-1-
يا أحلامي القرمزية ،
هزي بثناياك حتى يتساقط بلح الذكريات تباعا و يروي ظمأ القلوب الآسرة، و أنا الذي لم يكن لدي الاستعداد لفعل شيء، لقول شيء ، لمحو مسافات الآلام المبهمة التي سممت كياني و دفعتني مسحولا إلى هروب زئبقي، يشد وثاقي داخل متاهة إغريقية، متاهة هي أشبه بأساطير هرمس في هذه العودة التراجيدو-كوميدية المزركشة بتلاوين الفشل و اليأس و الحياة الضائعة.
لم تتشكل خيوط الحلم لدي طيلة أماسي ضائعة، ظلت تتمايل عطشى إلى ريع الشباب، حين كانت قصبات القرية تنط أمامنا تسابق أرجل الفتيان و الفتيات الصغيرة، حين كان المرح لغتنا المفضلة ذات زمان غابر. هل هو العذاب المغلف بمعاول الهروب يلجني مجددا؟ هل هي تلاوين القتامة تغلف ثنايا سنواتي الضائعة بهذه الغربة الدولية الفجة؟
من أين تنسل سنابلك أيها الحقل الغجري المتراخي على أطراف الجبال؟ هل صمتت عصافير الصباح عن زقزقتها ؟ هل تآكلت ألحان النايات و الأماسي الحزينة و صمتت عن العزف المباح؟
أجل، بعدما عزفت تقاسيم الغبار لحنها 'التحيري' على تفاصيل ربوة قاسية تطايرت معها أحلامي بعيدا في أقاصي الأصقاع ، لم يكن لدي متسع لحياكة هروب آخر من قسوة الزمن الضارية، و أنا داخل طائرة متهالكة أدعو الله ألا تسقط و تسقط معها أشلائي على آخر أيامي متناثرة فوق سماء أبيدجان الحالكة. لم أقو على النوم كما لم أعد قادرا على التفكير بشكل سليم في ما وصلت إليه. تأملت لحيتي التي نمت بلا مقياس و بلا احترام هي الأخرى.. أجل، إنها ليست لحية وقار أو لحية شيخ صوفي من أولئك العارفين بالله، الذين يذكرونه صبحا و عشيا. إنها لحية التسكع 'الدولي' ، لحية فوضوية لتشكيل الألم و التقاذف من حفرة إلى حفرة، من سجن إلى سجن و من خريطة إلى أخرى، مثل جمرة حارقة أو بضاعة فاسدة من يمسكها على عجل يتخلص منها على عجل كذلك.
تُرى ما الذي أوصلني إلى ذاك السجن المدوخ في أقاصي الدنيا؟
ما الذي مهد لتهوري للارتماء في ذلك المكان السحيق، و المكوث فيه سنوات، محتارا بين الهرب والانتحار؟ سجن صغير داخل سجن كبير، سجن العزلة و الابتعاد عن الأهل و الوطن في الجغرافيا وفي التاريخ و الزمن.
سجن أسترالي عجيب يدخل الإحساس بوحشة الدنيا كلها إلى قلب الإنسان، مادام يشكل اغترابا قوميا و نفسيا.. ها هي نتائج التهور المدفوع برغبة التغيير إلى الأحسن تؤتي أكلها بعدما قذفتني رغباتي في التغيير داخل الأراضي الاسترالية مهاجرا غير مرغوب فيه، نظرا لطريقتي غير الحضارية و غير القانونية في دخول الترابي الوطني الأسترالي، وتهمتي لدى سلطات كانبيرا ثابتة في حقي مادمت بضاعة محصلة من الهجرة السرية الدولية، و حسب محاضر الاعتقال الأولي صرت مشبوها بانتمائي إلى ال'الكايدة' كما يسمونها هنا. لست أدري أي طريق أسلك في سبيل نشدان الخلاص من هذه الورطة الدولية.
سأحاول أن أنام على الأقل، فلم تتبق لدي طاقة كبيرة للتفكير و التأثر أكثر بعدما فقدت معنى الإحساس بالعاطفة، بعدما قسا قلبي إلى درجة التوجس و التخوف المرضي من كل شيء و من كل كائن حي يريد الاقتراب مني . لم أستطع السيطرة على الأزمة الملمة بي، كما لم أستطع التخلص منها فهي ملازمتي منذ شروعي في رحلتي 'الماجلانية' حول الأرض، رحلة بصفر درهم.
