الفصل الثاني
جلست "هيلانة" في غرفة نائب الأمين الجمركي، تنتظر وصوله وكانت مثّلت دورها المطلوب منها وأصّرت على أحد الحجّاب أن يخفّ إليه .. ينبئه .. أن هناك من ينتظره
في مكتبه، في أمر هام.. "سيدة.. تريده في قضية غاية في الأهمية..!" راحت تلقي على الغرفة نظرات متفحّصة.. تتعجب لصرامة المكان.. تستغرب ما سمعته عن صاحبه
من تشددّه المفرط في التفتيش و تطبيق القانون.. يجول في ذهنها: إنها المرة الأولى والأخيرة التي ستزاول فيها مثل هذه الخدعة!! حقيقة.. لقد انصاعت لإغراء
المال، ولرغبة ملحّة في الوصول السريع إلى وجهتها في دمشق، يزكيها نفورها من الوقوف في برد الشتاء القارس تنتظر مركبة غير سيارة "ميشيل"، تقلها إلى مكان
عملها!
وتوارد إلى ذهنها، وهي ساهمة، بعض ما تسمعه، وما ينمّ إليها من ذمّ وتجريح لسمعتها، سببهما مهنتها الجديدة..! تعجبت من نفاق الناس.. وتحاملهم عليها.. أليست
فيما تقوم به من "عمل" في ملاهي دمشق، بالرغم من مشقة السفر الدائم ومتاعب التعامل مع جمهور مخمور، سليط اللسان.. أليست مهنتها تلك أشرف بكثير .. بل لنقل،
أقرب بمراحل إلى "الاستقامة" والصواب من التهريب واللجوء إلى خداع المسؤولين!..زاد توجسّها مما كانت مقدمة عليه، أحسّت أن مجرد التفكير في تهريب المخدرات،
وفي الذين يزاولون مثل تلك الأعمال يثير في نفسها التقزز.. وكأنها، فعلاً، في شكل من الأشكال ضالعة في تلك الجريمة مع أصاحبها..
لم يكن في الغرفة من أثاث سوى مكتب خشبي قديم، وسرير عسكري تنبّهت إلى نظافة ملاءته وغطاء وسادته.. ثم باب ضيّق يقود إلى فسحة تكاد تملؤها مائدة صغيرة
تفرّقت عليها أدوات القهوة والشاي.. لكن أكثر ما أثار فضولها هو قبقاب خشبي نظيف، صُفَ إلى جانب "مشَاية" وكأنها لتلميذ شديد التزمت والترتيب، نظرت إلى
الحائط، تحدّق في تفاصيل صورة علقت عليه، وحين سمعت وقع خطا ً تقترب من الغرفة، أسرعت تحكم وضع بعض خصلات شعرها على كتفها.. ثم التفتت إلى حقيبة يدها،
تفتحها، في عدم اكتراث مفتعل، تخرج منها علبة "الدخان".. تنظر نحو الباب وهي تشعل طرف لفافة منها.
توقف أمام الباب رجل مديد القامة في الثلاثين من عمره، أوأكثر.. عريض المنكبين، نحيل الجسم.. كان قد تسمّر في مكانه .. يده لا تزال تشدّ على مقبض الباب،
وباليد الأخرى، رفع بأصابعه خصلة شعرٍ ملساء، كاشفةً اللون، عن عينين زرقاوين سابرتين، راحتا تحدقان بالزائرة الغريبة.. تتفحصانها، كأنهما لا تصدقان
حقيقة ما مثل أمامهما من غرائب الحياة..!
تمتمت "هيلانة"، وهي تمعن في وجهه، في ذهول..
- "عدنان"؟. عفواً السيد "عدنان"؟!. معؤول..؟!
تقدم الرجل خطوتين، أغلق إثرهما الباب خلف ظهره في هدوء.. ثم تراجع، مسنداً منكبيه إلى الجدار، وهمس بدوره..في صمتٍ خافتٍ.. مخنوق..
