-2-

7 0 00

-2-

-أما زلت تصغي لما أقول؟! سألني يوسف.

-بالتاكيد. قلت.

-وهل تود أن أتابع؟!

-لا بأس.

صمت للحظات شرد بعينيه إلى أعلى. دائماً يحاول الصعود إلى أعلى، حتى في حركته داخل حصنه. قلت لنفسي. تحسس وجودي بجانبه. رفع يده في الهواء وكأنه يحاول أن يمسك بجزئياته.. ثم قال:

عندما تركتني وحدي وأفلت منها حبل دموعها، تقوقعت في أعلى بطنها. بدأ جسدها يرتجف، وتسارعت دقات قلبها. حاولت الصعود لاحتضنه بيديّ فاصطدم رأسي بسقف حصني. آلمتني الصدمة فرفسته بقدميّ صارخاً. صرخت هي. صراخ ملتاع مملوء بالألم واللوعة. أتعرف أنه ألم اللذة الممزوج بالسعادة؟ ظني أنها تستمدها من خيوط الأمل التي بدأت تنسجها خيوط الشمس المتسللة عبر نافذتها. سكنت حركتي، فاستسلمت هي لأفكارها. ضغطت نفسي وصعدت إلى عقلها.

-ماذا؟! سألت بهلع.

-صعدت إلى عقلها!!

-أوتريدني أن أصدقك؟!!

-هذا قرارك.. المهم أنني صعدت إلى عقلها، ولك أن تصدق أو لا. أخذت أمسك بأفكارها، الواحدة تلو الأخرى... وقبل أن تتجسد الفكرة وتنطلق، كنت أتفحصها بيديّ وأقدر إمكانية تحقيقها.

-وبماذا كانت تفكر؟!

قال:

إنه ولد "شموص". لا يكف عن الحركة التلقائية. أريحه وأفرد له مساحات كافية في أحشائي ويأبى إلا أن يتكوم في زاوية ضيقة.. هذا حق. قلت لنفسي، ولا أدري سبباً لهذا الالتصاق. سأسميه عبيد.. لم أحب الاسم ورجوتها أن تغيره. وعندما اصطدمت بعنادها التجأت إلى الرجل صلب الملامح الذي عاد إلى الحجرة عله يكسر إصرارها. ولقد نجح كما توقعت. لكنه نجاح مشروخ، إذ أصرت هي على الاسم الذي اختارته وأصر هو على اختياره. سأحميه من غدر الزمن.. تأملت هذه الفكرة وتسلل الشك إلي!! لقد آلمتها إذ مددت ساقيّ على طولهما فاصطدمتا بجدار جمجمتها. صرخت من الألم وعندما عدت كما كنت توقفت آلامها. لحظات ثم ازدادت. تسلل الألم إلى رأسها وبطنها، في الواقع إلى كل جسدها.. حزنت لأجلها. أخذت أطلق سراح الأفكار الزاهية علني أجذب انتباهها إليها. نجحت. لكن الألم كان يتسرب بين جزئيات أفكارها، فيزداد ثقل رأسها ويخف وزن أحشائها. تلتاع. تحسستني من خلف الجدار. لم تجدني. توقفت أفكارها. تسمرت نظراتها في اللاشيء. اندلعت نيران الشك في رأسي. سقطت من رأسها إلى مكاني. في طريقي تحسست قلبها. توقف قليلاً. أحطته بيديّ. ضغطت عليه بحنان. بدأ ينبض. تلاشت النيران في رأسي. استرحت. تحسستني بيديها وأفكارها. التصقت يدها بأنفي. اطمأنت، وصرخت أنا. كدت أختنق. قفزت إلى الزاوية الأخرى.

-ماذا حدث؟

-يكاد هذا، وأشارت إلي، أن ينفلت مني.

-أين عمي؟! سألت ذيبه.

-كان هنا منذ لحظات. ربما ذهب ليحضر سكيبه.

-أو يطول غيابه؟!

-لا أدري!!

نظرت إلى ذيبه.

-توقف!! ماذا قلت؟! سألته باستغراب.

