الفصل الرابع

5 0 00

الفصل الرابع

عاد عدنان إلى مكتبه عابساً، يستر رأسه من مطر غزير بات رذاذه يتناثر فوق الإسفلت وكأن الأرض تغلي وتفور. دخل إلى غرفته يودّ لو يصفق الباب خلفه صفقاً! لكنه

تمالك نفسه، وأغلقه في هدوء.. ثم توجه إلى الملحق، حيث المائدة الصغيرة وأدوات الشاي، فأشعل الموقد الغازي، تحت إبريق الماء، يمعن التفكير، يبحث عن

حلّ لمشكلة ما.. لم يخطر بباله قط أنه سوف يواجهها في عمله الجديد!

ماذا يفعل إزاء جماعة من الناس، لصوص في ثياب وظيفيّة.. غضبوا لمحاربته التهريب والرشوة.. تكتلوا، ثم تحركوا ضده.. شكوا أمره إلى رئيس المركز، بدعوى أنه

يتعمد إعاقة حركة المسافرين لأسباب تخريبية.. مما دفع هذا إلى تنحيته عن ممارسة التفتيش بنفسه، طالباً منه التخفيف من حماسته في أداء الواجب، والاكتفاء

بالمراقبة من بعيد!!

لم يفت رئيسه، بالطبع، شكره على ما كان يبذله من جهد.. قام بذلك مبتسماً، شارحاً له أن في المبالغة ما يشابه الإهمال في أداء الواجب، إذ ليس كل من حمل شيئاً

من لبنان، يعتبر مهرباً.. وأن معاملات الرسوم الجمركية تستهلك الوقت ذاته، سواء تعلّق الأمر بمئات ألوف الليرات، أو بضعة عشراتها، لذلك لا طائل من إضاعة

وقت الموظفين من أجل بضائع أو رسوم تافهة..

* * *

أنهى ترتيب بعض المعاملات، وهو يرتشف الشاي، يزمع العودة إلى داره في وقت مبكر.. وكان قد اكترى مسكناً متواضعاً في المنطقة ذاتها، داراً، أعدت لتكون مركزاً

لمزرعة صغيرة على سفح تلّة صغيرة تشرف على مركز الحدود.. وفجأة، حين سمع نقراً على باب مكتبه.. لم يردّ عليه.. ثم تكلّم بنزقٍ، يأذن للطارق بالدخول وهو

يتوقع دخول مرؤوسه.. الذي يأتيه، كعادته، بإحدى المعاملات المخالفة للقانون.. طالباً منه التساهل بشأنها.. مستعطفاً إياه.. يقسم أشد الأيمان أن لا منفعة

شخصية له من وراء ما يطلبه، عدا الرأفة بصاحب المعاملة، المسكين!

رفع ناظريه، وإذا "هيلانة" تقف بالباب.. ثغرها مفتّر عن ابتسامتها الساخرة، اللطيفة.. تتردد في الدخول.. تقول له، هامسة..

- "يسعد مساك.. بفوت؟ ولا.. خلص الدوام؟.. ألي الموظف.. إنك رايح علبيت.."

نهض عدنان على الفور.. مستنداً على ذراعي مقعده، وتقدم منها، مرحباً.. يتمتم أنه كان على وشك الخروج.. فسألت..

- "مع مين بتنزل عالشام؟ .. بدّك وصلك معي؟..

ولما أخبرها أنه لايذهب إلى دمشق.. ولا يسكن فيها.. بل يقطن في المنطقة ذاتها، على بعد عشرات الأمتار من مكتبه.. لا يزور العاصمة إلا أثناء العطل الأسبوعية..

فتحت عيناها الكحلاوين دهشة ولهفةً.. وسألت..

- "ومع مين ساكن هون؟.. يا دلّي.. إنت لوحدك؟ لسة ما اتجوزت.. بعد؟.. عايش لوحدك؟.."

