الفصل الرابع

7 0 00

الفصل الرابع

حين اقترب الأمير بصحبة روجويين من منزله، أدهشه أشد الدهشة أن يرى شرفته تسطع بضياء قوي ويملؤها حفل كبير صاخب. كان الحفل يزخر نشاطا وحماسة، ويضحك مقهقهاً، ويتدفق في الكلام تدفقاً قوياً، ويتناقش بصرخات عالية. إن المرء ليدرك من أول لحظة أن الحشد يقضي وقتاً مرحاً. فلما صعد الأمير إلى الشرفة تحقق تقديره، إذ وجد الجميع يشربون، بل وجدهم يشربون شمبانيا. ولا بد أن تكون هذه الحفلة قد بدأت منذ وقت غير قصير، لأن كثيراً من الحضور كان قد أتيح لهم حتى تلك اللحظة أن ينالوا قسطاً كبيراً من الانشراح. وكانوا جميعاً من معارف الأمير، ولكن الغريب في الأمر هو أن يراهم مجتمعين اجتماع من دعوا دعوة، مع أنه لم يوجه أية دعوة، فهو لم يتذكر عيد ميلاده إلا عرضاً منذ برهة قصيرة.

دمدم روجويين يقول للأمير وهو يتبعه على الشرفة:

– لا بد إنك ذكرت لأحد إنك ستقدم شمبانيا، فهرعوا على هذا النحو.

ثم أضاف يقول بلهجة فيها حنق ومرارة، لأنه تذكر ماضياً غير بعيد في أغلب الظن:

– نحن نعرف هذا! يكفي أن تصفر لهم...

أسرع الجمع كله يحيط بالأمير بعد أن استقبله بصيحات وتمنيات. وكان بعض الضيوف مسرفين في الصخب، وكان بعضهم الآخر أهدأ كثيراً. ولكن ما إن عُرف أن اليوم عيد ميلاد الأمير حتى اقتربوا منه يهنئونه واحدا بعد واحد بكثير من الحرارة. وقد تعجب الأمير من حضور بعض الأشخاص، من حضور بوردوفسكي مثلاً. غير أن ما أدهشه أكثر من أي شخص آخر هو أن يجد أوجين بافلوفتش في صحبة مثل هذا الحشد. حتى إنه لم يكد يصدق عينيه، وانتابه ما يشبه الذعر حين تعرّفه.

وفي هذه الأثناء، هرع ليبديف، وكان شديد احمرار الوجه بل قل كان مشتعل الوجه، هرع يشرح الأمور، وكان قد سكر بعض السكر. فقال إن هذا الملأ كله قد اجتمع شمله على نحو طبيعي تماماً، بل وبمصادفة. فكان هيبوليت أول الوافدين، لأنه وصل في بداية المساء. إنه وقد شعر بتحسن كبير في صحته، وإذ أراد أن ينتظر الأمير في الشرفة، قد اضطجع على ديوان. ثم التحق به ليبديف الذي لم يلبث أن تبعته أسرته كلها أو قل بناته والجنرال إيفولجين. أما بوردوفسكي فقد وصل مع هيبوليت وكان يصحبه. ومرت جانيا مع بتتسين بالفيلا فدخلا، منذ مدة قصيرة فيما يبدو، (دخلا في الوقت الذي كان يقع فيه حادث الفوكسهول..). وبعد ذلك ظهر كيللر، فأعلن أن اليوم عيد ميلاد الأمير، وطالب بشمبانيا. أما أوجين بافلوفتش فإنه لم يحضر إلا منذ نصف ساعة. وقد أُلحّ كوليا، بكل ما أوتي من قوة، على ضرورة تقديم الشمبانيا وإقامة احتفال. فأسرع ليبديف يأتي بالخمرة.

قال ليبديف يخاطب الأمير:

– ولكن هذه خمرتي أنا. أنا أتحمل النفقات، لأحتفل بعيد ميلادك ولأهنئك. وستولم كذلك وليمة صغيرة، سنقدم عشاء بارداً. إن بنتي تهيئ العشاء. آ... يا أمير... ليتك تعرف الموضوع الذي كنا نتناقش فيه. هل تتذكر جملة هاملت هذه: «نكون أو لا نكون»؟ إنه لموضوع عصري، عصري جداً! أسئلة وأجوبة... والسيد تيرنتيف ممتلئ بالنشاط زاخر بالحماسة... لا يريد أن يرقد! على أنه لم يشرب إلا جرعة شمبانيا واحدة، جرعة واحدة، هذا لا يمكن أن يؤذيه... اقترب يا أمير، واحسم المناقشة! إن الجميع ينتظرونك، إن الجميع ينتظرونك، إن الجميع يعتمدون على ثاقب بصرك، وسديد رأيك...

ولاحظ الأمير النظرة العذبة الملاطفة التي كانت تلقيها عليه فيرا ليبديف وهي تشق لنفسها طريقاً من أجل أن تصل إليه. فكانت أول من مد الأمير إليه يده. فاحمرت سروراً وهنأته بعيد ميلاده متمنية له حياة سعيدة (منذ هذا اليوم). ثم أسرعت تمضي إلى المطبخ حيث كانت تهيئ وجبة الطعام الخفيفة. ولكنها كانت، حتى قبل عودة الأمير، تجيء إلى الشرفة، متى سنحت لها أول فرصة للتحرر من انشغالها بتهيئة الطعام، وذلك لتصغي بكل سمعها إلى المناقشات الحامية التي تدور بين الضيوف إلى غير نهاية بعد أن أهاجتهم الخمرة، والتي كانت تتناول مسائل مجردة إلى أبعد حدود التجريد، غريبة عن الفتاة إلى أقصى درجات الغرابة. وكانت أختها الصغرى قد نامت في الغرفة المجاورة، فاغرة الفم جالسة على صندوق. أما الصبي ابن ليبديف، فقد بقي قرب موليا وهيبوليت. فإذا رأى الرائي وجهه أدرك أن الصبي مستعد لأن يبقى جالساً في مكانه دون حراك، عشر ساعات متتالية، مستمتعاً بالحديث.

قال هيبوليت للأمير حين تناول الأمير يده بعد مصافحة فيرا فوراً:

– كنت أنتظرك على أحرّ من الجمر، ويسرني جداً أن أراك سعيداً هذه السعادة كلها.

– وكيف عرفت إنني «سعيد»؟

– يرى المرء هذا في وجهك. سلّم على هؤلاء السادة ثم تعال اجلس هنا، قريبا منا، بسرعة.