- "هيلانة"..
رفعت "هيلانة" يدها إلى خدّها، تقول في ذهول مكتوم..
- "يا عدرا.. يا دلّي.. شو الأيام بتخبّي!! معؤول؟!
سكتت هنيهة..قالت بعدها..
- "إنتْ.. "نائب المدير"؟.. هون؟.."
ولمّا هزّ الرجل رأسه بالموافقة.. تابعت كلامها مستغربة..
- "بعلمي كنت عم تدرس حؤوء.. شو جابك للجمرك؟.."
تلا ذلك صمت عادت بعده إلى السؤال:
- "بعدك فايئ عالأوضة إلّي كنت مستأجرا عند التيتا؟.. بالشام؟! بعدك فايئ علينا..؟ وعالبيت؟!.. من كام سني دخلك؟! كام سني صارلو هالحكي؟.."
كان "عدنان" يتفرس في تقاطيع المرأة التي بدت وكأنها تكبره بسنين، "هيلانة".. حفيدة "أم فؤاد" التي كانت تقطن داراً دمشقيّة قديمة، في "باب توما"، زاد عن
حاجتها فيه عدد من الغرف، استأجر إحداها.. وأمضى فيها سنة أوما يزيد، قبل أن يتركها إلى غرفة حديثة البناء في المدينة الجامعية، متى كان ذلك؟ أمنذ عشرة
أعوام؟.
كان عمره إذ ذاك ثمانية عشر عاماً. قدم من حماه، بعد جهد كبير، أقنع حينها والديه المسنين أن السكن في غرفة مستقلة خيرٌ للدراسة الجامعية من الإقامة في دار
أحد أقاربهم.. وفاجأته في دار "أم فؤاد"، حفيدتها اللبنانية، "هيلانة".. كانت ترافق والدتها في رحلاتها من زحلة إلى دمشق، تأتي بين الفينة والأخرى، تمضي
فيها أياماً تملأ الدار خلالها بنضارة صباها وفوح أنوثتها.. يراقبها من نافذة غرفته.. تتنقل في حديقة الدار.. تمازح جدّتها.. تداعب الهررة.. تدرك أنه
يراقبها.. فلا تلتفت إليه لا تلتفت لأحد.. تتحدث مع الجميع بلهجتها الزّحلاوية الغريبة .. وتتحول لهجتها الغريبة تلك، إلى فتنة وسحر حين يصدح صوتها بغناء
"الميجنا" و"أبوالزلف"، فتعلو بشرتها البيضاء، حمرةً خفيفةً.. وترتجف شفتاها الصغيرتان المكتنزتان.. في جدية وحزم وهي تقول "يا زريف الطول يابو الميجنا"..
وما كان غناؤها وسيلة للطرب، بل نداءٌ للطبيعة، تطلقه الأنثى في الفضاء.. شذى، يملأ أجواءها حيث تحركت، يتصيد عبقه الذكور..
- "صار شعرك أشأر.."
قال "عدنان" ذلك كأنه يحدّث نفسه.. ثم تنبه إلى أن عينيها الخضراوين لاتزالان على سحرهما.. بالرغم مما تكاثف فوقهما من مساحيق الجمال، بألوانها الغريبة..
بل إن لون شعرها الجديد قد زاد من وضوح إغرائهما.. ولولا بعض البدانة على ذلك الجسد الملفوف.. لكانت "هيلانة" الماضي، ذاتها ، ماثلة أمامه الآن.. سيّان
لديه أكانت شقراء الشعر، أم سوداءه.. هي حلم شبابه الأول.. ورجولته الأولى.. قبلة شهوته المتأججة.. يتعبد في وحدته أمام محرابها المنيع..كل ليلة..
لا يعرف إزاءها غير الصمت.. ولا يسعى إلى تجاوزه.. فبين عالميهما مسافات، وظلمات. حسبه أن يحدق في ملامحها.. يكفيه أن يلّف جسدها بنظراته وأحلامه.. يرويهما..
