الفصل الأول
يُشتكى عندنا دائماً من أننا يعوزنا أناس عمليون. فيقال مثلاً إن هناك وفرة في رجال السياسة، وإن هناك كثيراً من الجنرالات، وإننا إذا احتجنا إلى رؤساء للمشروعات، أياً كان العدد الذي نريده منهم، فسوف نجد ضالتنا من جميع أنواعهم فوراً. أما الناس العمليون فلا نقع عليهم، أو قل على الأقل إن جميع الملأ يتشكون من أنهم لا يقعون عليهم. حتى ليقال إن بعض الخطوط الحديدية لا وجود فيها لموظفين يحسنون القيام بأعمالهم البتة؛ ويزعم بعضهم أنه يستحيل كل الاستحالة على شركة من شركات الملاحة أن يتوفر لها موظفون فنيون ولو على درجة متوسطة من الكفاءة. فتارة يصل إلى علمنا أن عربات الركاب، على خط جديد من خطوط السكك الحديدية، قد تصادمت أو تهاوت مع جسر من الجسور. وتارة نقرأ أن قطاراً بقي متعطلاً وسط حقل من الثلج حتى أوشك أن يعجز عن استئناف المسير طوال فصل الشتاء فإذا بالمسافرين الذين كانوا يظنون أنهم لن يغيبوا إلا بضع ساعات، يلبثون في الثلج خمسة أيام. وتارة يُروى أن ألوفاً كثيرة من أرطال البضائع قد فسدت لبقائها في مكانها شهرين أو ثلاثة أشهر بانتظار نقلها. وتارة يذكر (وهذا شيء لا يكاد يُصدّق) أن واحداً من موظفي الإدارة، هو مراقب من المراقبين مثلاً، لم يجد ما يردّ به على طلب مندوب أحد التجار، الذي كان يستعجله شحن البضاعة، إلا أن يصفعه على وجهه، فلما سئل عن فعلته لم يزد على أن صرح بأنه «غضب». والمكاتب تبلغ من الكثرة في دوائر الدولة أن المرء يرتعش حين يفكر فيها. إن جميع الناس عملوا موظفين في الحكومة، أو يعملون موظفين أو يأملون أن يعملوا موظفين. هل يصدّق العقل أننا لا نستطيع أن نعثر بين هذه الوفرة الهائلة من الناس على قلة قليلة تصلح لأن تعمل في شركة ملاحة؟
هذا سؤال يجيب عنه بعضهم إجابة مسرفة في البساطة، حتى لتبلغ من إسرافها في البساطة أن المرء يصعب عليه أن يقبلها. يقول هؤلاء: إن جميع الناس في بلادنا قد عملوا موظفين أو ما يزالون يعملون موظفين، فهذا يدوم في الواقع منذ مائتي عام، يتوارثه الناس أحفاداً عن أجداد، على غرار خير قدوة أخذناها عن الألمان. والذين يعملون في الوظائف هم أنفسهم أبعد الناس عن ما يزالان إلى عهد قريب يُعدّان بين الموظفين فضيلة بارزة ولقباً رفيعاً.
ولكن علام نتكلم عن الموظفين بينما كان غرضنا في الواقع أن نتحدث عن الناس العمليين عامة؟ هنا نستطيع أن نقول في غير شبهة إن الوجل وفقدان المبادرة الشخصية كانا يُعدّان دائماً في بلادنا خير علامة أساسية يُعرف بها الإنسان العملي. وحتى في زماننا هذا ما يزال الناس يرون هذا الرأي. ولكن لماذا نتهم أنفسنا، هذا إذا صحّ أن في هذا الرأي اتهاماً؟ إن فقدان التفرّد والأصالة قد غدَ في جميع البلاد وفي جميع الأزمان ميزة أولى ومدخلاً مضموناً لشخص قادر على النجاح في الأعمال وعلى امتلاك الحسّ العملي، أو قل إن تسعة وتسعين في المائة من الناس (على الأقل) كانوا يرون هذا الرأي دائماً، وإن واحداً في المائة منهم (على الأكثر) كان دائماً وما يزال لا يرى ذلك الرأي.
إن المخترعين والعباقرة قد نظر إليهم المجتمع في جميع الأزمان تقريباً نظرته إلى أناس حمقى، وذلك في بداية حياتهم (وإلى آخرها في كثير من الأحيان). هذه ملاحظة معروفة شائعة حتى لتكاد تكون مبذولة. فطوال عشرات السنين مثلاً ظل الناس يودعون أموالهم في مصرف لومبارد مختزنين المليارات بفائدة 4%، فلما توقف مصرف لومبارد عن العمل، فصار كل إنسان متروكاً لمبادرته الشخصية، كان لا بدّ أن نرى أكثر تلك الملايين تتبخر بين أيدي محتالين في غمرة حُمّى من المضاربات، فتلك هي النهاية المنطقية للآداب الاجتماعية والأخلاق الحسنة، وإنما أقول «الأخلاق الحسنة»، لأنه إذا كان الخجل المناسب والابتعاد المحتشم عن التفرّد والأصالة قد عدّهما مجتمعنا في رأي جميع الناس ميزة ملازمة لكل إنسان جاد محترم، فإن تغيير المرء طريقة سلوكه وأسلوب حياته فجأة لا بد أن يشتمل، إذا هو حدث، على تناقض قوي واضطراب شديد وتفكك كبير، بل لا بدّ أن يكون فيه شيء من مجافاة اللياقة وقلة الأدب.
من هي، على سبيل المثال، الأم التي لا يجعلها حبها لأولادها وحنانها عليهم تخاف خوفاً قد يهوي بها إلى المرض إذا هي رأت ابنها أو ابنتها يبتعدان ولو قليلاً عن السكة المرسومة والطريق الممهد؟ إنها تقول لنفسها: «لا، لا، لا نريد تفرّداً وأصالة! إني لأوثر له السعادة والعيش في يسر». إن كل أم تفكر هذا التفكير وهي تدلل ولدها. أما المربيات عندنا فإنهن من قديم الزمان يهدهدن أولادنا في مهودهم بأغنيتهن الأبدية: «الذهب سيحوطك، وجنرالاً سوف تصبح». هكذا نرى أن مربيات أولادنا أنفسهن قد نظرن دائماً إلى لقب الجنرال على أنه المقياس الأسمى للسعادة الروسية. معنى ذلك أن هذه الرتبة تعدّ هي المثل الأعلى الذي يحظى باحترام الناس كافة، وتُعدّ الرمز إلى هناءة فاتنة هادئة. وفي الواقع، أي رجل في روسيا لم يكن متأكداً من أنه بالغ رتبة جنرال في يوم من الأيام، وصائرٌ إلى اختزان مبلغ من المال في مصرف لومبارد، متى استطاع أن ينجح في الامتحانات المطلوبة، امتحان وراء امتحان، ومتى خدم الدولة خمسة وثلاثين عاما؟ على هذا النحو إنما كان الروسي يحصل آخر الأمر، من دون جهد تقريباً، على سمعة أنه رجل قادر عملي. والواقع أنه ليس في روسيا إلا أفراد فئة واحدة لا يستطيعون أن يصلوا إلى رتبة جنرال: أولئك هم ذوو الأفكار المتفرّدة الأصيلة، أعني أهل القلق الذين لا يستقرون على حال. قد يشتمل كلامي هذا على سوء فهم. ولكن هذه الملاحظة تبدو صحيحة صادقة، ولقد كان المجتمع الروسي مبنيا على تعريف مثله الأعلى في الإنسان العملي هذا النحو من التعريف.
لكن ها نحن أولاء قد نأينا كثيراً عن موضوعنا، وهو أن نقدم بضع إيضاحات عن أسرة إيبانتشين.
