-4-
إغفاءته كانت قصيرة. أدرت ما حدثني به في رأسي. عجبت منه وعجبت من نفسي. كيف لي أن أصدق كل ما قاله؟! واصلت الاستماع له. أغراني بحلو الحديث وغرائبيته، واستغل هو افتتاني به وتابع روايته بلا توقف. عندما رأيته يغفو، حاولت أنا أن أنصرف. وفي اللحظة التي قررت فيها أن أغادر، أوقفني بإشارة من يده. دققت النظر فيه، ثم صحت:
-يا يوسف يا بن يوسف الهلالي!! ماذا جرى لك؟ أتستخف بقدراتي العقلية؟!!
-من قال هذا؟! قال بحدة.
-بصراحة أنا لا أفهم ما تقول.
-أنت لا تريد أن تفهم!!
-كيف؟!
-اسمع:
بعد أن خرجت ذيبه مكرهة، بقي هو في الحجرة. لفت انتباهها إلى وجوده. طمأنتني وطلبت مني ألا أرتعب منه. لكنه موجود. قلت لها. وماذا في ذلك؟! قالت. ثم تابعت وصيتها -لاحظ كلمة وصيتها، هل تعني لك شيئاً؟! إذن انتظر وستعرف- لا تترك مخاوفك تأخذك بعيداً. كن قوياً وسينكمش هو على نفسه ويتركك طليقاً. وعلى مدى أيام عمري التزمت نصيحتها.
-ذيب. قالت بصوت ضعيف.
-نعم! قال.
-أريدك أن تعدني.
-بماذا؟
-أن تحافظ على أخيك.
-كيف؟!
-أن تلبي له احتياجاته.
-متى؟!
-وقتما يريد.
-سأحاول.
استمعت إلى كلامهم. استوقفتني كلمة سأحاول. إنها ليست وعداً. كلمة عائمة لا تعني شيئاً. كيف ستتم هذه المحاولة؟! ولماذا تطلب منه ذلك؟! استولى القلق على أفكاري. بماذا تفكر؟! لا.. لا أظن ذلك. احتمالات المستقبل، وهذه إحداها. ولكن ليس بهذه السرعة.
-لماذا تقولين ما تقولين؟! همست لها.
لم تسمعني. ضغطت على جدار عقلها بلطف. لكن صرختها أرعبتني وأرعبت ذيب الذي تململ في مكانه دون أن تظهر مشاعر القلق على وجهه. أنني أخيفه. سعدت لهذا الخاطر. كررت المحاولة مرة أخرى، فكانت صرختها أقوى من الأولى. الآن.. الآن فقط تسربت مشاعر الخوف والقلق إليه. غادرت عيناه. اندست إحدى يديه في جيب سرواله. لم ينطق. تململ في مكانه. دار بعينيه فضاء الحجرة. ثوان، ثم غادرنا. تدحرجت مشاعر سعادتي أمامها. اختلطت بأفكارها. انزعجت. ما كان يجب عليك أن ترعبه، أنه أخوك. قالت عاتبة.
-إلى أين ذهب؟ سألتها.
-لا أدري. أليس هذا ما أردته؟!
-نعم والآن كيف تشعرين؟
-ما دمت ساكناً، فأنا هادئة وسعيدة بصحبتك.
-سأبقى ساكناً إن كنت تحبين ذلك.
تركتها حيث هي وتجولت في الحجرة. من قال أنها حجرة؟! أكوام من الطين أخذت أشكال الجدران. أخشاب فقدت القدرة على الاعتدال بفعل ثقل الأحجار فوقها. أما النافذة. فلوحان من الخشب متوازيان. أن فتحتهما، تحتاج لوقت طويل لتثبتهما في مكانهما مرة أخرى. وإن لم تكن حذراً، فربما تصدع الجدار أو انهار بعض منه. لذلك يبقونه مغلقاً طوال السنة ليتخلصوا مما يسببه لهم من صداع. هل سأعيش هنا؟! سألت نفسي. لم أجب. ألغيت التفكير في المستقبل حتى لا أصاب بالإحباط الذي يبدو أنه سيلازمني فترات طويلة من حياتي.
-أين ذهبت؟! سألتني.
-ما زلت بجانبك.
-بجسدك فقط!
-ها أنذا أعود إليك.
-أسعدتني بانتظارك.
-انتظريني أنت..
تستجدي سرعة سير الدقائق.. أثقل عليك الزمن.. تباطؤه يقتل الرغبة لديك في الحركة. ألقيت نظرة في الفضاء.. تائهة كأفكاري.. صافية لا يعكر صفوها شيء.. وقفت. مددت ذراعيّ على طولهما. استدرجت تياراً من الهواء إلى رئتيّ. ملأني. ترنحت أجزائي للحظات. بعدها عادت كما كانت. طفت الفضاء مرة أخرى. كل شيء هادئ. غادرنا الجندي المتحفز. تجولت قدماي في ساحة السجن الواسعة، وتجولت المدينة في أنحاء الذاكرة المكتنزة. تحقق الحلم. وحدك في الفضاء الواسع. أنت لذاتك. اقتحمتك الحياة من حيث أردت. لا تنتظر. انزلقت عيناي إلى أسفل. التصق بالذاكرة.. "لص" وسلبتني إياه.. وذلك الجالس يشاهد ما يحدث.. اتركيه له.. سرقتني الذكرى فاستسلمت لها.
لا أحد حولي. أنا والفراغ والحرمان. حجرة ضيقة وشيء يقال عنه حامل عليه كومة من الأغطية. مددت يدي فاصطدمت بشيء معدني. التقطته. سحبت يدي من بين الأغطية. نظرت بذهول إلى ما تحتويه. نصف قرش. هدية لم أتوقعها.. هدية منها. ربما. نصف قرش.. جيوبه مملوءة بالقروش. يعز عليه مفارقة أحدها. يعشقها كفتاة رائعة الجمال. وعندما يخرج قرش منه، فإن الكتابة عليه تلتصق بأصابعه. حملت كنزي بيد ترتعش. حملتني قدماي خارج المنزل. تراقصت الأشياء أمامي، فأنا أملك نصف قرش.. عدوْت.. عدوْت وها أنذا في السوق.. طفته مرات عديدة.. مضى وقت طويل قبل أن أقرر مصير نصف القرش هذا.. أخيراً قررت.. كانت رائحتها تجتذب المارة.. وجهها النحاسي يدعوك لتقبيلها.. إذن هي.. هذا هو قراري.. اقتربت منها باحترام.. حاورتها.. استنشقت عبيرها.. تماماً كما استنشقت عبير غاده عندما دنوت منها.. تحسست كنزي الذي أحكمت قبضة يدي عليه.. لا بد من التنفيذ.
-أريد بنصف قرش.
التقطه البائع.. وضع سكينه العريض في خاصرتها.. لا تفعل ذلك يا رجل!! وهل مثلها يطعن بسكين؟! إن كنت لا بد فاعلاً، فكن رقيق القلب.. لا تدعه يغوص في أعماقها.. تحددت لي.. دفعت كنزي ثمناً لها.. سأتذوقها.. أتذكر تاريخ آخر مرة تذوقتها؟! سؤال صعب.. مرور الزمن أنساني اسمها.. كنت ألحظها من بعيد.. أكتفي بذلك.. تدور بي الدنيا، أو أدور بها.. وها هي ذي القطعة أمامي، حقيقة أمامي.. سألون معدتي بها.
انتظرت لحظات طويلة حتى اكتملت القطعة وتربعت بكبرياء على صفحة ورقة نظييفة. امتدت يد البائع نحوي. لم أهاجمها. ولم انقض عليها. عاملتها باحترام فائق. وبرفق مددت يداً مرتجفة. احتضنت ثمن كنزي. تركتها ترتاح في راحة يدي. نظرت لها طويلاً.. ثم نظرت إلى السماء الصافية. رأيتها هناك:
يا أم ذيب.. يا أمي.. اليوم سأحتضن الحياة.. سأتذوق طعمها.. سبحان الذي سخر هذا لي.. في أحلام يقظتي المتواصلة لم تلتقط يدي مثل هذه القطعة.. وها هي ترتاح في راحة يدي.. أودْ أن تشاركيني.. هيهات أن تتحقق أماني.. تأسرني الهموم فأنقطع إليك.. أنت التي تركتني مرغمة. وهل كان في الإمكان رفع يد القدر عن عنقك؟! لا أظن.. ها هي ذي في يدي.. ألا تشاركينني فيها؟!
-انتظر.
صوت قادم من لا مكان.. عصرت حواسي كلها.. أردت أن أتنبه.. "انتظر".. رفعت رأسي إلى أعلى.. صفاء السماء تجتاحه غيمة سوداء.. هل أتى الصوت منها؟!
-عبيد.
يا رب السموات والأرض!! أو تكون هي؟! الاسم الأثير لديها.. "عبيد" سأنتظرك ولو طال انتظاري. اقتربت الغيمة.. تتهادى باتجاهي.. يا أم ذيب! هل تكونين بجانبي الآن؟! لا أستطيع تجسيدك، فأنا لا أعرف ملامحك.. أعرف أن لي أماً.. أنت.. ولكن أين أنت؟!
-انتظر يا عبيد.
ضغطت على ذاتي.. اخترقت أفكاري.. ربما تجاورني.. يا خالق الخلق.. يا مطعم الطير.. يا مقدر القدر.. جد علي وأرسلها لي.. جسدها أمامي.. انتظرتها طويلاً.. وها هي ذي تناديني!
