-3-
قال يوسف:
-أما زال الشك يسكن عقلك؟!
بماذا أجيبه؟ الحق أن الشك يتملكني، لكن روايته للأحداث لها وقع الحقيقة. اختلطت الأشياء في رأسي، لكنه يأسرني بأفكاره واستنتاجاته.
- قلت :
-قليل منه يتسرب إلى نفسي.
أمسك قدميه بيديه. تكور. رأيت ذلك الحبل الممتد من صرته إلى مكان أجهله. ما سره؟! انفلت من عقاله وتدفقت الكلمات من فيه:
-اسمع.. أنا لا أعرف اسمك! ولا أريد.. أسرتني بدماثة خلقك؟! نعم! لماذا أقص عليك وأنثر عليك أسراري؟! لا أدري! أحببتك. سأتابع قصتي حتى وإن تسللت خيوط الشك إلى نفسك. يقيني أنك ستصدقني في النهاية لأنني لا أقول إلا الحقيقة. قلت لك أنني لم أرتح لأفكار ذيبه. أحسست أنها تخبئ لي ما لا أود أن يحدث، وعندما استلقت عيناي على وجه ذيبة، ارتجفت. التجأت إليها، فقرأت ما يدور في رأسي. احتضنتني بيديها وقلبها. نظرت إليهم. ضغطت على جدارها لأسترد انتباهها.
-سأبقى طويلاً حيث أنا!! قلت لها.
-لا تفعل. ستتعفن وستقتلني.
-أخشاهم!!
-من؟!
-ذيب وذيبة
-ذيب أخوك، وذيبة ابنة عمك.
-لن أخرج.
-لا تكن أحمق..
تحامقت ونظرت لها. حتى مسحة الجمال غادرتها. ترتجف يداها بلا توقف. عطفت عليها وخفت منها. أما هو، فصارم. لم ينطق كلمة واحدة. نظر إلينا نحن الاثنين. إنها والدته. انعدمت أحاسيس التعاطف من محياه. لم يلتفت لي. ربما ألقى نظرة عابرة، مهملة، وربما متعالية. سكنت زاويتي المفضلة واستكنت. أردتها أن تبدو هادئة أمامهم لأحفظها من نظرات التشفي. لم يدم كموني طويلاً. لقد استعذبت صراخها، واستعذبته هي. سرب العصافير يعلن مكانه بنغمات عذبة تستلقي بفعلها الروح سكرى، ثم تهيم في فضاءات معبقة بأريج الليلك والزنبق والتمر حناء. أما أنا فأعلن عن قدومي بصرخات حادة منطلقة منها ومني. طال مكوثهم الثقيل على القلب. سلبوني لذة مشاكستها. أردتهم أن يخرجوا. صعدت إلى عقلها، وفي طريقي اصطدمت ببعض أحشائها. تألمت. صرخت. انقبض صدري، فهمست لها" لن أؤلمك" فقط أريد أن أقول لك سراً على قدر كبير من الأهمية".
-قله بلا حركة، فحركتك تؤلمني. قالت.
-لا أريد أن يسمعانا.
-لن يستطيعا.
-إنهما يراقباننا.
-لكنهما لا يسمعاننا.
-سنلفت انتباههما.
-وماذا في ذلك؟!
-سنثير حقدهما علينا.
-لا تأثير لهما عليك!!
-احتملي لحظات. أرجوك.. لا تصرخي.
تابعت سيري. مررت بقلبها. درت حوله دون أن ألمسه. وفي حركتي أوسعت له في المكان. ارتخى وتمدد بسهولة ويسر. ارتاحت هي. تركته وواصلت صعودي إلى أعلى. مررت بحنجرتها. حنجرة صغيرة، رقيقة وجميلة. يخرج صوتها منها ناعماً ومعبراً بانسياب سهل، لكنه قوي. لم أجرؤ على لمسها. ولأنني أحببت صوتها، جهدت أن أكون على مسافة منه وأنا في طريقي إلى عقلها. ولكن ورغم إرادتي اصطدمت حافة إصبع قدمي بأحد حبالها الصوتية، فاهتز الجهاز كله. تألمت هي وأحسست أنا برعشة جسدها. أطلقت صرخة ضعيفة ناطقة بألم حزين وعاتب. واصلت سيري. وصلت. سكنت عقلها.
