3

8 0 00

3

سماح قالت:

"أحببت حليمة، بكياني كله، ومنذ أول لحظة التقينا فيها. كانت شيئاً كان قد ضاع مني".

حليمة تكبر سماح ببضع سنوات. وتتقدم عنها، في الدراسة الجامعية، وفي وعيها الأخلاقي، ومستواها العقلي. يغلب عليها الصمت. وتستغرقها حالة من تصوف من غير طقوس ظاهرة. تعتز بانتمائها الإفريقي، وتحفظ عن أسلافها، أن نسبها يعود إلى جدين، من غرب وشرق أفريقيا الوسطى، وقعا ضحايا تجارة الرقيق القديمة، قبل مئات السنين، وانتهت رحلتهما، المكرهين عليها، في بلاد الشام. تمارس حريتها بطبيعة الغريزة، المضبوطة التي لا تجمح إلى إفساد حياة الآخرين. عاشت، على خلاف سماح، عمرها في الشتات. جاءت إلى غزة قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، للالتحاق بجامعة فيها. تعاني من انغلاقية المجتمع الفلسطيني، ولكنها تتسامى…

تابعت سماح: "أقامت معي، في شقتي في الدور العاشر، من بناية أنشأها أبي (بالتبني ) في عهد السلطة الفلسطينية. لم يمر على ذلك وقت طويل. كان أبي ( بالتبني) يشعر أنني بحاجة إلى شريكة تؤنسني في وحدتي، التي عانيت من قساوتها، الجوانية والبرانية، منذ بدأت أعي أنني عارية من أم ومن أب حقيقي. كنت أتبدد…حليمة جمعتني…"!!

ذات مساء، دخلت حليمة، وزميلة لها، متجر أبي سامي، الكائن في حي الأثرياء في مدينة غزة. التقطتا لوحين من الشيكولاتة. كانت تتحدثا بصوت مسموع، عن نية حليمة الانتقال من البيت الذي تقيم فيه، مع أسرة من أقاربها، إلى سكن مستقل…

التقط أبو سامي الخيط. بادر بتقديم قطعتين من أجود ما لديه من الشيكولاتة، إلى الفتاتين، لتستبدلا بهما، قطعتين رخيصتي الثمن، اللتين اختارتاهما. خطفت زميلة حليمة، القادمة من إحدى دول الخليج، القطعة من يد أبي سامي، وهى تصيح بفرح أنثوي: "ياي.. شكراً يا عمو، هذه هى الشيكولاتة المفضلة عندي". ثم أخذت أيضا، القطعة الأخرى، التي اعتذرت حليمة عن قبولها.

تجمدت عينا الرجل الستيني في نظرات تقفز من شهوة تغلي. كان صدر الفتاة ثورة نهود ريانة بالأنوثة التي تتحدى الذكورة القامعة المقموعة. تنهَّد من قاع نفسه. اصطنع ابتسامة رقيقة، قال بلهجة مجروحة، والفتاة تقرض الشكولاتة ببهجة،: "صحهْ وهنا على قلبك".

"كم تساوي هذه الشكولاته؟". سألت زميلة حليمة، وهي تغنج بجسد لدن، محشور في قميص وبنطال أحمرين، مشدودين على تماوج شبق، يرتخي حوله، شعر حريري، يلف وجها ناصع البياض، زاده إغراء، مكياج هادئ، وشفتان مرسومتان بعناية ربانية خاصة، تنفرجان عن ابتسامة يشرق منها حب منفلت..

رد أبو سامي: "الجميلة لا تدفع نقوداً"!

حدقت حليمة في عينيه. طأطأت رأسها. لم تنبس بكلمة. سألها: "هل أنت جادة في البحث عن مكان تقيمين فيه؟".

استعادت إنضباطها الداخلي وقالت: "أحاول ذلك منذ وقت طويل. يبدو أن هذه المسألة صعبة هنا!". وكانت، في الواقع، تصطدم بشروط، لم تتجاوب معها، يعرضها أصحاب شقق للإيجار.

"لا نزال أسرى أفكارنا القديمة"؛ قال أبو سامي. أضاف بحزم: "تفضلي غداً، صباحاً، بزيارتي، وإنشاء الله يحصل خيراً".

تواصل سماح: "ظلت المسافة بين أبي (بالتبني ) وحليمة، مسكونة بالصمت، رغم محاولات متعددة، منه، لإغرائها بالكلام، الذي كانت، بشكل عام، تمسك عنه. ولكن شفتيها الأفريقتين، كانتا، بركاناً من الشهوة، يمتزج فيهما، انفعال، شبقي للأمومة والذكورة معاً. حليمة لديَّ، بهجة حب، تعذبت طويلا بالحرمان منها، قبل أن نلتقي. وفيها أيضا، أتذكر مديرتي التي صفعتني بقسوة، في التاسعة من عمري…".

"سألتها: حليمة؛ هل تمتلك النفوس البشرية، عاطفة نبيلة، كما تمتلك الكلاب؟". لم تجبني، ومسحت كفها، دموعا تاهت في صحرائي الجوانية. وبعد هنيهة، شعّت فتنة ذ ات نكهة أفريقية، من عينها، قرأت في أساها: كانت جداتنا القديمات، يقمن، في وقت واحد، بطاعة السادة، في النهار، والانصياع لرغباتهم، في النهار وفي الليل".

قالت حليمة باقتضاب: "كان الخيار واحداً فقط".ثم سألت سماح: "هل تختلف الحفيدات عن جداتهن؟!".

وثابر سامي، على محاولاته، لاقتحام عالم حليمة الخاص. سألها مرة: "لماذا تتخلفين عن حضور الدروس الجامعية؟". كانت تصمت. وكانت سماح تنهره.

حضر سامي لزيارتهما، ذات مرة. كانت حليمة تشعل سيجارة، وتلف جسدها العاري ببشكير كبير، بعد خروجها من الحمام، الذي قضت فيه، ما لا يقل عن ساعتين.

ضجت دقات قلبه، وتجمدت عيناه، بين نهديها الممتلئتين بأنوثة تمتلك كبرياءها الفريد. انحسر البشكير عن فخديها. اضطرب سامي. أصابه زلزال الشهوة القديم، الصاعد من عنفوان الغابة الأولى. قال بنبرة ضالة: "لماذا خرج أبوانا من الجنة؟!".

قالت حليمة، وهي ترمي ظهرها، على السرير: "للأحفاد حق العودة!".

توهم سامي أنه كسب الجولة، قال بنبرة رقيقة ولهانة: "هل أنت تؤمنين بذلك، حقا؟!".

لاذت حليمة بالصمت. وقفت. لم تأبه لسقوط البشكير عنها. استدارت بهدوء نحو النافذة المزججة للحجرة التي جمعت الفتاتين مع سامي. انطلق خيالها في الأفق الحر المترامي في سماء البحر الأبيض المتوسط…

بحلق سامي في مؤخرة حليمة المندفعة فوق فخذيها الأسودين المكتنزين بنداء الشهوة المعتقة. انتفض. راودته نفسه أن يهجم عليها، كما يفعل النمر عندما يباغت الفريسة من خلفها. التفت إلى سماح. وقف بنزق. شق الهواء بصيحة معذبة. اتجه إلى الباب الخارجي للشقة. فتحه بعصبية. التفت إلى حليمة التي كانت قد استدارت في وقفتها. توسلت عيناه الخانعتان إليها. لم تنتبه إليه. جاح مثل كلب ينهشه الظمأ. مضى يتلوى… ويتوعد…