-عبيد.. أعطني قطعة.
الحمد لله.. الواهب والمانع.. القهار.. ها هي.. كل القطعة لك.. طوقيني بذراعيك.. تناسيت تلك المحتضنة راحة يدي.. وبدون أن أدري رفعت ذراعي بعنف.. عنف اللهفة. ودوران العاصفة.. هيجان الذات الملتاعة.. هتفت من أعماقي:
-أين أنت؟!
اهتز جسدي كله. ترتجف الأمنية وتقفز هدية السماء من يدي. تندلق على الأرض بدلال. يقفز معها قلبي خافقاً مستجيراً باكياً..
-تضحي بها على الأرض ولا تذيقني شيئاً منها!
من الوضع جالساً، جالساً حول قطعتي. نظرت إليه.. إليها.. لا أدري.
-أهذا أنت؟!
تجسد الصوت القادم من الغيمة السوداء في شخصه، وضاعت أمنية الأمنيات. اندلقت على الأرض في لحظة تعلق الآمال بخيوط الريح "أهذا أنت!" رددت السؤال من الوضع مكوماً حول أمنيتي المقتولة.
-كنت أريد قطعة.
كنت تريد قطعة، وكنت أنا أريد شيئاً آخر. ها هي ذي الأشياء كلها تستلقي على الأرض. تعال وجاورني. علنا نقتسم بعضاً منها معاً. كنت جاداً. ذهل. "تقدم يا عبد الرحمن". أحطتها بذراعي، وأحاطني الجمع. كان أطولهم. انحنى بجانبي. تركت له مكاناً. بدأنا نلتهم القطعة معاً. تجاهلنا الجمع المشدوه. جزئيات التراب التي علقت بما أكلناه تسللت إلى أمعائنا مع القطع الحلوة. لم نشعر بها. نهضت. استعذبت الصمت. ألقيت نظرة على ذاتي. تركت من كان حولي وغادرت. تركت الأماني العارية خلفي. غالطت نفسي. لقد سمعتها.
الهدوء الكثيف حدد حركتنا. ندور في مساحة ضيقة. كل منا تائه في ذاته. فجأة انسحب الهدوء. جندي.. آثر الهروب من المعارك الدائرة. ألقوه معنا في السجن. لم نحادثه، ولم يحاول هو. تصفحنا بسرعة. اكتشف أن له من العلو ما يمنعه من مخالطتنا. توارى عن الأنظار. عدت لما كنت فيه: أتأمل الفضاء الشاسع بلا ملل.
-أيها المعتوه.. توقف.
شق السكون صوت هادر. كاد الرصاص يلعلع. في اللحظة الحاسمة ألقوه أرضاً. ذلك الهارب من الخدمة استولى على رشاش من مركز الشرطة. جاور بناء عالياً وصوب رشاشه باتجاه القلعة التي يتمركز فيها مجموعة من الفدائيين. لو أطلق رصاصة واحدة لانتقلت جهنم إلينا!! انقض عليه شرطي فحفظ لنا حياتنا. ألقوه بيننا تلاحقه اللعنات. أيقن أنه رهن السجن. جلس ذليلاً بلا حراك. لم نحاول مواساته.. لا يستحقها.
-أو تطول إقامتنا هنا؟!
سألت بلا روح. لقد استولى القلق على أفكاري. رغبت في الحياة وأنا الذي كثيراً ما تمنيت أن أغادرها. عندما ألقاني الجندي الإسرائيلي وسط المجنزرة وألقى بحذائه الضخم فوق رأسي، تمنيت أن ينفجر لغم ويحول المجنزرة بمن فيها إلى كتلة من جهنم. احترق الألم داخلي. انتشرت البلادة في جسدي كله، انعدم إحساسي بالأشياء. تلمست أرض المجنزرة: باردة كأجزائي. ستسلمت. كان هدير المحرك يخترق رأسي بعنف، فيعيد لي إحساسي مرة أخرى. عندها يزداد ثقل الحذاء فوق رأسي. لم ألعن الزمن، لكني لعنت الظروف والظلام والأحلام الكاذبة. أخيراً توقف الركب. انعدم إحساسي بالمكان مرة أخرى. وقفت مذهولاً أحاطني أحدهم بذراعه الضخمة. لحيته الكثيفة زادت ذهولي.
-هل تتكلم العبرية؟ سألني.
-لا.
-والانجليزية؟
-أتكلمها.
-بطلاقة؟
-لا.. ليس كما تظن.
أوقفوني ووجهي للحائط. يداي مرفوعتان. قدماي، لذهولي، كانتا ثابتتين. استرددت ذاتي ثانية، وبدأت أشعر بإنسانيتي. عدت أنا كما أنا.
-تحرك.
تحركت في ممر طويل. أبواب زنزانات مغلقة وأصوات صراخ تأتي من بعيد. العتمة الخفيفة زادت رهبة المكان. لحظات صمت قصيرة تخترقها أصوات صراخ مرعبة.. ثم يعود الصمت مرة أخرى. وأمام باب مفتوح ألصق جندي قبضة يده بعنقي من الخلف.
-قف.
-توقفت.
-ادخل.
دخلت حجرة جرداء استلقت في أرضيتها طاولة مهترئة ومقعدان ليسا بأحسن حال منها.
-اجلس.
جلست ووجهي لجدار اهترأت واجهته.. ربما من صراخ أحد المعتقلين.. انتظرت.. وفجأة انبثق من لا مكان وواجهني.. هو ضابط الاستخبارات الذي ألقى القبض علي. تجمعت خيوط أفكار متناثرة بين يديّ.. سأحاول أن أنجو بجلدي.
-ماذا فعلت؟!
تسللت حروف سؤالها ببطء عبر الهواء الذي يفصل وجهينا إلى أذنيّ، ومن ثم إلى أجزاء قلبي.. تناثرت ذرات جسدي في اللامكان.. صعدت روحي وحلقت بعيداً.. تجمعت بقاياي.. وتسللت عيناي إلى عيونها.. ازدحم الهواء بأنفاسها وعبير عطرها.. نزلت عيناي من عليائها.. ثم وببطء ارتفعت إليها.
-غمرتني أحاسيس لم أعتدها فأثقلت علي.
انفرجت شفتاها عن ابتسامة ساحرة. لمعت حبات اللؤلؤ في فيها، تسربت موسيقاها إلى أذني..
-ما كان يجب أن تتركني وحيدة وتخرج..
ولكن الأيام قست علي فأصبحت أفعل ما لا يجب أن أفعله.. أثقل علي ظله، فكرهت أن أكون حيث يكون. خرجت.. رمقتني بنظرة لائمة.. لكنها لم تعدني حيث كنت..
-يجب أن تكوني رحيمة به، لأنه يملك مما فعل الكثير..
تدخل عبد الكريم. أحببت مداخلته. أنقذني في الوقت المناسب. دعانا لنتناول كأساً من الشاي. وافقنا، وفي الطريق قالت غادة.
-مهما يكن، ما كان عليه أن يغادر ويتركني وحيدة.. ذهبنا معاً، وكان علينا أن نعود معاً.
جاورتها في طريقنا إلى الكفتريا.. اقتربت هي مني.. أن تقتنص لحظات السعادة من بين شقاء الأيام المتراكم هي السعادة بعينها.. خفت عليها أن تسقط من بين يدي فأطبقت شفتي ولم أنطق.. حرفت مدار الذاكرة حتى تتقوقع في اللحظة.. نجحت.. عانقتها بنظراتي.. وددت لو أذهب معها إلى آخر الدنيا لنعيش وحيدين.. ها هي ذي الأحلام تطبق علي.. أعددت لها المكان فرافقتني رفقة لا أنفاك منها.. أقول لكم الحق إنها تريحني.. أهرب من قسوة أيامي وأتدثر بأحلامي، أنجح أحياناً، ولكني أخفق أغلب الأوقات..
-نحن نعرف عنك كل شيء و..
فقاطعته بهدوء.. أغراني أنه لم يكن شرساً معي حتى الآن.
-أريد أن أسألك.
نظر إلي طويلاً.. لعله قرأ ما بداخلي.
-ليكن.
-هل أنا إنسان أم حيوان؟!
استغرب سؤالي.. لكنه لم يستخفه.. ربما فاجأته.
-بالطبع أنت إنسان.
وهذه الإنسانية المهانة، ماذا أفعل بها؟! أن استلقي في منتصف المجنزرة والأحذية الثقيلة فوق رأسي وبقايا جسدي المنهك دائماً.. تسربت إنسانيتي وبقي الحيوان داخلي يصرخ بلوعة.
-إذا كنت كذلك، فلماذا عاملني جنودك بلا إنسانية..
فهم ما قصدت. جاراني في حوار الإنسانية، ربما ليستدرجني. ظني أن أسلوبهم مدروس: ضعوا المعتقل في أدنى درجات الإنسانية ليسهل استجوابه. الخوف والاحتقار والشراسة كلها تقودك إلى الهاوية.
-وماذا عن جنودكم؟! يقطعون جنودنا قطعاً صغيرة بعد قتلهم.
أعرف أن هذا ليس صحيحاً. لم أسمع عن ذلك من قبل. كان عليه أن يقول ما قاله ليبرر وحشية المعاملة.. وبسرعة قلت:
-أنا لست ضابطاً ولامسؤولاً عما يفعله الجنود، أما أنت فضابط ومسؤول عما يفعله جنودك.