وكرّر يقول، ضاغطاً على هذه الجملة ضغطاً ذا دلالة:

– انتظرتك على أحر من الجمر!

سأله الأمير أليس خطراً على صحته أن يسهر إلى مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل، فأجابه بأنه يستغرب هو نفسه أنه لم يشعر يوما بمثل ما يشعر به في هذا المساء من تحسن في صحته، بينما كان منذ ثلاثة أيام على شفا الموت.

نهض بوردوفسكي فجأة، فغمغم يقول إنه جاء «هكذا»، «مصطحبا» هيبوليت. وإنه سعيد برؤية الأمير. وإنه كتب في رسالته «سخافات وحماقات» ولكن يسعده الآن حقاً أن... لكنه لم يكمل جملته، وشدّ على يد الأمير مصافحاً بقوة، ثم جلس.

حتى إذا فرغ الأمير من تحية الجميع، اقترب من أوجين بافلوفتش، فسرعان ما أمسكه هذا من ذراعه وقال له هامساً:

– أريد أن أقول لك كلمتين... كلمتين لا أكثر. الأمر أمر حادث هام جداً. فلننفرد دقيقة.

وهمس في الأذن الأخرى من أذني الأمير صوت آخر، بينما أمسكته يد ثانية من ذراعه الثانية:

– أريد أن أقول لك كلمتين.

فما كان أشد دهشة الأمير حين التفت فرأى أمامه وجهاً مشعثاً، أحمر، ضاحكاً، مكشراً، سرعان ما عرفه الأمير: إنه فردشتينكو، لا يدري أحد من أين انبجس!

سأله فردشتينكو:

– هل تتذكر فردشتينكو؟

وصاح كيللر الذي أسرع يقترب منهما، صاح يقول:

– إنه نادم. لقد كان مختبئاً لأنه لم يشأ أن يظهر أمامك. كان مختبئاً هناك، في ركن. إنه نادم يا أمير. يشعر بأنه مذنب.

– ولكن ما ذنبه؟

– أنا لقيته يا أمير، فجئت به فوراً. إنه من خيرة أصدقائي. لكنه نادم.

قال الأمير أخيراً ليتخلص منهما:

– تشرّفت بحضوركما يا سيديَّ! اتخذا لكما مكاناً بين الحفل.

كان الأمير يستعجل التحدث مع أوجين بافلوفتش.

قال أوجين بافلوفتش:

– يبتهج المرء في بيتك. لقد قضيت في انتظارك نصف ساعة، فكان وقتاً ممتعاً. إليك المسألة يا صديقي العزيز جداً ليون نيقولايفتش. لقد رتبت كل شيء مع كورمشيف، فجئت أطمئنك وأهدى بالك. لا تقلق. لقد نظر إلى الأمر نظرة فيها كثير من التعقل. لا سيما وأنه، في رأيي، كان هو المخطئ.

– من هو كورمشيف هذا؟

– عجيب... هو ذلك الذي أمسكت ذراعيه من خلف في الحديقة العامة... لقد بلغ من الغضب أنه كان يريد أن يرسل إليك في الغد شهوده يطلبون منك الاستعداد للمبارزة.

– هيا... دعك من هذه السخافة!...

– هي سخافة طبعاً... ولا شك أن الأمر كان سينتهي نهاية سيئة... غير أن بلادنا فيها أناس من هذا النوع...

– أتراك قد أتيت لغرض آخر يا أوجين بافلوفتش؟

قال أوجين بافلوفتش ضاحكاً:

– آ... طبعاً! هناك غرض آخر. غداً يا عزيزي الأمير، عند مطلع الصبح، سأسافر إلى بطرسبرج بسبب تلك الحكاية المشؤومة (قضية عمي، هل تتذكر؟). تصوّر أن كل ما قيل صحيح فعلاً، وأن جميع الناس كانوا يعرفونه إلا أنا. وقد بلغت من الاضطراب للأمر أنني لم يتسع وقتي حتى للذهاب إلى «هناك» (إلى أسرة إيبانتشين)، لا ولن أستطيع ذلك غداً، لأنني سأكون غداً ببطرسبرج. هل تفهم؟ وقد لا أعود من بطرسبرج إلا بعد ثلاثة أيام. لا أريد أن أبالغ في تقدير خطورة الحادث ولا أن أضخم شأنه، ومع ذلك رأيت أن عليّ أن أصارحك في الأمر صادقاً دون مزيد من الإرجاء والتأجيل، أي أن أصارحك في الأمر قبل سفري. إذا سمحت لي فسأبقى الآن هنا أنتظر انصراف الناس. وليس هناك شيء يفضل هذا الانتظار عندي، لأنني مضطرب اضطراباً شديداً فلا سبيل لي إلى النوم. الخلاصة أنني، رغم ما يشتمل عليه هذا التشبث بأحد الناس من مجافاة للياقة والكياسة والأدب، أقول لك بصراحة إنني إنما جئت إليك ملتمساً صداقتك يا عزيزي الأمير. إنّك إنسان لا نظير له، بمعنى إنك لا تكذب في كل لحظة وربما كنت لا تكذب في أية لحظة. هناك قضية أحتاج فيها إلى صديق صادق وناصح أمين، فأنا الآن في عداد الأشقياء فعلاً...

وأخذ يضحك من جديد

قال الأمير بعد دقيقة من تفكير:

– ليس هناك إلا مزعج واحد: إنك تريد انتظار انصرافهم، ولكن لا يعلم إلا الله متى ينصرفون! أفليس الأفضل أن نمضي الآن إلى الحديقة العامة؟ سوف ينتظرونني حتماً، فأعتذر لهم.

– لا، لا، هناك أسباب تجعلني أحب أن لا ينتبهوا إلى أنني أبغي إجراء حديث غير عادي معك. إن بين هؤلاء الناس أفراداً يهتمون بالعلاقات بيننا اهتماماً شديداً، ألا تعرف ذلك يا أمير؟ فالأفضل كثيراً أن يلاحظوا أن علاقتنا هي أطيب العلاقات لا في الظروف الاستثنائية فحسب، بل في الحياة العادية أيضاً، هل فهمت؟ سوف ينصرفون بعد نحو ساعتين. وسأشغل من وقتك قرابة عشرين دقيقة، أو نصف ساعة في أكثر تقدير...

– عفوك عفوك! إني سعيد بك جداً. ما كنت في حاجة إلى مثل هذا الاعتذار. ثم إنني أحرص على أن أشكر لك أحر الشكر كلمتك عن علاقات الصداقة بيننا. هل تعلم أنني يستحيل عليّ استحالة مطلقة في هذه اللحظة أن أركز انتباهي؟

دمدم أوجين بافلوفتش يقول وهو يبتسم ابتسامة خفيفة:

– هذا واضح! هذا واضح!