إن أفراد إيبانتشين، أو الميالين منهم إلى التأمّل أكثر من الباقين، يعانون من خصلة مشتركة بينهم جميعا هي نقيض تلك الميزات التي تحدثنا عنها منذ قليل. ولقد كانوا يشتبهون أحياناً في أن الأمور عندهم لا تجري كما تجري عند سائر الناس، دون أن يدركوا ذلك إدراكاً تاماً (وهو أمر صعبٌ إدراكه على كل حال). إن الطريق المستوية الممهدة بالنسبة إلى الآخرين هي بالنسبة إليهم وعرة ملأى بالحجارة. الناس ينزلقون على السكة انزلاقاً سهلاً ليناً، أما هم فينزلقون عنها في كل لحظة. لدى الآخرين يسيطر وجل شديد وخوف حصيف، أما لديهم فلا شيء من ذلك. صحيح أن إليزابت بروكوفيفنا كانت تنتابها مخاوف فيها غلو، ولكن تلك المخاوف لا تشبه في شيء ذلك الوجل اللائق وذلك الخجل المفيد اللذين كان يحزن أفراد أسرة إيبانتشين حرمانهم منهما. ولعل إليزابت بروكوفيفنا كانت الوحيدة التي يحزنها ذلك على كل حال. لقد كانت الآنسات، رغم صغر سنهن، ينعمن منذ الآن بفكر نقاد ساخر فيه تحد، وفيه ذكاء وفطنة ونباهة. أما الجنرال فكان ينفذ إلى غور الأشياء (ولو بشيء من البطء)، لكنه في الحالات المربكة لا يزيد على أن يهمهم قائلاً «هم»، ثم ينتهي به الأمر إلى الاعتماد على إليزابت بروكوفيفنا اعتمادا كاملا بحيث تقع التبعة كلها عليها وتكون وحدها المسؤولة.
لا يمكن أن نقول مع ذلك إن هذه الأسرة تتميز إلى درجة بعيدة بروح المبادرة الخاصة ولا إنها تبيح لنفسها أن تنقاد لميل واع إلى التفرد والأصالة، وإلا كان ذلك شذوذاً غير لائق. لا، لا، لم يكن ثمة شيء من هذا في حقيقة الأمر، لم يكن ثمة شيء يشتمل من جهتها على سابق قصد وعمد. ومع هذا لم تكن هذه الأسرة، مهما نقل إنها أسرة محترمة، لم تكن في الحساب الأخير ما ينبغي لها أن تكون على وجه الدقة والتمام حتى يصدق عليها التعريف الشائع للأسرة المحترمة. وقد اعتقدت إليزابت بروكوفيفنا في الآونة الأخيرة أنها وحدها، بما تتصف به من طبع «شقي»، هي سبب هذا الشذوذ في الأسرة، فما كان من هذا الاعتقاد إلا أن زاد آلامها وضاعف تباريحها. فكانت تؤاخذ نفسها في كل لحظة على «جموحها الطائش غير اللائق»، حتى لقد أخذت تفقد صوابها مغمومة مهمومة خائفة مرتابة. فلا تجد مخرجاً من أيسر التعقيدات ولا تجد حلاً لأبسط المشكلات، وما تنفك تمضي بالأمور من سيئ إلى أسوأ.
لقد قلنا منذ بداية قصتنا إن أسرة إيبانتشين كانت تحظى بتقدير ينعقد عليه إجماع الناس حقاً. فالجنرال إيفان فيدوروفتش نفسه، رغم انه مغمور الأصل، كان يستقبل في كل مكان بتعظيم لا مراء فيه. ولقد كان يستحق هذا التعظيم على كل حال، أولاً لأنه ليس «أي شخص»، ولأنه رجل طائل الثراء؛ وثانياً لأنه رفيع التهذيب رقيق الحاشية، فليس يضيره أن يكون محدود المواهب. غير أن شيئاً من ثقل الفكر وكثافة الذهن ميزة تكاد تكون ضرورية فيما يظهر، فإن لم تكن ضرورية لكل رجل منخرط في الأعمال، فهي ضرورية على الأقل لكل رجل حريص على الانتفاع ساع إلى الفائدة. ثم إنه كان راقي الآداب والسلوك. كان متواضعاً، وكان يعرف كيف يصمت، دون أن يتيح لأحد مع ذلك أن يدوس على قدميه، لا بسبب رتبته فحسب، بل لأنه رجل يحترم نفسه ويحترمه غيره. وهو فوق ذلك كله رجل له سند قوي يحميه.
أما إليزابت بروكوفيفنا فهي تنحدر من أسرة طيبة كما سبق أن قلنا. والمحتد لا يكون له وزن كبير في بلادنا إن لم تشفعه علاقات وصلات لا بد منها. وقد حصّلت إليزابت بروكوفيفنا هذه العلاقات والصلات آخر الأمر، فكانت تُحترم وتُقدّر، حتى لقد ظفرت بمودة أناس كان لا بد للجميع أن يقتدوا بهم فيعظموها ويستقبلوها. ومما لا شك فيه أن أحزانها العائلية لم يكن لها أسباب تسوّغها، أو هي ترجع إلى أسباب تافهة يضخمها خيالها تضخيماً مضحكاً. ولكن يكفي أن يكون للمرء ثؤلول في أنفه أو جبينه حتى يتخيل أن جميع الناس لا يفكرون إلا في النظر إلى هذا الثؤلول، وفي الضحك منه، وفي نقد صاحبه، ولو كان صاحبه هذا هو مكتشف أمريكا. ومما لا شك فيه أيضاً أن إليزابت بروكوفيفنا كانت تُعدّ في المجتمع «شاذة» بعض الشذوذ، دون أن يقلل هذا من الاحترام الذي كانت تحاط به. لكنها أصبحت تشك في هذا الاحترام آخر الأمر، فكان هذا هو شقاءها كله. فهي حين تنظر إلى بناتها تتخيل متألمة أن طبعها المضحك، غير اللائق، الذي لا يطاق، يؤذي حالة بناتها ويسيئ إلى مستقبلهن، ومع ذلك كان هذا نفسه هو ما تتهم به بناتها وتأخذه عليهن وتأخذه على إيفان فيدوروفتش، فهي تشاجرهن وتشاجره أياماً بكاملها، دون أن تكف رغم ذلك عن أن تحبهم جميعا حبا يمضي إلى حد التضحية بالنفس، ويبلغ درجة الهوى العارم.
وكان يعذبها خاصة أن تتصور أن بناتها قد أخذن يصبحن «شاذات»، مثلها هن أيضاً، وأنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد على وجه الأرض فتيات من نوعهن. كانت ما تنفك تردد على نفسها قولها: «لسوف يصبحن من أنصار المذهب العدمي». وقد أخذت هذه الفكرة الحزينة ترسخ في ذهنها مزيداً من الترسخ العميق منذ سنة. وكانت تتساءل: «فأولاً: لماذا لا يتزوّجن؟ إنهن وجدن لتعذيب أمهن. ذلك هو هدف وجودهن. ولا غرابة في هذا على كل حال. فهو ثمرة الأفكار الجديدة، وهو خاصة ثمرة تلك القضية اللعينة، قضية المرأة! ألم تتخيل آجلايا منذ ستة أشهر أن تقص شعرها الرائع؟ يا رب! ألا إن شعري أنا لم يكن جميلاً هذا الجمال في غضارة صباي! لقد أمسكت المقص بيدها، وأوشكت أن تفعل فعلتها لولا أن تضرعتُ إليها جاثية على ركبتي.. ولنسلّم أن آجلايا إنما تظاهرت تظاهراً بأنها تريد أن تقص شعرها، لا لشيء إلا أن تشير حنق أمها، فهي فتاة شريرة، طاغية، مدللة، شريرة خاصة، نعم شريرة!... ولكن ما قولنا بألكسندرا الكبيرة؟ ألم توشك أن تقلدها فتقص شعرها؟ لم يكن الأمر عند ألكسندرا مكراً أو نزوة، بل كان عن بساطة تامة. لقد أدخلت آجلايا في روع تلك الحمقاء أنها إذا حلقت رأسها فسوف تنام نوماً أهدأ وسوف تتخلص من الصداع الذي يصيبها! وما أكثر الرجال اللائقين الذين تقدموا يخطبونها منذ خمس سنين إلى الآن! إن بينهم رجالا كانوا ممتازين حقا، بل رائعين!! وماذا ينتظرنا؟ لماذا لا يتزوجن إذا لم يكن هدفهن إلا أن يغضبن أمهن؟ لا شك أن السبب الوحيد هو هذا!..»