ربما أعجبته الإجابة!! وربما جاراني في أفكاري لاستدراجي فقال:
-إذا فعل جنودي معك ذلك فأنا آسف. والآن قل كل شيء.
-لقد قلت كل شيء!!
رماني بنظرة طويلة ماكرة مهددة، ربما محتقرة وربما معجبة. ضاعف طول نظرته، فازدادت مخاوفي.. علي أن أحفظ نفسي ورفاق دربي.. حتى الآن كل شيء هادئ. لكنه هدوء مملوء بالقلق وبأسوأ الاحتمالات. ها أنذا وجهاً لوجه معهم.
-ستكون كومة من العظام محاطة بقطع لحم متهرئ.
-كيف؟!
-الآن سترى.
وفجأة دخل ضابط طويل. الشراسة في وجهه تنطق بكل سفالات الأرض. عرفت فيما بعد أن اسمه رحاميم. "جزار سجن غزة". هكذا وصفوه لي فيما بعد.. تمدد طولياً أمامي. عمود من الخرسانة.. نشر الخوف ليس في أجزائي فقط، ولكن في أنحاء الزنزانة كلها. دخل رجل آخر مربوع القامة، أبيض البشرة، سميك كدلفين خرج لتوه من البحر.. وقفا يستمعان للحوار بيني وبين ذاك الذي ألقى القبض علي.
-لو سمحت..
قاطعت المحقق بهذه الكلمات. صاعقة من سقف الزنزانة سقطت فوق رقبتي. شلت أفكاري. أعادتني إلى البداية التي حاولت تجاوزها.
-تكلم جيداً عندما تتحدث إلى سادتك أيها الكلب الضال..
تكلم جيداً.. "لو سمحت" تلك تستعملها عندما تسترد إنسانيتك، أما هنا.. فنحن سادتك.. "سيدي" هي الكلمة التي يجب أن تخاطبهم بها.. أو ليس هم من يقرر مصيرك؟!
التفوا حولي، وأنا بينهم كطريدة تقطعت بها السبل..
جلسنا حول طاولة نظيفة.. النسمات الشتائية تتسلل عبر نوافذ الكفتريا، فتحرك الأحاسيس الحلوة وتثيرها.. شعرها الأسود يظلل وجهها الملائكي فتزداد روعة اللحظة روعة.. أتوه في أزقة لا نهاية لها.. أخرج عبد الكريم علبة لفائفه.. ألقى بواحدة لي. لم أتردد في الإمساك بها.. لدهشتي قبلت غادة لفافة منه.. أشعلنا لفائفنا وأخذنا ندخن باستمتاع ونشرب الشاي الساخن فتحلق أرواحنا في فضاء مترامي الأطراف. قلت
-أيكفي هذا اعتذاراً يا غادة؟ قالت:
-الحمد لله أنك نطقت.
-أعطه حقه يا غادة، فأنا أعرف يوسف يوم كنا في المدرسة الثانوية معاً.. يحتقن أحياناً فتتراكم الكلمات داخله.. تثقله.. يسافر بها بعيداً.. يتوه في صحارى الحياة.. وأخيراً ينفجر ويطيح بأثقاله كلها.
-أحقاً أنت كذلك؟! سألتني.
-هكذا يقول عبد الكريم.. ربما أنا كذلك.
اصطدمت نظراتها وهي في الطريق بعينيّ.. ذوت سعادتي عندما تذكرت الوسامة.. نصيبي منها لم يكن كثيراً.. ذوت ملامحي.. اندلقت أفكاري داخلي.. تكسرت الكلمات داخل شفتي.. ازدادت أثقالي.. سافرت.. أمسكني عبد الكريم في اللحظة التي كنت أعتلي فيها ظهر الحياة لائماً شاكياً ونادماً.. سأل:
-أين ذهبت؟!
عدت ثانية إليهم.. اتعبتني اللحظة، لم أعتد تلك السعادة الغامرة.. رأيتها وهي تنظر إلى ساعتها.. عرفت أن موعد الرحيل قادم لا محاله -لقد جادت علي الحياة بلحظات لا مثيل لها. جاء الوقت الذي ستقذفني فيه هذه الحياة في متاهاتها.. لأقم بالمهمة بنفسي.. نظرت إليها.. وددت أن أستنزف اللحظة الباقية بنظرة طويلة إلى ملامحها التي أسرتني حتى الاستسلام.. ملأت شقاً من الذاكرة بأساريرها الآسرة.
-محاضرة الدكتورة نهلة ستبدأ بعد قليل.
قلت وفي عقلي كانت تلك العبارة "بيدي لا بيد عمرو" تتقافز فرحة. التقطت يد عبد الكريم ونهضت به.. غادرنا فناء الكلية في طريقنا إلى موقف الحافلات.
-أوتظن أننا سنلقاه؟ سأل.
-هكذا تواعدنا.
-اليوم؟
-نعم، مساء اليوم بعد العشاء.
-وخليل يعرف ذلك؟
-هو من حدد الموعد.
مررنا بذلك البستان الغائب صاحبه.. ما زالت أشجار المشمش والبرقوق محملة بأكوام من الثمار.. لم يكن لدينا متسع من الوقت لنملأ معدتنا ببعض منه.. وعندما وصلنا إلى الموقف كانت الحافلة تتحرك في طريقها إلى رام الله.. انزلقنا في جوفها فأسرعت خطاها، ومعها تاهت أفكارنا..
هي البداية.. علينا أن نفعل شيئاً.. وها هو ذا خليل أبو خديجة يفتح لنا الباب.
-أواثق منه أنت؟! سألني عبد الكريم.
-إنه يوحي بذلك!
-وكيف قابلته؟
-كنت أجلس أمام مكتبه.
-تائهاً بأفكارك كالعادة.
-أظنه تأملني جيداً ولمدة طويلة.. ثم جاءني مبتسماً.. أسمر مثلي.. طويل ممتلئ الجسم.
-مرحباً. قال.
-أهلاً.
-من أين الأخ؟ سألني.
-من غزة وبالتحديد من معسكر جباليا.
-أهلاً وسهلاً.. أنا خليل أبو خديجة من رام الله وموظف في معهد المعلمين.
-أهلا أخ خليل.
ثم قدم لي علبة كوكاكولا.. بدأت أتذوقها باستمتاع شاكراً له مبادرته.. قدم لي لفافة تبغ ترددت في أخذها، وتحت إلحاحه أشعلتها.. بدأت أنفث الدخان في الهواء وأتابعه بمتعة شديدة.. كان الوقت صيفاً، وصيف رام الله رقيق، تهب فيه نسمات جميلة فترتاح النفس المهمومة، فنحن فوق جبل يبعد عن المدينة مسافة ليست بالقريبة. في تلك الأجواء يفقد الإنسان إحساسه بالواقع ويدور في دنيا أفكاره..
و"أنا خير من يدور في دنيا أفكاري" كما قال عبد الكريم ذات يوم لي.. درت وعيناي إلى النافذة فسحرتني المناظر الجبلية الأخاذة. إنها رام الله. تلك المدينة التي أظن أن الملائكة اتخذتها مسكناً لها. مددت نظري إلى ما لا نهاية حيث تلتقي السماء بالأرض وكأن خيمة زرقاء انتصبت فوق تلك البقعة الساحرة. ولقد زاد اللحظة روعة أن سائق الحافلة أطلق العنان لصوت فيروز من خلال آلة التسجيل لتشدو بأرق نغم عن القدس..
لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي..
لأجلك يا قدس..
ثم.. جسر العودة.. جسراً خشبياً يسبح فوق الماء..
جسر العودة.. منذ تلك الأيام السوداء سنة 48 ونحن ندعو كل شيء عودة إلا عودتنا الحقيقية لا ندعوها كذلك. تقول أختي أن والدتي حزنت حزناً قاتلاً عندما غادرنا دير سنيد وأرضنا وسكنا في قرية بيت لاهيا.. لاجئين ينتظرون يوم العودة. وأكثر ما آلم والدتي فراقها لتلك البقرة الحلوب التي كانت تحدثها كطفلة.. اختفت أكواب الحليب الصباحية التي كانت تقدمها لأبنائها.. طال انتظار والدتي ومعها والدي ليوم العودة. وازدادت عليها الهموم والآلام.. ضعفت مقاومتها، وبعد أن أنجبتني بساعات لم تستطع المقاومة. غلبها الألم والحزن ففارقت الحياة لوعة وحسرة على الأرض المسروقة وبقرتها الحلوب.. أما والدي فقد هاجمته الوحدة والآلام بعد وفاة والدتي.. رغم حبه الشديد لها -لقد رفض أن يستعمل إبريق الماء الذي كانت تستعمله ورفض أن يمسه شخص آخر مهما كان -لكنه تزوج في محاولته للهروب من الوحدة والآلام والمعاناة.. وبعد ستة أشهر من وفاة والدتي توفي والدي وتركني طفلاً لا أعي من الدنيا شيئاً. تولاني أخي ذيب وزوجته التي هي ابنة عمي، هكذا تقول أختي.. وابنة عمي هذه حاقدة ماكرة وجاهلة.. أعماها الحقد على والدي ووالدتي اللذين أذاقاها كثيراً من المرارة.. هكذا قالت لي زوجة أخي الآخر الذي توفي لاحقاً. فأهالت كل تراكمات الحزن والغضب علي، أنا الطفل الصغير، وعلى أختي الصبية.. ولكن الله رحم أختي فتزوجت بعد مدة قصيرة. وهكذا بقيت أنا الدمية التي ستنفث عليها زوجة ذيب كل معاناتها الماضية وحقدها الدفين.