كان أوجين بافلوفتش مرح المزاج جداً في ذلك المساء.

سأله الأمير مرتعشا:

– ماذا بك؟

فتابع أوجين بافلوفتش كلامه دون أن يجيب عن السؤال إجابة مباشرة، وهو ما يزال يبتسم:

– أتراك لا تشتبه، يا عزيزي الأمير، في أن لا يكون لزيارتي هذه من هدف إلا أن أحاصرك وأن استخرج منك بعض المعلومات دول أن يبدو عليّ ذلك، هه؟

قال الأمير وقد أخذ يضحك هو أيضاً:

– أما أنك جئن لتحملني على الكلام فذلك أمر لا ريب فيه البتة؛ بل لعلك آليت على نفسك لتسرفن في استغلال سذاجتي. لكنني في الواقع لا أخشاك. ثم إنني في هذه اللحظة لا يهمني هذا الأمر، هل تصدّق؟ ثم... لما كنت قبل كل شيء مقتنعاً بأنك إنسان ممتاز فسوف ننتهي دائماً، في آخر الأمر، إلى أن تصبح صديقين! لقد أعجبتني كثيراً يا أوجين بافلوفتش. لأنك... في رأيي... رجل محترم جداً... جدا!...

قال أوجين بافلوفتش يختم الحديث:

– هيا... إن التعامل معك ممتع على كل حال، أيا كان الباعث إليه. سوف أشرب كأساً نخب صحتك. إنني سعيد جداً بلقائك...

وقطع كلامه ليسأله فجأة:

– آ... هل أقام هذا السيد هيبوليت عندك؟

– نعم.

– أظن أنه لن يموت الآن، أليس كذلك؟

– لماذا هذا السؤال؟

– لا لشيء! لقد قضيت في صحبته نصف ساعة...

إن هيبوليت، الذي كان ينتظر الأمير، لم يحوّل عينيه، طوال مدة الحديث الذي جرى بين الرجلين، لم يحوّل عينيه لا عن الأمير ولا عن أوجين بافلوفتش. فلما عادا نحو المائدة انتعش محموماً. لقد كان قلقاً، مهتاجاً اهتياجاً شديداً. وكان العرق يلتمع على جبينه كحبات اللؤلؤ، وكانت عيناه المتقدتين الزائغتين تعبران عن خوف متصل لا ينقطع، وعن نوع من نفاد الصبر لا يمكن تحديده. كانت نظرته تنتقل دون هدف من شيء إلى آخر، ومن شخص إلى شخص، دون أن تثبت على أي موضوع. ورغم أنه كان حتى ذلك الحين قد شارك مشاركة فعالة في الحديث الصاخب والمناقشة الحامية التي كانت تدور من حوله، فلقد كانت حماسته حماسة حمى لا أكثر. وحقيقة الأمر أنه لم يكن منصرفاً إلى تلك المناقشة. كان تفكيره متقطعاً مفككاً، وكان يعبر عن آرائه بلهجة فيها سخر وإهمال ومفارقة. كان لا يكمل جمله، وينقطع عن الكلام فجأة في منتصف المناقشة التي يكون قد أثارها هو نفسه بحرارة قبل ذلك بدقيقة واحدة. وقد شعر الأمير بدهشة وأسف حين علم أنهم أباحوا له في ذلك المساء أن يشرب كأسين من الشمبانيا. فالكأس التي توجد على المائدة أمامه والتي تجرّع بعضها كانت هي الكأس الثالثة. ولكن الأمير لم يعلم بهذا إلا فيما بعد. أما الآن فإنه لم يكن قادراً على أن يلاحظ أي شيء.

صاح هيبوليت يقول:

– هل تعلم أنني سعيد جداً بأن يقع عيد ميلادك في هذا اليوم؟

– لماذا؟

– سوف ترى لماذا. اجلس بسرعة إلى المائدة. أولاً: لأن جميع أصحابك... حاضرون. لقد قدّرت أنهم سيجيئون عدداً كبيراً، وصدق تقديري لأول مرة في حياتي؛ خسارة أنني لم أعلم بيوم عيد ميلادك من قبل... فلو علمت لحملت إليك هدية... هأ هأ! ولكن من يدري؟ قد تكون الهدية في جيبي؟ هل مطلع الصبح بعيد؟

قال بتتسين بعد أن نظر في ساعته:

– يطلع الفجر بعد ساعتين في أكثر تقدير.

قال أحدهم:

– ولكن ما شأننا والفجر إذا كان في وسعنا أن نستغني عنه الآن لنقرأ في الخارج؟

– ذلك أنني أريد أن أرى قليلاً من شمس. هل نستطيع أن نشرب نخب الشمس يا أمير؟ ما رأيك؟

كان هيبوليت يلقي أسئلة بلهجة قاسية، مخاطباً جميع الناس مخاطبة فارس من الفرسان، كأنه يصدر أوامر. ولكن كان يبدو أنه هو نفسه لا يلاحظ ذلك ولا يشعر به.

– ليكن ما تشاء! فلنشرب! ولكن يجدر بك أن تسكن وتهدأ يا هيبوليت، أليس كذلك؟

– أنت تنصحني دائماً بأن أمضي أنام يا أمير، فتعاملني كما تعامل الطفل مربيته. متى طلعت الشمس وأخذت «تسطع في قبة السماء» (من قائل هذا البيت من الشعر: «سطعت الشمس في قبة السماء»؟ ليس لهذا الكلام معنى، ولكنه جميل) فعندئذ سوف نرقد يا ليبديف؟ هل الشمس ينبوع الحياة! ما معنى هاتين الكلمتين «ينبوع الحياة» في رؤيا القديس يوحنا؟ هل سمعت الكلام عن «الكوكب الأفسنتي» يا أمير؟

– قيل لي إن ليبديف يرى أن الكوكب الأفسنتي هو شبكة سكك الحديد هذه في أوروبا.

فانتفض ليبديف وصاح يقول ملوحاً بذراعيه كأنه كان يريد أن يلجم الضحك الذي انطلق من صدور الجميع:

– ها... لا... اسمحوا لي... اسمحوا لي!

ثم التفت نحو الأمير فجأة فقال له:

– مع هؤلاء السادة... مع هؤلاء السادة جميعهم.. هناك مسائل لا يمكن أن... إنهم لا يستحقون إلا هذا...