-كيف أنت الآن؟ سألتها.
-تكثر من إيلامي.
-رغماً عني.
-لو سكنت لأرحتني!!
-كيف السبيل إلى خروجهما من الحجرة؟! قلت هامساً.
-سأتدبر الأمر. فقط كن حيث أنت ولا تتحرك.
-سأفعل.
صمتنا، صمتاهُما. تاهت عيونهما في فضاء الحجرة. كان بعيداً عنها ولم يحاول حتى لمسها. إنها زوجته!! ما طبيعة علاقتهما؟ نظرت إلى ذيبة، ثم نظرت هي إليها.
-ذيبة؟
-ماذا تريدين؟! قالت بجفاء.
-اذهبي وحاولي أن تجمعي بعض الأخشاب الجافة وأشعلي ناراً. سأحتاج لبعض المياه الساخنة.
لم تجب. ترددت. بقيت حيث هي. بدت وكأنها فقدت القدرة على الحركة. نظرت إلى ذيب. غرس عينيه الجامدتين في وجهها وكأنه يأمرها أن تفعل. خرجت. ارتحت أنا. غفوت بين خلاياها. نمت وأرحتها. ارتاحت هي. غفت.
كأنني لم أنم.. انطلقت عيناي من قيودها. تحسست الحجرة بهما. كلهم نيام. فقط محمود النجار يستعد لصلاة الفجر. دفعت قوة زائدة إلى جسدي ونهضت. توضأت ثم صلينا معاً.. الفجر.. اعتدت ذلك منذ أيام السجن المرة. رغم عتمة أيامنا هناك، لم نعدم لحظات تنفرج شفاهنا فيها عن ابتسامة باهتة، وأحياناً قهقهة من الأعماق..
كان ذلك مساء يوم خريفي ونحن في سجن عسقلان -وعسقلان هذه مدينة فلسطينننية ساحلية احتفظت باسمها رغم استيلائهم عليها في المرة الأولى -كنا واحداً وعشرين رجلاً في الحجرة. الشيخ حسن شبانة كان واحداً منا.. رجل وقور ومتدين.. تخرج في جامعة الأزهر.. شديد الأيمان بربه وبقضيته.. وقفنا جميعاً نصلي المغرب إلا سائقاً لا أدري لم هو في السجن!! ربما نقل أحد المطلوبين في سيارته دون أن يدري!! لا يؤمن بشيء قدر إيمانه بالمال والنساء.. خاشعين وصامتين كنا خلف الإمام. هو متكئ على ذراعه الأيمن ماداً ساقيه على طولهما ومواجهاً الجمع. "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة رابحة.. "قرأ الشيخ حسن بصوت شجي فنزلت السكينة على قلوبنا جميعاً.. وفي اللحظة التي صمت فيها الشيخ ليسترد أنفاسه، صاح السائق:
-أنا أدلكم..
حتى اللحظة لم يعره أحد انتباهاً. بقينا صامتين ننتظر الآية التالية وقد تعلقت مشاعرنا بما يرتله الشيخ من آيات بينات.
-أنا والله أدلكم.
تقطعت حبال الخشوع، وتوجهت بعض الأنظار إليه.. مستنكرة ربما مستفسرة..
-تجارة النساء والله أربح تجارة. أنا سائق وذو تجربة.
ذابت حبال الوصل. انفجرنا ضاحكين. ضحكاً هستيرياً. الكلمات في حد ذاتها لا تستدعي كل تلك القهقهة. لكن الموقف والظرف والصمت و.. السجن.. وفوق ذلك الرغبة المجنونة اقتلعت الضحكات الصاخبة من حناجرنا. النساء يا تارك الصلاة؟!! ألم تجد غيرها؟! انفضت الجماعة، وبقي الشيخ حسن وحده يصلي.. ثم بعد لحظات تجمعنا وأكملنا صلاتنا.