هذا واضح أيها المتشرد ' العولمي' على الأقل فالاكتشافات الجغرافية السابقة تمت بملايين الدنانير و الدراهم أما خرجاتك هاته فلم تكلفك شيئا غير العذاب و المعاناة، مثلما أنك لم تستفد شيئا واحدا إلى حدود الساعة، سوى أنك لا تزال على قيد الحياة متمسكا بمصيرك المعلق و متشبثا بروح الأمل الكبير في الله سبحانه و تعالى عساه يفرج كربك.
تذكرت يوم ولجت السجن كجرذ حقير مقبوض عليه في قنوات الصرف الصحي، عابسا و صامتا، خائر القوى ، فقد صممت ألا أنبس ببنت شفة حتى لا أثير السجناء الآخرين الذي ضحوا بسنوات عمرهم و هم ينتظرون لحظة تسوية أوضاعهم و معانقة فرحة الخروج من السجن و تحصيل أوراق الإقامة القانونية، أو الرجوع إلى الزنزانة خائبي المصير ينتظرون تسلميهم إلى السلطات الرسمية لبلدانهم التي حتما لن يروقها ما ستسمعه عنهم و هي تستقبلهم كبضاعة كاسدة مسترجعة.
هكذا قيل لي في البداية منذ وطـأت قدماي الأراضي الأسترالية ..قيل لي ألا أتحدث إلا بتحريك رأسي حتى لا يهتدي المحققون إلى معرفة جنسيتي ..علي أن أطيع أوامر من سبقني في الاعتقال، فالمثل الشعبي عندنا يقول : اسأل المجرب و لا تسال الطبيب .
لكنني للأسف لم أستطع فعل شيء مثل باقي المساجين العرب الذين كانوا معي، كما لم أستسغ غياب شروط الحوار هنا في هذا الطقس الغرائبي الذي ينذر بكثرة التوتر الذي أحسه يتجول بيننا. المقل الشاخصة وحدها قادرة على الكلام في حوارات صامتة تنم عن معاناة نفسية عميقة تعود لمئات السنين و انهيارات تجرها وراءها و تحبس أنفاسها حتى لا تتكشف للآخرين. أجل إنني أقرأ في عيونهم نكسة أكبر من واقع الحال، هي نكسة جمعية بصيغة هذه البلاد الغائرة حتى النخاع في انحطاطها الذي لم تخرج منه منذ دخول التتار بغداد و منذ اندلاع النار في مؤلفات ابن شد. أجل ! رغم المدافع النابليونية التي دوت قبالة الساحل المصري ذات مرة سنة 1798، لازال العرب مشتتين و حائرين ما بين الرجوع إلى السلف الصالح و ما بين المعاصرة و تقليد الغرب الذي أدخل يديه حتى النخاع في المعدة العربية و حرك اشتهاءاتها و تلاعب بها، و أبقاها إلى حدود الساعة في ما تشتهي الأنفس. و نفسي واحدة منها تشتهي طيب الطعام و رغد العيش.. ههه كم أنت تافه أنت و نفسك الراجعة بك إلى نهايات القرن الثامن عشر . يا لك من متخاذل أو لنقل يا لك من متواكل ! هل نسيت أن دولا قامت قبل عشرين سنة فقط و ليس لها وجود في التاريخ مثل وجودك الضارب في مخ التاريخ و هي تتبوأ اليوم مكانة أحسن منك و من عشيرتك ؟ ماذا استفدت أنت و هذا الامتداد في التاريخ الذي تتبجح به ؟ ليس هذا ما تقصد؟ قل لي إذن، ماهية تفكيرك مشلولة و غير ناضجة، و لو كنت ذا قيمة حقا لبقيت في جغرافيتك و في تاريخك توقظه من سباته الطويل.