قال ذلك ونقر المائدة نقرتين، فما كان من هذا إلا ضاعف الضحك وفاقم الهرج والمرج.

كانت حالة ليبديف في هذا المساء كحالته في كل مساء، ولكنه كان في هذه المرة أشد حرارة واندفاعاً مما يكون في العادة، وذلك بسبب تلك المناقشة الطويلة. «الفقيهة» التي سبقت. إنه في مثل هذه الحال يبدي لمعارضيه ازدراء لا حدود له.

– لا يُستحسن هذا أيها السادة! لقد اتفقنا منذ نصف ساعة على أن لا نقاطع ولا نضحك حين يكون أحدنا بسبيل الكلام، وأن نفسح لكل فرد مجال التعبير عن فكره واسعاً كاملاً. وللملحدين أنفسهم بعد ذلك أن يعلنوا اعتراضاتهم إذا حرصوا على ذلك. لقد أقمنا الجنرال رئيساً للمجادلات. فما الذي تعمدون إليه؟ إنكم بهذه الوسيلة تستطيعون أن تجعلوا أي إنسان يفقد تسلسل أفكاره مهما تكن رفيعة سامية عميقة!...

صاح الجميع يقولون بصوت واحد:

– ولكن تكلم، تكلم! ما من أحد سيمنعك من الكلام!

– تكلم، ولكن لا تهذر وتستطرد!

سأل أحدهم:

– ما «الكوكب الأفسنتي» هذا الذي أتيتم على ذكره؟

فقال الجنرال وقد عاد إلى مجلس الرئاسة وقور الهيئة مهيب المنظر:

– لا أعرف عن هذا الأمر شيئاً البتة!

عندئذ تمتم كيللر يقول وهو يتزحزح على كرسيه بحركات قوية، وهيئة تنم عن النشوة والشوق:

– إنني أحب هذه المناقشات وهذه المشاجرات حب العبادة!

ثم التفت فجأة إلى أوجين بافلوفتش الذي كان جالساً بقربه، فقال له:

– موضوعات علمية سياسية. لشد ما يشوقني ما أقرؤه في الصحف من خلاصات عن المجادلات والمناقشات التي تحتدم في مجلس النواب البريطاني. ليس جوهر هذه المجادلات هو الذي يفتنني (فما أنا سياسي، تعلم ذلك)، وإنما تفتنني الطريقة التي يتعامل بها الخطباء، والأسلوب الذي يستعملونه في القيام بدورهم كسياسيين: «إن الفيكونت النبيل الذي يتخذ مكانه قبالتي..»، «إن الكونت النبيل الذي يشاطرني رأيي..»، «إن معارضي النبيل الذي أثار اقتراحه دهشة أوروبا..»: فهذه العبارات الجميلة كلها، هذه الروح البرلمانية لدى شعب حر، هي ما يسحرني ويأخذ بلبي! إنني أتلذذ بهذا يا أمير! لقد كنت في قرارة نفسي فناناً على الدوام، أحلف لك يا أوجين بافلوفتش!

صاح جانيا من مكانه قائلاً بلهجة هجومية:

– أنت تستنتج إذن أن طرق السكة الحديدية شر لعين، وأنها ستكون السبب في هلاك الإنسانية، وأنها السم الذي سينزل على الأرض فيلوّث «ينابيع الحياة»؟

كان جبريل آرداليونوفتش، ذلك المساء، منتعشأ انتعاشاً خاصاً، وكان فرح المزاج حتى ليكاد يكون شاعراً بالانتصار والظفر فيما بدا للأمير. وواضح أن سؤاله لم يكن إلا مزحة أراد بها استفزاز ليبديف، ولكنه لم يلبث أن تحمس هو نفسه.

أجابه ليبديف وقد شعر أنه أُخرج عن طوره وأنه في الوقت نفسه سكران لذة:

– لا، ليست طرق السكة الحديدية! إن هذه الطرق لا تستطيع بذاتها أن تلوّث ينابيع الحياة. وإنما الشر اللعين هو جملة الحال كله؛ هو هذه الروح العلمية العملية التي سيطرت ميولها في هذه القرون الأخيرة!

سأل أوجين بافلوفتش:

– هل اللعنة محققة أم هي ممكنة فحسب؟ لا بد لما من معرفة المقصود هنا على وجه الدقة.

قال ليبديف مؤكداً باندفاع وحماسة:

– بل اللعنة محققة!

قال بتتسين مبتسماً:

– لا تندفع يا ليبديف! إنك تكون في الصباح أحسن حالاً وأخلى بالًا!

قال ليبديف يجيبه بحرارة وهو يلتفت إليه:

– نعم، ولكنني في المساء، أصرح مقالاً! أنا في المساء أكثر مودة، وأصدق صدقاً! أنا في المساء أبسط وأوضح وأشرف. ولعلني بهذا أتيح لكم أن تمطروني بانتقاداتكم. ولكنني أيها السادة لا أعبأ بهذه الانتقادات. واني لأتحداكم الآن جميعاً أيها الملاحدة كيف ستنقذون العالم؟ ما هي الطريقة السوية التي شققتموها له نحو السلامة أنتم أيضاً، يا أيها الصناعيون وأنصار نظام الاشتراك ونظام الأجور وما إلى ذلك؟ بأي شيء ستنقذون العالم؟ بالتسليف؟ ما التسليف؟ إلى أين سيؤدي بكم الاقتراض؟

قال أوجين بافلوفتش:

– إنك شديد الاهتمام بهذه المسائل!

– ورأيي أن من لا يهتم بهذه المسائل ليس إلا إنساناً تافهاً لا قيمة له! نعم يا سيدي!

قال بتتسين:

– التسليف يؤدي على الأقل إلى التضامن العام، وإلى توازن المصالح.

– ولكن لا أكثر من هذا! إن الأساس الأخلاقي الوحيد الذي تقيم عليه رأيك هو إرضاء الأنانية الفردية وإشباع الحاجات المادية. السلام الشامل، والسعادة الجماعية الناشئة عن الحاجة! اسمح لي أن أسألك: أليس هذا هو ما يجب أن أفهمه من كلامك أيها السيد العزيز؟

قال جانيا وهو بدأ يتحمس فعلاً:

– ولكن الحاجة المشتركة بين جميع البشر إلى أن يعيشوا ويشربوا ويأكلوا، وكذلك الاقتناع المطلق العلمي بأن هذه الحاجات لا يمكن إرضاؤها إلا بالاشتراك الشامل وبالتكافل والتضامن في المصالح، ذلك فيما يبدو لي رأي قادر على أن يكون دعامة و«ينبوع حياة» للإنسانية في العصور المقبلة.