-ذكرتني بأم عدنان يا سائق الشيطان.
قال أبو عدنان وهو شيخ في الستينيات من عمره. ألقوا القبض عليه لأنه شارك في ثورة الشيخ حسن سلامة أيام كنا مزروعين في الأرض.
-عندما سأقابل رجال الصليب الأحمر سأطلب منهم إما أن يطلقوا سراحي أو يحضروا لي أم عدنان في الزنزانة. تابع أبو عدنان ولا أحد يدري أكان جاداً أم مازحاً.
-انظر إلى هذه الرسالة. قال أبو عدنان.
-ما بها؟ سألت.
-إنها من ابنتي.. هي خريجة كلية الصيدلة. حاول أن تستنشق رحيقها.
أدنيت انفي من الرسالة. رائحة زكية تنبعث منها.
-إن لابنتك هذه ذوقاً رفيعاً.
عمقت نظراتي في وجهه. قرأته. أحد أولئك الذين حاولوا منع الكارثة. لم يكن بمقدوره ولا الآخرين. ما حدث قد حدث. وهانحن نعاني. أهي معاناة؟! هي أكثر من ذلك!! إنه يدفع ثمن محاولاته السابقة.
-أحزين أنت يا أبا عدنان؟!
شعرت بسخافة السؤال. لكنه انفلت من بين شفتيه. نظر إلي باسماً.. ربما قرأ ما يدور داخلي.. انتظر لحظات قبل أن يقول..
-لا.. لست حزيناً.. في تلك الأيام بعتما تملك أم عدنان من ذهب وهو قليل.. ربما كل ما أهديته لها عند زواجنا.. اشتريت بندقية قديمة وقليلاً من الطلقات. التحقت بقوات حسن سلامة. نصف الرصاصات فقط انطلق من بندقيتي ثم تعطلت عن العمل.
قلت الحق يا أبا عدنان. لم يكن باستطاعتنا تفادي ما وقع. تذكرت وصف غسان كنفاني لرحيلنا من يافا: انطلقت القذائف تحرق كل مكان إلاّ ذاك الطريق المؤدي إلى الميناء. تدافعنا من خلاله إلى البحر، ومن هناك تزاحمنا في مراكب وكأنها معدة سابقاً لمثل هذه المهمة، ثم إلى بيروت حيث استقر بنا المقام.. ظننا أننا سنمكث أياماً معدودة نعود بعدها. لكننا لم نعد مطلقاً.. وهذه أيام السجن طالت ولم أعد لأؤدي لجهاد قروشه التي خسرتها عشية القبض علي.
-هل ابنتك متزوجة؟!
للمرة الثانية أطلق سؤالاً لا معنى له. تماماً كما لم يكن معنى لمغادرتي المكتبة تاركاً غادة وحدها.. حتى إنني لم أستأذنها. كان أحمد الجبالي.. ذلك الرجل الذي اغتصب روعة اللحظة عندما تسللت حروف اسمها من بين شفتي قد جلس بالقرب مني وعلى بعد خطوات منها.. لم أتحمل فعلتي. ثقلت علي ذاتي فخرجت. تركت عينيّ تتوهان في لا شيء، وسمحت لقدميّ أن تقوداني حيث تريدان.. فقدت الإحساس بكل شيء حولي.. هي عادتي.. حاولت لملمة أفكاري، فتاهت في الماضي.. الماضي! الماضي ما أقساه.. هي قسوة الأيام.. الصف الأول الإعدادي.. كنت مميزاً في المدرسة.. أعطاني ابن أخي الأكبر قصصاً ولا أدري كيف حصلت على سروال جديد.. ربما من وكالة الغوث.. أرتديتهما.. واسترقت نظرة إليها، فلم أجدها.. اغتصبت "شبشباً" كان لها وخرجت مسرعاً في طريقي إلى المدرسة.. وكالقدر وقفت لي أمام الباب.