ينقل من ذكريات نهديها إلى سريره، كل مساء! يداعب جسده على خيالات من أنوثتها!
سألت"هيلانة" في تردد وهدوء.. وكان وراء سؤالها معاني عدّة..
- "بعدك بتصلّي؟".
ثم استدركت نفسها فجاة.. فلجأت إلى الصمت وقد علا الدم وجنتيها.. لم تفهم هدفاً لسؤالها. كأنه أفلت منها.. وحين هزّ الرجل رأسه بالإيجاب، رداً على سؤالها..
تشاغلت عنه بإشعال لفافة جديدة من عقب اللفافة القديمة.. ومثلت في ذهنها، بالرغم منها، صورة عدنان الشاب وهو يعود إلى غرفته مارّاً بالحديقة.. يمشي على
رؤوس أصابعه... عاري القدمين.. وقد أتمّ وضوءه أمام بحرة الحديقة..
كانت تتعمد ترك الحديقة في تلك الأثناء تراقب حركاته من نافذة جانبية في الدور الأول.. ترى نظراته تبحث عنها في كل مكان .. تعجب لمراسم دينه التي يقوم بها!
طقوس غريبة عن أجوائها.. لعلها كانت تنفر منها لاختلاف دينيهما.. لكنها لا تعرف كيف تردّ نظراتها عن أطرافه النظيفة.. عن ساعديه المفتولتين، وقدميه المتناسقتين
العاريتين الكبيرتين.! لماذا كانت تنفر من مراسيم النظافة تلك؟.. أليس لأنها ارتبطت في ذهنها بعقيدة لا تفهمها؟..
نظرت إلى حذاء الرجل، وكان يزال يقف أمامها متكئاً على الحائط.. لحظت قبقابه ومشّايته.. وتبسمت، يدور في ذهنها أن قدميه الآن لابد مغسولتان.. نظيفتان..
لاأثر لأية رائحة تعرّق في جوربيه.. أين ذلك من أقدام جميع من عرفتهم خلال عشر سنين، من شباب ورجال بلدتها!!
تدرجت ابتسامتها على شفتيها.. وهي تسأل..
- "بدّك تَضَل وائف؟! ..حدّ الباب؟!"
تنبه "عدنان" إلى موضعه.. فتقدم من مكتبه في هدوء..يغالب شروده.. فسمعها تقول..
- "بتعرف إني يمكن عمري ما سمعت صوتك؟.."
نظر إليها مستغرباً، لا يعرف كيف يتخلص من حبائل الماضي التي كبلته في تلك اللحظة..انتفض في سره كمن يسعى للعودة إلى صحوة.. فتلفت في شرود يتأمل غرفته
التي بدت له فجأة غريبة عن عالمه .. مبهمة الأوصاف.. وخصلات "هيلانة" الشقراء، وزينتها الزائدة، وشاح غريب.. يحاول سدّ تواصله مع ذلك الماضي الأثير! فتسمّرت
شفتاه.. كما منذ سنين.. لا كلام.. لا رغبة لديه سوى متابعة النظر إليها.. والنهل من صورة تقاطيعها..
تساءلت "هيلانة" فجأة.. في غير ما إصرار..
- "دخلك.. ليش عمرك ما حاكيتني؟.. ليش عمرك ما فتحت تمّك؟.."
ولما لم تتلق منه أي جواب.. تابعت، تحدثّ نفسها..
- "سنة وأكتر.. وْلََك۫ولا كلمة!! مش غريب إنتَ، يعني؟!! ولا كلمة!"
تبسم "عدنان" لا يفارق شروده.. وقال في بساطة.. في لهجة حموية دمشقية..
- "كنت زغير.. شبّ زغير.."
ردت "هيلاتة"على الفور، تعجبت مما سمعت..
- "زغير؟.. إنت.. كنت زغير؟ إسم الله على هلجسم يلي كان عندك.. طول.. كتاف.."