دعني أيها الصاحي أقوم بالتسخينات الفكرية اللازمة لحل هذه المعضلة التي هي في الحقيقة ليست مشكلتك لوحدك. إنها مشكلة أمة بعينها و أنا أملك الحل السحري الذي يخرجكم جميعا من هذا الوضع المقزز. فقط اسمعوا نصائحي و اتخذوا لأنفسكم أماكن قريبة مني هيا اقتربوا.. هل تهتمون بالعلم؟ و الثقافة ؟ و التقدم الفكري؟ ماذا؟؟ لا أسمع جوابا . أنتم تطربون للجذوع و الخاصرة المتمايلة . لم أعرف هذا ! ليثني لم أنس ذلك يا أحفاد المعري و ابن خلدون ! دعوني أطرح عليكم سؤالا وجيها أتوجه به إليكم توجها عقبا إلى رأس هذه المرة: هل قرأتم المقدمة؟ لا، لا هذا ليس بالسؤال المناسب .. إنه سؤال وقح .. سأعوضه بسؤال أسهل هل تعرفون ابن خلدون.. مرة أخرى ؟ لم توفقوا في الجواب؟ ماذا أفعل لكم إذا كنتم لا تعرفون جدكم؟
حسنا لا تنشغلوا بالثرثرة كثيرا ، فأنتم قد طلقتم الفلسفة بالثلاث و لذلك سأعوضه بسؤال ربما قد يكون في المتناول: ابن خلدون هل كان راقصا أم فقيها أم لاعب كرة؟
لديكم ما يكفي للتفكير و قد أعطيتكم ما يكفي من الوقت.. أجل ! منذ دوت مدافع نابليون بونابرت أمام هذا الشرق 'المتكاسل' الذي لم أدر كيف تورط إلى هذه الدرجة السحيقة في سبات فاق سبات جميع المخلوقات .
سأبكي كثيرا إذا توصلتم إلى الجواب الصحيح، و لن أستلقي على قفاي من الضحك فقد هجرت الضحك منذ سقطت الأندلس، منذ ضاعت القدس، منذ عودة التتار الجدد للظهور.. و منذ ذاك الحين و أنا أنظم القصائد الحزينة أبكي ضياع 'أناكم'، لكنكم لم تتعرفوا إلي للأسف.
نعم للأسف تداخلت عوالمي بعوالمكم، و هذه ليست قصة أسطورية تمتح مكنوناتها من ترهات الخيال و أذيال الميتافيزيقا الفائتة أو سجل الكرامات الصوفية المبجلة.. إنه صراع مرير بين العقل و النفس في واضحة التاريخ .. صراع لن يتكشف لك أيها الصاحي إلا و أنت مقيد المشاعر متوجس الضمير حائر التموقف بين الاثنين.. هذا ما وقع لي أنا شخصيا في فترة صحو منتهية منبلجة الأسارير.
تبا لك أيها الصعلوك ! أوَ ما زلت تبحث عن هذا الحوار السفسطائي ؟ حوار عقيم لم يخرج منه حتى كبار المفكرين و الفلاسفة بنتيجة تذكر؟ لِـمَ لا تكتف بمحاورة نفسك المريضة بدل هذا الانجرار 'البهائمي ' الأعمى بلغة السوقة وراء مشاكل هذا الشرق الذي أرقك شخيره ؟ دعه و انصرف إلى حال سبيلك. اهتد رفقة من ركبوا الفلك المشحون على غرار النبي نوح عليه السلام و امخر عباب النجاة.. نعم إنها خير صديق و خير مرافق لك. أوَ لست الآن أسعد الخلق بقطعك لهذه المسافة الكبيرة من ميناء إيطالي إلى الشرق الأسترالي كطائر أبي منجل الأصلع الباحث عن الدفء؟ أم أنك تبحث عن دفء آخر؟ دفء من نوع خاص .. إنني أعرفك حق المعرفة حين تراوغ نفسك و تطيش بعض اللحظات تائها، متعطشا إلى ري سواكن العشق. لكن عشقك أنت من طينة أخرى. عشق يتجاوز عبلة و عنترة.. عشق تلتقي فيه مملكة الفكر بأتون العاطفة.. إنك متعقل حتى في أحلى فترات الزيغ و الهوى و لا سبيل عندك لاتباع الأهواء التي درسها غريماس و فونتاني و الداهي ، و قبلهم فقهاء الإسلام .. فكيف انزلقتَ هذه المرة إلى قاع سحيق من المشاكسة؟
وجدتني أبتسم لنفسي التي رأيتها تبتهج هي الأخرى بهذا الحوار الشيق الذي دار بيننا و هي تأمرني بالمزيد من المصابرة و الصبر على الأذى كما جاء في السلف الصالح حتى أنال مرادي. إنها قمة التضامن أن تتضامن مع نفسك و تتحابا معا و يؤنس بعضكما البعض كطائري كناري معذبين و متيمين بالحب المزقزق.