-أيها اللص.. اخلع الشبشب.
اللص.. اقتنصتني أمي من بين يدي القدر.. أطفالها بعد أخي وأختي ماتوا جميعاً، وعندما التقطتني التفت حولي.. قال أبي سنسميه يوسف. وقالت أمي. سنسميه عبيد.. اسم الراعي الذي كثيراً ما مرّ بمنزلنا في طريقه إلى المرعى يوسف.. عبيد.. يوسف.. عبيد.. وأخيراً أسماني أبي "يوسف" وأسمتني أمي "عبيد" لكن "عبيد" التصق بي، فعرفني رجال الحي ونساؤه "بعبيد" وكذلك رفاقي، أما يوسف فكان اسمي الرسمي.. لص.. منذ أن ولدتك أمك.. صمت.. لم أنطق كان أخي مستلقياً في الفناء.اعتدل. "لص"! سمعها، لا.. بل تكومت في أذنيه.
-اتركيه يذهب به إلى المدرسة!
هذا كل ما قدرت عليه يا ذيب؟! "اتركيه" يا لك من رجل!! ميسور أنت. وكان باستطاعتك أن تشتري لي حذاء جديداً.. النقود في مخبئها.. إن لم تتضاعف، يجب ألا تنقص.
-من لا يحترمني لا يجب أن يستعمل أشيائي. قالت.
أحترمك.. وأنا الذي جاع والسلة مملوءة بالخبز.. اذهب حافياً إلى المدرسة وجيبك متخمة بالنقود.. احترمك وأنت تعتبرينني كأني لم أكن.. حاولت.. ولكن نظرات الحقد في عينيك أوقفت كل رجائي.. والآن تغوصين بمعنوياتي إلى تحت الصفر.. انزلقت قدماي من الشبشب وخرجت حافياً إلى المدرسة.
-فعلت شيئاً ما خطأ وتحاسب نفسك..
اصطدمت الكلمات بأذنيّ.. حروف متفرقة لم أعرها اهتماماً، فقد كنت في مشادة مع نفسي.. لماذا فعلت ما فعلت؟! لماذا تركتها؟! أنا الذي انتظرت تلك اللحظة دهراً. وفي أحلام يقظتي صورتها بجانبي، تحدثني فتذوب نفسي بين كلماتها.. أبحث عن ذاتي فأجدها ممزقة وقد انتثرت على مساحة جسدها.. شعرها فاحم السواد مصفوف على رأسها بعناية فائقة كأنه غيمة توشك أن تسقط أمطارها.. عندما تحقق الحلم، هربت..
-يوسف..
صحوت ببطء.. لكني ما زلت غارقاً في ذاتي.
-أيها الساهم أبداً..
جذبت أحاسيسي.. عدت لنفسي.. نظرت إليه.. عبد الكريم حسن.. الصديق القريب من النفس. تقاربنا في كل شيء إلا الاستقرار النفسي.. ابتسمت أجزائي قبل أن ترتسم الابتسامة على شفتيّ.. سعدت لرؤيته.. اتجهت نحوه..
-ماذا فعلت؟!
تراقص السؤال على شفتيه، فتجسدت أمامي.. غادة.. السمراء الساحرة.. جسدتها للحظة فذابت ثانية، فجاورتني.. تداخلت وعبد الكريم.
-أين أنت؟!
الأسئلة التي لا معنى لها تنطلق من بين شفتي فلا أحاول إيقافها. أشعر بها فقط بعد أن تندفع.. كعادتي دائماً، عندما اصطدم وزوجة أخي تخرج الكلمات القاسية تلقائياً بدون حساب لعواقبها.. وها أنا ذا أفعل ذلك..
-أين أنا؟! أنا هنا أبحث عنك.. وأنت المختفي أبداً إما في ذاتك أو مع الآخرين..