-نظرت إلى ذيبه!

تدفق استنكاري وشكي من خلايا جسدي كله. طوقته أفكاري المتشككة. ابتسم. ازداد استنكاري. يستخف بقدراتي هذا اليوسف. قلت لنفسي.

-لا تنزعج. فقد صعدت إلى رأسها، ونظرت إليها من خلال عينيها. رأيتها التقت عيناي بعينيها. شعرت بما يدور في رأسها. ومع فقدان يقيني بأفكارها، إلا أنني ارتجفت من الخوف منها، فانزلقت بسرعة إلى داخلي ومن ثم إلى حصني.

لدقائق شعرت أنني أحقق ما أريد.. دقائق فقط.. بعدها صحوت. أبقيت نفسي ممدداً على تلك القطعة من القماش الملقاة على أرض غير مستوية. جلت بعيني أنحاء الحجرة.. تماماً كما فعلت ليلة أن قبضوا علي هناك في مخيم جباليا. عجباً.. الوجوه ساهمة.. ماذا يجول داخلها؟! من أين لي أن أعرف؟! الصمت يحتل مساحة واسعة، كما لو كنا وقوفاً في إحدى حجرات سجن عسقلان استعداداً للعدد -ساحدثكم عن ذلك في وقت لاحق.. لا تستعجلوا حتى لا تهرب مني الأفكار، فما أود قصه عليكم عظيم الأهمية.. أستميحكم عذراً.. فأنا لا أقص.. لكنني أقول الحقيقة.. لا بأس إن اعتبرتم ما أحكيه لكم طريقة مباشرة فجة.. فأنا لا أحب الغموض ولا الصعب من الأشياء.. أطلت عليكم.. لا بأس.. ربما كنت على حق.. فأنا قرأت روايا ستيرن وتأثرت بها.. لا يحق لي أن أحاكيها.. اعذروني إن فعلت. لكني لن أفعل- تتابعت تلاوة القرآن من إذاعة القاهرة.. ما الذي حدث؟! لا زالت حرب الشوارع مستمرة في عمان وباقي مدن المملكة... "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية.." ثم أطبق الصمت على الحجرة تماماً. لا زلت ممدداً.. تقلص حيز وجودي. تساويت وأرض الحجرة. ثم أعلن صوت مألوف لنا موت الرئيس.

-يا للكارثة!!

تلاشيت تماماً. درت عليهم جميعاً. محمود النجار.. في الأربعينات من عمره. ضعف أيامي.. عيناه مصبوغتان بالأحمر.. سالت دموعه بغزارة.. وبدون أن يحرك ساكناً، تحدث عن مشاعرنا كلها.. بحثت عن دموعي، لم أجدها..

-تمالك نفسك يا رجل.. قلت له مواسياً.

-لا زلت صغير السن، ولا تعرف ما الذي سيحدث لنا بعده.

مع كلماته ذات الصوت الشجي تداخل الحزن مع الألم والبلاهة في أنفسنا.

-هو رجل كما الآخرين الذين يستشهدون في هذه اللحظات.

نظر إلي. اخترقني بنظراته.. كأنه يأمرني أن أصمت فأنا لست بالذي يقدر عواقب الأمور.. أبقيت عينيّ عليه.. أحسست ببرودة جسدي تحرك جزءاً من ملابسي.. إنها تتطاير.. حملتني معها.. تلك لحظة..

قال عيسى أبو شنب الذي كان يجالس عدداً من رجال الحارة.. "سأسترد شبابي وأتزوج اثنتين.." .. "وزوجتك؟" سأله أحدهم.. "أتسمي تلك زوجة؟ حتى أنني أفيق من نومي مرعوباً عندما أجدها بجانبي..".

