الفصل الثاني
انجِذاب مهلك
في الساعة الحادية عشرة صباحا بعد أن غادر فِيرونِسْكِي حفلة شِرْبْتِسكايا ركب عربة الى محطة سكةالحديد للقاء أمه التي كانت تأتي لزيارته من بطرسْبْيِرْغ .
كان أول شخص رآه على درجات المحطة أُبْلونْسكِي .
سأل فِيرونِسْكِي مبتسماً كأي شخص يقابل أُبْلونْسكِي : من الذي تقابله ؟
أجاب أُبْلونْسكِي : أتيت لأقابل امرأة جميلة أختي أَنّا .
قال فِيرونِسْكِي : أوه ، زوجة كرنين ؟
- نعم أنت تعرفها أليس كذلك ؟
أجاب فِيرونِسْكِي واسم كارنين يثير فيه انطباعا غير محدد عن شخص رسمي ومضجر الى حد ما : أظن هذا ، وربما لا أنا لا أتذكر حقاً .
- لكن لابد أنك تعرف صهري المحترم ، إن كل العالم يعرفونه .
- نعم أعرفه بالشهرة والنظر ، أعرف أنه ذكي ومتدين الى حد ما ، لكنه ليس من نمطي حقاً .
كان القطار يعطي إشارات الآن تماما ، حصل اندفاع استعدادات في المحطة عندما اندفع جمهور من الناس الى الأمام للقائه .
كان يُسمَع صفير محرك وضجَة قطار العميقة المنخفضة من بعيد ، سرعان ما بدأ الرصيف يهتز والقطار يترنح داخلاً ويتوقف أخيرا .
قفز حارس شاب خارجا من القطار نافخاً في صفارته وتقدم من فِيرونِسْكِي الذي سأله إن كان يعرف في أي عربة كانت الكونْتيسا فِيرونِسْكِي تركب ؟
أجاب الحارس : نعم إنها في تلك العربة .
تَبِع فِيرونِسْكِي الحارس الى عربة أمه ، لكنه حين وصل الى الباب كان عليه أن يتوقف ويفسح الطريق لسيدة ماجدة تخرج .
عرف من نظرة سريعة بأنها تنتمي الى أفضل مجتمعات ، شعر بأنه لا بد أن يُلقي نظرة أخرى عليها ، ليس بسبب جمالها لكن بسبب شيء رقيق في وجهها الجميل ، فيما هو ينظر حوله أدارت هي وجهها أيضا ، وألقت عيناها اللامعتان الرماديتان عليه نظرة ودية فضولية .
خطا فِيرونِسْكِي داخلاً العربة ، ابتسمت له أمه السيدة العجوز الجافة تماما بعينَين سوداوَين وخصل شعر سود ، بشفتَين رفيعتين .
- وصلت إليكِ برقيتي ، أنت في صحة جيدة تماما .
سأل فِيرونِسْكِي وهو يجلس الى جانبها مُصْغِياً الى صوت امرأة خارج الباب .
- هل أمضيتِ رحلة جيدة ؟
عرف أنها السيدة التي قابلها للتو ، كانت تسأل شخص عن أخيها ثم عادت ودخلت العربة .
قالت أم فِيرونِسْكِي : حسناً ، هل عثرتِ على أخيك ؟
أدرك فِيرونِسْكِي الآن أنها مدام كرنين .
قال : أخوكِ هنا .
خطا خارجا من العربة ونادى على أُبْلونْسكِ .
حالما رأته أَنّا قفزت هابطة من العربة وجرت إليه راميةً ذراعَيها حول رقبته ومُقَبِّلة إياه بحرارة .
قالت الكونْتيسا : إنها فاتنة جدا ، إليست هي كذلك ؟ أركبها زوجها معي في هذه العربة وتحدثنا طيلة الطريق ، لديها ابن صغير في الثامنة وهذه أول مرة يفترقان فيها ، ولذلك هي قلقة عليه .
عادت أَنّا ودخلت العربة لتقول : مع السلامة .
قالت الكونْتيسا : دعيني أُقَبِّل وجهك الصغير يا عزيزتي ، يمكنني الكلام بصراحة وأنا في عمري هذا لذلك اسمحي لي أن بأن أعترف بأنني أضعت قلبي معكِ .