-أين ذهبت؟!
-لقد وصلنا وها هي ذي الحافلة تتهادى بدلال في طريقها إلى المحطة الأخيرة. صورة صادقة لمجتمع فقد أرضه ودولته، زد على ذلك أنه تم احتلاله في منتصف القرن العشرين. العالم كله تخلص من الاحتلال إلا في هذه البقعة. وجوه متجهمة.. الفقر والألم والاحتلال ترتسم على وجوه الناس. باستطاعتك أن تقرأها. امرأة عجوز تمسك بيد ابنها، وربما حفيدها.. تشدّ عليه. متجهمة كأنها فقدت زوجها بالأمس..تدور عيناها في متاهات لا قرار لها.. رجل في الأربعين من عمره، لكنه كهل في الستينيات، ربما في السبعينيات من عمره، يحمل كيساً على كتفه، الله وحده يعلم ما بداخله.. كل يمشي في اتجاه.. ونحن.. عبد الكريم وأنا.. نسير في اتجاه مغاير. تسللنا من بين الجمع، ومن ثم خارج المحطة. أخذنا الشارع الرئيسي ومنه إلى آخر فرعي في طريقنا إلى معهد المعلمين. ذلك البناء الجميل في منطقة خالية من السكان. تباطأنا في السير محاولين الاستمتاع بكل ثانية من وقتنا، فالطريق خالية من الناس والسيارات والحرارة وصلت إلى أدنى درجة يمكن أن تصل إليها في فصل الصيف. نسمات سابحة في الفضاء تستلقي على وجوهنا باستمتاع، ونحتضنها نحن وكأنها معشوقة طال انتظارنا لها.
لم نتحدث ولا رغبة لنا في ذلك. كل يحادث نفسه. أقدامنا تعرف طريقها فسلمناها القيادة. ألغينا عقولنا، ففي العمر متسع لاجتثات لحظات السعادة من مخالبه القاسية.ألفينا عقولنا، ففي العمر متسع لاجتثاث لحظات السعادة من مخالبه القاسية لاحت بدايات الأبنية القرميدية الجميلة للمعهد. انتبهنا معاً. وكأننا شخص واحد قلنا: "ها قد وصلنا": فاروق الذي يدرس المواصفات والكميات في معهد قريب كان على مشارف البوابة. وبصورة طبيعية، ربما غريزية التفت للخلف فلمحنا. توقف. أخرج علبة لفائفه -إنه مدخن شره- اقتنص واحدة. أشعلها. اتكأ على حافة السور. سحب نفساً عميقاً منها وتوجه وعيناه إلينا. التقت نظراتنا. تعانقنا. لحظات وكنا نتعانق فعلاً.
-تقوقعتم في بير زيت عند الصبايا الحسان.
-وأنت ملقى هنا بين حجارة الجبل. قال عبد الكريم.
-لا يعدم الإنسان لحظة يتخلص فيها من الحجارة والجلافة ويلقي بنفسه بين الأحضان الملساء الناعمة. قلت:
-مثلك يعملها.
-إن استلقت الفرصة أمامك ترفضها؟! قال فاروق.
صدمني السؤال. هل أعملها؟! لم لا؟! ولكن.. ها هي غادة فرصة تسترخي بين يديّ. لم يلح في أفق خيالي مجرد لمس شعرها الذي سحرني برائحته الزكية ولونه وطريقة انسداله على كتفيها ووجنتها. أو تشاركنا غادة ما نحن فيه؟! ربما. أنها تستلقي هناك الآن. ربما في سريرها، أو في المكتبة تطالع كتاباً. أنا أعرفها. الجمال والذكاء نادراً ما يلتقيان. هكذا يقولون. ولكن غادة انزلقت من تلك القاعدة. إنها الاستثناء. هي حقاً كذلك. ألقت قهقهة فاروق بمجدافها فوق كتفي.
-أين ذهبت؟! قال فاروق.
-اتركه.. لقد وجد مرفأ يرسو فيه. قال عبد الكريم.
-حقاً!
-على مستوى راق من الجمال.
-يا دميم الوجه وجميل الأفكار!! من هي تلك الرقطاء التي ستسمح لك بالرسو في أحضانها؟! أو تأملت وجهك في المرآة هذا الصباح؟!! قال فاروق مقهقهاً.
أصاب مني مقتلاً. هذه إحدى نقاط ضعفي الكثيرة. لا فائدة من إخفائها. واضحة لكل ذي عينين. لكني أحب هذا الفاروق. سنوات الطفولة وبدايات الشباب عقدت زواجاً كاثوليكياً بين روحينا. هو يعرف مقدار محبتي له، وأنا أعرف مقدار محبته لي. لكنه يلقي قذائفه علي بإصرار. إنه موقن من صلابة الصخرة التي يقذفها بكلماته الصخرية.
-لا تنزعج هكذا. قال فاروق.
-لو تعيرني بعضاً من وسامتك أيها اللعين؟! قلت.
-كلها لك. قال.
-احتفظ بوقاحتك لنفسك! قال عبد الكريم.
-هذه هي المرة الأولى التي تكون فيها كريماً. لكنك تعرف استحالة العطاء.
-ألا تكفيك وسامتك. قال فاروق.
-للمرة الألف تكذب. قلت.
-والله لا أكذب. قال فاروق.
-من بين الملامح الغليظة تتدفق الوسامة. وكل من يملك بعضاً من الذكاء والفراسة يلحظها. غاده دليل على ذلك. قال عبد الكريم.
-الله يجبر بخاطرك، جبرت بخاطره. ولكن من هي هذه الغادة؟! تلقف فاروق الاسم وانقض على أفكاري بجرأته المعهودة وذكائه اللماح.
-إنها المرفأ الذي بني خصوصاً له. قال عبد الكريم.
-يا دميم الأفكار!! وتستجدي مني بعضاً من وسامتي!!
ألقيت عليه نظرة وكأنني أراه للمرة الأولى. أطول مني قليلاً. أشقر البشرة والشعر. عيناه زرقاوان تدوران في سطح من الثلج. درجاتنا في المدرسة متقاربة، وكذلك ذكاؤنا. لكن مدرسينا كانوا يفضلونه علي. ظني لوسامته.
-أعتقد أن خليل بالداخل ينتظرنا. قلت محاولاً أن أضع حداً لتلك الأفكار التي انتزعتني من واقعي وتعد العدة للذهاب بعيداً.
-أخيراً. قال عبد الكريم.
-إنه يحاول أن يتخلص من حالته المرضية. قال فاروق.
دخلنا البوابة وعلى مدخل مكتبه كان خليل في انتظارنا.
استسلمت لمشاعر جياشة أرسلتها لي. سكوني أدخلها في أطياف من الأحلام. تفحصتها. لا تدع تداخل الكلمات يضلل حصافتك. تذكر أنني في عقلها، أتلمس أفكارها. وما دققت فيه هو نوعية أحلامها. لا تتنازل عن ذكائك بأسئلة لا أجوبة لها. إنني صدقاً تحسست أحلامها. لا تصدقني، انتظر، وسيدهشك صدق روايتي. إلى متى؟ حتى يكتمل حديثي. لم تقتنع؟! فقط انتظر حتى لا تقتلني من الغيظ. قلت لك أنني تلقفت أحلامها. استجوبتها. أحلام شفافة وباهية. يبدو أنني ورثت عنها هذه الأحلام، ولو أنها عندي أحلام يقظة كانت كنسمة تتنقل بين وردة زاهية الألوان. متفائلة. وهذه أيضاً ورثتها منها. التفاؤل رغم ثقل الأحداث. تركتها تسبح وأحلامها في دنيا الله التي بدت ضيقة رغم رحابتها. حافظت على سكون حركتي. أحببت تداخل روحي مع روحها. ما أعذبه من تداخل إنساني انكماشي داخلها وأنساها تدافعي في فضائها. مكثت طويلاً في عقلها. تسللت يداها إلى رأسها. أمسكته. ضغطت عليه. آلمتني. كتمت صرختي داخلي حتى لا اقتلعها من جنة رسمتها هي في خيالها. أحست هي بجسدي، فأزاحت يديها عن رأسها. ابتسمت هي وابتسمت أنا.
-كيف أنت الآن؟ سألتها.
-أتنقل بين الزنابق، أدور حولها. ألمس نبتة الليلك. استنشق عبيرها. أمسح براحتي تعب الشوق: شوقي إليك. أن احتضنك. استعذب قلق الانتظار: انتظاري حتى تتجسد أمامي. هذا الألم الممزوج بعبيرك يريحني.
-إنني في أحضانك.
-سأنتظر حتى تتجسد أمامي.
-أو يطول هذا الانتظار؟!
-أصبحت قلقاً.
-يؤلمني هذا الفضاء الضيق. أتلهف على ضوء القمر ودفء الشمس. لولا خوفي عليك لقفزت إلى فضائك.
-أو تتألم يا مقلة عيني؟! انتظرتك طويلاً. انتظرني دقائق!! حسرتي على ما ضاع مني أضاف أطناناً من المرارة إلى مرارتي. انتظر.
-وماذا فقدت؟!
-لا تعذبني بماض أحاول أن أنساه ولا أنجح.
-نسيتني. قاطعته بحدة. تجاهلت وجودي، وأغراك صمتي، فتهت عني. أعرف مدى ما تحمله لها من مودة وحب، ولكن هذا لا يعطيك الحق في أن تهملني.