ثم ترددت، وهي تنتبه إلى ما تقول، وتحاول أن تحدّ من حماسها..
- "..وهلأ.. ليش شو تغير فيك..كنت شبّ.. وصرت رجّال.."
ونقرت على يد مقعدها الخشبي، تحّسباً من العين الحاسدة..
ضحك "عدنان".. وكأن بارقة زهوّ تسربت إلى صوته.. ردّ عاقداً حاجبيه..
- "كنتِ تنتبهي لجسمي بهديك الأيام..؟"
ارتبكت هنيهة.. ولما انطلقت على الفور تجيبه بأنه أمر طبيعي لأية فتاة أن تلاحظ ما حولها.. ومن حولها..خصوصاً إذا كانو من الشباب.. وأن "عدنان" كان شاباً
غريباً عن عالمها، ومن محيط لا تعرف من تقاليده شيئاً .. ثم بان على ملامحها نزق يشير إلى أنها تتقمص قوالب مسلكية مألوفة لديها تعودت أن تحتمي بها
.. مدّ "عدنان" يده بحركة غريزية إلى جرس صغير، يقرعه.. يوقفهما عن الكلام، يسألها في رفق عما تود تناوله من شراب.. فصمتت، هي الأخرى، وأدركت أنها تمثّل
دوراً أخرق.. كأنها تكرر في جديّة دوراً قديماً .. أغنية طفولية تعلمتها في حداثتها.. فتبسمت، وقالت بعد أن طلبت فنجاناً من القهوة..
- "شفت، يمكن كان الحأ معك.. والسكوت بينّا، كان أفضل.."
* * *
قرع الباب في تلك اللحظة ولما أذن "عدنان" للطارق بالدخول، بان رأس السائق، "ميشيل"، ثم جزعه المنحني، وهو يتقدم خطوتين من "هيلانة"، يتصنعّ احتراماً شديداً..
ويقول ... وهو يخفي فرحه وامتنانه.. لطول غيابها..
- "يا ستْنا.. نحنا ناطرينك.. هلأ بنتأخر عالشام.. مش حضرتك يلّي.. عندك شغل هونيك؟.."
تنبهت "هيلانة" فجأة إلى ساعتها متسائلة.. ولما أدركت أنها قضت ما يقارب ثلث الساعة في ذلك المكتب، انقضت وكأنها ثوان أو دقائق معدودات.. استوت في مقعدها..
وهي تقول:
- "كنت بدي أحكيلك على أضيّة.. هلأني تأخرت.. وأخرتك.. خليها لبعدين.. "
- " اشربي الأهوة، على الأءل.."
فأشارت إلى "ميشيل" بانتظارها، دقائق أخرى..لما انصرف هذا سألت عدنان..
- "إنت هون على طول؟"
- "انتألت من كام يوم.. وإنتي؟.. جاية زيارة عالشام؟.."
شدّت قبضتها على المقعد، وهي تقول في تحدّ مصطنع..
- "لأ.. أنا عم بشتغل بالشام.. صرت غنّي.. ليش ما عندك خبر؟!. يحّو إسمي على الإعلانات.. معبي مدخل الشام.. على الطرفين!"
- "إسمك؟!"
ولما أطلعته على إسمها الفني.. ملأت الدهشة وجهه.. وسأل..
- "وين ساكني بالشام؟.."
- "بروح.. وبيجي..ولمّا بنام بالشام.. بنام عند التيتا.. بلبيت زاتو يلي بتعرفو.."
وضحكت، وهي تضيف في عجلة وإغراء..
- "شفت شوما أغرب الأيام.. عم نام بالأوضة زاتها..تفضل إنت واستأجر أوضتك الأديمة.. لنرحع متل ما كنّا.. من أول وجديد!"