– ضرورة الشراب والطعام، أي غريزة البقاء وحدها..

– ولكن أليست هذه الغريزة شيئاً؟ إنها قانون الإنسانية الطبيعي السوي.

صاح أوجين بافلوفتش فجأة:

– من قال لك هذا؟ هي قانون، نعم، ولكن هذا القانون ليس سوياً أو طبيعياً أكثر من قانون التدمير، وحتى تدمير الذات. هل البقاء هو القانون الطبيعي السوي الوحيد الذي يحكم الإنسانية؟

هتف هيبوليت قائلاً وهو يلتفت بقوّة إلى جهة أوجين بافلوفتش:

– هيه! هيه!!

وتفرّس فيه باهتمام قوي واستطلاع شديد، ولكنه حين لاحظ أنه يضحك، أخذ يضحك هو أيضاً، ثم لكز كوليا الذي كان جالساً إلى جانبه وعاد يسأله كم الساعة الآن، حتى لقد شدّ إليه ساعة الفتى الفضية ونظر في عقربها بشراهة. وتمدّد أخيراً على الديوان كأنما ليغيب في غياهب النسيان، جاعلاً يديه وراء رأسه، وأخذ يحدّق إلى السقف. ولكن ما إن انقضى نصف دقيقة حتى عاد يجلس إلى المائدة، منهضاً صدره، مصغياً إلى هذر ليبديف الذي بلغ ذروة الحماسة.

قال ليبديف وهو يتهجّم بعنف على الرأي المفارق الذي عبّر عنه أوجين بافلوفتش:

– هذه فكرة بارعة ساخرة، هذه فكرة مثيرة! ولكنها فكرة صحيحة صادقة، رغم أنك لم تقلها إلا في سبيل أن تضرم المناقشة مزيداً من الإضرام. إن رجلاً ريبيّاً مثلك، رجلاً من أبناء المجتمع الراقي، ضابطا من سلاح الفرسان (موهوبا على كل حال) لا يستطيع أن يدرك هو نفسه كل ما تشتمل عليه هذه الفكرة من عمق وصواب! نعم يا سيدي! إن قانون تدمير الذات وقانون المحافظة على الذات لهما في هذا العالم قوة واحدة. وسيظل يستعملهما الشيطان كليهما للسيطرة على الإنسانية خلال زمن لا نعرف له حدّا. أتضحكون؟ ألا تؤمنون بوجود الشيطان؟ إن إنكار وجود الشيطان فكرة فرنسية، فكرة تافهة؟ هل تعرفون من هو الشيطان؟ هل تعرفون اسمه؟ إنكم وأنتم تجهلون حتى اسمه، تسخرون من صورته، على غرار فولتير. تضحكون من قدميه المشرومتين ومن ذنبه ومن قرنيه، وذلك كله من اختراع خيالكم أنتم، ذلك أن الروح الشريرة روح ضخمة هائلة لا شأن لها لا بالأقدام المشرومة ولا بالقرون التي تنسبونها إليها. ولكن ليست الروح الشريرة موضوعنا الآن...

صاح هيبوليت يسأله وهو ينفجر فجأة في ضحك متشنج:

– ما يدريك؟ لعل الشيطان هو موضوعنا الآن!

قال ليبديف مؤيداً:

– هذه ملاحظة سديدة موحية! لكنني أكرر أن الأمر ليس هو هذا الآن. وإنما المسألة هي أن نعلم ألم يضعف التطور «ينابيع الحياة»؟

هتف كوليا سائلاً:

– تقصد المواصلات بالسكك الحديدية.

– لا، ليس المواصلات بالسكك الحديدية، أيها الفتى المتهوّر الطائش، بل الاتجاه الذي يمكن أن نعدّ السكك الحديدية صورة له، أو تمثيلاً له، أو تجسيداً فنيًا إن صح التعبير. إن الناس الآن في عجلة من أمرهم، يتحركون هنا وهناك، ويتخبطون ويضجّون ويصرخون، ويتزاحمون ويتصادمون، ويحثون الخطى ويغذّون السير، بدعوى العمل لسعادة الإنسانية! إن مفكراً معتزلاً لهذا العالم قد ندب حظ البشر فقال: «أصبحت الإنسانية مسرفة في الجلبة والضوضاء، مفرطة في الصناعة، على حطام الهدوء النفسي والغبطة الروحية». فأجابه مفكر آخر يطوف هنا وهناك ويشيح بوجهه عن الأول منتصراً متعالياً: «ليكن. ولكن ضجّة العربات التي تحمل الخبز للبشر الجياع قد تكون أفضل من الهدوء النفسي والغبطة الروحية». أما أنا، أنا ليبديف الحقير، فإنني لا أؤمن بالعربات التي تحمل الخبز للبشرية! لأن هذه العربات، إن لم تقدها فكرة أخلاقية روحية، يمكنها ببرود وهدوء أن تحرم من حق الخبز الذي تنقله جزءاً كبيراً من النوع الإنساني. وقد رأينا هذا فعلاً...

قال أحدهم معترضاً:

– هل العربات هي التي تستطيع بهدوء وبرود أن تحرم؟...

كرر ليبديف كلامه قائلاً دون أن يتنازل فيولي السؤال أي انتباه:

– لقد رأينا هذا فعلاً. لقد كان مالتوس رجلاً من محبي البشر. لكن محب البشر هو من أكلة لحوم البشر إذا كان الأساس الأخلاقي الذي يقف عليه مهتزًّا مترنحاً. ناهيك عن غروره... إنه ليكفي أن تجرح كبرياء أي واحد من محبي البشر هؤلاء الذين لا يحصى عددهم، حتى يكون مستعدًا لأن يحرق على الفور أركان الأرض الأربعة إرضاء لحقده الصغير!... على أنني يجب أن أضيف، حتى أكون منصفاً غير متحيز، أن كل واحد منا، وأنا في الطليعة، مستعد لأن يفعل مثل هذا، فلعلني أكون أول من يحمل حزم الحطب لإضرام النار، ثم يولي هارباً... ولكنني أعود فأقول إن المسألة ليست هذه!

– ما هي المسألة إذن؟

– علق أحدهم:

– إنه يزعجنا حقا!

– المسألة هي مسألة حكاية ترجع إلى القرون الماضية، ذلك أنني مضطر أن أحدثكم عن عهد بعيد. ففي عصرنا هذا، وفي وطننا الذي تحبونه، فيما أرجو، كما أحبه أنا... ذلك أنني من جهتي أيها السادة مستعد لأن أبذل في سبيله آخر قطرة من دمي...