لست في الحقيقة فيلسوفا و لا من الباحثين عن نظرية جديدة أو سبق علمي، و لا متأملا في الكون كما عادة المفكرين و الفلاسفة الكبار الذين طبعوا مسيرتهم بخدمة الإنسانية، فحتى هذه اللحظة لازلت أعتبر نفسي هي المسيطرة على دماغي الذي تجمدت كفاءته. ذلك أنني أقاوم حتى النخاع ما تمليه علي هاته النفس، إلا أنني أستسلم في النهاية لرغباتها الطائشة و هذا طبيعي فلكل شخص رغبات معقولة كما له رغبات خاطئة مصدرها ليس العقل بالمفهوم الديكارتي و لكن مصدرها النفس و الهوى التي جرمتها بعض التيارات الفقهية نظرا لانسياقاتها المنحرفة أحيانا.
بدأ عالمي يكبر ..لم تعد الجدران الإسمنتية قادرة على احتضانه ..الصراع الذي أعيشه في هذا السجن الأسترالي القصي يتجاوز مفهوم الوجود و الهوية.. إنه صراع الألم النفسي و البعد القصي عن الذات الحقيقية التي كنتها في المغرب و التي بدأت تتحلل بسرعة حالما وطأت قدماي الأرض الأوربية المسيلة للعاب آنذاك. إنه صراع العقل و النفس..صراع الروح و المادة.. صراع الأزل عبر التاريخ الذي يطبع وجود الذات و يهلكها أحيانا كما يقودها إلى جادة الصواب أحيانا أخرى. يا لله لم أنعم بمثل هذا التلذذ من قبل ! لذة الحلم و البقاء على أنقاض الماضي و العيش بلا بوصلة في متاهة الحياة منساقا و منجرا كشاة عمياء وراء رغبات النفس.
لمَ كل هذا الكم من الأسئلة و أنا الذي أريد أن أجد للأشياء معنى و أعرف أنني لن أتألم بعدما فقدت كل شيء و فرملت حتى عقلي ذات ربيع و أنا أنساق لرغبات النفس و أتبعها .
ليست لي حمية العقل التي لدى الفلاسفة و الخاصة الذين خصهم أرسطو بالتبجيل و التمجيد، لكن هذا لا يمنع من تجريب كل شيء في حدود المنطق. إلا أن الأمور تجري بما لا يشتهي العقل و بما تشتهي النفس التي لا أدري سوى أنها إذا كانت فاضلة فستقود صاحبها حتما إلى الفضيلة العظمى و تقهر رغباته الخاصة. تلك أيها الصاحي قصتي مع ترهات النفس التي تغذت من خارج الأسطورة و قيدت أحلامي في إحداثيات معينة مصدرها النشوة الكبرى التي أتحصل عليها بعد كل هروب من الواقع الذي أسكنه إلى الخيال الذي لا أملك منه غير شطحات النفس و تهورها.
انظر إلى نفسك أيها المتحذلق، ها هي المرة الثالثة أو الرابعة، إن كنت تذكر، التي تتنكر لك فيها هذه النفس المعذبة و تسدي لك النصح بالهروب من الواقع الذي يسيج تحركاتك. هذا ما كنت تصبو إليه في حياتك أن تغير الحال و تقلب الأحوال.. لكن مصيرك ليس بيدك ، رغم أن الله تعالى أعطاك العقل لتلملم أحلامك و تعلبها في خلطة خاصة.. أجل الخلطة التي لا تستوي فيها رغباتك النفسية برغبات العقل السيد الذي يشكم الهوى و يقيد حركته. هل أسميك متهورا ؟ هل أنعتك بالجنون ؟ هل أترك الأطفال يطلقون عليك اللقب الذي تستحقه؟ هذه مشكلتك سواء كنت في السجن أم خارجه، فأنت دائما لديك سجن من نوع خاص. فالعقل سجن لرغباتك المتهورة، و الهروب من الواقع سجن آخر لن يقودك إلا إلى سجن نفسي كبير تريد التخلص منه منذ عشرات السنين و العبور إلى منصة الحياة الراقية. هذه مقصلتك المنشودة فأنت مثل البطل الأسطوري الذي ينتصر على جميع خصومه و رغم ذلك لا يشعر بنشوة الانتصار، لأن طموحه لا يوجد في العالم المادي الذي يراه. إنه طموح أكبر بكثير من الشخصية التي يلبسها. تذكر قصة الحلاج ذلك الصوفي الذي ارتقى مراتب عليا في التصوف، حتى نطق بما لا يفهمه الناس /العامة.. نطق بخطاب أكبر من عصره و أكبر من سامعيه، و هو المصير الذي قاده إلى الموت.. أرجو ألا تكون من هذه الطينة، فلن يشفي غليلك تحقيق لذة معينة أو انتصار قد تسميه زائفا .
