الفصل الخامس
فتح "عدنان" عينيه في تكاسل، قبيل الفجر، ليجد فراشه خاوياً من دفء جسد "هيلانة".. وغرفته خالية من أي أثر لها.. كانت نيران المدفأة قد انطفأت.. وحل مكان
الدفء صقيع الثلج المتسرب إليها من تلك الثلوج التي تراكمت كتلاتها على أشجار الصنوبر وسفوح الجبال البعيدة التي تشرف نافذته عليها.. تنهّد، وإذا بزفير
بدا بخاراً متصاعداً كدخان التبغ.. فسارع إلى ستر رأسه بغطاء سريره الصوفي.. يمنع هواء غرفته البارد من التسرب إلى جسده العاري، الذي عرف جسد "هيلانة"
منذ حين..
لم يجد غرابة في اختفاء "هيلانة" من غرفته.. وهل كانت وهي بين ذراعيه، إلا سراباً لم يطمع في امتلاكه إلا للحظات! أغمض جفنيه في دفء فراشه، يستدعي ذكريات
الليل.. يسترجع تلك الدقائق التي سبقت لقاءهما.. ذلك اللقاء، الملتهب، المحموم.. ها هي الشهوة تستعر في جسده من جديد، وهو يذكر ما كان بينهما.. يحار
فهمه في ربط تسلسل منطقي لما جرى.. يستغرب جرأته في الأمساك بقدمها، وتنتابه قشعريرة طفيفة كلما استعاد تلك الثواني الأولى التي قادته إلى خصرها، ثم إلى
نهديها.. يتمطّى.ز يود لو يعانق الفراش حين يذكر زفرات "هيلانة" وهي تضمّ راسه إلى صدرها.. يدرك للمرة الولى، أن هناك ما يحرك الإنسان على الفعل، غير
طاقته الذهنية.. لغة أخرى تعبّر عن حاجات اخرى، غير حاجات القلب والعقل.. تترابط في تسلسل حركي يقود الإنسان إلى نتائج قد ينكرها العقل، بالغم من حتميتها
الواضحة، ونهاياتها السعيدة في تلبية إرواء عطش الجسد..
لم يتساءل عما نشأ بينه وبين "هيلانة" من رباط.. ماذا كانت بالنسبة إليه؟.. حلم قديم يعاوده على الدوام.. تحقق فجأة في حياته.. ثم تبعثر واختفى.. لايعرف
كيف.. ولا يدري ما إذا كان سيتبدى من جديد..
لم يدر إلا واشعة الشمس تسقط على سريره.. ومضات عابرة تجد طريقها إلى غرفته عبر سحابات سريعة، بدت لعينيه الناعستين كأنها تنزلق على نافذة غرفته.. تذكره
بنار موقده الخامد.. وبما ينتظره من صقيع إذا ما قام لإيقاده..
تلفت حوله، يبحث عما يحمي به جسده العاري إذا نهض من الفراش.. عجب حين رأى ثيابه المبعثرة.. وتبسّم طويلاً إذ انتبه إلى الداخلية منها.. كانت بعيدة عن الفراش..
تربض قرب المدفأة.. التي مكثا إزاءها قبل اللجوء إلى راحة السرير، وحماية أغطيته الصوفية الناعمة ودفئها..
سمع صوت الفتى الذي يأتيه بالخبزوالحليب، كل صباح.. ينادي بلهجة قروية محببة..ثم يقرع الباب.. فأذن له بالدخول.. وطلب منه إشعال الموقد.. مسروراً غلى ما
وفرّه عليه من مشقة النهوض، ومجابهة برد النهار المثلج..
سرعان ما سمع أزيز النار، يبعث الدفء في أوصاله قبل أن تصله حرارتها.. سره أن الثلوج قد قطعت الطريق.. وأنه، لو لازم فراشه، أو داره، طول النهار، فليس هنالك
من سيفتقد وجوده من الموظفين.. لكنه تذكّر ما سمعه من الخفراء، منذ أيام.. من أن جهة أمنية جديدة ستلتحق بالمركز في ذلك النهار.. جهاز مستقل، لاصلة له
بأي من أجهزته الأمنية الموجودة.. فهم أن اهتمامه سوف يتركز على ملاحقة شبكات تهريب السلاح، والمخدرات..
نهض من الفراش، يستر جسده برداء البيت الصوفي.. وتوجّه نحو مطبخه الصغير.. يجهّز لنفسه كأساً من الشاي..