بدت أَنّا مبتهجة قَبَّلت الكونْتيسا ، ثم وابتسامة تتلاعب حول شفتيها وعينَيها مدت يدها الصغيرة الى فِيرونِسْكِي ، ضغط عليها وشعر بفرح عظيم وهي تهزها ، تابعتها عيناه وهي تبتعد بسرعة .
في الوقت الذي كان فِيرونِسْكِي وأمه يخرجان من العربة جرى رجال عديدون بما فيهم مدير المحطة أمامهما بوجوه خائفة ، كان من الواضح أن شيئا غير عادي قد وقع .
جرى كل الركاب عائدين الى القطار ، سُمِع الناس المارون أمام النوافذ يَصرخون .
- ماذا ، ماذا أين ؟ رمى بنفسه تحت ؟! .
التفت أُبْلونْسكِي الى الخلف وأخته تُمْسِك بِذِراعه ، بَدَيَا فزعين أيضا وَوَقَفَا الى جوار باب العربة ليتجنبَا عددا من الناس .
عادت أَنّا وأم فِيرونِسْكِي الى داخل العربة ، بينما تَبِع فِيرونِسْكِي وأُبْلونْسكِي الحشد .
لم يرَ حارس القطار أو سمعه إما لأنه كان سكراناً أكثر من اللازم أو لأنه كان ملفوفا بالكامل ليحتمي من الصقيع المرير فلم يسمع شيئا والقطار يتراجع الى الخلف ببطء ، : ستَتَهشم حتى الموت .
عاد أُبْلونْسكِي وفِيرونِسْكِي الى العربة رأى كِلاهما جسم الحارس مسحوقا ، وبدا أُبْلونْسكِي منزعجا جدا كأنه كان على استعداد لِيَصْرُخ تابع القول : أوه ، كم هذا رهيب .
تابع : أوه أَنّا لو أنك رأيتِه ، وكانت زوجته هناك موجودة أيضا ، كان من الرهيب أن تَرَيها لقد رمت بنفسها على جسمه ، يقولون بأن لديه عائلة كبيرة يُعيلها ، يا له من أمر رهيب .
همست أَنّا : ألا يوجد شيء يفعله الإنسان لها ؟
ألقى فِيرونِسْكِي نظرة سريعة عليها وترك العربة على الفور ، حين عاد بعد دقائق كان أُبْلونْسكِي يُثرثر مع الكونْتيسا عن مسرحية جديدة تُعْرَض مؤخرا في موسكو .
خرجوا معا فِيرونِسْكِي يمشي مع أمه في المقدمة وأَنّا وأخوها يتبعانِهما .
عند مَخرَج المحطة تقدم مدير المحطة منهم قال لِفِيرونِسْكِي : لقد أعطيتم مساعدي مبلغاً كبيرا من المال ، هل تتلطفون لِتقولوا الى من تقصدون أن تُعطى هذه النقود ؟
أجاب فِيرونِسْكِي : للأرملة طبعا .
صرخ أُبْلونْسكِي من الخلف : أعطيت نقوداً ؟!
وأضاف وهو يضغط على ذراع أخته : : عطف شديد لُطْف شديد .
حين خرجت أَنّا وأُبْلونْسكِي من المحطة كانت عائلة فِيرونِسْكِي قد خرجت منها بعربة .
فيما كانت أَنّا تجلس في العربة لاحظ أُبْلونْسكِي مندهشاً بأن شفتيها ترتعشان وتشعر بصعوبة في إيقاف دموعها .
سأَل : ما الأمر يا أَنَّا ؟
قالت : موت ذلك الحارس نذير شؤم .
أجاب أُبْلونْسكِي : هراء ، لقد جئتِ ، هذا هو الأمر الرئيسي لا تتخيلي مدى اعتمادي عليكفي وضع الأمور في نصابها بيني وبين دُلّي .
سأَلَت أَنَّا : هل عرفت فِيرونِسْكِي منذ وقت طويل ؟
- نعم ، أنت تعرفين نحن نَأْمَل بأنه سيتزوج كيتي .
قالت أَنَّا برقة : حقاً ؟ الآن دعنا نتكلم عن أمرك .
أضافت كأنها أرادت أن تُلقي عن كاهلها شيء يُزعجها : أخبرني عن كل مشاكلك .
وبدأ أُبْلونْسكِي قصته .
حين وصلا الى البيت ساعد أخته على الخروج من العربة ، ضغط على يدها واتجه بالعربة الى دار المحكمة .