أجابها مبتسماً وهو يقفل أدراج مكتبه بالمفتاح.. ويتشاغل عن النظر إليها بتصفيف بعض أدوات الكتابة على مكتبه..

- "لأ.. لسّاتني عازب.. عندك شي عروس؟.."

قهقهت..في صوت عذب، خفيض.. وقالت..

- "ألله يأطعن.. ليش في أكتر من النسوان؟.. بس بدنا وحدة تناسبك.. إنت يا عمي، لسّاتك بتصلّي، وبتصوم.. إنشالّه فكرك ملاءات عروس إلك.. شغلة هينة؟.."

ضحك.. وقال بدوره.. متنهداً..

- "إيه.. الله بيفرجها.."

ثم جلسا.. ينظران إلى بعضهما.. في سكون وودّ حميم.. يبعث وجهها في نفسه ذكريات أيام خوال.. أرّقت شهوته لها لياليها، وأضرمت في جسده ناراً، جمرها لازال

تحت الرماد.. في وسعها الاستفاقة من سباتها في أية لحظة!! وراحت "هيلانة"، تمعن النظر في تقاطيع وجهه المتناسقة.. تنزلق نظراتها فوق نبضات الوريد في عنقه،

إلى خطوط أطرافه القوية.. والممشوقة.. تحط على عروق يديه، وأصابعه الطويلة المتحفزة.. يعيدها كل ذلك إلى ماضيها، إلى صباها.. وعذريتها.. وما كان يحرّك

شهوتها، آنذاك من تفاصيل في أجساد الذكور.. سألت، كأنها تحدّث نفسها..

- "على شو بتسهر؟.. هيك لوحدك؟.. مين بسلّيك؟.."

ردّ في بساطة..

- "عندي تلفزيون.. وكتبي.. ومجلات.."

ثم أضاف في أنس محبّب..

- "وعندي أطّة.. شو حلوي.. شأرا متلك.. إسمها "عطرة".."

سألت، "هيلانة" في تردد.. وقد غلبها الحياء..

- "بتورجيني ياها؟.."

- "ليش ما عندك شغل؟"

- " بينطرني "ميشيل" شويّ.. معليشي.. ياما نطّرني هوي!؟

* * *

نهضا.. متجهين نحو الباب.. وأدرك عدنان فجأة.. أن جميع من في المركز من موظفين سوف يلاحظون اقتياده امرأة إلى داره.. وحّدث نفسه بأن تلك أمور تخصه، وليس

من شأن غيره التدخل بها.. يدعم حجته بقوله إنما هي مجرد زيارة.. زيارةعابرة.. ثم يذكر نفسه أنها أول زيارة تقوم بها أنثى لسكنه.. وأنه ما حلم في يوم

من الأيام، أن تكون صاحبة تلك الزيارة الأولى، "هيلانة" ذاتها!!

ترددت "هيلانة" هنيهة، ثم سألته قبل الخروج من غرفة المكتب..

- "عندك حدا بيوصّلني عالشّام، أو عزحلة، إزا تركت "ميشيل"؟.. عم فكر إلو إني راجعة لزحلة.. حتى ولو ما طوّلت عندك.. هيك أحسن.. بلا ما يعرف إني رح زورك.."

أجاب عدنان في حفاوة وحماس..

- "طولي أدّ ما بدّك.. ألف مين بيوصلك لمطرح ما بتريدي!!"

- "طيب.. ومنين الطريء لعندك؟..بفضّل روح لوحدي لبيتك.. هيك أحسن.."

ولما وصف لها الدرب المؤدية إلى سكنه.. أقفلت، مسرورة لحذرها..

- "منيح.. سبأني إنت..أنا رح أول "لميشيل" إني راجعة عزحلة.. وبلحأك.. بعد شويّ.."