– طيب طيب، وبعد؟

– نعم... في وطننا، كما في أوروبا، تنتاب الإنسانية مجاعات عامة شديدة مرة كل ربع قرن في أكثر تقدير، إذا صحّت الحسابات وصدقت ذاكرتي، أي كل خمس وعشرين سنة. لست أناقش صحة الرقم، ولكن الواقع الذي أريد أن أقرره هو أن المجاعات نادرة نسبيا.

– نسبيا؟ تعني بالنسبة إلى ماذا؟

– بالنسبة إلى القرن الثاني عشر، وإلى القرون التي سبقته وأعقبته. ذلك أن المجاعات العامة، في ذلك العهد، كانت تجتاح الإنسانية كل سنتين أو كل ثلاث سنين، على الأقل – هذا ما يشهد به المؤرخون – حتى إن الإنسان في مثل تلك الظروف كان يعمد إلى أكل لحم البشر، ولكن خفية. وقد روى طفيلي من ذلك الزمان، حين دلف إلى الشيخوخة، روى من تلقاء نفسه، دون أي ضغط أو إكراه، أنه في أثناء حياته الطويلة التعيسة قد قتل وأكل في السر ستين راهباً وعدة أطفال، ستة في أكثر تقدير. وهو عدد ضئيل بالقياس إلى عدد رجال الدين الذين أكلهم. أما الكبار من غير رجال الدين فيظهر أنه لم يمسس أحداً منهم في يوم من الأيام.

هتف الرئيس نفسه يقول بلهجة فيها ما يشبه الاستياء:

– هذا غير ممكن. إنني كثيراً ما أناقشه وأجادله أيها السادة في موضوعات من هذا النوع دائماً. فإذا هو يطالعني بمثل هذه الأضاليل التي تقشعر لها الأبدان، وتُصمّ منها الآذان. أشياء لا يمكن أن يسلّم بها العقل!

– يا جنرال، تذكر حصار كارس! وأنتم أيها السادة، اعلموا أن حكايتي هي الحقيقة صافية. وأضيف من جهتي أن الواقع، رغم خضوعه لقوانين ثابتة لا تتغير، يكاد يكون دائما صعب التصديق بعيداً عن المعقول. وفى بعض الأحيان نرى الحادث أبعد كلما كان ألصق بالواقع.

سأله السامعون ضاحكين:

– ولكن هل يستطيع امرؤ أن يأكل هكذا ستين راهباً؟

– إنه لم يأكلهم دفعة واحدة بطبيعة الحال. لعله أكلهم خلال خمس عشرة سنة أو عشرين. ففي هذه الحالة يكون الأمر مفهوماً وطبيعياً إلى أبعد الحدود...

– وطبيعياً أيضاً؟

– نعم، طبيعياً!

كذلك أجاب ليبديف بعناد المدّعي وإصرار المتفَيْقِه. وتابع يقول:

– ثم إن الراهب الكاثوليكي هو بطبيعته إنسان يحب التواصل بالكلام ويكثر من الاستطلاع، فلا أسهل من استدراجه إلى غابة أو إلى مكانٍ ناءٍ، ليلقى هناك المصير الذي وصفته آنفاً. ولست أنكر مع ذلك أن عدد الأشخاص المأكولين فيه إسراف، وأنه يدل على الشراهة.

قال الأمير فجأة:

– ربما كان هذا صحيحاً أيها السادة.

كان قد لزم الصمت حتى ذلك الحين، وتابع المناقشة دون أن يتدخّل فيها. وقد ضحك من كل قلبه مراراً حين أخذ الجميع يضحكون. كان واضحاً أنه افتتن بأن يرى نفسه محاطاً بهذا المرح، وبكل هذه الضوضاء، بل وأن يلاحظ أن الضيوف يشربون بهذا الاندفاع كله وهذه الحميّا كلها. كان يمكن أن لا يفتح فمه طوال السهرة، ولكن خطر بباله فجأة أن يقول كلمة، ففعل ذلك بجدٍّ ورصانة يبلغان من الشدّة أن جميع الضيوف التفتوا نحوه وفي أعينهم نظرات حيرة وتعجب!

– أريد أن أوضح نقطة أيها السادة، هي كثرة تكرر المجاعات في الماضي. لقد سمعت عن هذا الأمر أنا أيضاً، وإن كنت لا أعرف التاريخ معرفة جيدة. يبدو لي أن هذا الأمر كان على هذا النحو حقاً. إنني أثناء إقامتي في جبال سويسرا قد أعجبت كثيراً بأطلال القصور الإقطاعية القديمة، القائمة في جنبات الجبال، فوق صخور وعرة، على ارتفاع لا يقل عن نصف فرسخ (أي عدة فراسخ سيراً في الطرقات المؤدية إليها). تعرفون ما القصر: إنه جبل من حجارة حقاً. إن بناءه يتطلّب عملاً رهيباً، عملاً لا يتصوّره الخيال، عملاً لا شك في أنه قام به جميع أولئك الفقراء الذين كانوا أقناناً. وكان على هؤلاء، بالإضافة إلى ذلك، أن يدفعوا أنواعاً من الأتاوات وأن يعيلوا رجال الكهنوت. كيف كانوا يجدون في وقتهم متسعًا لأن يقيموا أود أنفسهم وأن يزرعوا الأرض؟ لقد كان عددهم في ذلك الزمان أقل من أن يستطيعوا النهوض بتلك الأعباء كلها، وكان أكثرهم يموتون جوعا، لأنهم لا يجدون ما يأكلونه فعلاً. حتى لقد اتفق لي أن تساءلت كيف لم يندثر أولئك السكان كافة، كيف قاوموا واستطاعوا أن يتحمّلوا تلك الحياة؟ فإذا قال ليبديف إنه حدث في ذلك الزمان أن أكل بعض الناس لحوم بشر، فصدّقوه لأنه على حق حتماً. ولكني لا أدري لماذا أقحم الرهبان في هذه القضية، ولا أعلم ما الذي أراده.

قال جبريل آرداليونوفتش:

– لا شك أنه أراد أن يقول إن المرء في القرن الثاني عشر كان لا يستطيع أن يأكل من البشر إلا الرهبان، لأن الرهبان وحدهم كانت بهم سمنة.