ألقى نظرة خاطفة عليها، ثم استدار لتقابل عيناه عينيّ. لحظت مسحة من الألم والعتاب تتلألأ في عينيه. أدهشني تأثيره الساحق فيّ. اتجهت بنظراتي إلى الأرض. خجلت منه، نظرت إليها. تحيطه بطوق من المحبة الخالصة. تحتضنه بقلبها، بأفكارها، بشوقها، بألمها، بتدفق أطيافها. تخلص من قيودها ثم قال:
-تعاتبني لأنني أمضيت لحظات معها أتزود بأريجها وأنفاسها. ومع ذلك فأنت على حق. أنت لا تعرف ماذا حدث لاحقاً، وكيف تركتني وسط رياح هائجة تقذف بالرمال والقاذورات على وجهي. انظر كيف انزعجت أنت لأنني انشغلت عنك بها للحظات، تعرف مقدار المعاناة التي شاركتني عمري كله. على أي حال أنا في انتظارك -لاحظ كثرة استعمالي لكلمة انتظار، لأنني أمضيت زمناً طويلاً في انتظار شيء ما وما زلت انتظر. ويقيني أن هذا الشيء سيأتي لكن متى وأين؟ فأنا لا أعرف. انتظاري لن يكون كانتظار غودو! هل قرأت تلك المسرحية؟! نعم؟ قرأتها أنا. لم أفهمها في البداية، لكني استمتعت بقراءتها بعد ذلك مرات كثيرة. لا.. يوليسنس أكثر متعة منها. سكنتني طويلاً وما زالت. جويس علامة بارزة في تاريخ الرواية -حرفتني عن متابعة روايتي. لنؤجل حديثنا عن الأدب لوقت آخر. دعنا نعود إليها.
-من هي؟!
-تلك التي أتشبث بثناياها.
-أو ما زالت تنتظر؟!
-نعم. إنها تنتظر الرجل القوي. إنه يعشقها. هي قالت لي. وهي تحبه. لم يحتمل أن يراها تتألم، فاندفع بكل قوته وذهب يستدعي من يساعدها على وضع حملها أمامها. لا تتغات!! لا يستطيع هو أن يفعل. لا خبرة لديه.
-كيف أنت الآن؟! سألتها.
وقبل أن تجيب هي، أبديت الملاحظة التالية: إنك تكثر من إلقاء هذا السؤال عليها. لا ترهقها بالأسئلة. غضب. تكومت مظاهر الانفجار في وجهه، لكنه في لحظات كتم انفجاره داخله. ثم قال:
-أأتمنك على أسراري، نعم. أما أن تتدخل في أموري الشخصية معها، فلا. أرجو أن لا تفعل ذلك في أيامنا القادمة. طريقنا طويلة والهدف ليس في مرمى البصر كما تعتقد. فلنتفق منذ التو واللحظة على أسلوب رفقتنا معاً: أنا أقص عليك وأنت لا تتدخل ولا تنتقد سلوكي. ومع ذلك، لك الحق في أن تستوضحني في ما غمض عليك من الأمور. إن كنت توافقني على ذلك، نتابع مسيرتنا. وإلا فهذا فراق بيني وبينك. فما رأيك طال عمرك؟
-لا تغضب. لم أكن أعلم أنك حساس إلى هذه الدرجة. على أي حال أنا موافق على ما قلت، وأعتذر عما بدر مني.
رجعت لها. كانت ترمقني وأنا في لحظة الغضب تلك. عاتبتني صامتة. اعتذرت لها أنا أيضاً صامتاً. قالت:
-ترتاح نفسي وتهدأ مخاوفي ما دمت أنت هادئاً وتستعد للرحيل.
-لن أرحل وسأبقى معك.
-معي نعم، أما داخلي فلا.
-ما الفرق؟ قالت:
-كبير.
-احترس. صاح يوسف الهلالي. ها هو ذا الهلالي الكبير قد قدم يصطحب معه سكيبه. توار خلف الجدار. ضربته ساحقة.
هربت أنا وتواريت خلف بعض الأغطية المكومة في ركن من الحجرة، أما يوسف الهلالي الصغير فقد رأيته ينزوي في ركن قصي في ما يسميه حصنه المنيع.
ألقيت رأسي على الجدار المهترئ. حاولت أن ألغي أفكاري وأستسلم للواقع. نجحت للحظات، وفجأة هاجمتني الأفكار الهائجة. تدفقت بدون استئذان.
أهذه هي النهاية التي تمنيتها تموت بين الجدران السميكة ربما تندثر في أحد الشقوق التي تملأ تلك الجدران رصاصة طائشة قد تخترق رأسك رصاصة عربية هذه المرة وربما فلسطينية الإنذار لن يدوم طويلاً كم الساعة الآن الخامسة مساءً أجابني جندي الحراسة وهل تتوقع شيئاً كل شيء ممكن هذه الأيام الاحتمالات كلها واردة إن لم يتحركوا عند الساعة الثانية عشرة ليلاً ستنتقل جهنم إلى هنا لواء الدبابات الأردني الذي كان يرابط قرب الحدود تحرك إلى جوار القلعة وهم على استعداد لمساواتها بالأرض كل شيء وارد هذه الأيام يبعدونك من السجن إلى السجن في الكرك لماذا الآن لعلهم كانوا يعرفون لا صوت يرتفع ولماذا يرتفع الصوت إذا كانت الإرادة ممزقة أكتب رسالة لمن لأخيك تدله فيها على جسدك أيها المسكين وماذا يفيد ذلك ستتساوى جزيئات جسدك وهذه الجدران المتهرئة تمتع بأفكارك قبل النهاية المنتظرة كم الساعة الآن السابعة ساعتان مضتا ورأسك ملقى فوق هذا الجدار المتهرئ لا بأس كم عانيت في حياتك تتذكر الأيام الأولى وكأنها أمامك يوم مولدك ربما فرحت والدتك ولم تكن تدري المسكينة أنها فرحتها الأخيرة ماتت وبقيت وحدك مع والدك الذي مات هو أيضاً بين مخالب ذيب وذيبة وتلك الصفعة القوية التي ألقت بها ذيبة على وجهك يوم تشاجرت مع قريب لها يوم عرس أختها يا للذاكرة الفاقعة تذكر حتى تلك اللحظة التي تجلت إنسانية ذيبه فيها وأعارتك قميصاً كانوا قد خبؤوه لابنهم حتى تلبسه في تلك المقابلة التي على أثرها دخلت كلية بير زيت طالباً وليلة توافد عليك أولاد خالك وخالاتك ليودعوك ألقوا بين يديك مبلغاً من المال يعتبر ثروة في تلك الأيام عندما أصبحت وحيداً تلك الوحدة الأبدية هاجمك ذيب متلحفاً بثوب حمل علينا أن نؤدي هذه النقود في القريب ومن غيري سيؤديها. قرأت أفكاره في لحظة لم أتردد كم تريد أخذ ثلثي المبلغ مني وترك لي عشر ليرات. يعشق النقود لا يقاوم إغراءها وقبل ذلك بأشهر عندما عملت في قطع البرتقال واستلمت أجري قال لي يوسف ماذا ألا أجد عندك بعضاً من النقود أريد أن أذهب إلى خان يونس لأسلم على ابن عمك الذي عاد من مصر يومها عزّ علي أن أراه في حاجة إلى النقود ولقد كنت مغفلاً كما هي عادتي دائماً تخدعني المظاهر الكاذبة وثوب الحمل الذي يرتديه أحياناً يخدعني أخرجت من جيبي أيضاً ثلثي ما أملك وألقيت به بين يديه. حتى كلمة "شكراً" لم أسمعها منه ولو كنت في تلك اللحظة العاطفية تذكرت يوم رفض أن يعطيني قرشاً لأحلق به شعري بعضاً ما كنت أعطيه ما أعطيته من نقود لكن تلك النفس الضعيفة أمام إغراءات المشاعر الإنسانية وربما الكاذبة تقود أفعالي. كم الساعة الآن الحادية عشرة والنصف قال لي جندي الحراسة وأخيراً أخرجت ورقة وقلماً وكتبت أنا يوسف بن يوسف الهلالي حاولت أن أقاوم المحتلين في بلدي لكنهم سجنوني مدة سنة ونصف (بعدها أبعدوني إلى الأردن وها أنذا ملقى في سجن الكرك أنتظر لحظة النهاية التي لا شك عندي أنها قادمة. عندما تفتح بوابات الجحيم بين الجنود الأردنيين والفدائيين الفلسطينيين كنت أتمنى أن أستشهد على أرض فلسطين ولكن القدر كما هي عادته معي يأبى إلا أن يطيح بآمالي ويلقي بي في متاهات لا أتمناها. انسلت الورقة من بين يدي وقبلها القلم وأوقفت نزيف الذكريات. ضغطت على ذاتي وظني أني أسلمت نفسي لملاك النوم ونمت كميت لم تسعفه الأدوية بالاستمرار.. كم الساعة الآن الواحدة والنصف تحسست جسدي ما زال مكوماً متماسكاً أعدت تحسسه مرة أخرى إنها حقيقة. قدماي كما هما ورأسي ما زال ملقى على الجدار كما تركته منذ اللحظة التي سمعنا فيها عن الإنذار إذن حدث شيء ورفعت عينيّ إلى جندي الحراسة ما زال واقفاً بالقرب من الشباك نظر إلي هو الآخر الكل نيام عدانا ماذا حدث لا زالت الجدران صامتة مشققة كما رأيتها أول مرة لقد رحلوا كيف حدث هذا تدخل الوسطاء قالوا إن الكرك ساقطة عسكرياً واقتصادياً إن كان الموقف لمصلحتكم في عمان فستعودون هنا وإن انقلبت الأوضاع فها أنتم تحافظون على أنفسكم وعلى المدينة التي آوتكم حيناً من الزمن كلام مقنع وهكذا رحلوا تنفست الصعداء وها أنذا أعيش مرة أخرى إذن هي الحياة بكل معانيها هل تبتسم لي أو تضحك. مني من يدري تعثرت قدماي فتمدد جسدي كله على أرض الحجرة الواسعة وضعت حذائي تحت رأسي ونمت نوماً عميقاً عميقاً لقد أصبحت الحجرة آمنة.