تمشت نحو دار عدنان، تسبقها أفكارها المبعثرة إليه.. تنظر في شرود إلى ما حولها من أشجار تعرّت من أوراقها.. وأخذت مصابيح السيارات المارة تكشف أشكالها

الملتوية.. ثم تختفي في عتمة الليل الداكن.

* * *

سرعان ما ابتعدت عن مجال أضواء السيارات.. تتقدم على نور مصباح باهت ينير مدخل دار متواضعة، مستقلة، لا يفصلها عن الطريق الجانبية إلا درب ترابية بللتها

الأمطار.. لحظات، وكانت أمام مدخل الدار، تطرق بابها في إلحاح، تدق قدميها على الأرض.. تحاول عبثاً تنظيف حذائها وحماية نفسها من زخة برد مفاجئة.. ثم

نظرت، متأسفة، إلى قدميها.. وتمتمت، تضبط قشعريرة برد مفاجئة..

- "ما عليك..هلأ بمسحلك ياهن.. يادلّي شو برد، برّا وشو دفا هون."

- "أعوزبالله.. شو تمسحيهن.. شو نحنا غربا؟.."

وقام عدنان على الفور إلى عصا في طرفها ممسحة، يزيل آثار الطين عن طرف السجادة. ثم تمتم متردداً.. يتحاشى النظر إلى وجهها..

- "ليش ما بتشلحي كندرتك.. وتدفّي رجليك عالصوبة؟.."

أطلقت ضحكة تموَه فيها عن ارتباكها.. وقالت..

- "ليش.. أنا مطوّلة؟.."

ثم عادت إلى التلفت حولها.. تسأل في طفولية محببة..

- "وينها.. البسّة؟..بس.. بس.. تعي .. تـعي.. وينها؟.. شو يزهر إنها هربت مني؟"

نهض عدنان في شرود وهدوء.. وكان يجلس على طرف السرير.. فتقدم من حيث جلست "هيلانة"، قرب الموقد، في وسط الغرفة.. فجلس القرفصاء، أمامها.. يمسك كاحلها

بيد وباليد الأخرى، يخلع حذاءها في رفق.. لايفهم سبباً لجرأته، يقول لها.. وعيناه قد تسمّرتا لعينيها.. والوريد في عنقه يكاد ينفجر لما تدفق فيه من دمه..

- "يزهر إنك ما بتسمعي الكلمة.. أوام..يزهر.."

لم يدر، وقد جلس القرفصاء قبالتها.. وعيناه عالقتان على ناظريها، إلا وساعداه يمتدان في وجل وتصميم نحو جذعها.. يطوقان خصرها، في لهفة حائرة، مكبوتة.. يميل

عليها بكامل جذعه.. كمن تلاشت قواه..راكعاً على الأرض.. دافناً رأسه في صدرها العارم.. يعبّ من عبق ثوبها، وما لامسه جبينه وأنفه من تكوّر نهديها.. ليتمتم

لها، ولنفسه، كلمات وأصواتاً مبهمة.. اختلطت بزفير أطلقته "هيلانة" وهي تستقبل رأسه.. وتضم عنقه إلى صدرها.. تلفّه بكلتا كفيها المفتوحتين، وبكلا رسغيها

وأصابع يديها المتشنّجة!!

تمنى لو يقول لها أشياء وأشياء.. لو يبوح بأحاسيس غريبة، مفاجئة، تمكنت منه.. لو يكاشفها على الأقل، بأنه يحلم بتلك اللحظة منذ سنين، إنه ربما كان يجهل

ذلك! لكنه فقد السيطرة على شفتيه ولسانه.. فلم يحرّكهما إلا جائلاً بهما على جيدها، وذقنها، وشفتيها!