اقتربت منه.. أمسكت بيده.. سرنا في طريق على جانبيه بساتين الفاكهة التي اشتهرت بها بير زيت.. دخلنا أحدها بلا استئذان.. التقطنا كثيراً من ثمارها وبدأنا نأكل دون أدنى إحساس بالذنب.. مرّ بنا أحدهم فصاح..
-ليرحم الله صاحبها..
-ليرحمه الله.. صحنا معاً.
تابعنا سيرنا بلا هدى.. استل لفافة تبغ وقدمها لي.. أشعلتها رغم أني لا أدخن.. دلقت دفقة من دخانها إلى صدري.. تكومت في رئتي.. كدت اختنق.. أطلقت أصواتاً حادة إلى أن بدأت أتنفس مرة أخرى.
-لم تعتد التدخين بعد، ولا تستمتع به.
أثار في نفسي الرغبة في التحدي. طقس شتائي رائع. الغيوم تغتصب الفضاء الواسع فتحجب صفاء السماء. قطرات رقيقة تصافح وجوهنا فتنتعش أرواحنا. ارتوت الأرض بما فاضت به السماء فانبعثت منها رائحة رائعة. مع دخان اللفافة ورائحة الأرض المبتلة بالماء الساقط من السماء حلقت بي أفكاري. تناسيت عبد الكريم بجانبي.
فقط البيئة تغيرت. كانت رملية سهلة الاختراق. ما أن انهمر المطر حتى تداخل وكل أجزائها. عبد الكريم وعبد الحليم وفاروق وأنا وآخران جلسنا تحت شجرة الكينياء الصحراوية. ماذا نستطيع أن نفعل؟! ما زلنا في مقتبل العمر. الصف الثاني الثانوي. لتكن "جمعية الواجب المقدس" ذلك أول عهدنا بالتنظيمات السرية. حددنا ما يجب أن يدرسه كل فرد منا: كان نصيبي (الكلية الحربية). مسؤول العمل العسكري. وعبد الكريم (كلية الطب). وعبد الحكيم المحاسبة.. وهكذا بدأنا.
-أتذكر يا عبد الكريم؟!
-أوتفكر أنت فيه؟!
-وهل هناك غيره؟!
-ولكن قل لي لماذا كنت غارقاً في ذاتك؟
أخرجت تنهيدة طويلة دون أن أدري.. نظرت إليه، ثم:
-غادة.
-السمراء؟
-دعتني إلى المكتبة.. ثم خذلتها!
-كعادتك.. ربما تهت عنها في ذاتك.. فأنا أعرفك.. أو ربما قلت ما لا يقال.
-هي الأولى. اغتصب أحمد الجبالي اللحظة، فتركتها. أنت تعلم أنني لا أطيقه.
-أيها المغفل! دعتك هي.. كن جريئاً واستمتع باللحظة حتى الثمالة. ما علاقة الجبالي في صفاء لحظة جاد بها الزمان عليك؟! تحللت من كل المشاعر. قتلتك ذيبة يامسكين!
لا تقل ذلك يا عبد الكريم، فأنا أعرف ذاتي. وأعرف من الذي حطمها!! لا تعاظم مأساتي. الأحلام تقتلها قسوة الأيام. أما اللحظة التي تتكلم عنها فقد قتلت يوم تركتني أمي ومن بعدها أبي.
روعة المكان وجمال الطبيعة الجبلية سلبتانا من ذاتنا. سرنا خطوات طويلة دون كلمات. لكنه استرد ذاته قبلي فنظر إلي. أيقظني من خلوتي مع نفسي.
-تناسيت واقعك. قال.
أخذت الأمطار تزداد فرجعنا قبل أن يبدأ انهمارها.
ما زالت عيناه محمرتين، تنطقان بمعاناته القاسية. كان بكاؤه حاراً، وحزنه عميقاً. مات الرجل.. مات الأمل. وفي تلك الأيام لم أعد أراه كذلك.. الهزيمة كانت قاسية. الأحلام التي أيقظها داخلنا كانت عظيمة، وعندما وقعت الهزيمة كانت الصدمة أعظم.
-أما زلت حزيناً يا محمود؟!