ثم بدأت البداية.. الإنسحاب إلى خط الدفاع الثاني.. آه قال عز الدين.. "تصوروا أنهم يريدون صيد الجيش الإسرائيلي في وسط سيناء للقضاء عليه.. "ولم الخط الثاني؟! "سأل أحدهم" هذه خطط القادة.. ولا أحد يعرف لماذا".. وقبل ذلك بيوم قال ذيب.. إن الدبابات المصرية تقدمت داخل الحدود وعندما نفذ الوقود، استولوا على الدبابات الإسرائيلية واستعملوا وقودها.. ثم بجانب جدار متداع أخذ أحدهم يبكي بحرقة ويقول لقد استفردوا بدمشق..

تمددت على السرير، ولأول مرة أحتضن مذياع أخي الذي كان محرماً علي. أخذت استمع إلى صوت الموسيقى العسكرية. بدأت دموعي تنساب بتواصل لفت انتباه زوجة أخي.

-ماذا حدث؟!

سألت بانكسار، فهي لم تعتد أن تسألني إما لأنها واصلت حقدها علي حتى الإهمال وكأني لست موجوداً، أو لأنها اعتادت أن تصدر الأوامر. لم أجب. ليس لأنني اكرهها، ولكن لأن قدرتي على الكلام انعدمت. بقيت صامتاً، لكني دموعي كانت تتحدث عني. وها هي ذي دموع محمود تتحدث عنه وعنا. عمقت نظراتها في وجهي ودموعي فازداد انكسارها. وظني أنها لم تطق الصبر أكثر وأنها شعرت بأن في الأمر شيئاً خطيراً.

-يوسف.. بربك أخبرني عن الذي يحدث..

كان الرجل لا زال يتحدث معلناً استقالته ومعها هزيمتنا. تطايرت أشلائي وغبت عن وعيي. ثم مع بداية الموسيقى العسكرية تلقفت أشلائي مرة أخرى وصحت فيها.. بل أنني صحت في نفسي..

-ألا تسمعين؟! ألا تفهمين؟! لقد انهزمنا واستقال ناصر.

انطلق منها صوت هادر، لا أدري أهو صراخ أن انفجار في داخلها. سقط المذياع على الأرض وسقطت أنا فوقه. هجم علينا أخي صارخاً "ما الذي حدث"؟ ولم أدر أأحدثه عن الذي حدث حولنا أو لنا.. لكني تمالكت نفسي وقلت له:

-انهزمنا واستقال ناصر وصرخت ذيبه من الألم.

انطلق منه صوت كخوار ثور أصيب بسهم مصارع جبار. تسمرنا في أماكننا. وفجأة انطلقت القذائف من كل مكان.

-سيقتلوننا جميعاً. قالت ذيبه.

كنا قد حفرنا خندقاً في فناء البيت، اندسسنا فيه، وذهب أخي إلى المطبخ. تكومت عائلة أخرى في إحدى الحجرات. تسرب البول إلى خارج الحجرة حتى وصلني عند مدخل الخندق. نظرت إلى الداخل، فرأيت إحداهن وقد بالت على نفسها، نظرت إلي باستحياء أن سامحني ولا تفضحني. كلنا مفضوحين هذه الأيام. لا بأس عليك قالت نظراتي. ثم انفجرت قذيفة قريباً منا. تطاير الدخان فصرخت ذيبه.

-إلحق أخاك يا يوسف.. لقد تطايرت أشلاؤه.

انزلقت قوة غريبة داخلي. قفزت وإذ أنا بداخل المطبخ.. "هل أنت بخير؟" ووسط الدخان أتاني صوته مرتعشاً.. "لا تخف فالقذيفة انفجرت خلف منزلنا.." تركته وانطلقت خارج المنزل..