ولكن هذا يوم جميل يسطع أخيراً أمام قلبها، قلب الأم. إن إحدى بناتها، آديلائيد على الأقل، تهم أن تتزوج. «هذه واحدة تنزل عن ذراعي!» كذلك قالت الأم حين أتيح لها أن تعبر عن ذات نفسها بصوت عال (ولكنها كانت في قرارة قلبها تجد ألفاظاً أملأ بالعاطفة والحنو): «ولقد تم الأمر على أحسن نحو، وأليق صورة! فحتى في المجتمع الراقي تحدث الناس عن الخطوبة بتقدير واحترام. إن الخطيب رجل معروف. إنه أمير. وهو ثري. وهو حسن الطبع. وقد حظي فوق ذلك باستلطافها. هل يرغب المرء في أكثر من ذلك؟ على أن مستقبل آديلائيد كان دائماً لا يثير في نفس الأم من المخاوف مثل الذي يثيره مستقبل أختيها، رغم أن الميول الفنية لدى هذه البنت الوسطى قد ألقت اضطراباً عميقاً في قلب الأم الذي كان يعذبه شك متصل لا ينقطع»، ولكن الأم قد انتهت إلى القول من باب تعزية نفسها: «إن للفتاة طبعا مرحا في مقابل ذلك، وإن لها فوق هذا كثيراً من سداد الرأي وسلامة الحس».
وكانت الأم تخاف على آجلايا خاصة. أما عن ألكسندرا فكانت الأم لا تدري هي نفسها في حقيقة الأمر أينبغي لها أن تقلق عليها أم لا. كان يخيل إليها أحياناً أن هذه البنت «لم يبق لها مستقبل». إنها في الخامسة والعشرين من عمرها. فأغلب الظن أنها ستبقى عانساً. «وما أجملها مع ذلك!». وكانت الأم تبلغ من الحزن عندئذ أنها تروح تبكي ليالي بكاملها مفكرة في ألكسندرا، بينما تكون ألكسندرا في تلك الليالي نفسها غارقة في نوم هادئ هادئ!. «ما حقيقة أمر هذه البنت؟ أهي من أنصار المذهب العدمي، أم هي غبية حمقاء لا أكثر من ذلك؟». أما أنها ليست غبية حمقاء، فذلك أمر كانت تعرفه إليزابت بروكوفيفنا حق المعرفة، حتى لقد كانت تحترم آراء ألكسندرا احتراماً كبيراً، وكان يسرها أن تستشيرها. ولكن لا شك في أن ألكسندرا (دجاجة مبتلة): «إنها تبلغ من فرط الهدوء أن لا سبيل إلى تعكير صفوها. آه!... إنهن يفقدنني صوابي!» كانت تحس نحو ألكسندرا بحب رقيق وحنان شديد لعله أقوى من شعور الحنان الذي تحسه نحو آجلايا، مع أن آجلايا هي معبودتها. غير أن تلك الاندفاعات الغاضبة (التي كانت المظهر الرئيسي لما يضطرم في نفسها من عطف الأم وحنوّها وحدبها) وكذلك تلك الاستفزازات وتلك الألقاب، كقولها «دجاجة مبتلة» لم تكن تزيد على أن تثير في ألكسندرا الابتسام.
وكانت أتفه الأمور تخرجها في بعض الأحيان عن طورها. من ذلك، على سبيل المثال، أن ألكسندرا كانت تحب أن تنام مدة طويلة، وكانت ترى في العادة أحلاماً كثيرة. ولكن تلك الأحلام كانت تتميز دائماً بتفاهة نادرة، وكانت بريئة براءة أحلام طفل في السابعة من عمره. فكانت هذه البراءة نفسها تغيظ الأم وتحنقها، لا يدري أحد لماذا. من ذلك أن الفتاة رأت في حلمها ذات ليلة تسعة دجاجات، فما كان أعنف الشجار الذي قام بينها وبين أمها بسبب ذلك الحلم! لماذا! إنه يصعب على المرء أن يجيب عن هذا السؤال. وفي مرة من المرات، في مرة واحدة، اتفق لها أن رأت حلماً فيه شيء من الطرافة: رأت راهباً معتكفاً في نوع من غرفة مظلمة خافت أن تدخلها. فلما قصّت حلمها على أختيها انفجرتا تضحكان، وأسرعتا إلى إليزابت بروكوفيفنا منتصرتين تقصان عليها ذلك الحلم. فغضبت الأم من جديد ووصفتهن جميعاً بأنهن «بلهاوات». وقالت تحدث نفسها «هم... إنها متبلدة الإحساس كبهيمة. هي «دجاجة مبتلة» تماماً. لا سبيل إلى إخراجها من تخدّر الشعور. ثم إنها حزينة. إن نظرتها تتجلّل أحياناً بأسى وكآبة. ما مصدر حزنها؟». وكانت إليزابت بروكوفيفنا تلقي هذا السؤال أحياناً على إيفان فيدروفتش، تلقيه متجهمة الهيئة بلهجة مهدّدة تطلب جواباً على الفور. فكان الجنرال يجمجم ويهمهم « هم... هم...» ويقطّب حاجبيه، ويرفع كتفيه، ثم يعلن أخيراً وهو يباعد ذراعيه:
– هي في حاجة إلى زوج!
فإذا بإليزابت بروكوفيفنا تنفجر انفجار قنبلة، وتصرخ قائلة:
– أسأل الله، على الأقل، أن لا يكون ذلك الزوج مثلك. إنني آمل أن لا يشبهك لا في آرائك ولا في أحكامك يا إيفان فيدوروفتش! آمل أن لا يكون فظا غليظ القلب مثلك يا إيفان فيدوروفتش!..
فكان الجنرال يولّي هارباً، فتهدأ إليزابت بروكوفيفنا بعد «انفجارها». ثم لا يفوتها، طبعاً، في مساء ذلك اليوم نفسه أن تبدي بشاشة عظيمة ولطافة غير معهودة، فهي تظهر رقة وعذوبة ولطفا وتحبباً واحتراماً وتوقيراً لزوجها «الفظ الغليظ القلب» إيفان فيدوروفتش، لزوجها الطيب العزيز الحبيب المعبود إيفان فيدوروفتش. ذلك أنها قد أحبته طوال حياتها، أحبته حباً قوياً صادقاً، وذلك ما كان إيفان فيدوروفتش نفسه يعلمه حق العلم، ويكافئ عليه إليزابت بروكوفيفنا بتقدير لا حدود له.
ولكن العذاب الأساسي، العذاب الدائم المقيم في قلب إليزابت بروكوفيفنا إنما كان ابنتها آجلايا. كانت الأم تقول لنفسها: «إنها مثلي تماماً. هي صورتي من جميع النواحي: شيطان مستبد صغير! عدمية، شاذة، طائشة، شريرة، شريرة، شريرة! آه... يا رب! ما أكثر ما ستلقى في حياتها من شقاء!!...».