صاح للفتى الذي أفرغ القمامة بعيداً عن المنزل، وأوشك على مغادرة الدار..
- ".. شو لسّا ما إجاكن غاز؟"
ولما ردّ عليه الفتى نافياً.. أردف يقول..
- "جبلي معك.. الضهر.. تنكة كاز أو تنكتين و..وبابور جديد.. خايف شي يوم ما يعود في غاز.. وجبلي معك لوكس.. كمان.."
وتمّطى.. قرير العين.. مرتاح البال.. لا يشغله اختفاء "هيلانة" من فراشه أو داره.. ولايتساءل، ما إذا كانت ستعود! حسبه أنها أتت.. لقد عادت إليه وأذاقته
من لذّة، ما كان ليحلم بها.. حسبه أنها موجودة في الكون.. في زحلة، أو في دمشق.. وأن عالميهما المتباينين مهما ابتعدا عن بعضهما، فلن تزيد المسافة بينهما
على عشرات الكيلومترات.. وأن الزمن الذي جمعهما.. لابدّ سيجمعهما من جديد!
* * *
خرج من داره يخبّ على الثلج مرحاً.. مستبشراً.. يسره أنه انتعل حذاء يمنع تسرب الماء إلى قدميه.. لايأبه لما يتعثر فيه مما اختف تحت سطح الثلج.. يعاوده
تفاؤله وحماسته لعمله، يمني نفسه في أن وصول المسؤول الجديد سيبدل في مجرى الأمور.. سيدعم جهده.. فيقمع التهريب، ويمنع الرشوة. تطيّر من سلام مرؤوسه الحار..
تبعه إلى مكتبه.. يسارع إلى المدفأة، فيشعلها، ثم يضرم نارها بسيل من الوقود، لا يدفع ثمنه.. يحدث "عدنان" عن قرب وصول موظف الأمن.. يطلعه عما سمعه عن
الرجل والجهة التي ينتمي إليها.. ثم عن افجراءات التي اتخذها المدير العام من إخلاء مكتبه له.. وتخصيصه بتلك الغرفة، ذات الموقع الهامن التي تتوسط المسافة
بين السيارات، ومبنى الإدارة.. سأله "عدنان" متعجباً..
- "وليش بدو يعطيه هالأوضة؟.."
- "هداك طلبها.. معلومك، سيدي.. لحتا يضل آعد بنص الطريق.. شايف الرايح والجاي.."
سرّ عدنان لما سمع.. فعلّق ساخراً..
- "الله بعتو..بلكي بتخف السرءة.. ويستحو يلّي ما فيهن دمّ.."
ردّ الرجل، يتشاغل عن النظر إلى رئيسه..
- "..سيدي..هادا ما ألو علاءة بالأشيا الزغيرة..ولا بيهتم فيها! هادا الحشيش.."
- " زغيرة وللا كبيرة.. كلها تهريب..و الزلمة، ضد التهريب.. مو معو.. موهيك؟!"
- "إيه.. الله يسمع منك.. بس بكرا بتشوف.. هادا مانو جايه ليوئف التهريب!، سيدي.. هاد باعتينو ليلخد حصة جملعتو"..
بهت عدنان لما سمع.. فاجأه أن يتنبه مرؤوسه إلى أمر فاته! هل يعقل أن تكون ظنونه في محلها؟.. لكم تسلءل هو الآخر، عن الطريق الذي تسير فيه الإجراءات، فيما
يتعلق بالمخدرات التي يتم ضبتها ومصادرتها.. وعن الطريق الذي تسلكه تلك المخدرات.. إلى حقيقة مصيرها النهائي.. إذا صحّ أن مصيرها الإتلاف! ثم.. نسبة
ما يتلف وما يضبط فيها.. أجاء الرجل حقاً ليحسن ضبط المور، ام ليحكم الاستفادة من هذا المورد الخفي للثراء؟..
* * *
كانت السيارات قد بدأت بالتوافد..تتحرك في حذر وهدوء..وقف إلى نافذة مكتبه المطلة على الفناء الجمركي، حيث الغرفة المعدّة للمسؤول الجديد.. يراقب وصول سيارته
العتيدة.. تسعى وراءها سيارة ضخمة هرمة "روفر" صممت لشؤون الزراعة، والأراضي الوعرة.. ترجّل منها عدد من الأنفار المبرقعين، تسارعوا في هرج مريب، يدرؤون
عن سيدهم خطر عدو مجهول خاف عن عيون غيره .. لعله شبح، وقد يتقمص فجأة صورة إنسان أو حيوان!!