"عد يا مجنون.." آخر ما سمعت منه، ولكني حملت جنوني واندفعت أبحث عن مكان الانفجار. منزل أبي غانم.. رجل عجوز مع زوجته وزوجتي ابنيه الموجودين خارج البلد. في وسط المنزل توت ضخمة كثيراً ما اقتنصنا منها بعضاً من ثمارها. عندها اشتد القصف، قام الرجل وحمل ملاءة بيضاء ربطها بعصا مكنسة وأراد أن يرفعها فوق أعلى شجرة التوت معلناً استسلامنا. لم يدر المسكين أنهم ليسو بحاجة لملاءته البيضاء، فقد أيقنوا من استسلامنا منذ اللحظة التي ساوت طائراتهم طائراتنا بالأرض وهي جاثمة على أرض المطارات.. يا أبا غانم، هل تخاف على بقية أيامك وتعلن استسلامك حفاظاً عليها.. يا بقايا رجل.. من أين أتتك تلك القوة لرفع الملاءة إلى أعلى شجرة التوت. اندفعت قذيفة إلى ظهر الرجل فأحرقته وتناثرت أمعاؤه على تلك الشجرة.. فاندلع صراخ أقوى من صوت القذائف.

-مات أبو غانم.

تناقلت الألسنة النبأ فاندفع جمع من الرجال إلى منزله. لملمنا بقاياه. وضعناها في كيس من الخيش. انطلقت القذائف بلا إنذار.. تفرقنا في أنحاء المنزل.. بعدها هدأت الأصوات فتجمعنا مرة أخرى.

ما زلت ممدداً في أرض الحجرة.. بحثت عن دموعي فلم أجدها. تحسست أفكاري فوجدتها قد تناثرت على مساحة الحجرة. أين تلك الدموع السخية التي اعتادت أن تتدفق من عينيّ بلا استئذان؟ اعتاد الجسد تلقي الضربات ففقد الإحساس بها. أرض بلا سماء وحجرة بلا سقف وأنا حتى أقل من وزن ريشة فلم أعد أحس بنسمة هواء واحدة.. إني أختنق. أطل وجه نقيب الشرطة عبر الباب.. مكفهراً كوجوهنا.. جال بعينيه في أشلائنا. لم ينطق. ربما فقد القدرة على ذلك. "أحقاً مات؟" لم يكتمل دوره بعد.. مقهور مقطع الأوصال. حاول لملمة ما يمكن لملمته. وفي منتصف الطريق مات.

مرة أخرى تحسست الدمع المتحجر في عينيّ. دفعت إحداهما فكانت ثقيلة عصية على الحركة. هل أصابتك رصاصة ولم تشعر بها إلا بعد حين؟ ربما هذا ما حدث لي. أبقيت على ذاتي كما هي.. مات الأمل؟ لا أدري ما سيحدث لنا بعده؟ لقد كان معنا. ولم يحدث ما تمنيناه. كان يحاول وكان عاقداً العزم على الفعل.. هل خذلناه؟! ربما هو الذي خذلنا!! ربما...

قطعنا النصف الأول من الليل.. المرة الأولى منذ سنة ونصف أشعر بالانتقال من نصف إلى آخر.

-محمود.. حاول أن تنام.

قلت راجيا. ربما كنت استدرج ذاتي للنوم.

-لا أستطيع.

-وهل ستبقى كما أنت هكذا جالساً؟ تمدد إذن وأرح جسدك مما هو فيه.

-لا عليك، نم أنت.

ومن أين يأتي النوم؟! ما تمنيته حدث: أن أقتلع القضبان وأنطلق. وها أنا ذا خارجها. لكن القضبان تلاحقني. حقاً إنني في سجن الكرك، لكن هذا مؤقت، وغداً سأحتضن الدنيا بذراعي.. ها أنت ذا تفلت من سوداوية رافقت أيام عمرك الماضية. أين هي؟! وهل حقاً أن لي أياماً ماضية؟! كذلك؟! لا تنس عادة. آه الجرح الغائر في الجسد المهدود.. غاده الرملي..

كانت بجانبي في كلية بير زيت.. يا للذكرى الحارقة. أحببت اللغة الإنجليزية منذ اللحظة التي جاورتني فيها. معلمتنا كانت نهلة القدسي، تلك التي أضفت على المحاضرات سحراً لا يقاوم. لم أتكلم معها عدة أيام، لكني كنت أتحرق شوقاً حتى يأتي موعد المحاضرة وأجلس بجانبها. وفي يوم وعندما كنا نقرأ بصمت إحدى القطع، سألتني..

-ما معنى كلمة "savage؟!"