غير أن الشمس كانت قد طلعت فأنارت ولطّفت كل شيء، فترة قصيرة على الأقل. لقد عاشت إليزابت بروكوفيفنا قرابة شهر، متحررة من جميع أنواع القلق والغم التي كانت تستبد بها. أخذ الناس في المجتمع الراقي، بمناسبة زواج آديلائيد القريب، يتكلمون أيضاً عن آجلايا. وكانت آجلايا تتصرف في كل مكان تصرفاً لطيفاً كيساً! كانت لبقة السلوك متوقدة الذهن في آن واحد. وكانت هيئتها الآسرة، التي يمازجها شيء من كبرياء، تناسبها كثيراً! وهي منذ شهر كامل تعامل أمها معاملة فيها أكبر الملاطفة وأعظم البشاشة! («صحيح أنه ما يزال ينبغي أن يُدرس أوجين بافلوفتش هذا دراسة جيدة، وأن تُعرف حقيقته معرفة صحيحة. ثم إن آجلايا نفسها لا تظهر له من المودّة أكثر مما تظهر للآخرين على كل حال»). ولكن آجلايا قد أصبحت فتاة بارعة الفتنة رائعة الجمال على حين فجأة! رباه رباه! ما أجملها! وإنها لتزداد جمالاً في كل يوم!
ولكن...
ولكن ما إن ظهر هذا الأمير الصغير الوغد، ما إن ظهر هذا الأبله المعتوه، حتى انقلب كل شيء رأساً على عقب من جديد، وانقلب البيت عالِيَه سافِلَه! فماذا حدث؟
الحق أنه لم يحدث شيء إلا في نظر إليزابت بروكوفيفنا. ولكن إليزابت بروكوفيفنا إنما كانت تتميز بأن ترابط وتسلسل حوادث عادية جداً كانا يحدثان في نفسها القلقة مخاوف أليمة يغذيها الخيال ولا يمكن أن يفسرها عقل، حتى لقد كانت تسقط بسبب ذلك مريضة في بعض الأحيان. ففي وسعكم أن تتصوروا ما لا بدّ أن تكون قد عانته من ألم حين انبثق في وسط عدد كبير من الهواجس السخيفة الوهمية حادث بدا أن له خطورة حقيقية فكأنه يسوّغ القلق والاضطراب والشك والريب.
قالت إليزابت بروكوفيفنا محدثة نفسها طوال الطريق بينما كانت تقود الأمير، ثم في دارها حين أجلسته إلى المائدة المستديرة التي كانت تتحلق حولها الأسرة كلها: «كيف تجرؤوا أن يكتبوا إليّ تلك الرسالة المنحوسة الغفل التي تدعى أن لهذا «المخلوق» علاقات بآجلايا؟... بل كيف أمكن أن تخطر هذه الفكرة على بال إنسان؟ لسوف أموت من شعوري بالعار لو صدّقت كلمة واحدة منها، أو أظهرت آجلايا على الرسالة! أيسخرون هذا السخر منا نحن آل إيبانتشين! وذلك كله بسبب إيفان فيدوروفتش. ذلك كله بسببك أنت يا إيفان فيدوروفتش! آه... لماذا لم نذهب إلى جزيرة يالاجين فنسكن الفيلا التي نملكها هناك؟ لقد قلت إن علينا أن نذهب إلى يالاجين! ربما كانت فاريا هي التي كتبت تلك الرسالة! نعم، أنا أعلم ذلك؛ أو ربما كان.. آه.. ذلك كله ذنب إيفان فيدوروفتش! لقد تخيلت تلك المخلوقة أن تدبر له مثل هذه المكيدة تذكيراً بعلاقات قديمة لتجعله في وضع مضحك. هذا يذكر بالزمان الذي كان يحمل إليها فيه لآلئ بينما كانت هي تضحك عليه وتشده من طرف أنفه كمعتوه!... ولكن ها نحن أولاء قد تعرّضت سمعتنا للسوء نحن أيضاً. نعم يا إيفان فيدوروفتش، لقد تعرّضت سمعة بناتك للسوء، بناتك اللواتي هن أوانس أرقى مجتمع، وفتيات على أهبة الزواج. لقد كن حاضرات؛ بقين هناك، فسمعن كل شيء، حتى لقد أقحمن في تلك الأمور السيئة. هل سررت الآن؟ هناك أيضاً كن حاضرات وسمعن الكلام. لن أغفر لهذا الأمير الصغير الشقي في يوم من الأيام. لا، لن أغفر له في يوم من الأيام! ولماذا أرى آجلايا مهتاجة الأعصاب إلى هذا الحد منذ ثلاثة أيام؟ لماذا أراها فيما يشبه الشجار مع أختيها، حتى مع ألكسندرا التي كانت من شدة احترامها لها تقبل يدها كأم؟ ما بالها تلقي على جميع الناس ألغازاً وأحاجي؟ وما مجيء جبريل إيفولجين إلى هنا؟ لماذا أخذت تكيل له المديح أمس واليوم، ثم انفجرت باكية منتحبة؟ لماذا تتكلم تلك الرسالة اللعينة عن هذا «الفارس الفقير» بينما لم تطلع آجلايا أختيها على رسالة الأمير؟ ولماذا... أسرعتُ إليه كالمجنونة واقتدته بنفسي إلى هنا؟ يا إلهي! لقد فقدت صوابي. ما هذا الذي صنعته؟ كيف أمكنني أن أتكلم مع شاب عن أسرار ابنتي، لا سيما... حين تكون هذه الأسرار متعلقة به أو تكاد؟ رباه! الحمد لله على أنه أبله... وأنه... وأنه.. صديق الأسرة. ولكن هل يمكن أن تفتتن آجلايا بمثل هذا الطرح؟ ما هذا الذي أقوله؟ آه... إننا شاذون... يحسن أن نوضع في قفص ليتفرج الناس علينا بعشرة كوبكات... ولا سيما أنا! لن أغفر لك هذا يوماً يا إيفان فيدوروفتش، لن أغفره لك في يوم من الأيام! ولماذا لا تسيء هي معاملته؟ لقد وعدت بأن تسيء معاملته. ثم هي لا تفعل من ذلك شيئاً! انظروا! إنها تلتهمه بعينيها التهاماً، وتبقى صامتة ولا تعزم أمرها على الابتعاد. وهي التي حظرت عليه مع ذلك أن يعود!... أما هو فإنه شاحب الوجه شحوباً شديداً! وما القول في هذا الثرثار إزاء هذا السيل المتدفق من ثرثرته، أن يدس كلمة واحدة. في وسعي أن أخرج كل شيء إلى النور لو أمكنني أن أدير دفّة الحديث...».
كان الأمير جالساً إلى المائدة المستديرة، شاحب الوجه حقاً. كان يلوح عليه أن هلعاً شديداً يسيطر عليه، هلعاً يخالطه في بعض اللحظات نوع من نشوة يغزو قلبه ولا يستطيع هو نفسه أن يفهمه. لشدّ ما كان يخشى أن يختلس نظرة مواربة إلى ذلك الركن الذي تحدّق إليه منه عينان سوداوان يعرفهما حق المعرفة! ومع ذلك ما كان أعظم السعادة التي كانت تغمره حين يتصوّر أنه يجد نفسه مرة أخرى في هذه الأسرة، ويسمع ذلك الصوت المألوف، وذلك بعد الذي كتبته إليه!... «ما عساها تقول الآن يا رب!». لم يكن قد فتح فاه بعد، وكان يصيخ بسمعه إلى أحاديث أوجين بافلوفتش الذي كان يتدفق في الكلام تدفقاً غزيراً، وكان يعاني في ذلك المساء نوبة قوية من الرضى عن النفس والرغبة في الكلام. أصاخ إليه الأمير بسمعه دون أن يفهم شيئاً مما كان يقوله. وكانت الأسرة كلها حاضرة، إلا إيفان فيدوروفتش الذي لم يكن قد رجع من بطرسبرج بعد. وكان الأمير «شتش...» أحد الحضور، وكان واضحاً أن هؤلاء كانوا ينتوون أن ينصرفوا بعد قليل، قبل موعد الشاي، ليذهبوا إلى سماع الموسيقى.