ولعلها أدركت ما فاضت به نفسه.. ما يدور في خاطره.. وودّت لو تقول إن انتظارها، هي الأخرى، قد طال، من حيث لا تدري! لكنها آثرت الصمت، أو أجبرت عليه.. تضم

عدنان إلى صدرها بكل ما أوتيت من رقة، ورغبة، عملتا كألسنة النار في هشيم جسدها!! يفهم كلاهما ما يخفق به قلباهما من إحساسات مفاجئة.. جارفة، وما يستعر

في جسديهما من شهوة مكبوتة متبادلة.. لا يتوقف الكلام في ذهنيهما .. لكنه يسيل في أقنية تلتف حول نفسها.. لتقود إلى الشفاه، وقد تدفق عبر تلك سيل جارفٌ

عاتٍ من شهوة الشباب الأولى..فجّرتها عفوية اللمسة الأولى.

* * *

فتحت "هيلانة" عينيها في الفراش برهة.. وما هي إلا لحظات حتى استغرقت في نوم عميق.. تحسّ بثقل ساعد عدنان، وقد لفّ صدرها.. وأحاطت يده نهدها.. تصغي لأنفاسه

الهادئة الرتيبة، وقد نام، ورأسه على كتفها.

تملّصت منه، في رفق وسكون.. واستوت في الفراش، رأسها على كفّها.. يتكئ ساعدها إلى المخدة.. لا يشوب سكون الليل إلا صوت ناعم مخملي.. ينبعث من المدفأة التي

انتشرت أشعة لهبها النحاسية.. تتلاعب فوق جميع ما وقعت عليه من أثاث الغرفة.

أمعنت النظر في وجه عدنان المسدل الجفنين.. وكاد رأسه يغوص في إبطها.. تتلقى أنفاسه الدافئة الناعمة على نهدها، تنبعث من شفتينن مفترتين، كأنما إلى وشك

البوح لها بما لم تتلفظا به خلال ساعات الهوى!

ماذا بينها.. وبينه؟.. ما أكبر الفارق بين عدنان.. الجسد المفتول.. المكتمل التكوين.. وعدنان.. الفتى البكر،الحييّ.. النضر الروح، الزكي الأنفاس، هذا الذي

كان يضاجعها منذ برهة.. يا لغرابة ظروف حياتها! كم تحمل تلك الظروف من مفاجآت مذهلة!!

دققت النظر في ساعتها.. فلم تفلح في استطلاعها الوقت..هل توقظ عدنان؟.. ومرّ في ذهنها، فجأة، أنها قد تندم على ذلك.. وأنها، لوأيقظته، فهي تخشى اختفاء الفتى

الذي تكشف لها منذ ساعات.. وقد يفتح عينيه، عدنان، الرجل، ذلك المتحفظ البعيد.. عدنان الصلاة والصوم، والصمت المطبق!

ماذا بينهما؟.. ماذا تريد منه؟.. ولماذا تناديها تلك الأرض.. الخصبة.. البكر.. وهي التي تعلم أنها لم تعرف في حياتها إلا الطرق المعبدة.. طرق التنقل والترحال؟..

عادت تملّي النظر من جفنيه المسدلين، الأهدبين.. تقترب بنهدها من شفتيه المفترتين النائمتين.. تلامسهما في حذر.. تسأل نفسها.. ماذا تريد من ذلك الطفل؟..

ماذا تودّ له؟.. وهل من مكان في حياتها لعلاقة لابدّ أنها ستكون متطلّبة، جارفة، عطشى، مع إنسانً ذي نفس غضة مثل نفسه؟.. أليس خيراً لها أن تضع حداً

لما بينهما، في هذه اللحظة بالذات؟.. تنسحب، في سكون، وتختفي من حياته إلى ما شاء الله؟..

لم تدر إلا وهي تتملص ثانية من ساعديه.. تنزلق في هدوء تام.. وفي لمح البصر.. وكانت منتصبة على قدميها العاريتين، تجمع حاجاتها، في صمت .. ترتدي ثيابها..