أيها الصاحي، سأجعلك في مرتبة سامقة تشمخ بأنوائها لوحدك بعيدا عن ثرثرة السفهاء و أزيز العربات. تلذذ بهذه القصة التي ليس لها مثيل، فلن يصدقها أحد غيرك و كن لها بالمرصاد بعدما صرت جزءا منها. أجل ! لن يصدق أحد كيف وصلت إلى هذا السجن الأسترالي الشائك الذي يرمي بظلاله على أمواج الساحل العالية، أمواج طالما سمعتها و هي تؤنس وحشة السجناء بضرباتها الإيقاعية المتواصلة، بلا كلل، بلا أمل كأنها لا تقنط من عادتها في التكرار كمن يعزف سيمفونية خاصة سامعوها من الحراس و المحروسين معا.
مذ وصلت إلى هذا المكان و الدنيا تبدو لي مختلفة، حيث السماء حالكة على الدوام إلا إذا أمطرت نادرا، حيث يتغير ريح الثرى و تنبعث عبائقه تزكم الخياشيم و تحمل إلينا صمت الصحراء البعيدة بحبيبات رملها المتشعثة في بلد يقال أنه يفوتنا بليلة شمسية كاملة.
أيها الصاحي،
اسمي جمال، نعم جمال و ليس بيني و بين الجمال إلا الخير و الإحسان. يوم ولدتني أمي ، مات جدي و لذلك يسميني أفراد العائلة بالجد الصغير.. سموني على اسمه تيمنا به و بنجاحاته الباهرة التي بقيت ألسنة العائلة تلهج بها و تلوكها على الدوام، كلما وجدنا أنفسنا في محفل أو طقس احتفالي يستدعي تذكر الأمجاد و البكاء على الأطلال كما عادتنا دائما في تمجيد الماضي البعيد و ذرف الدموع دون جدوى على هذا الغائب/الحاضر الذي يحكى أنه كان مشعا كحبات اللؤلؤ .
هل جننت أيها الأحمق؟ هل ما زالت لديك الشجاعة لتفكر في العائلة بعدما ابتعدت عنهم آلاف الأميال البحرية و البرية ، و بعدما رميت في زنزانة تبعد عنهم مسيرة سنة ضوئية كاملة؟
أحاول أن أتناسى مرارة الألم فأنظر إلى هؤلاء المسؤولين عن السجن لأعلم كبد الحقيقة المرة.. لم يتضامن معي أحد مثلما لم يصدقوا حكايتي ، لم يؤمنوا بأنني من العرب الذين قادهم الحظ العاثر لتحسين المعيشة إلى هذا المصير الإنساني المؤلم الذي لا أرضاه اليوم لكلب أجرب، بعدما كنت أقصد وجهة أخرى من هذا العالم .
ساقتني قدماي و تهوري إلى هنا ،لِـمَ فعلت هذا؟ لمَ ألقيت تبعت رغبات تنفسي حتى ألقت بي إلى التهلكة؟
الندم ليس حلا أيها المتخاذل.. كان عليك أن تفكر مليون مرة قبل أن تخرج من أليكانتي الإسبانية، و تركب تلك السفينة من ميناء جنوة الإيطالي قاصدا الفردوس المفقود.. كان عليك أن تدرس خطواتك بإمعان قبل أن تمارس صعلكتك الفاجرة في بلاد سمعت أنها مليئة بالفرص الطائرة. ها أنت يا سيدي إذن في أستراليا، ماذا استفدت بهذه الهجرة المكوكية ؟ لم تنصت إلى كلام 'خيسوس' الإسباني و الآخرين قبل سنوات جيدا، ربما لو فعلت لكنت الآن ذا شأن آخر ..لا لا حاجة لك بلو ، لو، لو ..