مع أن دُلّي قد أخبرت زوجها بأنها لا تهتم ما إذا كانت أَنَّا ستأتي أو لا تأتي أعدت كل شيء لوصول أَنَّا ، وكانت تنتظرها بلهفة .
فَكَّرَت دُلّي : بعد كل هذا إنها ليست غلْطة أَنَّا ، أنا لا أعرف سوى ما هو خير منها فقط ، وقد أظهرت لي اللطف والصداقة فقط .
ظلَت دُلّي طيلة هذه الأيام وحيدة مع الأطفال ، لم تُرِد أن تتكلم عن مشاكلها لكنها عرفت أيضا بأنها ستخبِر أَنَّا عن كل شيء .
حين سمعت صوتخطوات أَنَّا الخفيفة خارج الباب ذهبت لتُقَبِّلها .
صرخت أَنَّا : دُلّي أنا مسرورة برؤيتك .
كانت أَنَّا معجبة بكل أطفال دُلّي ، ثم بدأت تتكلم الى دُلّي عن أُبْلونْسكِي ، أصغت الى دُلّي بلطف متعاطف وسرعان ما بدأت تشعر بأنها بحال أفضل بكثير .
- ما الذي سأفعله ؟ رجاءً ساعديني يا أَنَّا .
- اصغي يا دُلّي ، استيفا ما يزال يحبك ، أنا أخته وأنا أعرف شخصيته ، إنه لم يكن يحب تلك المرأة الأخرى إنه لم يَخُنْك في قلبه .
- لكن هذا قد يقع ثانيةً ، هل كنتِ ستغفرين له هذا ؟
قالت أَنَّا بعد أن فكرت للحظة : لا أظن أن هذا سيحدث ثانيةً ، نعم سأغفر له هذا .
أخيرا أقنعت أَنَّا دُلّي أن تصفح عن أُبْلونْسكِي .
في ذلك المَساء تناول أُبْلونْسكِي العشاء في البيت ، وتكلمت دُلّي معه مناديةً إياه استيفا الأمر الذي لم تفعله منذ الشجار .
على الفور بعد العشاء وصلت كيتي ، كانت تعرف أَنَّا لكن معرفة طفيفة فقط وشعرت بالقلق قليلا مما ستفكر به عنها هذه السيدة حديثة الطراز من بطْرسبِيرغ ، لكن سرعان ما اتضح بأن أَنَّا أطرت شباب وجمال كيتي كثيرا جدا .
انجَذَبَت كيتي نحو أَنَّا الى حد كبير جدا ، لم تظهر أَنَّا كسيدة مجتمع أو كأم لابن في الثامنة من عمره لكن كفتاة في العشرين .
قالت كيتي مُنْفَعِلة : ستُقام حفلة رقص كبيرة في الأسبوع القادم هل ستأتين ؟
أجابت أَنَّا مبتسمة : أفترض أن علي أن آتي ، لكن حفلات الرقص لم تعُد تثير فيَّ متعة .
ثم تابعت : أنا أعرف شيء ما ، طلب مني استيفا أن أُهَنِئك ، قابَلْت فِيرونِسْكِي في سكة الحديد وملت إليه كثيرا جدا .
سألت كيتي ضاحكة ومحمرة : أوه ، هل كان هناك ؟ ما الذي أخبرك عنه استيفا؟
كانت حفلة الرقص قد بدأت للتو حين ارتقت كيتي وأمها الدرج العريض المُضاء على نحو ساطع والمغطى بالأزهار المؤدي الى صالة الرقص .
سَمِعَتا صوت الأفيولَنات أي الكمانات يبدأ الرقصة الأولى ، بدت كيتي جميلة حالما دخلت الغرفة في فستانها الوردي الجميل ، كان كل ما يحيط بها مُتْقناً ، حذاؤها شعرها الجميل الكثيف وشريط جوخ فاتن أسود حول رقبتها واجتذبت لَمَحات إعجاب كثيرة .
على الفور تقدم منها الراقص القائد هناك كورينْسكي الشهير والوسيم معلم الاحتفالات ووضع ذراعه حول خصرها ، أحنت ذراعها اليسرى ووضعت يدها على كتفه ، تحركَا قدماها بحذاءييها الورديَين الخاص بالرقص بخفة على الأرضية السقيلة متزامنَين مع الموسيقى .
قال شريكها : من المبهج الرقص معك .