تتدثر بمئزر صوفيّ كان على أحد المقاعد..ثم تفتح الباب، فتخرج منه، تتحاشى أثناء إغلاقه إصدار صوت يوقظ صاحب الدار..

هرعت إلى الطريق العام، تتجه نحو المركز الجمركي. تخطف نظرة إلى ساعتها، تتبين الوقت.. كانت الساعة تقارب الواحدة صباحاً، وسيل السيارات المسافرة قد انقطع،

وتحول إلى مركبة تمر كل عدة دقائق.. فتقدمت من أحد الخفراء، وهو ينهي تفتيش إحدى السيارات، وطلبت منه مساعدتها في تسهيل وصولها إلى دمشق.. نظر الخفير

إليها مليّاً.. وقال..

- ".. مو حضرتك يلّي بتركبي مع "ميشيل"؟.."

- "تمام.. بس هالمرة، إجيت مع ناس، انأطَعِت فينا السيارة هونيك.. دخل عينك.. مستعجلة شوي.."

- "مو حضرتك بتغني بل..بل..إي والله..في إلي صاحب ما بيروح لهونيك إلا بيشوفك.."

تبسمت "هيلانة" في سرور.. وقالت..

- "تمام.. وألو.. المرة الجاية يجي يشوفني.. ويألي أنو صاحبك.."

سرّ الخفير بدوره لقولها.. وجدّ في الطلب من كل عابر للمركز، أن يقلّها معه، ما هي إلا دقائق حتى صارت بعدها في سيارة خصوصية.. إلى جانب سائقها المتوسط

العمر.. تتجه نحو دمشق!

سرعان ما شدّها منظر الثلوج المتساقطة.. تراكمت على الطريق، وفوق السفوح وأشجار الصنوبر والسرو والسنديان.. تغريها أنوار السيارة الكاشفة على متابعة الانتباه

إليها.. نجوم براقة بيضاء تتراقص على خلفية معتمة، لا قعر لها، تنادي انتباه "هيلانة" وكأنها ترغب في منعها عن العودة في ذهنها إلى الوراء.. إلى ما تنازعها

من هواجس وانطباعات..

كان لتواقت تجربتها مع هطول الثلوج أثر طيب، مفرح، على قرارة نفسها.. اقترن نقاء الطبيعة في إحساسها من حيث لا تدري، بأنفاس عدنان.. حيث تمازج مع عبق بشرته،

المنبعث عطره من إزاره الصوفي الذي تلفّحت به قبل خروجها من داره..

* * *

تقبلت لفافة تبغ من صاحب السيارة.. تلحظه في عدم اكتراث.. لا يسعها إلا الإجابة، في دماثة عن أسئلة وجهها إليها.. تردّ في كل مرة في تأدب واقتضاب، كأنها

توحي إليه بالالتفات عنها.. ولعل ذلك قد زاد الرجل اهتماماً بها.. فوجئ بتحفظها و

عزلتها.. وهو الذي توقع من امرأة وحيدة، في الواحدة من الصباح، أن تكون أكثر ميلاً للمباسطة، والمزاح!.

تذكرت أن ساعات العناق لابدّ قد محت جميع زينتها عن وجهها.. فسرت لذلك، وغالبت رغبتها في النظر إلى مرآتها لتفحص وجهها.. الخالي من المساحيق، وأحمر الشفاه،

ما يشير إلى خفة أو ميل للعبث!

عجبت لنفورها من حديث الرجل.. وأنكرت على نفسها كرهها لمديحه الذي بات يضّمنه لكل سؤال، أو تعليق! ما الذي طرأ عليها من تغيير حتى باتت تشعر بذلك الاكتفاء

الداخلي.. وهي التي، حتى ساعات مضت، عاشت حياتها في مناوءة مع الآخرين.. في قراع دائم، شمل الأصدقاء واللأعداء.. لا تكلّ من المنازلة.. سواء في أمور

عاطفية أم في علاقات الحياة اليومية!. لا تثق بأي إنسان كان.. عرفت من أمور الرجال ما علمها أن الإطراء ما هو إلا أسلوبهم للوصول إلى فراشها!. لاتعرف

طريقاً للتحقق من صدق نواياهم، غير الكلام.. تطلق أسئلتها شراكاً لغيرها.. تصغي لإطرائهم في ريبة وحذر، تستزيدهم منه.. علّها تسرع في التأكد من خداعهم!