سألته ولوّن صوتي هذه المرة حزن دفين بدأ يستولي على أفكاري.
-أصبحت الحياة بلا معنى..
-إلى هذا الحد؟!
-بل أكثر من ذلك.
وأنا المعروف بسوداويتي.. هنا رجل فاقني سوداوية.. الفارق أبداً في أحزاني.. هو أنه فاقني حزناً.. أظنه حزن اللحظة.. لكن حزني أبدي.. منذ ذلك اليوم الذي فقدت فيه أمي وبعدها بعدة شهور أبي، قدري في هذه الدنيا شؤم.. تدثرت أيامي بالمصاعب والحزن الجارف يوم تولاني أخي وزوجته..
-كم ولداً لك يا محمود؟!
-زوجة وثلاثة أولاد..
-ألست حزيناً على فراقهم؟!
واحد من الأسئلة التي لا معنى لها.. كنت أود أن أسأله عن مدى حزنه لموت الرئيس ومقارنته بحزنه على فراق أولاده وزوجته. خانتني اللغة، كما هي العادة، فأطلقت سؤالاً لا معنى له. لا بد أن الحزن يكون كاسحاً في مثل هذه الظروف.
خانته اللغة هو الآخر. لم يكن في مقدوره الإجابة عن السؤال. ليس عجزاً ولكن الألم كان أقوى من الكلمات، فانزلقت سحابة حزن عميق على مساحة وجهه. أحسست مقدار معاناته وحزنه. مسكين أنت يا محمود.. زوجة وثلاثة أطفال؟! من ذا الذي سيرعاهم؟! ولمن يذهبون عندما تغدر بهم الأيام؟! وهل سيواجه هؤلاء الأطفال ما واجهته أنا؟! وأنت.. أنت.. الرجل الأربعيني.. ماذا بقي في الحياة لتعيش من أجله؟! هل بإمكانك إحضارهم هنا؟! وهل سبل العيش هنا كما هي هناك في غزة؟! ظني أن هذه الأسئلة كانت أيضاً في رأسه.
-الإفطار. صاح الشرطي.
نظرت إلى الباب المغلق.. انفتح في ثوان.. دخل رجلان أظنهما سجينين قدّما لكل منا قطعة من الخبز مع قطعة من الجبن وبعض حبات الزيتون.. ثم كأساً من الشاي. حملت أشيائي وجاورت محمود.. انجذبت إليه.. ربما أشاركه مأساته.. أو ليشاركني هو مأساتي.. ربما.. لنتقاسم المأساة معاً.. أدخلت قطعة صغيرة من الخبز في فمي.. الحقتها بقليل من الشاي.. صعب أن تدخل في أمعائك مالا تشتهيه النفس.. كيف كنت تفعل ذلك عندما كنت هناك في سجن عسقلان؟! ذلك المكان الذي احتضنك فترة طويلة من الزمن.. كنت تشعر فيه بالأمان.. أن تحشر نفسك بين واحد وعشرين رجلاً وأن تنام آمناً هو الحلم بعينه.. كنت دائماً وحيداً.. وفجأة تجد نفسك مع رفاق كلهم في مثل حماستك.. كلهم يحمل همومك.. تقاسمنا الهم والألم كما نفعل الآن.. في الصباح الباكر، يصيح جندي الحراسة "عدد".. تنهض من نومك متثاقلاً.. تقفز إلى الحمام وتغسل وجهك ثم ترتب أغطيتك وتصطف كما لو كنت جندياً في طابور الصباح.. يمر العسكري اليهودي وهو غالباً برتبة رقيب مصطحباً معه جندياً آخر. يصرخ عريف الحجرة برقم السجناء، ولا يطمئن العسكري إلى الرقم فيعدنا ليتأكد من ذلك.. وعندما يخرجان من الحجرة نبدأ يومنا.