ونهضت من مقعدها.. تطفئ لفافتها في دلال.. تحكم انسياب شعرها وثوبها.. تتجنب النظر إلى عينيه.. ولما مدت يدها له بالوداع.. نظرت إليه.. وإذا به يحدق في
وجهها. ينقّل ناظريه عليها في نزق.. كأنه يرسم صورة لنهديها، ثم لكتفيها.. في خياله..
هدأت نظراته.. وهو يمد يده إليها.. لتلاقي يدها.. ياللعجب! تلامست بشرتهما معاً لأول مرة؟!! وقال:
- "بتمرّي عليّ.. وإنتي راجعة؟.."
ضحكت في دلالٍ وخفّة.. وأجابت، وهي تسير برفقته نحو الباب..
- "مين بيعرف؟.. شو مخبّيلنا الزمان.."
* * *
ما إن أغلقت الباب خلفها حتى عاد "عدنان" إلى مقعده، فجلس فيه شارداً يتنفّس ما تبقّى من عبق عطر"هيلانة" .. ينظر أمامه إلى المقعد الذي احتوى جسدها، منذ
لحظات.. آثار ردفيها ما زالت بادية على المكان الذي ركنت إليه.. نهض على الفور مقترباً من المقعد.. وجال براحته في رفق فوق المكان المتجوف، يعود به بالتدريج
إلى وضعه الأملس.. فسرت في جسده رعشة خفيفة وهو يحس بحرارة جسدها عبر كفّه العطشى.. كان منحنياً فوق المقعد.. فاستوى فجأة باسطاً ذراعيه في فضاء الغرفة
يشدّ عضلات ظهره وكتفيه.. يتمطّى، مطبق الجفنين، وقد طار خياله إلى احتمالات بعيدة التحقيق.. هل ستعود يوماً لزيارته؟.. كيف لم تغب ذكراها من مخيلته هو
لم يحظ منها في الماضي حتى بالنظرات؟.. كيف لم تنطفئ جذوة شهوته لها!! وهل اشتهى فتاةً غيرها طوال هاتيك السنين؟!
تذكر سؤالها فجأة عن الماضي.. عن صمته إزاءها.. حار في قصدها من وراء سؤالها ذاك.. ماذا لو كان قد بادرها فعلاً التحية، أو الكلام في ذلك الزمان الغابر..
وما الذي كان يرجوه من وراء كلمات جوفاء لا معنى لها.. هل كان في وسع الكلام أن يقوده إلى ما يتمناه؟.. إلى ما لايتمنى سواه؟.. لابد أن ذلك كان أمراً
مستحيلاً.. لا من طرفها فحسب..بل من طرفه هو..! فمضاجعة "هيلانة" أمر جلل، لم يسعَ يوماً إلى رسم خطوطها الأولى في خياله!! أمل مبهم في طوايا أحلامه..
ما غاص يوماً في تفاصيل محاولة تحقيقه!! كانت صورة جسدها البض ماثلة أبداً في ذهنه، جزء منه، تنام وتصحو معه.. يجول بناظريه، بل براحتيه على أجزائها..
يتمثلها في خياله وهي في ثيابها، أو في العراء.. أبداً يفعل ذلك كما لو أنها تمثال حيّ.. لا وسيلة للتواصل معها إلا عن طريق اليدين..
لم يسعَ لاقتلاع شهوته تلك أو حتى للحدّ منها.. أو لجمها.. ولو كان في وسعه القيام بذلك، لما تردّد، ولانصرف بعدئذ إلى صلاته ودراسته.. ولا طاوع نفسه في
اشتهاء جسدها دون غيرها.!