ألم تجدي إلا هذه الكلمة لتسأليني عن معناها؟! لم تصادفني من قبل، صمت لحظات ثم:

-أين هي؟

اقتربت منها فأحسست رائحة عطرها قبل أن أستنشقه. قبل أن ألقي نظرة على الكلمة، ألقيت نظرة على الوجه القمري.. بلورتان تدوران في سماء كثر غيمها.. أذابتني اللحظة.. قوس قزح ارتسم وسط تلك السماء، فتوردت الوجنتان.. تجسدت أيامي كلها في تلك اللحظة.. أحسست بنظراتي تحتويها.. سحبتها.. ألقيت نظرة على الكلمة في الجملة. عرفت المعنى:

-أظنها تعني "متوحش".

قرأنا الجملة معاً. وافقت على صحة استنتاجي.

-أشكرك.

بل أنا من يجب أن أشكرك. الحرمان كله ذاب في تلك اللحظة. غادة.. أمنية الأمنيات.. أمنية العمر.. وفي هذه الأيام.. حقاً في هذه الأيام. وفي اليوم الثاني وبعد أن انتهت المحاضرة.

-يوسف.. أترافقني إلى المكتبة؟!

تخلص من ذاتك وانطلق.. لا تطيق الجلوس كثيراً.. الآن اعشقه.. غادة بجانبك وهي التي تدعوك.. وداعاً أيتها القضبان.

-لنذهب.

سرنا متجاورين. ليست بعيدة كما تمنيتها. حاول أن تنطق.. من أين تأتي الكلمات؟! الزمردتان تدوران في ذاك الوجه الذي تعتليه الغيوم بكبرياء متواضعة. نسمة هواء وتنهال الأمطار.. أين تلك النسمة؟!

-رائعة تلك المدّرسة.

أأقول صوت موسيقى هادئة انطلق من الأعماق فاستولى على أحاسيسي كلها؟! الأمطار الخفيفة تنعش النفس الظمأى..

-إنها حقاً رائعة..

ما كان مني إلاّ أن أردد كلماتها. وهل تدور في الأفق كلمات غيرها؟! بحثت عن كلماتي الزاهية فلم أجدها، كعادتي دائماً..

-غادة.

تابعت. لأول مرة أطلق حروف اسمها منفردة.. توقفت.. استدارت.. عانقت نظراتها نظراتي.. تحركت شفتاي بدون صوت. قلت كلاماً كثيراً لكنها لم تسمع.. "أنت هدية من السماء.. أنت الأمل الذي ليس بعده أمل. غاده.. يا أمنية النفس الملتاعة." تسللت أحاسيس هادئة إلى كل أنحائي.. لم أعد أشعر بالكون حولي "أنت.. أناقتك.. وجهك وتلك العينان المرسومتان بريشة فنان رائع.. غادة.." وفي منتصف اللحظة اغتصب أنظارنا أحد الرفاق.. من ذا الذي أعطاه الحق بملاحقتنا؟!وهل حدث ذلك؟! ربما قادته قدماه في طريقنا دون أن يدري.. وقبل هذا كله لم تعطي نفسك حق امتلاك الآخرين؟! نحيت كل هذه الخواطر جانباً وتابعت سيري بجانبها.. رغم توقف الحوار بيننا إلا أنه لم ينقطع في أعماقنا.

-لماذا توقفت؟!

-لقد اغتصب الآخر جزءاً من اللحظة، ولأن الكلمات تعثرت على شفتيّ.

-إذن لندخل.

وهكذا دخلنا المكتبة. وبدلاً من أن أجلس بجانبها ابتعدت عنها وجلست وحيداً. نظرت إلي مشدوهة.. أحسست بعتاب نظراتها.. ما باليد حيلة.. أخشى الآخر.. حساسيتي زائدة.. ولكن ماذا لو جلست بجانبها؟! من ذا الذي يستطيع أن ينتقد ذلك؟! وهل هناك داع للانتقاد؟! هذه الذات غير سوية.. و.. أتتك فلم تحافظ عليها..