مللت هذه العودة في شريط الذكريات ..
لم ينفعك تهورك هذه المرة، فها هي نتائج الاقتياد البهائمي وراء نفسك المريضة..أردت كندا فصرت فريسة السجن في أستراليا ترقد مريضا محاطا بكل أنواع المرض، تشيخ خلاياك بسرعة بسبب الرطوبة و اليأس الذي يعشش بداخلك..
اسمح لي أيها الصاحي فقد أطلت الحديث عن عذاباتي النفسية و نسيت أن أشبع فضولك و أحقق حلمك في اكتشاف أعماقي و معرفة مكنوناتي الخاصة التي تسيجها رغبات النفس و تسبر أغور ذاتي التي كانت سببا وراء هذا الاعتقال و هذه الإهانة الدولية.
منذ صباي، حين دلفت إلى كتاب القرية مارقا في جلباب رث، ممزق الحواشي، صرت بسرعة خاطفة محبوبا عند الفقيه الذي كان يغدق علي الكثير من الهدايا التي يحصل عليها من أهل القرية لكونه يجدني طفلا صالحا، يتوسم فيّ البركة و النجاح كطفل نوراني، يحفظ القرآن بسرعة و لا يحدث الفوضى في 'المسيد'. لست مثل عبد السلام الشقي الذي يضرب الفقيه بنعله و يهرب معلنا معه الحرب عوض السلام. كما لم أكن مثل العياشي الذي يختبئ وراء زريبة البهائم حتى نخرج فينضم إلينا قاصدا المنزل و هو يتبختر في مشيه متصنعا التعب بعد الخروج من الكتاب، و متظاهرا أمام أمه بمرافقتنا حتى تمكنت ذات مرة من اكتشافه مختبئا بين شجرات التين الظليلة. أكل يومها ما يأكل الطبل يوم العيد و لم يعد إلى فعلته ثانية.
كنت مثالا للحفظ و الاجتهاد في كل شيء لكن ها هي نتائج الدهاء.. لم تنفعني نباهتي إلا في الوصول إلى أضخم سجن في العالم. لكن صدقني أيها الصاحي هذا ليس خطئي و أنا أعترف بذلك.. إنه خطأ النفس المارقة في الانحراف و التآمر على عقلي، عقل هو كل ما بقي لي في هذا الكون..
تفطنت منذ البداية إلى ضرورة وجود فرصة للخروج من سجن صغير اسمه الوحدة القاسية داخل سجن كبير اسمه أستراليا في أقاصي الكرة الأرضية، و بحثت عنها لكن دون فائدة، فالأبواب توصد وفق نظام إلكتروني محكم ، و الحراس يملكون أوامر مباشرة برمي السجناء الذين يحاولون الفرار بالرصاص الحي و دون مفاوضات أو استشارات. إن الأمور صارمة.
لم أفكر حتى في ذلك بعدما رأيت منظرا مؤلما قبل أشهر مضت. كان يجلس معنا بلحيته المسدلة و شعره الأشعث حين سمعناه يتبادل أطراف الحديث مع أحد البوسنيين الذين هربوا من جحيم الحرب الصربية البوسنية. في الغد وصلتنا أخباره و رأينا الحراس يحملون نعشا لدفنه في مقابر المدينة . كان هذا مصير صديقنا اليمني مسعد الذي لم يتحمل طول فترة السجن. فقد تعود الزنازن منذ فترة اليمن الشمالي و اليمن الجنوبي و انقسام هذا البلد إلى دولتين تنخرهما طقوس الحرب الباردة و تعشش فيهما، متلاعبة بإحداثيات الجغرافيا و الانتماء العربي و راسمة حدودا للطمع و الجشع و الامتداد الامبريالي.