كان الحديث يدور على موضوع يبدو أنه طُرح على مائدة البحث قبل وصول الأمير. ولم يلبث أن ظهر كوليا على الشرفة، لا يدري أحد من أين انبجس! قال الأمير يحدث نفسه: «عجيب! ما زال يُستقبل إذن كما كان يستقبل في الماضي!».
إن مسكن آل إيبانتشين فيلا فخمة مبنية على طراز الشاليهات السويسرية، قد أُحسنت العناية بها، وأحيطت بأزهار وخضرة تتألف منها مربعات إن كانت صغيرة الأبعاد فإنها رائعة الجمال. وكان الحفل كله مجتمعاً على الشرفة، كما في بيت الأمير، لكن الشرفة هنا أفسح قليلاً وألطف ترتيباً.
ولم يكن يبدو أن موضوع الحديث يناسب ذوق جميع الحضور، ويلقى من نفوسهم كلهم هوى. وأغلب الظن أنه بدأ بمناقشة حامية، وكان يمكن حتمًا أن ينحرف إلى شيء آخر لولا أوجين بافلوفتش قد تظاهر بالعناد حول المسألة التي دارت عليها المناقشة، دون أن يحفل بالأثر الذي يحدثه في النفوس. وكأن ظهور الأمير أثاره مزيداً من الإثارة وحرّضه مزيداً من التحريض. وقد عبست إليزابت بروكوفيفنا وتجهمت سحنتها واربدّ وجهها دون أن تفهم كل ما كان يُقال. ولم تنصرف آجلايا بل ظلت في مكانها، متنحية، تصغي إلى الكلام وتلتزم صمتاً عنيداً فلا تفتح فمها بكلمة واحدة.
أجاب أوجين بافلوفتش قائلاً بحرارة:
– اسمحي لي، أنا لا أعترض على الليبرالية أي اعتراض. ليست الليبرالية شراً. إنها جزء متمِّم من مجموع كلي لا بدّ أن يتحلل وأن يزول إذا هي لم توجد. إن حق الليبرالية في الوجود لا يختلف عن حق أي مذهب من المذاهب المتطرفة في المحافظة. لكنني أنتقد الليبرالية الروسية. وأعود فأكرر لكم أنني إذا كنت أحاربها فلأن الليبرالي الروسي ليبرالي ليس «روسياً» في شيء. أروني ليبرالياً روسياً، فأعانقه أمامكم على الفور.
قالت ألكسندرا إيفانوفنا التي كانت ثائرة الأعصاب، وكان خداها أشد احمراراً منهما في العادة:
– هذا إذا رضي هو أن يعانقك!
فحدّثت إليزابت نفسها تقول: «هذه واحدة لا يهزّها شيء ولا يحركها شيء، ولا تفكر إلا في النوم والطعام، ثم إذا هي تندفع – مرة كل عام – اندفاعات تحيّرك!».
ولاحظ الأمير عرضاً أن ألكسندرا إيفانوفنا كانت تبدو مستاءة من رؤية أوجين بافلوفتش يتكلم بلهجة تبلغ هذا المبلغ من التفاهة في معالجة موضوع يبلغ هذا المبلغ من الجدّ، ويصطنع الاندفاع والمزاح في آن واحد.
تابع أوجين بافلوفتش كلامه قائلا:
– كنت أقول قبل وصولك يا أمير إننا لم نعرف حتى الآن في روسيا إلا فريقين من الليبراليين تحدّر بعضهم من طبقة مالكي الأطيان القدامى (وهذه طبقة أُلغيت) وتحدّر بعضهم الآخر من طبقة طلاب اللاهوت. وإذ إن هاتين الطبقتين قد استحالتا في النهاية إلى فئتين منعزلتين انعزالاً تاماً عن الأمة، وإذ إن انعزالهما يشتدّ ويقوى جيلاً بعد جيل، فإنه ينتج عن ذلك أن جميع ما فعله أو يفعله هؤلاء الليبراليون لا يمثل أي طابع قومي...
ردّ الأمير «شتش...» يقول:
– كيف هذا؟ هل كل ما فعلوه ليس فيه شيء روسي؟
– ليس فيه شيء قومي على كل حال. فحتى لو كان عملهم روسياً فإنه ليس قومياً. على أن الليبراليين عندنا ليس فيهم شيء روسي، إطلاقاً... أبداً... تستطيع أن تكون على يقين من أن الأمة لن تتعرّف لا الآن ولا في المستقبل ما يكون قد فعله هؤلاء الناس من قدامى مالكي الأطيان وطلاب اللاهوت...
قال الأمير «شتش...» محتجّا بحرارة:
– عجيب! كيف يمكنك أن ترى مثل هذا الرأي الغريب المفارق، إذا كنت جادًا فيما تقول؟ لا أستطيع أن أسمح بمثل هذا التهجّم على قدامى مالكي الأطيان الروس. ألست أنت نفسك واحداً من قدامى مالكي الأطيان الروس؟...
ألقى عليه الأمير «شتش...» هذا السؤال وقد ازداد حماسة واندفاعاً. فأجاب أوجين بافلوفتش قائلاً:
– ولكنني لا أتكلم عن مالك الأطيان الروسي القديم بالمعنى الذي يبدو إنك تفهمه. هذه طبقة محترمة مجيدة، على الأقل لأنني واحد من أبنائها، ولا سيما الآن، بعد أن لم يبق لها وجود...
قاطعته ألكسندرا إيفانوفنا سائلة:
– هل صحيح أننا، حتى في الأدب، لم يكن لدينا أي شيء قومي؟
– لست متبحّراً في الأدب، ولكنني أعتقد أن الأدب الروسي نفسه ليس فيه شيء روسي، ربما باستثناء لومونوسوف، وبوشكين، وغوغول.
قالت آديلائيد ضاحكة:
– طيّب. هذا وحده كاف. ثم إذا كان أحد هؤلاء من أبناء الشعب فإن الاثنين الآخرين هما من طبقة مالكي الأطيان القدماء.
– صحيح. ومع ذلك لا تتعجلي الفوز والانتصار. إن هؤلاء الثلاثة هم حتى الآن الوحيدون الذين استطاعوا أن يقولوا شيئاً لم يكن مستعاراً بل كان مستمدًا من نفوسهم. إن الروسي الذي يقول أو يكتب أو يفعل شيئاً متصفاً بأنه روسي حقاً، شيئاً مستمدًا من ذاته فليس هو بالمحاكاة أو الاستعارة، إن هذا الروسي يصبح قومياً بالضرورة، حتى ولو كانت لغته الروسية رديئة. تلك عندي من المسلمات البديهية. على أن ما بدأنا الحديث عنه والكلام عليه ليس هو الأدب بل هو الاشتراكيون. فبصدد الاشتراكيين إنما انخرطنا في المناقشة. وقد زعمت أنه لم يوجد عندنا ولا يوجد عندنا اشتراكي واحد روسي. لماذا؟ لأن جميع الاشتراكيين عندنا إنما انحدروا هم أيضاً من طبقة قدامى مالكي الأطيان أو من طبقة طلاب اللاهوت. إن جميع اشتراكيينا وجميع أولئك الذين يعلنون عن أنفسهم أنهم اشتراكيون، سواء في داخل البلاد أو في الخارج، ليسوا إلا ليبراليين خرجوا من صفوف قدامى مالكي الأطيان في عهد القنانة. لماذا تضحكين؟ أريني كتبهم، أريني مذاهبهم ورسائلهم، فأتعهد لك، دون أن أكون ناقداً محترفاً، بأن أكتب أصدق الآراء الأدبية مبيناً بوضوح كوضوح النهار أن كل صفحة من صفحات كتبهم وكراساتهم ورسائلهم إنما هي قبل كل شيء من صنع مالك سابق من قدامى مالكي الأطيان الروس. إن غضبهم، واستياءهم، وحتى سخرهم الفكه، إن ذلك كله تفوح منه رائحة مالك الأطيان القديم (حتى إن مالك الأطيان القديم هذا هو من نموذج عتيق بالٍ كنموذج فاموسوف). قد تكون صادقة، ولكنها حماسات ودموع رجل من قدامى مالكي الأطيان، أو طلاب اللاهوت. أما تزالين تضحكين؟ أتضحك أنت أيضاً يا أمير؟ ألست توافقني إذن على رأي؟
الحق أن الضحك كان عاماً شاملاً. وكان الأمير نفسه يبتسم.