"الإفطار" يصرخ الحارس. وغالباً ما كان يقول ذلك بنصف عربية ونصف عبرية.. "جروان على الباب" يقوم عريف الحجرة بترتيب فناجين الشاي. يصب سجين يعمل في مطبخ السجن سائلاً أصفر اللون يقال عنه شاي. ثم يقدمون لنا بيضة وقطعة خبز وبعض الزيتون. السجن هو السجن.. هنا في الكرك أو هناك في عسقلان.. ينتابك شعور غريب.. استسلمت للأيام أو ربما استسلمت لك الأيام.. أنت مكوم داخلها أو هي مكومة داخلك.. استرخاء لا نهاية له.. يمضي الزمن رغم إرادتك.. رحلة طويلة عبر الدقائق والساعات، وأنت لا تشعر بمعاناة تلك الرحلة لانعدام إحساسك بالزمن.. القتال.. أي قتال؟! ما زال ضارياً.. والأفكار زادت حدتها داخلك.
-هل انتهى كل شيء؟! سألنا الجندي.
نظر إلينا باستنكار، ثم قال بحدة:
-كيف ينتهي كل شيء وخلف كل جدار رجل؟!
أجاب دون أن يعطي نفسه دقيقة ليفكر. إذن الرجال هناك ولا أحد يستطيع اقتلاعهم. وهذه الأصوات الثقيلة على النفس. أما آن لها أن تنتهي؟! تتقاذفك الأمواج الهائجة. تستسلم لها. استسلمنا للواقع. أخذنا ننتظر. وفجأة ظهر بالباب جندي من البادية يحمل رشاشاً أمريكي الصنع.. متوثباً كأنه مصارع ثيران وقد اقترب منه الثور مهاجماً.. وجهه صارم قدّ من صخر.. تفحصنا بعيني صقر..
-انتم والله الرجال! أما هؤلاء.. إنهم لصوص.. يقولون أنه لا سلاح لدينا لقتال إسرائيل.. والآن يملؤون الدنيا صراخاً عن النابالم الذي نقذفهم به.
قال بافتخار. ألقى محاضرة في دقائق. كلماته البسيطة رسمت صورة دقيقة للوضع في تلك الأيام. نظرت إليه.. تعمقت داخله.. أنت والله رجل.. تقاتل كرجل.. الذي غرس الفكرة في رأسك بأن هؤلاء الذين تقاتلهم لصوص، يستطيع أن يزرع الفكرة الأخرى وستقاتل وتنتصر.. سنوات طويلة وتلك النبتة الشيطانية تترعرع في رأسك، وهناك من يرعاها ويمدها بالماء والطعام.. ها هو غضبك ينفجر كالبركان يدمر كل شيء.. حتى الأطفال.. لأن من غرس الفكرة في رأسك أوحى لك أنهم ورغم براءتهم هم نبتات شيطانية يجب اقتلاعها.. وها أنت ذا تفعل.
زاد صمتنا. صمت هو أيضاً. وماذا كان باستطاعتنا أن نقول. لقد قال هو، وما علينا إلا أن نسمع. وعندما انتهى، تكلم الصمت. كانت كلماته ثاقبة. ربما سمعها هو. لا أظن أن تلك الكلمات الصاخبة فعلت شيئاً في تكوين عقله الذي صقل منذ زمن بعيد. ذهب. تنفسنا الصعداء. أحقاً هم لصوص؟! هكذا وصفتني ذيبة ذات يوم.. وهل كنت حقاً لصاً؟! أن أقتنص ما يقيني رمضاء الطريق يحولني إلى لص؟!
عندما بدأت قطرات الماء الساقطة من السماء تتزاحم على أجسادنا، آثرنا الرجوع إلى مبنى الكلية. أسرعنا الخطى، وفي لحظات كنا هناك نحتمي من زخات المطر في بناية من البنايات. كيف انبثقت من لا شيء؟! لا أعرف. شامخة وقفت أمامي. تكسرت اللغة على سطح نظراتها اللماحة. عندما نظرت إليها، أيقنت أن لديها الكثير لتقوله.. انتظرت ولا خطة لدي لمواجهة الموقف. اعتمدت على الظروف لتنقذني مما فعلت.