هرع اثنان منهم نحو سيارة أحد المسافرين، وكان قد تركها مصادفة، قرب مدخل الغرفة، فبل وصولهمن وليس في الغرفة المهجورة ما يثير الاهتمام، ولا علىبابها الموصد
الذي تراكمت على عتبته الثلوج، ما يحظر التوقف أمامها أو ينبئ أن يداً جليلة ستفتحه بعد حين.. تقدما من السيارة، يلفان ويجولان حولها في حذر، وغضب.. يلعنان
صاحبها.. يضربان على ظهرها بأكف أيديهم، لعلها تنادي صاحبها المشغول عنها بمعاملة الدخول.. وكان سيّدهما قد ترجّل من سيارته، خلف تلك السيارة اللعينة..
التي احتلت مدخل مكتبه.. فمرّ من أمامها، ينظر إليها شزراً، مما شجع الرجلين على السعي لترجمة نظراته فما كان من أحدهما إلا أن ضرب زجاجها الجانبي بمقبض
سلاحه.. عدداً من المرات، حتى تحطم وتناثرت قطع الزجاج فوق الثلج.. ومدّ يده يضغط البوق..لم يرفعها عنه حتى أقبل صاحبها.. يركض نحوها، مسلوب الفؤاد والإرهدة..وقد
روّعه ما سمع، وما رأى.. فاندسّ وراء مقوده، لايناقش فرسان الوطن.. ولو فعل، لأصاب جمجمته مل ناب زجاجا سيارته.. فأدار محرّكه، ةانسل هارباً.. مفسحاً
للسيارة العتيدة المجال للتقدم عدة أمتار، لاحتلال مركزها على باب سيّد المكتب الجديد!!
* * *
تراجع عدنان عن النافذة خطوات، مذهولاً.. ثم استار متجهاً نحو مقعد مكتبه، فتراخى فيه.. لا يجد تفسيراً لما رأى!!لا يفهم سبباً لالتحاق ذلك الرجل ومعاونيه
بمركز جمركي.. شبه مدني لم يسبق أن قامت فيه مشكلة تتطلب حلها العنف.. أواستوجب فهمها اللجوء إلى السلاح!! ترى، هل ستكون لهذا الرجل علاقة به؟..نفى
ذلك في ذهنه على الفور.. وفتح أدراجه،متشاغلاً.. يخرج منها بعض المعاملات، يسرع في إنجازها..
دخل مرؤوسه يحمل بريد المعاملات، وكان كهلاً ، بديناً قديم العهد بمهنته، على دراية واسعة بالأمور الوظيفية وتلافيفها.. تقدم في خطوات قصيرة حذرة.. يضع
رزمة الأوراق والمصنفات في علبة مكشوفة، مخصصة لها.. ويرفع ما أنجز من معاملات.. تجمعت في علبة أخرى..
تفقد مصنفاً مقصوداَ بذاته، كان قد وضعه في مكان بارز.. فلما تبين إشارة الرفض عليه، تنحنح، ثم قال..
- ".. سيدي..شو الزاهر هي المعاملة رفضتوها؟.."
رفع عدنان عينيه إلى الرجل، يستوضح معنى سؤاله..يستغرب عقمه.. وقال..
- "نعم.. رفضناها.. ليش.. في مانع أرفضها؟.."
تململ الرجل.. وقال..
- "سيدي.. هي المعاملة يللي حاكاكن عليها أبوعبدو.. أرايب المدير.. وبعدين،.. سيدي.. هي شغلتها زغيرة.."
- "أي نعم.. حاكاني عليها.. وما مشي الحال.. حضرتك.. عندك مانع؟.."
ردّ الرجل على الفور..
- "لأ، أنا ما دخلني.. قسماً بالله.. أنا ما عم إلك هالشي إلا لمصلحتك.."
وإزاء نظرة العجب التي تبدّت على وجه عدنان، أردف يقول..
- "سيدي.. هي شي سابع، يا تامن معاملة بترفضله ياها.. هدول.. معلومك.. ما بيسكتو على هالشي.."
أجلب عدنان.. وهو يكتم استياءه..
- " يا أبو سمير.. هالحكي، لمصلحتي؟ وللا لمصلحتك؟.. وللا، لمصلحة مين؟.."
- " والله، يا سيدي، لمصلحتك إنت.. لكان في موزف هون من سنين .. ما رضي يئبض.. ولا يمشيلهم معاملات.. بتعرف شو عملو فيه؟.. رتبوالو تهمة.. لبسو أضية.. عملوه
إبه مرتشي فيها!! بيجي عالبال هالشي؟.. تهموه بالأبض الزلمة الوحيد يلّي ما بيئبض!!"