قال الأمير وقد انقطع عن الابتسام بغتة، وانتفض انتفاضة تلميذ فوجئ مذنبًا:
– لا أستطيع بعد أن أقول جازماً أنا أوافقك على رأيك أم لا، ولكني أؤكد لك أنني أجد في الإصغاء إلى كلامك لذة قصوى...
نطق الأمير بهذه الكلمات وكأنه يختنق اختناقاً. وكان عرق بارد يغشى جبينه كحبات اللؤلؤ. هذه هي الكلمات الأولى التي نطق بها منذ وصوله. وأغراه أن يلقي نظرة حواليه، لكنه لم يجسر، ولاحظ أوجين بافلوفتش حركته فابتسم، ثم تابع كلامه قائلاً بتلك اللهجة نفسها من الاندفاع المفتعل والحرارة المصطنعة التي يستشف المرء فيها رغبته في الضحك حتى من أقواله:
– سأذكر لكم واقعة أيها السادة، واقعة أعتقد أنه قد كان لي فضل اكتشافها وملاحظتها، فما من أحد، على الأقل، سبق أن تكلم عليها أو كتب عنها حتى الآن. إن هذه الواقعة تحدّد كل ماهية الليبرالية الروسية التي أوضّحها. وما هي الليبرالية على وجه العموم أولاً؟ أليست هي الميل إلى تسفيه النظام القائم؟ (خطأ أو صواباً، تلك مسألة أخرى) أليست الليبرالية هي هذا؟ فإليكم الآن الواقعة التي لاحظتها: إن الليبرالية الروسية لا تهاجم نظاما قائما. إن ما تستهدفه هو جوهر الحياة القومية، هو هذه الحياة نفسها لا المؤسسات، هو روسيا لا التنظيم الروسي. إن الليبرالي الذي أحدثكم عنه يمضي إلى حد جحود روسيا نفسها، أي إنه يبغض ويضرب أمه التي ولدته. إن كل شقاء يلم بروسيا، وكل إخفاق تُمنى به روسيا، يحمله على الضحك ويبعث في نفسه الفرح أو ما يشبه الفرح. إنه يشمئز من العادات الشعبية ويكره تاريخ روسيا ويبغض كل شيء. وعذره الوحيد، إذا كان له عذر، هو أنه لا يدرك ما يفعل، ويظن أن هذا الكره الذي يحمله لروسيا هو الليبرالية الخصبة. ما أكثر الليبراليين الذين نصادفهم في بلادنا ويصفق لهم الناس، وهم في حقيقة أمرهم وربما على غير علم منهم، أشد المحافظين غباء وأكثرهم عتوا! لقد كان كره روسيا هو الحب الحقيقي للوطن في نظر بعض الليبراليين الذين كانوا يفاخرون بأنهم يدركون حقيقة حب الوطن إدراكاً أوضح من إدراك غيرهم له. ثم صارت الأمور مع الزمن أصرح، فإذا نحن نرى أن تعبير «حب الوطن» أصبح يعدّ غير لائق، وإذا بالفكرة التي تقابل هذا التعبير أصبحت توهم بأنها ضارة، وتوصف بأنها جوفاء خالية من المعنى. تلكم واقعة أكيدة محققة. ينبغي أن نعزم أمرنا على ذكر الحقيقة بكل بساطة وصدق. نحن ههنا إزاء ظاهرة لم يسبق لها مثيل في أي زمان ولا في أي مكان. ما من قرن من القرون، وما من شعب من الشعوب، بدت فيه هذه الظاهرة. وهذا يدل على أنها عارضة وأنها قد تكون زائلة. ذلك أمر لا أنفيه. ولكن المرء لا يستطيع أن يرى في أي مكان غير روسيا ليبرالياً يكره وطنه. فكيف نفسّر ظهور هذه الحالة في بلادنا إن لم نفسرها بالسبب الذي ذكرته منذ قليل وهو أن الليبرالي الروسي ليس روسياً في شيء؟ إنني لا أرى تعليلاً أصلح من هذا التعليل.
ردّ الأمير «شتش...» قائلاً برصانة:
– إنني أعدّ كل ما قلته الآن مزاحاً يا أوجين بافلوفتش..
قالت ألكسندرا إيفانوفنا:
– أنا لم أر جميع الليبراليين، ولكنني استأت أثناء سماعي كلامك. فإنك قد بدأت من حالة خاصة فعمّمتها فوقعت في التجني.
أجاب أوجين بافلوفتش:
– حالة خاصة؟ آ... هذه بعينها الكلمة التي كنت أنتظرها! أهي حالة خاصة أم لا؟
وأضاف يسأل الأمير:
– ما رأيك يا أمير؟ أهذه حالة خاصة أم لا؟
قال الأمير:
– يجب أن أعترف أنا أيضاً أن خبرتي ضئيلة وإنني لم أعاشر.. الليبراليين كثيراً. ولكن يبدو لي إنك قد تكون على صواب، وأن تلك الليبرالية الروسية التي تحدثت عنها ميالة في الواقع إلى إبغاض روسيا لنفسها لا للنظام السائد فيها. طبعا، ليس هذا صادقا إلا بعض الصدق، فنحن لا نستطيع أن نأخذ هذا المأخذ على جميع الليبراليين بغير استثناء إذا نحن أردنا الإنصاف...
وقطع الأمير كلامه فجأة. وكان رغم انفعاله كله قد تابع الحديث باهتمام شديد. إن من سماته المميزة أن وجهه يكتسي هيئة السذاجة العميقة في إصغائه إلى الحديث عن الموضوعات التي تثير انتباهه. وهذه السذاجة نلاحظ في أجوبته التي يجيب بها أولئك الذين يسألونه عن هذه الموضوعات نفسها؛ وهي تظهر في سحنته وتظهر حتى في إشاراته، وتكشف في هذه وتلك عن إيمان هو في حمى من إصابات السخرية والتهكم. ولقد اعتاد أوجين بافلوفتش منذ زمن طويل أن لا يخاطبه إلا وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة خاصة، أما الآن فإنه حين سمع إجابته نظر إليه مبهوتاً، بكثير من الجد والرصانة، ثم ججمم يقول:
– هكذا!... إنك لتدهشني حقاً. هل كنت في إجابتك جاداً يا أمير؟
فسأله الأمير مستغرباً:
– ألم يكن سؤالك أنت جاداً؟
فاستقبل الحضور هذه الكلمات بضحك شامل.
قالت آديلائيد:
– ألا امحضوه ثقتكم! إن أوجين بافلوفتش لا يحب شيئاً كما يحب التضليل والمخادعة! ليتكم تعرفون ما يستطيع أن يفتعله من مناقشات، متظاهراً بأكبر الجد!
وقالت ألكسندرا بلهجة قاطعة:
– في رأيي أن هذا الحديث شاق متعب، وأنه كان من الأفضل أن لا نخرط فيه. لقد كنا ننتوي القيام بنزهة...