-أنت آمن هنا. قل لنا من هم رفاقك وسنطلق سراحك.. قال الضابط رحاميم.
-عمّا تحكي؟
كانت أجابته صاعقة على وجهي. دارت بي الدنيا. دارت معي جدران الزنزانة القذرة.
-يا ابن الكلب.. أتستجوبنا؟!
المسألة خطيرة إذن ولا بد من تدارك الموقف. كان عقلي يعمل بتلقائية. يحاول أن يحمي جسدي من التهرؤ. ما زلت صامتاً.
-هذا النوع من الرجال لا ينفع معه غير تكسير الرأس.
نقلوني إلى زنزانة أكثر قذارة من الأولى ملقى على أرضيتها مقعد أكثر قذارة من الجدران. اخترق جدار الصمت صوت صراخ وتأوهات صادرة من الأعماق. هي إذن الحرب النفسية التي كثيراً ما سمعت وقرأت عنها. صمت الصراخ فجأة، ثم انطلق قوياً مولو لا متألماً.. آه.. آه..
-ألا تريد أن تتكلم؟! سألني والشرر يتطاير من عينيه.
-عماذا ماذا؟!!
-يا بغل.. نحن نعرف عنك كل شيء.
-إذن لماذا تسألونني؟!
-هذا الكلب.. ثم ألقاني أرضاً.
-ارفع قدميك.
فعلت
-ادخلهما من فتحتي الكرسي.
فعلت صاغراً.
-عد الضربات. وكلما صرخت، نعود من البداية.
وأخذ يلقي بعصا ثقيلة على قدميّ.. واحد.. اثنين.. عشرة.. آه.
-من البداية مرة أخرى.
يا شياطين الأرض! يباح لكم كل شيء والعالم أصم وأعمى! الضعف يولد الضعف.. والقوة تفعل ما تريد.. وأنا ملقى على أرض الزنزانة الحرشاء.. أعد الضربات التي تكيلونها لي.. غداً يوم آخر!
-من هم أصحابك؟!
-أي أصحاب؟!
-الذين تمشي معهم.
-أمشي مع كل الطلاب.
-يا كلب.. الذين تمشي معهم دائماً.
نطقت بأسماء كثيرة، لا أدري إن كان اسما فاروق وعبد الكريم منها.
-أحضروهم.
-لا علاقة لهم بما يسألون عنه.
-يا ابن الكلب.. وما شأنك أنت. ثم انهال علي بعصاً ربما كانت رجل كرسي تحطم من الغيظ. ألقى بها فوق رأسي فاندفعت الدماء بحماسة تضاهي حماسة ذلك المتوحش في ضربي. لم أشعر بما حدث، فقد تمددت في أرض الزنزانة نائماً وربما فاقداً الوعي.
ببطء أعدت فتح عينيّ. أزحت حشرة كانت ترقد بسلام على جسدي.. لم أحرك رأسي فالتصقت نظراتي بسقف الحجرة الواسعة. إذن لم تتهدم الأسطح ولم تتحلل الأشياء.
-كم الساعة الآن؟!
وأنا الذي فقد الإحساس بالزمن بعد أن أمضيت ثمانية عشر شهراً متنقلاً من سجن إلى آخر. عجبت من أمري ومن لهفتي على هذا الزمن الضائع. نظر إلي الجندي بإشفاق. هذا ظني! بإشفاق.
-الثامنة صباحاً.
إنه صباح صيف في مدينة الكرك.. ما زالت حرارة الجو محتملة... تسللت بعض النسمات الصباحية عبر النافذة فأنعشت روحي. نهضت متثاقلاً. غسلت وجهي ورأسي فازداد انتعاش روحي.. إذن هي الحياة مرة أخرى.
-صباح الخير يا محمود.
-أهلاً يوسف.
-أحمد الله إننا لا زلنا أحياء.
-الحمد لله. ردد.
جاورته صامتاً. تأملنا السماء الصافية معاً. التفت إلى باقي الرفاق فوجدتهم مشغولين بالحديث عن ليلة أمس. قلت لنفسي ما كان قد كان ولقد كتب لنا عمر جديد.
-متى تراهم يطلقون سراحنا؟
أحد الأسئلة التي لا يستطيع محمود الإجابة عليها، لكنه انطلق من بين شفتي. نظر إلي وصمت لثوان، ثم قال بجدية ظاهرة.
-لا أظنهم يحتجزوننا مدة أطول.
تجمعنا حول طعام الإفطار. كانت روحنا المعنوية قد ارتفعت. لا زال القتال مستمراً، لكن بعيداً عن الكرك. وهناك محاولات جادة لإيقافه. الرئيس ناصر كان قد غادر دنيانا إلى دنيا أخرى والكل يشارك في وداعه للمرة الأخيرة.
-كل المبعدين يتجهون إلى ساحة السجن.
صاح الجندي، ثم ردد نداءه مرة أخرى، تجمعنا في الساحة. إحساسي إنهم سيطلقون سراحنا.
قال الجندي:
-نحن عادة لا نحتجز المبعدين أكثر من يومين أو ثلاثة ولكن لظروف القتال الدائر طالت مدة احتجازكم ونحن بالطبع نأسف لذلك. وقد قررت بلدية الكرك إعطاء كلاً منكم ثلاثة دنانير وستخرجون من السجن بعد لحظات.
ثلاثة دنانير وهناك دينار أعطاه لنا جنود الاحتلال في فلسطين يكون المجموع أربعة. عليك أن تواجه الحياة مسلحاً بأربعة دنانير. لن يغتصبها منك أحد. لقد حصلت عليها بلا مقابل. وتلك الدنانير الستة التي قضيت شهراً كاملاً تعمل في حقول البرتقال من أجلها. كانت ثروة كبيرة. حملتها في جيب سروالك المهترئ وذهبت إلى المنزل. كان ابن خالتك قد توفي منذ أربعة أيام. لم تشعر بذلك الحزن الدفين الذي ألم بخالتك وبكل الجيران. فأنت طفل رغم بلوغك الرابعة عشر.
-ألا تذهب لمشاهدة فيلم "لورنس العرب"؟ قال مصباح أبو الجاز. رفيق الطفولة وجار لنا.
-متى؟ سألت.
-اليوم مساءً.
-لا بأس.
لم يخطر ببالي أن أيام الحداد طويلة وعلي مراعاة ذلك وأن لا أتمتع بما تجود به الحياة علي. جيبي مملوءة بالدنانير، وهذا فيلم عن لورنس والعرب يمثله عمر الشريف في أول ظهور له على الشاشة العالمية. ولم لا أذهب؟! لقد مات ودفن.
كان جالساً أمام باب حجرته وبجواره ذيبه. سلة مملوءة بالجميز والعنب والتين الشوكي كانت أمامه. يتناول من كل نوع حبة، يخلطهم في فيه ثم يزدرد الخليط باستمتاع. يبدو أنني قطعت عليهم سيل الأحاديث العذبة. ارتدى ثوب الذئب. برزت أنيابه. ظهرت الأخاديد المعبرة عن الغضب بين حاجبيه.
-هل حقاً ذهبت إلى السينما؟!
نظرت إليه وقلبي يرتجف. ها قد حانت لحظة الحساب. وماذا في ذلك؟! لم أطلب منه أن يعطيني نقوداً لأذهب!! حتى إن تجرأت وطلبت فلن يعطيني. ذات مرة كان رفاقي كلهم يريدون الذهاب إلى السينما. لم أملك حتى مليماً لأفعل ذلك. جاورته وهو على وشك أن ينام.
-أعطني عشرة قروش يا أخي.. أصدقائي يريدون الذهاب إلى السينما وأنا أريد أن أرافقهم.
كانت آمالي كبيرة بأنه سيعطيني.. لكن وبكل قوته قذف ملء فيه بصاق على وجهي.
-يا كلب.. تريد أن تذهب إلى السينما؟!
الآن علي أن أواجه الموقف.
-فعلت..
-يا كلب وابن خالتك قد توفي منذ مدة.
يا رب السماوات والأرض.. وما دخلي أنا بذلك. رحمه الله.. هذا كل ما أملك أن أقول له.
-هات ما عندك من نقود.
تابع تجهمه.. هي جالسة بجانبه تتصنع البراءة وهي كل البلاء. لديه الاستعداد لأن يستولي حتى على أفكاري. هي تشجعه. محصور بين طمعه وحقدها.
أخرجت كل ما في جيبي وألقيته بين يديه..
صحوت على أصوات صاخبة في الممر الفاصل بين الزنازين. لا بد وأنهم قد ألقوا القبض على مجموعة أخرى. لم أفهم لغتهم. لكنني أيقنت من أن مجموعة مهمة قد ألقى القبض عليها. لم أكن أعرف الوقت ولا رغبة لدي لمعرفته..
