى سوط. فما من وسيلة أخرى يمكن أن تهدّئ هذه المخلوقة!

(واضح أن أوجين بافلوفتش كان يطلعه على شؤونه، ويبوح له بأموره).

فما إن سمعت ناستاسيا فيليبوفنا هذا الكلام من الضابط حتى أسرعت إليه متقدة العينين. ثم انتزعت من يدي شاب كان جالساً على مسافة خطوتين وكانت هي لا تعرفه، انتزعت من يديه عصا دقيقة من خيزران فهوت بها على وجه الضابط الذي أهانها، بكل ما أوتيت من قوة. وقد حدث هذا المشهد كله بسرعة كسرعة البرق. وخرج الضابط عن طوره فهجم على المرأة الشابة التي سرعان ما تركها تابعاها: فأما الأول، وهو الرجل المتوسط العمر، فقد اختفى اختفاء تاماً، وأما الثاني فقد انتحى جانباً وأخذ يضحك ملء حلقه. لا شك في أن الشرطة كانت ستتدخل بعد دقيقة، ولكن ناستاسيا فيليبوفنا كان يمكن أن تلقى أثناء تلك الدقيقة شراً كبيراً لولا أن جاءتها نجدة لم تكن في الحسبان: إن الأمير، وكان على مسافة خطوتين منها أيضاً، قد استطاع أن يمسك يدي الضابط من وراء. وقد خلص الضابط يديه منه، ولطمه على صدره لطمة بلغت من القوة أن الأمير مضى يسقط بعد ثلاث خطوات فوق كرسي. ولكن ناستاسيا فيليبوفنا كان قد أصبح إلى جانبها الآن مدافعان آخران. فأمام الضابط المهاجم كان قد وقف صاحبنا الملاكم – كاتب المقالة التي يعرف القارئ من أمرها ما يعرف، وأحد الأعضاء العاملين القدامى في عصبة روجويين؛ وها هو ذا يتقدم من الضابط برصانة وثقل ويقول له:

– اسمي كيللر، ليوتنان متقاعد! فإذا كنت يا كابتن، تريد استعمال الأيدي وتقبلني مدافعاً عن الجنس الضعيف فأنا تحت أمرك ورهن إشارتك! إنني قوي من الطراز الأول في الملاكمة الإنجليزية. لا تدفعني يا كابتن؛ إنني أشاركك ألمك من الإهانة «الدامية» التي تلقيتها، ولكنني لا أستطيع أن اسمح باستعمال قبضات الأيدي ضد امرأة على مرأى من الناس. فإذا شئت أن تسوّي الأمر بطريقة أخرى، كما يليق ذلك برجل مهذ... مهذب، فإن عليك طبعاً أن تفهمني، يا كابتن...

ولكن الكابتن كان قد ثاب على نفسه، وأصبح لا يصغي إلى كلام كيللر.

وفي تلك اللحظة خرج روجويين من بين الجمهور فأمسك ذراع ناستاسيا فيليبوفنا بسرعة، واقتادها. كان يبدو منفعلاً أشد الانفعال هو أيضاً: كان شاحب الوجه وكان يرتجف. وأتيح له وهو يقتاد المرأة أن يقهقه أمام أنف الضابط، وأن يقول بلهجة بائع منتصر:

– هه! ماذا أخذ من ذلك؟ دماً في بوزه!

سيطر الضابط على نفسه سيطرة تامة، وأدرك نوع هؤلاء الناس الذين يواجههم، فلم يزد على أن غطى وجهه بمنديله ثم التفت بأدب نحو الأمير الذي كان قد قام من سقطته، وقال له:

– أأنت الأمير ميشكين؟

– إنها مجنونة! إنها ملتاثة العقل! أؤكد لك!

كذلك أجابه الأمير بصوت متقطع وهو يمد إليه يديه المرتعشتين مداً آلياً.

قال الضابط:

– لا شك في أنك أعلم مني بالأمر. ولكن يهمني أن أعرف اسمك.

ثم حيّا بحركة من رأسه وانصرف، فما هي إلا خمس ثوان حتى كانت الشرطة قد وصلت فعلاً، ولكن بعد أن كان أواخر ممثلي المشهد قد غابوا عن المسرح. ولم تدم الفضيحة أكثر من دقيقتين على كل حال.

وقد قام جزء من الجمهور وانصرف. واكتفى عدد من الأشخاص بأن غيّروا أماكنهم. وسُرّ بعض الناس بالحادث سروراً عظيماً. ووجد فيه آخرون موضوعاً مثيراً تدور عليه أحاديثهم. الخلاصة أن الأمر انتهى كما تنتهي أمثاله عادة. واستأنفت الأوركسترا عزفها.

تبع الأمير أسرة إيبانتشين. ولو أنه، بعد أن ضربه الرجل على صدره فسقط على كرسي، ولو أنه خطر بباله أن ينظر إلى يساره أو اتسع وقته لأن ينظر إلى يساره، لكان رأى آجلايا واقفة على بعد عشرين خطوة منه ترقب المشهد رغم نداءات أمها وأخواتها اللواتي كان قد قطعن مسافة طويلة. وقد هرع إليها الأمير «شتش...»، واستطاع أن يحملها على الانصراف بأقصى سرعة. فأدركت الركب (إن إليزابت بروكوفيفنا قد تذكرت هذا فيما بعد) وهي في حالة من الاضطراب تبعث على الاعتقاد بأنها لم تكن قد سمعت نداءاتهن. ولكنها بعد دقيقتين، عند دخول الحديقة، قالت بلهجة تحمل معنى الاستخفاف، وهي لهجة معهودة فيها:

– إنما أردت أن أعرف كيف يمكن أن تنتهي المهزلة!