فهتف أوجين بافلوفتش يقول:
– هلمّوا بنا! الأمسية رائعة! لكنني أحرص على أن أبرهن أنني، في هذه المرة، قد تكلمت جادًا كل الجدّ. أريد خاصة أن أبين هذا للأمير. (لقد أثرت اهتمامي إثارة قوية يا أمير، وإني لأحلف لك صادقاً أنني أقل عبثاً وخفة مما يبدو علي، رغم أن العبث والخفة من عيوبي في حقيقة الأمر). لذلك سألقي على الأمير، بعد استئذان الحضور، سؤالاً أخيراً لإشباع حب الاطلاع في نفسي شخصياً، ثم أقف عند هذا الحد مكتفياً به فلا أتعداه. إن هذا السؤال قد خطر بالي، بمصادفة تشبه العمد، منذ ساعتين (هأنت ذا ترى يا أمير أنه يتفق لي أيضاً أن أفكر في أمور جدية). ولقد اهتديت إلى حل لذلك السؤال، لكنني أريد أن أعرف رأي الأمير. لقد كنا نتحدث منذ لحظة عمّا يسمى «حالة خاصة». إن لهذا التعبير دوراً كبيراً في مجتمعنا، وإن مجتمعنا يحب استعمال هذا التعبير. في الآونة الأخيرة وقعت حادثة اغتيال رهيبة أثارت اهتمام الصحافة والرأي العام، هي حادثة مصرع ستة أشخاص بيد شاب قتلهم جميعاً. ولقد تحدث الناس عندئذ كثيراً عن تلك المرافعة الغريبة التي قام بها المحامي، إذ أعلن أن فكرة قتل هؤلاء الأشخاص الستة كان «طبيعياً» أن تخطر ببال القاتل لأنه كان في حالة فقر شديد. ليست هذه هي الكلمات التي استُعملت، ولكني أعتقد أن المعنى هو هذا. وأحسب أن المحامي حين أصدر ذلك الرأي الغريب وصاغ تلك الفكرة العجيبة إنما كان يؤمن صادقاً بأنه يستلهم أسمى مفاهيم عصرنا فيما يتصل بالليبرالية والإنسانية والتقدّم. فما رأيكم؟ أيجب أن نرى في مثل هذا الفساد الذي أصاب العقل والضمير، وفي مثل هذا الانحراف والانحطاط اللذين صار إليهما الرأي، أيجب أن نرى ههنا حالة خاصة أم ظاهرة عامة؟
انفجر الجميع يضحكون.
قالت ألكسندرا وآديلائيد ضاحكتين:
– بل هذه حالة خاصة طبعاً.
وقال الأمير «شتش...»:
– اسمح لي أن أذكرك يا أوجين بافلوفتش أن مزحاتك قد أخذت تفقد طرافتها!
لم يسمع أوجين بافلوفتش هذه الملاحظة، وكان يحسّ بثقل نظرة الأمير ليون نيقولايفتش الرصينة المتفحّصة، فتابع كلامه سائلاً:
– ما رأيك يا أمير؟ ماذا تعتقد؟ أهي حالة خاصة أم ظاهرة عامة؟ اعترف لك بأنني وضعت هذا السؤال لإلقائه عليك أنت.
قال الأمير برفق وهدوء، ولكن بثبات وصلابة:
– لا، ما هذه حالة خاصة.
صاح الأمير «شتش...» قائلاً في شيء من غضب:
– هيه يا ليون نيقولايفتش، ألا ترى أنه يمد لك شباكاً، ألا ترى أنه ينصب لك فخاً؟ واضح أنه يسخر، وأنه أراد أن تكون أنت مدار سخريته.
قال الأمير وقد احمر وجهه:
– كنت أظن أنه يتكلم جاداً.
واستأنف الأمير «شتش...» كلامه فقال:
– يا عزيزي الأمير، هلاً تذكرت الحديث الذي جرى بيننا منذ ثلاثة أشهر! لقد لاحظنا، بحق، أن محاكمنا الفتية، رغم أن نشوءها حديث، قد أبرزت محامين ممتازين يملكون أعظم المواهب. وما أكثر الأحكام التي صدرت عن محاكم الجنايات والتي تستحق أكبر الثناء والمديح! لقد أسعدني كثيراً حينذاك أن أراك تغتبط بهذا التقدّم... واتفقنا على أن من حقنا أن نعتز وأن نفخر... فما تلك المرافعة الحمقاء وتلك الحجة العجيبة إذن إلا حادث عارض، إلا حالة من ألف.
فكر الأمير ليون نيقولايفتش لحظة، ثم أجاب بلهجة تدل على أكبر الاقتناع، ولكن دون أن يرفع نبرته، حتى لقد كان في صوته شيء من خجل:
– كل ما أردت أن أقوله هو أن هذا الفساد والتدهور في الأفكار والعقل (إذا نحن شئنا أن نستعمل تعبير أوجين بافلوفتش) يصادفان في أحيان كثيرة جداً، فهما – وا أسفاه – أقرب إلى أن يكونا ظاهرة عامة منهما إلى أن يعدّا حالة خاصة. فلولا أنهما شائعان هذا الشيوع كله فلعلّنا كنا لا نرى جرائم كهذه الجرائم التي لا يتصوّرها الخيال...
– جرائم لا يتصوّرها الخيال؟ أؤكد لك أن الجرائم في الماضي كانت لا تقل فظاعة وشناعة، ولعلها كانت أقسى وأبشع. هذه الجرائم قد عرفتها جميع الأزمان، لا في بلادنا وحدها بل في كل مكان، وأعتقد أنها ستظل تُرتكب زمناً طويلاً. كل ما هنالك من فرق هو أننا لم نكن نملك في الماضي أدوات لنشر الأخبار واسعة هذا الاتساع كله في حين أن الصحافة والجمهور سرعان ما يلمان بأنبائها في هذا الزمان. فذلك هو مصدر شعورنا بأننا إزاء ظاهرة جديدة. هذا هو خطؤك يا أمير، هذا هو خطؤك الساذج البريء. صدّقني.
بهذا ختم الأمير «شتش...» كلامه وهو يبتسم ابتسامة ساخرة. قال الأمير:
– أعرف تماماً أن الجرائم كانت في الماضي لا تقل عدداً ولا تقل هولاً. لقد زرت سجوناً منذ زمن غير طويل، فأتيح لي أن أعرف عدداً من المحكوم عليهم. إن بينهم مجرمين أفظع من أولئك الذين جرى عليهم حديثنا. إن منهم أناساً لا يشعر أحدهم بشيء من عذاب الضمير بعد أن يكون قد قتل «دستة» أشخاص. ولكن إليك ما لاحظته: إن أعتى أولئك المجرمين وأكثرهم خلواً من عذاب الضمير يحس مع ذلك أنه «مجرم»، أي أنه في شعوره ووعيه يدرك أنه أذنب وإن كان لا يحس بأي ندم. تلك كانت حالة جميع أولئك السجناء. لكن المجرمين الذين يتكلم عنهم أوجين بافلوفتش أصبحوا لا يريدون أن يعدّوا أنفسهم مجرمين. فهم في قرارة أنفسهم يعتقدون أنهم على حق وأنهم أحسنوا صنعاً، أو يعتقدون بشيء من هذا القبيل. هذا في رأيي فارق كبير. ولاحظ أن هؤلاء جميعاً شبان، أي أن سنهم هي السن التي يكون فيها الإنسان أعجز ما يكون عن مقاومة تأثير الأفكار المنحرفة.
كان الأمير «شتش...» قد كفت عن الضحك فهو يصغى إلى الأمير وقد لاح في وجهه الارتباك. وكانت ألكسندرا إيفانوفنا تريد منذ مدة طويلة أن تبدي ملاحظة لكنها لزمت الصمت كأن سبباً معيناً صدّها عن ذلك. أما أوجين بافلوفتش فكان ينظر إلى الأمير بدهشة واضحة، وبدون أية سخرية في هذه المرة.