أو.. لعلها.. أخيراً أن تقع على عاطفة صادقة، طالما تمنتها وحلمت بها!

ماذا بها، في تلك اللحظة.. لاتكترث لما يقال لها؟.. تكره إطراء الرجل، وكأنه مسّ بأنوثتها.. أو بكرامتها؟.. ليس ذلك وحسب

بل تجلت في ذهنها فجأة أمور طالما أقصتها عن تفكيرها، أوكذبتها.. نصائح، وانتقادات.. أثارت نزقها أوغضبها في الماضي

.. راحت في تلك اللحظة تكررها على سمعها في هدوء.. تستجلي صدقها.. تحاول الاستفادة منها..كأنما هي على وشك عبور باب جديد في الحياة.. عوالم خالصة النقاء،

لاتوّد ولوجها إلا وهي على أحسن زينة وأتمّ هندام؟..

* * *

سمعت صوت الرجل يقول في شرود..

- "بتستغربي.. يا.. ست.. إزا بدّي إلّك.. بس بتعرفي شو ألي.. الموَزّف؟.. ألّي.. إنك مغنية.. بمحل.. مدري شو إسمو.. يخرب بيت العالم شو كزّابين.!"

كانت سيارته على وشك ترك طريق الصحراء المستقيمة.. وعبور طريق الهامة ثمّ دمّر، المتعرجة.. التفتت "هيلانة" هنيهة.. ثم عادت تنظر إلى ما يقابلها من ثلوج

لازالت ناصعة البياض، تراكمت أكواماً على جانبي الطريق.. ثم قالت، في لهجة كانت تودّها هازئة قاسية.. لكنها استدركت وملكت نفسها، وهي في ضيافة الرجل..

وأجابت

- "يعني.. المغنية حرف سائط؟.. على راسا ريشة؟!.. ليش شو فيها إزا كنت مغنيّة؟!"

قالت ذلك في هدوء وثقة بالنفس دفعا الرجل من النظر في عينيها.. ها هو ذا يبدو حائراً.. مستغرباً لماذا أوقع نفسه في موقف حرج؟!

قال، متردداً.. يجاهد في إخفاء ندمه، وحرجه..

- "لأ.. ما إلت شي.. ليش كل المغنيات متل بعضهن؟.. بس.. يلّي بيشوفك.. وفيشوف هيئتك.. ولا يمكن يحزر عنك.. إنك بتشتغلي بالليل.. "

ثم أضاف، مستدركاً..

- "يعني إنك بتغني للناس.. بالليل... يعني ما تآخزيني بهالكلمة.. ست حلوة.. وزغيرة.. وبلا مكياج.. وبعدين.. حتى لبسك كمان.. هيدا الشال الرجالي.. مسلاً..

بيحطوه بباريز.. اليوم آخر موضة.. "

أمسكت"هيلانة" بطرف مئزر عدنان، تشده في رفق على جسدها، تحكم لفه على جيدها..وأكتافها..

قالت متشاغلة عمّا دار بينهما.. وقد وصلا إلى مشارف دمشق..

- "هيانا وصلنا.. ياي شو ما أحلى هالوادي، بالتلج.. والليل.."

- "بتريدي وصلك لشي محل بالشام؟.."

ردت مبتسمة في شرود..

- "كنت بدي روح عالشغل.. بس هلّلأ تأخرت.. فيك بحياتك توصلني عباب توما؟.."