فصاح ليبديف يقول:

– هذه ملاحظة رائعة وصحيحة كل الصحّة، ذلك أن صاحبنا لم يمسس أحداً من غير رجال الدين! لم يأكل رجلاً واحداً من غير. رجال الدين وأكل ستين عيّنةً من هؤلاء: هذه واقعة فظيعة، لها دلالة تاريخية وقيمة إحصائية. هي واقعة من الوقائع التي يستطيع بواسطتها رجل ذكي أن يتصوّر الماضي تصوّراً صحيحاً، إذ يبرهن بدقة حسابية على أن رجال الكهنوت كانوا في ذلك الزمان أكثر رخاء وأفضل تغذية من سائر البشر ستين مرة على الأقل، وربما كانوا أسمن من سائر البشر ستين مرة أيضاً.

صاح بعض الحاضرين يقول وسط انفجارات الضحك:

– ما أشدّ مبالغتك يا ليبديف، ما أشد مبالغتك!

عاد الأمير يقول سائلاً:

– أنا أسلم بأن لهذه الفكرة دلالة تاريخية، ولكن ما الذي تريد أن تخلص إليه؟

كان الأمير يتكلم بجدّ يبلغ من الشدّة، ولهجة تبلغ من خلوها من السخرية أو التهكم على ليبديف الذي كان يتندّر به الحضور كافة، أن التناقض بين لهجته وبين لهجة الآخرين كان يخرج منه تأثير هزلي مضحك بدون قصد، حتى لقد أوشك أن يصبح الأمير نفسه محل ضحك واستهزاء، ولكن الأمير لم ينتبه إلى هذا.

همس أوجين بافلوفتش يسأل الأمير:

– ألا ترى يا أمير إنه مجنون؟ لقد قيل لي هنا منذ قليل إن الميل إلى مرافعات المحاماة وجلسات المحاكم قد فتن عقله وذهب بصوابه وإنه يريد أن يتقدّم إلى امتحان. إنني أتوقع محاكاة مضحكة لمرافعة يتولاها محام من المحامين!

تابع ليبديف كلامه قائلاً بصوت مدوٍّ:

– إنني أخلص إلى نتيجة ضخمة.. ولكن يجب أن نحلل قبل كل شيء الوضع السيكولوجي والقضائي لهذا المجرم. إننا نرى أن هذا المجرم (ولنسمه موكلي إن شئتم)، رغم استحالة عثوره على غذاء آخر، قد أبدى مراراً، طوال مدة حياته الغريبة، رغبة في التوبة وفي العدول عن لحم رجال الدين. وهذا يتجلى واضحاً في وقائع ثابتة: لقد أكل خمسة أطفال أو ستة كما قيل لنا. صحيح أن الرقم الأخير ضئيل تافه. ولكنه من وجهة نظر أخرى يحمل دلالة بليغة. واضح أن موكلي قد حاصرته نوبات رهيبة من عذاب الضمير (ذلك أنه كان رجلاً متديّناً، رجلاً ذا وجدان، أستطيع أن أبرهن على ذلك): فلقد أراد أن يخفف ذنبه، في حدود الإمكان، فأحل محل النظام الغذائي القائم على أكل لحوم رجال الدين نظاماً غذائياً قائماً على أكل لحوم غير رجال الدين: فعل ذلك ست مرات على سبيل التجربة أو المحاولة. فأما أن ما فعله عندئذ كان تجارب أو محاولات، فذلك أيضاً أمر لا سبيل إلى جحوده. ذلك أنه لو كان لا يريد إلا أن يبذل قائمة طعامه من باب التنويع، لما كان لعدد الستة قيمة! لماذا كان العدد ستة ولم يكن ثلاثين؟ (إنني هنا أقسم البشر الذين أكلهم نصفين: نصفاً من رجال الدين ونصفاً من غير رجال الدين). أما إذا كان الأمر تجربة أو محاولة لم يدفعه إليها إلا التألم والجزع من الاعتداء على الدين والإساءة إلى الكنيسة، فإن عدد الستة يكون عندئذ معقولاً بل أكثر من معقول. إن ست محاولات يقوم بها لتهدئة ما يعانيه من عذاب الضمير لهي أكثر من كافية، إذ لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة مرضية. أولاً في رأيي لأن الطفل صغير جداً، أو قولوا هزيل جداً: فلو أكل موكلي أطفالا بدلاً من أن يأكل رهباناً خلال مدة معينة لكان عليه أن يبتلع من الأطفال ثلاثة أضعاف بل خمسة أضعاف ما يبتلع من رهبان. وبذلك تكون جريمته قد خفت من جهة الكيف، ولكن ثقلت من جهة الكم. لاحظوا أيها السادة أنني إذ أفكر في الأمر على هذا النحو وأناقشه بهذه الطريقة، إنما أضيع ذاتي في الحالة النفسية التي كان عليها إنسان القرن الثاني عشر. أما أنا، رجل القرن التاسع عشر، فمن الممكن أن أفكر في الأمر تفكيراً آخر غير هذا التفكير. إنني ألفت نظركم إلى هذا يا سادتي حتى لا يبقى محل لسخركم مني وتهكمكم علي. أما أنت يا جنرال، فلقد أصبح موقفك غير لائق حقاً. ذلك أولاً، أما ثانياً فإن لحم الطفل – وهذا رأي شخصي لي – لا يشتمل على غذاء كثير، وربما كان مذاقه غير لذيذ، فلا يترك في من يأكله إلا عذاب الضمير.