وتدخّلت إليزابت بروكوفيفنا فجأة تقول:
– ما بالك، أيها السيد العزيز، تحدّق إليه هذا التحديق، مشدوه الهيئة؟ أكنت تظنه أغبى منك، وعاجزاً عن التفكير على غرارك؟
قال أوجين بافلوفتش:
– لا يا سيدتي، لم أكن أظن ذلك، غير أن هناك شيئاً يثير دهشتي يا أمير (اغفر لي سؤالي): إذا كنت ترى الأمور هذه الرؤية الواضحة، فكيف أمكنك (معذرة مرة أخرى)... كيف أمكنك... في تلك القضية الغريبة... القضية التي حدثت ذلك اليوم... بشأن ذلك الرجل... بوردوفسكي فيما أظن.. كيف أمكنك أن لا تلاحظ هذا الفساد نفسه وهذا التردّي نفسه في الأفكار والأخلاق؟ لقد كان الأمر أمر هذا الفساد نفسه وذلك التردّي ذاته مع ذلك. لقد تراءى لي حينذاك إنك لم تدرك هذا البتة.
انبرت إليزابت بروكوفيفنا تقول متحمسة:
– أيها السيد العزيز، إذا كنا نحن، جميع الحاضرين هنا، قد أدركنا ذلك واستنتجنا من سداد رأينا وبراعة إدراكنا شعوراً بالتفوّق على الأمير، فإن الأمير هو الذي تلقى اليوم رسالة من أحد رفاق بوردوفسكي، من أبرزهم، من ذلك الذي كان مبثور الوجه، هل تتذكرينه يا ألكسندرا؟ وفي هذه الرسالة يستغفر الشاب الأمير – بطريقته طبعاً – ويعلن له أنه قطع صلته بالرفيق الذي حرّضه في ذلك اليوم. هل تتذكرين يا ألكسندرا؟ وهو يضيف إلى هذا أنه بعد الآن لا يثق بأحد كما يثق بالأمير. ما من أحد منا تلقّى رسالة كهذه الرسالة حتى الآن، وإن كنا قد ألفنا أن نعامل الشخص الذي وصلته هذه الرسالة معاملة تعالٍ.
صاح كوليا قائلاً:
– وهيبوليت أيضاً ترك بيته وجاء يقيم عندنا.
فقال الأمير سائلاً بشيء من القلق:
– كيف؟ أهو هنا الآن؟
– وصل فور انصرافك مع إليزابت بروكوفيفنا. أنا أحضرته بعربة.
فما أن سمعت إليزابت بروكوفيفنا هذا الكلام حتى غلت وفارت، ناسيةً أنها قد مدحت الأمير منذ هنيهة، وقالت:
– أراهن على أنه قد مضى أمس إلى المسكن الحقير الذي يقيم فيه هذا الولد الفاسد، فركع أمامه طالباً غفرانه، راجياً منه أن يجيء فيقيم هنا. لقد اعترفت أنت نفسك بذلك منذ قليل. أذهبت إليه أم لا؟ أركعت أمامه أم لا؟
هتف كوليا يقول:
– إنه لم يركع. بالعكس تماماً. هيبوليت هو الذي تناول بالأمس يد الأمير فقبلها مرتين. رأيت المشهد بعيني. على هذا اقتصر العتاب بينهما. وإذ أضاف الأمير أن صحة هيبوليت ستتحسن في الفيلا، أجاب هيبوليت فوراً أنه سيجيئ للإقامة بها متى شعر ببعض التخفّف من آلامه.
قال الأمير وهو ينهض ويتناول قبعته:
– أخطأت يا كوليا. لماذا تقص هذا؟ إنني...
فسألته إليزابت بروكوفيفنا وهي تستوقفه:
– إلى أين تذهب؟
واستأنف كوليا كلامه فقال بحرارة:
– لا تعذب نفسك يا أمير. لا تذهب إليه فتفسد عليه راحته. لقد نام بعد متاعب الرحلة. وهو مغتبط سعيد. أؤكد لك بصراحة يا أمير أنني أعتقد بأن من الأفضل كثيراً أن لا تلتقيا اليوم. أَرْجِئ لقاءه إلى غد حتى لا تحرجه مرة أخرى. لقد قال في هذا الصباح إنه منذ ستة أشهر لم يشعر بمثل ما يشعر به اليوم من ارتياح وقوة. حتى إن سعاله قل إلى الثلث.
لاحظ الأمير أن آجلايا قد غيّرت مكانها فجأة لتقترب من المائدة. كان لا يجرؤ أن ينظر إليها، لكنه كان بكل كيانه يشعر أن عيني الفتاة السوداوين كانتا في تلك اللحظة تحدّقان إليه وتتفرسان فيه. لا شك أن هاتين العينين كانتا تعبران عن الاستياء، وربما كانتا تعبران عن تهديد. لا شك أن وجه آجلايا قد تخضب بحمرة شديدة.
قال أوجين بافلوفتش:
– يخيل إليّ يا نيقولا آرداليونوفتش أنك قد أسأت صنعاً إذ جئت به إلى هنا، إذا كان هو ذلك الفتى المصدور الذي انفجر في ذلك اليوم باكياً بدموع غزيرة، ودعا الحضور إلى الاحتفال بدفنه. لقد تكلم عن الجدار الذي ينتصب أمام بيته، تكلم عنه ببلاغة تبلغ من القوة أنه سيندم على فراق ذلك الجدار. صدّقني.
– لا أصدق هذا الكلام. لسوف يشاجرك، ولسوف يصل به الأمر إلى حد الاقتتال معك، ثم ينصرف. هذا أكيد.
قالت إليزابت بروكوفيفنا ذلك، ثم شدّت إليها سلّة حياكتها بحركة تنم عن الاستياء، ناسيةً أن الجميع كانوا قد نهضوا عن أماكنهم قاصدين القيام بنزهة.
واستأنف أوجين بافلوفتش كلامه فقال:
– إنني أتذكر حماسته في الكلام على ذلك الجدار. لقد قال إنه بدون ذلك الجدار لن يستطيع أن يموت ميتة فيها بلاغة. وهو يحرص على أن يموت ميتة فيها بلاغة.
دمدم الأمير قائلاً:
– وماذا بعد ذلك؟ إذا لم تشأ أن تغفر له فسوف يستغني عن غفرانك ويموت على كل حال... إنه من أجل الأشجار إنما جاء يقيم هنا.
– هه! أنا من جهتي أغفر له كل شيء. تستطيع أن تبلغه هذا.
قال الأمير برفق وكأنه يتكلم على مضض، وما زالت عيناه مطرقتين إلى نقطة ثابتة في الأرض:
– ما هكذا يجب أن يُفهم الأمر. يجب أن توافق أنت على قبول غفرانه لك.
– لماذا؟ أي ذنبٍ جنيتُ في حقّه؟
– إذا كنت لا تفهم، فلن ألحّ... ولكنك تفهم حق الفهم. لقد كانت رغبته حينذاك... هي أن يباركنا جميعاً وأن يتلقى مباركتنا له. ذلك هو الأمر كله.
تبادل الأمير «شتش...» نظرة سريعة مع بعض الحضور. ثم قال بشيء من الحرارة، ولكنه كان يزن كلماته:
– يا عزيزي الأمير الطيب، ليست إقامة الجنة على الأرض بالأمر السهل كثيراً؛ وما تسعى إليه أنت إنما هو الجنة. الأمر صعب يا أمير، أصعب كثيراً ممّا يصوّر لك قلبك الطيب. وحسبنا هذا، صدقني. وإلا اضطرب أمرنا من جديد، وعندئذ...
قالت إليزابت بروكوفيفنا بلهجة آمرة:
– هيا نمضي إلى سماع الموسيقى.
ثم نهضت عن مكانها بحركة فيها غضب.
وحاكاها الجميع.