-قف..
-لا أستطيع فقدماي متورمتان..
-قف يا كلب يا ابن الكلب..
جاهدت نفسي ووقفت. لحظات وأغلقت فتحة صغيرة في باب الزنزانة. عرفت أن مهمتي قد انتهت. تراخت قدماي فوقعت على الأرض الحرشاء. بقيت مستلقياً إلى أن فتح الباب.
-قف..
تحاملت على نفسي مرة أخرى.
-أذهب إلى الحمام. أملأ هذا الإناء بالماء.
نظرت إلى الإناءين. كلاهما قذر. لم تطاوعني نفسي في حمل أحدهما.
-ألا تعرف؟! ونظر إلي الجندي باحتقار.
صمت..
-خذ هذه.
اختار لي الأكثر قذارة. حملت جسدي وسرت ببطء كسلحفاة أضناها طول السفر.
-من أنت؟!
-ما تهمتك؟!
-من اعتقل معك؟!
كانت الأسئلة تتقاذف حولي من خلف الأبواب ولا قدرة لدي على الإجابة، ربما خوفاً ورهبة.
-لا زال دمه يتدفق من رأسه.
أحسست بالألم فمددت يدي تتحسس رأسي.. مادة لزجة التصقت بشعري، رفعتها.. نظرت إليها.. مصبوغة بلون أحمر. إذن هي الدماء. ألقيت بيدي فوق الجرح النازف وضغطها علها توقف الدماء. وصلت الحمام. جدرانه مصبوغة باللون البني الغامق. انقبض صدري وأنا داخله. قطرات دماء متناثرة على أبواب الحمامات. الإضاءة كانت خافتة تثير الخوف في النفس. قضيت حاجتي بسرعة. أمرني الجندي أن أملأ الإناء بالماء لأستعمله في مسكني الجديد. فعلت ما إن دخلت زنزانتي حتى استلقيت على الأرض متعباً منهك القوى.
-الإفطار.
قذف لي الجندي قطعة خبز مع أشياء لم أتبينها ولكن من أين تقبل النفس بالطعام. عافته، تركته كما هو. لم أكن أدخن في تلك الفترة، وإلا لكانت أيامي أكثر سواداً مما هي عليه.
-أحمل أشياءك وأخرج. أمرني الجندي.
فعلت. وأنا سائر على الدرج، صرخ علي أن أتوقف. توقفت بماذا ينادونك في الشارع "عبيد" قلت.
-اذهب.
ذهبت. كنت أعتقد أن زنزانتي الصغيرة هي السجن، وسأمكث فيها طويلاً. وجدت نفسي بين مجموعة من المساجين في حجرة واسعة. وجوههم ليست متجهمة كما أنا. اعتادوا على السجن، فتكيفت أحاسيسهم به.
-من أنت؟ سألني أحدهم.
-يوسف.
-هل اعترفت؟!
-بماذا؟
-إذن لا تتكلم عن شيء هنا.
صمت. طال صمتي. كنت أستمع إلى خليل أبو خديجة وهو يتحدث عن السرية وعدم الثرثرة والانضباط.
-المهمة شاقة. قال:
-ومتى سنتدرب على السلاح؟! سأل فاروق.
-هذه مسألة مهمة. قال عبد الكريم.
لم أتكلم. تذكرت تلك اللحظة التي أخذني فيها عبد الكريم إلى منزله في جباليا وعرض علي قنبلة يدوية. ازدادت حماستي. رجوته أن يعطيني إياها لأقذفها على أول سيارة عسكرية تصادفني في الطريق.
-أيها المتهور!! عليك بالتدريب أولاً وإلا انفجرت القنبلة في يدك وقتلتك أنت أولاً.
وها نحن نطالب بالعمل. شعر خليل بمقدار حماسنا. أراد أن يرجعنا إلى أرض الواقع.
-عليكم بالتدريب أولاً، كما عليكم أن تتعلموا الكثير ثم تبدؤون بالعمل.
نبدأ العمل حقاً؟! بدأنا نرتشف القهوة التي قدمها لنا خليل. أشعلت لفافة تبغ قدمها لي فاروق. قررت على أثرها أن أشتري بعضاً من اللفائف. تسللنا خارج المكتب ثم خارج المعهد. الطريق ثانية إلى بير زيت.
-لا زال هناك متسع من الوقت. فلنذهب إلى القدس. راقت لي الفكرة ووافق عبد الكريم، وهكذا ذهبنا إلى الطريق المؤدية إلى القدس حيث توقفت حافلة اندسسنا فيها..
من هنا مرّ صلاح الدين وفي هذه البقعة نزل عمر بن الخطاب عن راحلته وركب خادمه مفاتيح القدس يتسلمها عمر لا خوف عليكم اليوم عمر كنيسة القيامة رفض أن يصلي فيها المسجد العمري باب العامود حي المغاربة القدس هدية سهلة عاصمتنا عاصمتهم لا بأس إلى حين سأصلي في القدس وإلا فنحن معتادون على التمر واللبن قتلوه وغاده زهرة يصعب قطفها إنها كل شيء سقطت القدس غاده لن تسقط حائط المبكى النبي سليمان إلى حين متى إلى حين متى هذا الحين لا أعرف غادة تعرف وسنعرف جميعاً الصخرة آثار قدم الرسول العظيم أنه آخر الأنبياء آه لكننا حاربناك بشراسة تشعر بالرهبة وأنت بداخله آلا يشعرون بالرهبة عندما يفكرون أنهم فقدوه بائع على الرصيف كم ثمن هذا القميص لا يلزمني علبة لفائف أشعل فاروق واحدة وهكذا فعل عبد الكريم وأنا وضعتها في جيبي أصبحت مدخناً لا بأس القدس وعمر ثم صلاح الدين لبيك لا تبتئس إلى حين هشام بن عبد الملك مسجداً يتسع لآلاف المصلين إنه الأقصى في القدس من هنا صعد الرسول الكريم إلى العلا عاصمتهم إلى حين ذيبه رأس دبوس لا يتوقف عن وخز جسدك تائه في شوارع ضيقة إنها شوارع القدس.
أوقفت فتاة جميلة فاروق. كلمته بلغة لا يتقنها. ردد بعض الكلمات بالإنجليزية. أوهمها أنه قدم حديثاً إلى المدينة. وضعت يدها في يده. إنها الآخر الذي نخشاه. أشار لنا بعينه أن غادرا. لم نفعل.
-هيا يا فاروق. صاح عبد الكريم.
التفتت إلينا. اكتشفت اللعبة. صاحت بكلمات لا نعرفها. قفز فاروق هارباً. التحق بنا. حثثنا الخطى ثم توارينا عن الأنظار.
-أيها الموبوؤون.. حسدتموني فهربت فريستي.
-أو تعملها؟
-بالتأكيد.. صاح من الغيظ.
-يا ولد ابحث عن أصلك، فربما كنت منهم.
-كنت أشبعتك ضرباً الآن.
-الحمد لله أنك ليس كذلك.
-ها قد حضرت الحافلة.
هذا آخر عهدي بالكرك. استلمت الدنانير الثلاثة أما الرابع فقد انتهى مع أيام السجن. أول شيء فعلته: اشتريت حذاء جديداً. لأول مرة اشتري حذاء. لقد رفض ذيب أن يشتري لي واحداً يوم قبلت في كلية بير زيت. تحطمت القضبان وها أنت ذا وحدك، تملك قرارك. حقاً دنيا الله الواسعة. الكرك. خطوات وتتكئ أقدامنا على أرضنا. لكن هذه الخطوات هي المستحيل بعينه. جاورت محمود في طريقنا خارج السجن. لم يشتر شيئاً. ومن محطة الحافلات ركبنا في أول سيارة ذاهبة إلى عمان.
سحرتني الطبيعة الجميلة، الوديان، المرتفعات، الأرض بنية اللون.. أشجار كثيفة تغطي بعض الجبال، قمتها عارية كصلعة عجوز أثقلت الشمس عليها فبدأت تلمع.
وحدك كل هذه الأرض ملكك السيد الآمر الناهي الطريق إلى عمان طويلة أطلق السائق العنان لسيارته محمود في المقعد الأمامي ربما يفكر في زوجته وأولاده وغادة بسمة الحياة وزهرتها ذيب جرح دام في الخاصرة ماذا ستفعل التحق بقوات الثورة وإن عاكستك الظروف ابحث لك عن منحة دراسية كنت تحلم بالجامعة وأنت في السجن كلية الطب وسماعة الطبيب مدلاة من أذنيك السيارة واللفافة وغادة بجانبك والوطن هل ستبحث لك عن وطن جديد لا يمكن شراؤه وذيبه غصة في الحلق وقلم الحبر الذي رفض أن يعطيه لك وأهداه لأختها مصيبة هو في البيت اتركيه لا تزيدي عقده قال لها وكما ترين ها أنذا أعطي القلم الذي طلبه لأختك أخفيه عنه ولم يدر أنني أسمع كل شيء وعندما خرج من الحجرة وجدني مكوماً أمامها محطم النفس مهترىْ الأعصاب أنت هنا سألني ولم أجبه تاهت نفسي بين الأمل والضياع عمان تنتظرك وكيف السبيل إلى الإلتقاء بغادة ستفعل هي الأيام التي تقرر عمان أمنية تتحقق على طريقة القدر أبعدوك إليها وها أنت تحتضنها بذراعيك هي تفعل ذلك المنازل المتناثرة تلفت النظر ماذا يعمل أصحابها في هذه الأرض المسحوقة ولم تسأل.