أمعن عدنان النظر في محدّثه.. يحار ماذا يصدق من أقواله.. وما عاد في وسعه استجلاء الضدق ن أقوال المحيطين به!، ثم عاد إلى أوراقه، ينظر إليها، وينهي الحديث..
- "أنا.. معاملة، مخالفة، ما بمشي.. وهي أول وآخر مرة، بسمع هالكلام منك، وكل واحد بيعرف شغلو.. تفضل.. وخود هالمعاملات للديوان.."
لم يكن في لهجة عدنان الصارمة أي ترفع، أو جزرٍ، يمكنهما الإساءة إلى شخص مرؤوسه.. ولعل هذا، أدرك صدق سجية عدنان.. وأن الأمر بالنسبة له يتعدى حدود عظم
المخالفة، أو ضآلة شأنها..
* * *
خرج من الغرفة ينظر إلى مكتب رئيسه، شارداً، في ودّه قول أشياء لا يحسن التعبير عنها.. لقد تعود طرق المساومة.. وأتقن أساليب طرح المعاملات على بساط الأخذ
والردّ، دون التلفظ بكلمات المقايضة.. يصل إلى الثمن من غير ما حاجة إلى ذكر المال، أو الرقم المطلوب.. لكنه ما تعود، أو لعله نسي، سبل إقناع غيره!!
وكل من جلس وراء ذلك المكتب، منذ سنين، ما سعى إليه إلا وهدف الثراء العاجل، نصب عينه.. يعرف سلفاً أن لا سبيل للوصول إلى ذلك، إلا عن سبيل الرشوة. ولعل
عدنان كان يعلم أن مرؤوسه بالرغم من مسؤوليته لايتحمل ذنب الجهاز كاملاً.. فهو خلية في جهاز عضويٍ أصابه المرض.. لا تستطيع التفرد بمصيرها.. فماذا عنه،
هو، ضمن ذاك الجهاز؟.. وأين مكانه منه؟.. كيف يوفق بين ما تأباه نفسه، وبين ما يرفضه الجهاز؟..هل أخطأ إذ التحق بعمله الجديد؟.. أي عمل في وسعه أن يوفر
له تلك الحياة الهادئة التي يحب، في مسكنٍ مستقلٍ، في حضن الطبيعة؟..ثم.. وهنا عادت غبطته إلى نفسه، وهو يذكر ساعات الليلة الفائتة.. كيف كان له أن يلتقي
"هيلانة" ، لولا عمله ذاك؟..
* * *
كاد أن ينسى ما جرى حوله.. حين سمع نقراً من مرؤوسه على باب غرفته.. أذن له بالدخول، فإذا بالرجل يدخل على عجلً، وفي كل يدً كيس يصدر عنه حفحفة الزجاج..سأله
على الفور
- "خير شو هاد؟.."
- "سيدي.. هي هدية زغيرة.. من سمير.. "
فتح عدنان عينيه دهشة.. وقال
- "مين.. سمير؟.."
- "إبني.."
- "إبنك؟..طيب وليش الهدية؟.. وشو المناسبة يا إبن الحلال؟.."
- "..ليش.. ضروري يكون في مناسبة؟ اليوم.. سيدي.. الأعياد جاية على الطريء.. وإبني اشتهالك صندوء وسكي.. شي رفيع.."
تبرّم عدنان.. لا يخفي ضيقه.. وقال..
- "يا أبو سمير.. عم تحرجني.. بدون سبب.. بيشي ما بئدر إئبلو منك.. أولاً.. أنا ما بشرب.. لا ويسكي، ولا غيرو.. وتانياً، لا بعرف إبنك ولا بيعرفني.. شو
أصدك.. والله ماني فهمان.."
سارع أبو سمير للردّ.. في تواضع وحرج..
- "والله يا سيدي مالي لا أصد.. ولا شي.. والّ ليش ما عاد في بالدنيي شغلة إللا من وراها أصد.. ومنفعة؟.. لو كان عندي غير وسكي لهديتك ياه.. بس والله ما
عندي غيره.."
قال الرجل ذلك في لهجة، نجح في تلوينها بطابع الصدق، والنية الحسنة.. فلم يسع عدنان‘ بالرغم من شكه بنواياه، إلا التريث برهة.. ثم التمتمة بكلمات القبول..