«وإليكم الآن، أيها السادة، النتيجة التي أخلص إليها، إليكم الخاتمة التي تحل لكم مشكلة من أكبر المشكلات في ذلك الزمان وفي هذا الزمان على السواء. إن المجرم قد انتهى به الأمر إلى الوشاية بنفسه للكهنوت، والمثول بين أيدي السلطة. فلنتصور أنواع التعذيب التي كانت تنتظره في ذلك الزمان، لنتصور العجلات التي يربط بها ويشد إليها، لنتصور النيران التي يلقى فيها! فما الذي دفعه إلى الوشاية بنفسه والاعتراف بجريمته؟ لماذا، بعد أن وقف عند العدد ستين، لم يحتفظ بسره إلى آخر رمق من حياته؟ لماذا يقتصر على الاستغناء عن أكل لحم الرهبان، والتكفير عن نفسه بأن يعيش ناسكا؟ لماذا لم يصبح راهبا هو نفسه؟ تلكم هي كلمة السر! كان هنالك إذن قوة فوق قوة نيران التعذيب، وفوق قوة العادة التي ترسخت طوال عشرين عاماً! كان هنالك فكرة أقوى من جميع الكوارث والمجاعات والتعذيب والطاعون والجذام وكل ذلك الجحيم الذي ما كان للإنسانية أن تحتمله لولا تلك الفكرة نفسها التي كانت تُخضع القلوب وتوجهها، وتُخصب ينابيع الحياة! هيا أروني شيئاً يشبه تلك القوة، في هذا العصر الذي نعيش فيه، عصر الرذائل وسكك الحديد... كان ينبغي أن أقول: «عصر السفن البخارية وسكك الحديد»...، لأنني سكران، ولكني صادق أقول الحقيقة. أروني في زماننا هذا فكرة تؤثر في الإنسانية نصف التأثير الذي كانت تحدثه تلك الفكرة في ذلك الزمان! هل تجرؤن أن تقولوا بعد هذا إن ينابيع الحياة لم تضعف، ولم تضطرب، تحت ذلك «الكوكب»، تحت هذه الشبكة التي التفّ بها البشر؟ لا تظنوا أنكم سترهبونني برخائكم وثرواتكم وندرة المجاعات وسرعة وسائل المواصلات! صحيح أن الثروات أوفر، ولكن القوى تنقص! لم يبق ثمة فكر يخلق رابطة بين البشر! نعم، إننا جميعاً، جميعاً، جميعاً فاسدون!.... ولكن كفى! ليس هذا هو المهم الآن. وإنما المهم أن نقدّم العشاء الذي أُعدّ لضيوفنا، أليس كذلك أيها الأمير المحترم جداً؟

أوشك ليبديف أن يحدث في نفوس بعض سامعيه استياء حقيقياً (يجب أن نذكر أن الحضور استمروا يفتحون الزجاجات أثناء ذلك الوقت كله). لكنه أسقط في يد جميع خصومه فوراً بهذه الخاتمة غير المنتظرة، التي تزف بشرى وجبة الطعام، وهي خاتمة وصفها هو نفسه بأنها «حيلة بارعة يقوم بها محام حاذق لتغيير مجرى قضية». وتعالت ضحكات فرحة من جديد، وعاد الحفل إلى نشاطه وحميّاه. ونهض الجميع عن المائدة، وأخذوا يمشون ليحركوا أعضاءهم ويُذهبوا عنها التخدر. وظل كيللر وحده مستاء من خطاب ليبديف، وانفعل انفعالاً شديداً، واضطرب اضطراباً كبيراً، وأخذ يستوقف الضيوف، فيقول لهم بصوت عالٍ:

– إنه يهاجم الحضارة، ويمجّد تعصّب القرن الثاني عشر؛ وهذا كله تمثيل وتظاهر وتهريج. إن ليبديف لا يملك من طهارة القلب ونظافة اليد أيسر اليسير. قولوا لي: بأي مال أصبح مالكاً لهذا المنزل؟

وقال الجنرال في الركن المقابل لأشخاص آخرين من الحفل موجهاً الكلام إلى بتتسين خاصة وهو يقبض على زر سترته:

– لقد عرفت شارحًا حقيقيًا لرؤيا القديس يوحنا، هو المرحوم جريجور سيميونوفتش بورمستروف. كان هذا يُنفذ في القلوب ما يشبه أن يكون سهماً من نار. كان يبدأ أولاً بوضع نظاراته، ثم يفتح كتاباً كبيراً قديماً مجلداً بجلد أسود. كانت له لحية شائبة، وكان يزين صدره بوسامين فاز بهما لقيامه بأعمال برٍ كثيرة. كان يأخذ يقرأ بلهجة شديدة قاسية. وكان الجنرالات ينحنون أمامه وكانت السيدات تقع مغشياً عليها. أما هذا فإنه يختم كلامه بالتبشير بعشاء بارد للضيوف! شيء عجيب!

كان بتتسين أثناء إصغائه إلى كلام الجنرال يبتسم محافظاً على هيئة من يريد أن يتناول قبعته وينصرف. ولكنه كان لا يعزم أمره عليه. وقبل النهوض عن المائدة كان جانيا قد انقطع عن الشراب فجأة، ودفع الكأس بعيداً عنه، وطافت بوجهه سحابة فأظلم. حتى إذا نهضوا عن المائدة اقترب من روجويين وجلس إلى جانبه. فلو رآهما راءٍ لاعتقد أنهما على خير وفاق، وأن العلاقات بينهما أحسن ما تكون العلاقات. إن روجويين الذي أوشك في البداية أن ينصرف متسللاً بهدوء ورفق، عدّة مرات، يجلس الآن ساكناً خافض الرأس. كأنه هو أيضاً قد نسي اعتزامه الانصراف متسللاً. إنه غارق في أفكاره. وهو يرفع عينيه في بعض اللحظات فيتفرّس في جميع الحاضرين واحدا بعد واحد. إن وضعه الآن يحمل على الاعتقاد بأنه قد أرجأ انصرافه بانتظار شيء له عنده شأن خطير.

لم يكن الأمير قد شرب إلا كأسين أو ثلاثاً. فكان فرحاً لا أكثر. فلما نهض عن المائدة وقعت عيناه على عيني أوجين بافلوفتش، فتذكر أن هناك حديثاً يجب أن يجري بينهما فابتسم هاشًّا. فأومأ له أوجين بافلوفتش فجأة بحركة من رأسه، مشيراً إلى هيبوليت الذي كان نائماً على الديوان والذي كان أوجين بافلوفتش يحدّق إليه في تلك اللحظة بنظرة فاحصة.

– قل لي يا أمير؟ لماذا اندسّ هذا الصبي في بيتك؟

ألقى أوجين بافلوفتش هذا السؤال على الأمير فجأة، وفي وجهه غضب ظاهر وبغض بيّن، فلم يسع الأمير إلا أن يُدهش.

وأضاف أوجين بافلوفتش يقول:

– أراهن أن في رأسه نية مبيتةً وغرضاً سيئاً!

فقال له الأمير:

– لقد لاحظت يا أوجين بافلوفتش، أو خيل إليّ، أنك اهتممت به اليوم كثيراً، أهذا صحيح؟

– أضف إلى ذلك أنني في الظروف الخاصة التي تحيط بي يجب أن يكون رأسي ممتلئاً بمشاغل أخرى، لذلك فأنا أول المدهوشين من أنني لم أستطع طوال مدة السهرة أن أحوّل بصري عن هذه الهيئة المنفرة الكريهة.

– إن وجهه جميل...

صاح أوجين بافلوفتش يقول للأمير وهو يجره من ذراعه.

– انظر، انظر، انظر...

فألقى الأمير على محدّثه نظرة مشدوهة من جديد.