-ها نحن على مدخل عمان. قال السائق.
البدايات ليست مشجعة. عاصمة وهذا مدخلها؟ انتظر حتى تغوص في قلب المدينة.. كيف كنت تتصورها؟ كما الأفلام؟؟ دائماً تقبع في أحلامك.. حتى غادة.. جزء من هذه الأحلام. تريدها كما صورتها أحلامك.. هي كذلك. تحدثها وكأنك في مشهد من فيلم.. سقطاتك مدوية. لحظة أن تركتها في المكتبة وحدها. مرت أيام وأنت تجلد ذاتك بسياط الندم...
-غادة.. ما رأيك في رحلة إلى رام الله؟
قلت لها على استحياء. غمرتني الأحاسيس الناعمة. غلفت حروف كلماتي. يتردد صداها في داخلي، وأنا موزع بين الأمل والعدمية. رجوت الأحلام أن تتحقق.. انتظرت.. أسقطت نظرة على الغيوم المضيئة. تنسل منها قطرات الندى.
-هيا. قالت.
نظرت إلى مجموعة أشجار بالقرب منا. أوراقها الخضراء تتكاثر. تجمعت العصافير فوقها. غردت بأعذب الألحان. أزهرت الورود. الشعر الناعم المتساقط على الجبهة البرونزية ارتعش من السعادة. هيا.. هل كنت مستعداً لذلك؟ أظنني. فقد على مصروفي الشهري من الكلية.. هيا.. يا نسمة رقيقة حركت الحياة الراكدة في أجزائي.. هيا.. ما بعد البدايات... هيا.. الجرح النازف في النفس الملتاعة بدأ يبرأ.. هيا.. لنبدأ من جديد.
جاورتها. تسللنا من باب الكلية. انبثقت كوردة تتفتح. الدكتورة نهله.. نهله القدسي التي أضفت على محاضرات اللغة نسمة من تلك التي تؤجج الأحاسيس.
-إلى أين؟!
انطلقت نغمات لحن تسحر المشاعر.
-إلى رام الله.
أجبنا معاً. بحسها المرهف كانت قد أيقنت من حقيقة مشاعرنا. تميزنا في الفصل أفرد لنا مساحة رطبة في عقلها. تشعر بمودتنا لها، ونحن كذلك.
-إني ذاهبة إلى هناك... أترافقانني؟!
عندما تتكاثف الغيوم، ينهمر المطر بلا توقف. تصب.. تصب.. تصب مياهها بغزارة حتى ترتوي الأرض وتتشبع بالمياه. زهرة تتفتح بين يدي، وأخرى تحتضنها. الحياة تتبسم.. إي والله إنها تبتسم. أنهل من رحيقها أيها المتعطش أبداً للسعادة. أسبح في مياهها الدافئة. اترك مشاعرك تتحرك.
-ومن غير الدكتورة نهلة ينثر الورد في طريقنا.
قلت، ولا أعرف من أين أتتني الجرأة لأقول ما أقول. كما أن الكلمات تدفقت من بين شفتي بلا تردد. ابتسمت الدكتورة نهله، وهكذا فعلت غادة. اقتربت من نافذة السيارة وغادة بجانبي. سبحت في أطياف من الرائحة الزكية القادمة من الاثنتين. سحرتني اللحظة. ومنها التصقت بي الشجاعة والرقة معاً.
-إذن انتظرا دقائق حتى يحضر زوجي ونذهب معاً.
-سنسير على الأقدام حتى تلحقا بنا.
-لا بأس.
ابتعدنا قليلاً. لمحتها وهي تغمرني بنظراتها. تهت في أجوائها. انعدمت اللغة. تحدثت روحي.
-ها أنت ذا تقول كلاماً جميلاً.
قالت. أحسست بنظرات الإطراء في صوتها فتاهت روحي. تجولت بين أحاسيسي. انعدمت الأشياء داخلي إلاّ صوتها. شعرها فاحم السواد ينساب على كتفيها ويخفي جبهتها.
-أو تعتقدين إنني مملوء بالهموم فقط؟!
-لم أكن أعرف أنك كتلة من الأحاسيس والمشاعر.
كنت أشعر بها. وها هي تنتثر أمامي.
-اللحظة طاغية. أنستني ذاتي. أنت يا غادة..
ثم صمت. كرهت أن أحول أفكاري إلى كلمات. أرغب أن أتركها تتحدث وحدها. ظني أن غادة أحست بذلك.
-ها أنت تعود أنت.
فلسفة راقية هذه. أنت تعود أنت. رددت كلماتها بصمت. استولت علي كلياً. استسلمت. ما أروع أن تستسلم لمن تحب!! تحولت إلى كم هائل من الأحاسيس الغارقة في بحر هادئ من السعادة الشفافة.
-ذكاؤك سّر جمالك، ربما جمالك سّر ذكائك.
-يا للروح الهائمة.
-أتجول في دنياك. لا ترهقني كثرة الأزقة.
-مخبأ في داخلك أنت. وفي لحظة تنطلق من ذاتك.
-أنت من يملك اللحظة.
-أحب..
توقفت بجانبنا. احتوانا المقعد الخلفي للسيارة. صمت. غادة صمتت. الدكتورة وزوجها صمتا. كل شيء صامت. انسابت السيارة في الطريق المنزلق من أعلى الجبل. الجمال كله تجسد في الطبيعة الجبلية لبير زيت. كما أنه بجانبي وأمامي. ما أروع أن تحتضن الجبال بعينيك وأحاسيسك.
-ما رأيكما في زيارة قصيرة لمنزلنا؟ قالت الدكتورة نهله.
-وهي فرصة لنتحدث معاً. قال زوجها.
-لا نريد أن نتأخر كثيراً. قلت.
-إذن مرة أخرى. قالت الدكتورة.
نزلنا في وسط المدينة. التقت يدانا فتشابكتا. هل مسكّ تيار كهربائي خفيف يدغدغ أجزاءك كلها؟ هذا حدث لي. تنقلنا من شارع إلي آخر. تجولنا في عيون الناس ومعالم المدينة. تركت الصمت يتمدد بيننا. إنها اللغة العذبة التي تعشقها النفس. تسلل الزمن رغم إرادتنا. مالت الشمس إلى الغروب. تطاولت ظلال المنازل. لم نشعر بها. بالقرب من مطعم تائه في أحد الأزقة توقفنا.
-سندويشتان من الفلافل.
-وزجاجتا كوكاكولا. قالت غادة.
قابلتها على طاولة متواضعة. نظرت إلى وجهها المكسو بغيوم توشك أن تلقي بأثقالها على الأرض. أعشق المطر والغيوم التي تحمله.
-أما كان علينا أن نلبي دعوة الدكتورة؟ غردت.
-وأترك هذه اللحظة تتدحرج من يدي.
-أوتعتبرها لحظة؟!
-وما العمر غير لحظات أنت هي.
-كنت أحس بما في عقلك.
-وأنا كنت أحس بذكائك، أستنشق عبيرك، وأتيه في فضاء عينيك.
مرة أخرى تركنا الصمت يشاركنا. تركت أفكاري تسبح في ثنايا ذكائها. تجرأت ومددت يدي تلمس الغيوم المتناثرة فوق جبينها. أزحتها جانباً فاستدار القمر أمامي. تهت في أوديته. بدأت تهتز أطرافي. هذا الفضاء كله لك. كم من الوقت مكثنا والصمت ثالثنا؟! أظنه طويلاً. لا رغبة لدي لأن أعرف. أفقنا على صوت يطلب من الناس أن يلزموا منازلهم بعد ساعة.
-لحظتنا قاربت على نهايتها. قالت:
بدأت تحتضن كلماتي. تداخلت أفكاري وأفكارها. يا لجمال اللغة. الصمت وحروف الكلمات وصوت ناي قادم من بعيد.. هي إذن اللحظة التي تغرق فيها. عشقت هذا الغرق.
-توقف قسري. قلت:
-هي كذلك. قالت.
اصطحبت يدها. أصابعها بين يدي. قطرات ندى تكثفت في صباح يوم بارد. تسللت البرودة إلى جسدي. تهت في هذه الدنيا. دنياي بعيداً عن ذيبه. في لحظات كنا داخل حافلة في طريقنا إلى بير زيت.
ها هي عمان. مكفهرة ومحطمة الأوصال. تتأوه من الألم والرغبة. ساكنة كطفل أنبته والدته عندما أخطأ. إنها تتعذب. دموعها سالت على خديها فرسمت شوارع ضيقة تعج بالناس المهمومين. عمان الأمنية والانطلاق. لا أراك مرحبة. لا تتسرع في الحكم عليها. إنها تظهر خلاف ما تبطن. الزهور تحتاج للماء حتى تتفتح. لعلها في لحظة ولادة... بعدها تنطلق من جديد. إنها فاعلة. نزلنا من السيارة. محمود وأنا وبعض الرفاق. وفي أحد المكاتب المنتشرة في خاصرة المدينة صاحبنا رجل مرحباً بنا إلى فندق مجاور.
فندق الخيام. شاركني محمود النجار الحجرة. نعم الرفقة. قلت: ما أن استقرينا داخلها حتى تخلصت من ملابسي. أخذت حماماً دافئاً ثم استلقيت على السرير استسلمت لنوم عميق. ظني أن محمود فعل ذلك أيضاً.