أضاف والموسيقى تنتهي : أين سآخذكِ ؟
كانت كيتي قد رأت بأن أهم الناس في المجتمع يتجمعون معاً في ركن الحجرة ، رأت بينهم استيفا ورأس أَنَّا الجميل وقوامها الجميل لابسةً جوخا أسوداً ، وكان هو هناك فِيرونِسْكِي .
لم تكن كيتي قد رأته منذ المَساء الذي رفضت فيه ليفين .
- هناك مدام كرنينا هل ستأخذني إليها ؟
فيما كيتي تتقدم من المجموعة الصغيرة التفتت أَنَّا إليها وابتسامة رقيقة وحانية ترتسم على وجهها مومئةً باستحسانها لفُستان كيتي ومظهرها الجميل .
تقدم فِيرونِسْكِي من كيتي وطلب منها أن ترقص .
لم يتكلما عن شيء ذي أهمية ، لكن كيتي لم تكن قلقة ، كانت تنتظر بقلب خافق لأهم رقصة في هذا المَساء المازورْكا ، كانت متأكدة من أنها سترقص المازورْكا مع فِيرونِسْكِي ومن أنهما وفيما هما يرقصان سيَطلُب يدها للزواج .
بعد أن انتهى الرقص كان على كيتي أن ترقص مع شباب مضجرين عديدين لم يكن يمكنها أن ترفضهم ، خلال واحدة من هذه الرقصات قابلت أَنَّا وجهاً لوجه وهي ترقص مع فِيرونِسْكِي .
بدت أَنَّا سعيدة ومنفعلة جدا ، وفي كل مرة تكلم إليها فِيرونِسْكِي أضاءت عيناها فرحاً وارتسمت ابتسامة سعادة على شفتَيها الحمراوَين .
نظرت كيتي الى فِيرونِسْكِي وفجأة امتلأت بالخوف ، انعكس التعبير على وجه أَنَّا على مرآة وجه فِيرونِسْكِي .
انتشر ضَباب على روح كيتي مغلقاً عليها صالة الرقص والعالم كله ، كان عليها أن تتابع الرقص مبتسمة ومُجيبة بأدب على أسئلة شريكها ، لكن فيما كانت حجرة الرقص تستعد لِرَقصة المازورْكا عانت من الرعب واليأس عرفت بأن فِيرونِسْكِي لن يطلب منها أن ترقص معه رقصة المازورْكا ، كان سيرقصها مع أَنَّا .
عبر الغرفة رأت كيتي فِيرونِسْكِي وأَنَّا يجلسان أمامها فيما بعد ححين كانت ترقص المازورْكا مع كورينْسكي ، قابلتهما في الرقص وكلما نظرت إليهما أكثر كُلما أدركت بأن شيئا ما حدث بينهما ، وأن كل شيء انتهى بالنسبة إليها .
بدت أَنَّا فاتِنَة جدا بفستانها الأسود البسيط وبخصلات شعرها ووجهها المليء بالحياة الجميل ، أُعجِبت كيتي بها أكثر من أي وقت آخر وعانت أكثر فأكثر ، شعرت بأنها هُشِّمت وأظهر وجهها هذا حين اقتربت من فِيرونِسْكِي ثانيةً في الرقص ، تغير تعبير وجهها كثيرا جدا الى حد أنه لم يميزها لأول وهلة قال متكلماً وكأنه يتكلم الى غريبة : حفلة رقص بهيجة .
فيما بعد وأثناء الرقص وجدت أَنَّا وكيتي نفسَيهما ترقصان جنبا الى جنب ، ابتسمت أَنَّا وضغطت على يد كيتي ، لكنها وبعد أن رأت أن كيتي استجابت الى ابتسامتها بنظرة دهشة ويأس أشاحت بوجهها بعيدا .
بعد الرقص لم تُرِد أَنَّا أن تبقى حتى وقت العشاء ، أخبرت فِيرونِسْكِي : لقد رقصت في موسكو في حفلة رقصكم الوحيدة هذه أكثر مما رقصت طيلة الشتاء في بطْرسبِيرغ ، لا بد أن أعود الى البيت وأَستريح قبل رحلتي .
سأَل : إذن ستُسافرين غدا حقاً ؟
أجابت أَنَّا : نعم أظن هذا .
التمعت عيناها وأشعلت ابتسامتها النار فيه وهي تنطق بِهذه الكلمات . . .