كان له من زملاء الدراسة شبان عديدون، يمارسون الجنس.. يحيطونه علماً بمغامراتهم.. يطلعون بعضهم بعضاً على تفاصيل فاضحة منها.. يرسمون له الممنوع رسماً،
أملاً بإثارته وحضّه على الخروج من "حرمانه".. كما حلا لأحدهم أن يصف لعدنان مغامرته العاطفية، فعجب من حالته، وكان دمشقياً دمثاً لا يخفي أمر ممارسته
لجميع انواع التجارب الجنسية.. تحلو له مناقشة "عدنان"، يسائله عن حياته الخاصة ويرجع سبب تحفظه.. حيناً إلى بيئته الحموية المحافظة.. وحيناً آخر إلى
تعاليم دينه..، أو يتهمه أحياناً بالبرود الجنسي.. إلى أن يؤكد "عدنان" له، نقيض كل ذلك وأنه لا يشكو من علّة جسدية ما تمنعه من ممارسة جميع ما يشتهيه
الشباب..، حتى يثور الصديق، متهماً إياه بالرياء.. أو بأنه مصاب بعقدة ما.. يراجع قراءته النفسية الغريبة المستفيضة.. واصفاً إياه بأنه لابدّ يشكو من
حالة راكدة من حالات الشذوذ! سببها شهوة(سفاحية) لايجرؤ على الاعتراف بها.. فتثور ثائرة عدنان.. يعقب ذلك ضحك وصراخ!!
* * *
لكم طالت بهما مثل تلك الحوارات.. يعجب "عدنان" في سره لمدى مغالاة ما تذهب إليه البحوث العالمية النفسية.. النظرية منها.. أليس في وسع الإنسان أن يعجب
بوردة عن بعد دون السعي إلى اقتطافها أو حتى إلى محاولة تنشّق عبقها؟! ولئن كان فقيراً، جائعاً، أفليس في وسعه المرور أمام طعام ما.. ليس ملكه، يمر أمامه
مرور الكرام دون مناقشة شهوته له.. أومدى شدة رغبته في الانقضاض عليه.. والتهامه..! بصرف النظرعما إذا كانت فعلته تلك حراماً، أو حلالاً؟.. حرماناً..
أو كبتاً..؟! لايقوم بذلك بدافع إرادي أخلاقي ما.. بل بخيارٍ نفسي داخلي يحضّه على المضي في طريقه الفردي غير آبه بما حوله.. لكم اتهمه صديقه ذاك، باللجوء
إلى تبسيط الأمور، فلم لا يحق له هو، تبسيطها؟!.
تبسّم من الماضي البعيد ومن ذكريات الرجولة الأولى.. وتذكر ما كان من شدة ندمه على ما قام به بعد تجربة جنسية جرت له مع امرأة عابرة في غرفة أحد أصدقائه!!
لقد نجحت تلك التجربة في إرواء عطش جنسي شديد عابر.. لكن لا.. لم يكن ذلك إرواء.. بل تصريفاً أعمى.. طار إثره فوق حاجاته الداخلية العميقة، دون ملامسة
حتى السطوح الخارجية منها.. لقد كره إذّاك ضمّ جسد لا يعرفه.. كره تقبيل شفاه ينكر زينتها، لا علم له بماذا هي قادرة على التفوه به، خلال أو إثر تلك المضاجعة
العابرة!! ما حاجته إلى مثل تلك التجارب الباهظة في الثمن النفسي، إذا لم يكن لها سوى ذلك الأثر الشافي المؤقت؟..
* * *
كان بعضهم يعجب من مزاولة الصلاة.. وها هي "هيلانة" الآن، تسأله عما إذا كان لا يزال على عادته!.. ما شأنها بذلك.. ما شأن غيره بعلاقته بالخالق.. وهل يسألهم،
هو، عن علاقتهم به؟.. ليس في حاجته الجنسية ما يناقض الصلاة.. لا في مزاولته للصلاة أي هروب من حرارة جسده..! لكن "هيلانة" كانت تفهم عكس ذلك.. تبتعد
عنه، حين تراه يقترب من البحرة في دار جدتها.. يهم على الوضوء.. كما كانت جدتها، ذاتها، تراقبه من بعيد، في عجب يستشف منه بعض النفور المكتوم.. نزق يبّدل
من تصرفاتها الطبيعية أثناء مشاهدتها له وهو يقوم بأداء حركات الصلاة.. فيعلو صوتها، إذ تحدث هذا أو ذاك ممن حولها.. أو تعود إلى مراقبته من بعيد، من
خلال نافذة غرفتها، وتخلد إلى صمت غريب..