والشكر الفاتر..
انفجر شدقا أبي سمير بابتسامة عريضة.. وقال..
- " وين حطّن.. سيدي.. هون؟.. وللا بالبيت؟.."
- "لأ.. شو هون.. خدهن عالبيت.. يا ابعتهن مع حدا.."
- "شو ابعتهن مع حدا.. أنا، باخدهن بإيدي.. ليش معي مفتاح، لكان؟.."
واتفت مبتهجاً، خارجاً من المكتب.. كأنه يخشى لو تأخر، أن يحدث ما يبدّل رأي رئيسه.."
* * *
قام عدنان يتمشى في مكتبه، يطل من نافذته.. يلحظ الفينة والأخرى حركة حراس الوافد الجديد.. أقاموا لأنفسهم حرماً.. حيّزاً حياتياً محرماً على غيرهم وهو يحيط
بمكتب سيدهم، وسيارتيه.. لا يعبره أحد غيرهم مما بدّل في وجهة الذهاب والإياب من مبنى الإدارة.. يلفت ذلك انتباه الجميع.. يتجنبون الأسلحة المكشوفة،
فيلفون في عجلة حول دائرة الحرس.. عائدين مسرعين إلى سياراتهم، سعيدين في الابتعاد عن مرمى أسلجة عميا، صمّاء.. لا علم لإنسان بما قد يثير غضبها!!
سمع طرقاً على باب غرفته.. بان بعده حاجب يستأذنه في الدخول.. ينبؤه بأن المدير يطلبه في أمر عاجلٍ.. فأسرع يقفل أدراج مكتبه، يتوجه نحو غرفة المدير، يتوجس
من تلك المقابلة، في ذهنه ما أطلعه عليه مرؤوسه، من علاقة القربى التي تربط بين صاحب المعاملة المخالفة المرفوضة والمدير..
* * *
عجب لابتسامة لطيفة على شفتي المدير.. استقبله في بشاشة، مشيراً إليه بالجلوس أمامه.. طالباً من الحاجب منع المراجعين عن مكتبه حتى انتهاء اللقاء.. ثم شرع
في حديث، طال، مداره تعدد الصعوبات التي تعترض العاملين في السلك الجمركي.. خصوصاً أولئك اللذين على عواتقهم تقع مسؤولية القرارات الهامة.. تصلهم الوشايات
من جميع الأصناف.. وبخصوص جميع الموظفين، فلا راحة لهم إن سمعوا بها، وعملوا على التدقيق، وفي ذلك ضيم للموظف أو إساءة لسمعة المشتبه به، ولا هم يأمنون
القيل والقال، إذا تجاهلوا تلك الوشايات.. وما اكثر ما يحدث ذلك، فينقلب الواشي عليهم، مشاً عنهم أنهم باتوا على تواطؤٍ مع المشتبه به أو كانوا كذلك من
الأصل!!
لم يفهم عدنان إلام رمى رئيسه من حديثه المسهب.. ولا ما يمكن أن يمسه، هو، من تلك المقدمة الطويلة.. وكان خلال إصغائه، ينقل النظر شارداً، فوق محتويات الغرفة..
فلم تفته ملاحظة خزانة منفرجة الباب، بان في داخلها، كيس مشابه لما أهداه إياه أبو سمير! بل إن رؤوس زجاجات الشراب كانت بادية للعيان.. لذلك، هدأت نفسه
وكان على وشك الظن بأن هنالك من ارتاب في هدية مرؤوسه له، فوشى إلى رئيسه متهماً إياه بقبول الرشوة..
زاد عجبهن إذ تنبه غلى أن المدير قد عرّج على موضوع الحرص والتشدد في اداء الواجب، مشدداً، هذه المرة على الحاجة الماسة إلى مراقبة الجميع، وتفتيش بقية
أجزاء السيارات، علاوة على صناديقها.. بصرف النظر عم!ا يسبب ذلك من إزعاج للمسافرين، متناسياً نصائحه السابقة بالرأفة، والتساهل التي حضّ عدنان عليها
منذ أيام، إلى أن قرر المدير تبرير ذلك التناقض، لعله لاحظ علامات الدهشة بادية على وجه عدنان، فقال..
- "السبب، يا سيد عدنان.. هو أنه إجانا تنبيه، من فوء.. إنه في عصابة، جديدة.. عالخط.. والتهريب ماشي من تحتنا.. من دون ما نحس.."
- "طول عمرو في تهريب.."