التفت الرجل إليها، متعجبا.. وسأل...

- " باب توما؟.. يمكن نكون جيران.. شوفي هالصدفة!.."

- "ليش لأ.. كل شي معؤول.."

- "بتعرفي إنو لسّا ما تعارفنا؟..شو الإسم، بالخير؟.."

سألها ذلك، ثم أدلى بإسمه.. فلمّا سمع إسمها.. تابع التفاتاته المتقربة.. كأنه ينتظر منها الإدلاء بالمزيد من الأسماء والصفات..ولمّا أعياه الانتظار.. سألها

مبتسماً..

- "الإسم.. ما خبرني شي.. إنتي من عنّا، يعني عنّا؟.. وللا ضيفة.. بباب توما؟.."

أدركت "هيلانة" أنه يسألها عن عقيدتها.. فابتسمت في تعالٍ، كأنها تستنكر التفاته إلى أمور لاأهمية زائدة لها..وهي التي كانت إلى حين.. بل قبل ساعات مضت..

لا تكمل حديثاً مع إنسان غريب إلا بعد السؤال عن بلد مولده، والتوثق من ميوله، وعقيدته!

- "أنا.. إمي من باب توما، والبابا من زحلة.."

ثم أضافت.. مازحة..

- "شو بدك أحسن من هيك؟.."

تحمس الرجل لدى سماعه إسم بلدتها، وقال..

- "زحلاوية.. وما إلتيلي من الأول؟.. الله يحيي أهل زحلة.. ويشدّ بيعزمهن.."

لم يسع "هيلانة" إلا العجب أمام حماس الرجل.. فسألت..

- "تخمين إلك حدن بيزحلة؟.."

- "ليش ضروري يكنلي حدا؟.. معركة زحلة، معركتنا.. زحلة وجونية بلدنا.. الله يحيي أهلها هالصامدين!!."

أزاحت "هيلانة" عينيها عن الرجل متطلعة في شرود إلى طرقات دمشق المقفرة، المدثرة بثوبها الناصع البياض.. تعجب ممن باتت تلقاهم هنا وهناك، من أناس بدأ يستعصي

عليها فهم دوافعهم.. لاتفهم، في الوقت ذاته، معنىً حقيقياً لعجبها، وهي التي تعودت سماع الحماسة العمياء لجميع قضايا الأرض، بجميع مذاهبها الدينية، من

جميع من عرفتهم من بشر!

لكن تساؤلاً جديداً نما في إدراكها.. وهي في طريقها إلى الدار الدمشقية.. ما الذي يحرك عصبية بعض الناس تجاه قضايا بعيدة عنهم. يتنازع عليها أناس، لا سبيل

لمعرفة أحد منهم؟.

لماذا يتبنى الإنسان فجأة قضايا غيره.. فتصبح قضية حياتية له.. ولو سار على هذا المنوال، لجعل من أي نزاع، قضية مصير في حياته!! ثم.. وهذا هو الأمر.. الأدهى..

كيف باتت تطرح مثل تلك الأسئلة في ذهنها.. تعجب لنصرة إنسان لأهل بلدتها.. وهي التي كانت إلى حين، تقف إلى جانبهم.. على السرّاء والضرّاء.. سواء كانو

في نظر الآخرين عل حق، أم على باطل؟..

توقفت السيارة أمام باب دارها الشامية القديمة.. فشكرت صاحبها.. وترجلت، تشد إزارها على صدرها.. تعلم أن عبق بشرة عدنان يكمن وراء جميع ما مرّ بها، منذ

تركته.. وأنها سواء عادت إلى زيارته، أم لم تعد.. فإن شيئاً جديداً قد تفتح في نفسها!!.. باب تجمعت ظروف حياتها في الماضي، حتى تلك الليلة، على منعها

من ولوجها!.. باب جديد استطاعت أن تلجه اليوم للمرة الأولى في حياتها..

images/clip_image