هل كان تدينه ناجماً لتربيته ونشأته في حماه؟ ما سبب ذلك الفارق بينه وبين العديد من زملائه الجامعيين؟ لكم كره مغالاة بعضهم في تطبيق فروض بحذافيرها نسبت
إلى الإيمان.. يؤمرون بمزاولة طقوس تافهة.. يُنهون عن أخرى أشد تفاهة كأنهم آلات متحركة تنصاع لأوامر يُظن أنها ربانية!..لقد نشأ على ممارسة فروض الأخلاق
الحميدة، والنظافة، ليس على أنها واجبات دينية، بل على أنها من صفات الإنسان الخلوق، الحسن التربية.. فكان يتمتع بتكرار عملية الوضوء.. لا يجد غرابة في
عدم السعي وراء مضاجعة حفيدة صاحبة الدار.. بالرغم مما يشاهده من فتنتها خلال زيارتها لجدتها.. تلك الفتنة أخذت عليه لبه، كما ألهب سحر نضارة جسدها جسده،
خلال سنين طويلة!
* * *
سمع نقراً خفيفاً على الباب، دلف بعده الحاجب يطلب الفناجين الفارغة.. فعاد عدنان في ذهنه إلى واقع غرفته ثانية..
ولولا آثار أحمر الشفاه على طرف الفنجان الذي احتست منه "هيلانة" القهوة على عجل، لخال أن جميع ما دار في ذهنه من ذكريات حوله ما كانت إلا أحلام يقظة.!
أعاد ترتيب عدد من الطلبات والمعاملات الرسمية على طاولته.. يتفحص بعضها.. يضع كلاً منها في مصنف خاص.. معظمها يتعلق بسيارات أجنبية انقضت مدتها المسموح
ببقائها في البلاد..
جال في ذهنه، للمرة الألف، ما يعترضه من أمور الرشوة.. وما يرفضه منها.. وما بلغت علاقته مع بقية الموظفين من تأزم وتعقيد.. درجوا على تعاطي الرشاوى، والإتاوات..
يتلقفونها من كل حدب وصوب، وتعودوا جمعها ثم اقتسامها.. ينال كل منهم حصة تتناسب مع مكانته في السلّم الوظيفي.! فما إن تسلّم منصبه الجديد ومارس سلطته
في التشدد على تفتيش حمولة جميع السيارات، ومنع جميع أنواع المخالفات، رافضاً قبول "حصته" من أية إتاوة كانت.. حتى تأزمت علاقته بمن حوله. يتفنن مرؤوسه
في ابتكار المسوغات اللبقة في العرض والإغراء.. علّ ذلك يحيده عن موقفه.. أو يثنيه من مراقبة حمولات السيارات بنفسه.. دون جدوى.!
لم يكن مع أولئك الذين يحملون الشرف والنزاهة سوط يلسعون به ظهور غيرهم.. حسبه نفسه.. ولا يجول في خاطره أن يجعل مسلكه الشخصي القويم، قدوة لغيره، يحضهم،
ولو في شكل غير مباشر، على الاستقامة.. كل ما في الأمر أن طبيعته كانت تأبى قبول الرشوة.. بالرغم من حاجته للمال، في زمن يتبخر راتبه فيه منذ انقضاء
الأسبوع الثاني من الشهر.! ولماذا ينفذ راتبه، بتلك السرعة.. أليس لأنه يتجاوز ميزانيته في الصرف؟ ولم يكره الصرامة في العيش.. فوالداه من قبله قد ألفا
التقشف.. اعتمدا في الحياة على مورد بسيط يأتي من أرض زراعية صغيرة.. لا يتجاوزان الحدّ الأساسي المعقول في جميع مظاهر حياتهما.. قانعين بذلك، هانئين
به.. ورث عنهما تلك الحاجة الداخلية الملحة بالاكتفاء الذاتي.. مارسه في بساطة منذ أيام دراسته الجامعية.. حتى بات في وسعه العيش في أي ظرف، وفي أي مكان..لا
يلتفت إلا إلى ما يحتاجه من لباس،وطعام.