- "لا..لا..طول بالك.. الموضوع أكبر من هيك.. شوي.. أنه في حدا من عنا مشترك بهلعملية.. هي واحدة.. والشغلة التانية.. هي أنو الخدرات هالمرّةن مانها حشيش..
والعصابة، عم تشتغل بالهيرويين، والكوكايين.. وعم ياخدو على بلاد الخليج.. عن طريء الشام.."
كان من الطبيعي أن يدهش عدنان لدى سماعه أن هنالك من يهرب تلك المخدرات الأوروبية الخطرة.. لكن عجبه زاد بما دفعه لكتمانه، حين سمع مديره يردف قائلاً..
- ".. ويظهر.. إنو عمّا يدخلو البضاعة لعنّأ، صافية.. يعني تمن الغرام موشي 100 أو 200 ليرة!! الغرام.. تمنو يا سيدي أكتر من هيك بكتير.. يعني كيس زغير أد
الكف.. بيوصل تمنو لألوف الدولارات.. والله بيعلم أديش!!"
وكأن الرجل أدرك أنه يولي أهمية كبرى لموضوع القيمة الباهظة لتلك المخدرات، بدل الاهتمام بما تلحقه من أضرار جسيمة بأولئك الذين يتعاطونها.. فأطرق هنيهة،
ثم تناول موضوع ضررها.. واستفاض في الحديث إلى أن قال..
- "والمشكلة هلأ.. إنو باعتين هاد هالفارس، هللي إجا اليوم.. حتى يراقب التفتيش يا أما.. لحتى يراقبنا نحنا!!الله بيعلم شو في براسهم!!"
- "يرائبنا؟.. نحنا؟.."
- ".. أبصر!! بس الزلمة جاية.. ناوي عالخير! يا أما.. عندو معلومات عن العصابة.. وبدو يكمشها لوحده.."
تبسَم عدنان فب لامبالاة، وقال..
- "إي.. الله وإيدو.."
ردّ المدير مستنكراً على عجلٍ..
- "ويحط إيدو على البضاعة؟..أي الله ما بيعود بيشوفنا ياها.. وبعدين.."
ثم استدرك قائلاً..
- "شو بيعرفنا شو يمكن يعمل فيها؟.. الزلمة معو زلمه.. وسلاحه !! وعلى اول غوّار الطوشة.. فاتح كركون على حسابو! بعدين مو بس هيك.. يمكن يا سيدي يكمشهن..
ويتركهن! بعدما يئبض.. بدون ما حدا يدرا بيشي.."
سأل عدنان، في جديةٍ..
- "إي.. شو العمل؟.."
- "العمل.. إنو صار لازم نحنا.. نرائبه.. الزلمة مانو آعد بمكتبه! انزيل إنت شوف.. آلولي إنو عم يفتش مع الخفرا.. وعمّأ يمرئ سيارات لوحده!..العمى!!شو هالمصيبة..
منين إجانا هاد؟!"
كان المدير قد أبدى من نزقه ما حرص في البدء على كتمانه.. فسارع إلى تمالك نفسه، ثم قال..
- "يا أخ عدنان.. المطلوب منك هلأ، هو إنك تفتح عينيك.. طبعاً.. من بعيد، لبعيد.. تنزل عالتفتيش.. متل أول.. يعني معلومك، هي شغلة دءيئة.. ما فينا نسلمها
لمين ما كان!!"
خرج عدنان من مكتب المدير، يهزّ رأسه عجباً مما سمع.. زاد أقوال مرؤوسيه على شكوك مديره، في ذهنه، فإذا به يصل إلى نتيجة صعب عليه تصديقها! هل باتت المخدرات
صيداً.. يسعى إليه؟
هل يعقل أن تكون هنالك جهات تسعى لاقتناص ذلك الصيد الثمين؟! وأن مديره في الحقيقة لا يريد منه الآن إلا مراقبة الصياد، لمشاركته على غنيمته!..
تمشى فوق الثلوج التي استحالت فوق الممرات الى مزيجٍ رماديٍ داكن، قذرٍ.. واتجه نحو رتل السيارات.. يراقب الخفراء في عملهم.. يتجنب النظر نحو غرفة الزائر
الجديد، حيث وقف صاحبها يراقب بدوره ما يجري، لا يلتفت إلى ما في داخل الصناديق، بقدر اهتمامه بأنواع السيارات، وأرقامها.. كأنه على علم بأمرٍ خفيٍ
على غيره.. يودّ أن يكون أول من يلاقيه.. ساعة حدوثه!!
images/clip_image