* * *
دخل مرؤوسه، يسأله للمرة الثالثة عمّا قرر اتخاذه من إجراء حيال سائق ينتظر قراره منذ ساعات، وكان قد شك في أمره وهو يقوم بالتفتيش بنفسه.. فأوعز إلى الخفير
بالإشراف على تفتيش هيكل السيارة تفتيشاً دقيقاً.. وما إن اقتيدت إلى المركز المختص حتى استمهل سائقها الموظفين بمبلغ من المال، وهرع إلى من يعرفهم
من الخفراء يحضّهم على التدخل لديه هو، وأخذ يزيد من قيمة المبلغ الذي يعرضه، لقاء غضّ النظر عن تفكيك أبواب سيارته..
كان الجميع على معرفة أكيدة بأن حمولة ممنوعة قد أحكم إخفاؤها في تلك الأبواب. فإما أن يسوّى الأمر على طريقة السائق.. يوزع المبلغ على الجميع، أسوة بالأساليب
المتبعة حتى ذلك الحين، أو تفكك أجزاء الباب، ويكتب محضر رسمي بالبضاعة المهربة، وقد تكون ذهباً، أو أدوية باهظة الثمن، أو مالاً مهرباً أو غير ذلك..
فلا يصيب أحدهم من وراء ذلك شيء من الربح، إذ تحوّل القضية برمتها إلى الإدارة العامة في دمشق.!
لم تكن مشكلته تلكؤاً طارئاً، في نيته متابعة القضية حتى نهايتها.. بل الطريقة المثلى لبلوغ ذلك الهدف دون الدوس على الكرامة الزائفة لغيره من الموظفين..
وكان عدد منهم قد توسطوا لديه لأول مرة يتمنون عليه العدول عن رأيه.. وهذا مرؤوسه، أمامه يسأله في إصرار وهدوء منوّهاً في أسلوب ملتوٍ، زائف الكلمات،
بأن السائق على صلة برئيس المركز ذاته!. وأن الموافقة الضمنية للمدير قد تكون مكفولة سلفاً لا ينقصها إلا موافقته هو!
ترى هل رئيس المركز، فعلاً، على صلة وعلم بجميع ما يجري حوله وبما يتقاضاه الخفراء من رشاوى؟!. هل مرؤوسه يخدعه في طرح مثل ذلك الاحتمال.. يتخفى وراء مشاركة
أو حماية تأتيه من فوق؟! هل كان ذلك يجري في معظم الدوائر الرسمية، جميع من يتقاضون العمولات والرشاوى، يدّعون حمايات ومساندات من "جهات عليا"؟.. أم كان
رئيسه فعلاً جاهلاً بما يجري في مركز عمله.. ولا في وسع "عدنان" أو في نيته، طرق بابه ليعرف منه حقيقة الأمر..مشككاً بذلك في نزاهته..! أوكاشفاً جهله
المطبق، بالتوقيع على مذكرة اتهام غاية في الخطورة، تدين جميع من حوله من موظفين..! لم يجد في نهاية الأمر من حل سوى ما تعوده طوال حياته.. عليه من نفسه،
وهو أصلح الحلول! ليس في وسعه إرضاء الجميع.. ولا من سبيل مأمون مفتوح أمامه، يقوده إلى معرفة نوايا رؤسائه.. قال في حزم :
- "فكّوا السيارة.. وأنا جاية لشوف.."
- "سيدي..إلتّلك.."
- "إلتّلك فكّوها.. وعلى مسؤوليتي..أنا.."
images/clip_image