تناسلت في ذهني أسئلة شائكة من جديد و بقيت أجتر هذه التجاذبات مرة أخرى محاولا إخراج نفسي من هذه الدوامة الحلزونية .. لم أرد ان أموت مثل مسعد بهذه الطريقة البشعة التي يهوي فيها الإنسان من علو 15 مترا مرميا بالرصاص كطريدة سهلة. كل من يقترب من الأسلاك الشائكة يلاقي مصير مسعد .
وداعا أيها المسعد الذي لم يسعد بحياته رفقة الأحلام الوردية التي كان يمني النفس بتحقيقها و القبض عليها ذات مرة.
أيها الصاحي،
لا زلت أتذكر يوم قبضوا علي في تلك السفينة اللعينة رفقة صديقي التونسي الطاهر بعدما اقتربت من المياه الإقليمية الهندية.. يوم أخرجنا طاقمها البحري من قبوها في حالة بائسة، حالة الكلب أحسن من حالنا، أنا و صديقي التونسي الطاهر ..
أخرجوني و أخرجوا شريط آلامي المسطرة برحيق العذاب، و وأدوا أملي في الوصول إلى كندا، بلاد الفرص الطائرة، التي طالما حلمت بها و تغنيت بجمالها الخلاب . أخرجوني بعدما صدموني بالحقيقة المرة التي لم يستسغها عقلي بينما طربت لها نفسي. كندا التي عانقتها في الحلم مرات عديدة و أمسكت بتفاصيلها و صنعت لها خريطة بتفاصيل أنثوية و جعلتها 'يوتوبياي' الفاضلة منذ وصلت إلى اسبانيا ذات خريف تتبخر دفعة واحدة. لم تكن كندا ما تقصد السفينة .. تبخر فردوس الحلم الغربي و استحال تشردا بنكهة الأمداء النائحة على حظي التعيس.. استحال تشرذما و فصاما خالصا لترهات النفس و تخبطاتها العرجاء .
هل أنا أمزح ؟ لا لست أمزح والله على ما أقول شهيد. لم تكن السفينة مبحرة سوى إلى أستراليا محملة بشحنة مختلفة من المواد المتوسطية من زيتون و سيارات خفيفة و سجاد تركي فاخر..
في عذابي اليومي ضد نفسي ، ضد حقيقتي الداخلية، تقمصت دورا تافها لرجل يعاني من آلام الفراق و آلام مزمنة في إيديولوجيته و لذلك رجوت طاقم الباخرة ألا يرجعوني إلى حيث كنت و ألا يسلموني إلى السلطات الاسترالية حين يصلون الميناء. رجوتهم أن يتركوني أهرب حالما ترسو السفينة في ميناء سنغافورة، حيث سيتوقفون ليوم أو أكثر ..رجوتهم أن يتركوني أهيم على وجهي حتى أستدرك إمكانية خلاصي و أعوض ما فاتني ، فقد كنت أعلم صرامة الأستراليين في حماية 'النوع' و حفاظهم على الهوية الخاصة بهم حتى لا يكثر عندهم 'الفصاميون' ممن يسيرون وراء رغبات النفس و ليس العقل من أمثال حالتي، و يختلط الحابل بالنابل..
أنا جمال الرجل الذي يظهر و يختفي مثل الظل، ليس لي شكل واحد أستقر عليه. تـَحُول نفسي بيني و بين الاحتماء بسياج العقل الذي ربما يقودني إلى الاستقرار..لكن كل ذلك ينبطح أرضا وأنا أتقمص جسما ماديا و أحمل روحا مازالت تصبر على تهوري رغم الآلام التي سببتها لها.
لم أعد أحس بجوع الجسد ، و مرض الجسد و آلام الجسد بقدر ما صرت زاوية و قمامة لجوع نفسي و روحي قاتل، بعدما انفصمت شخصيتي و غدت مرتعا لصولات النفس و تهورها، بينما انكمش عقلي إلى الوراء و تراجع مساحات شاسعة ينتظر الفرج و انبلاج هذه السيطرة النفسية الخطيرة التي ابتليت بها.
اتصلت ببعض الإخوة المساجين الذين سبقوني إلى هنا، رجوتهم أن يتدبروا لي حيلة أخرج بموجبها من السجن و أتخلص منه، و من مختلف الفلسفات الخاطئة التي تكرس العزلة بمفاهيم البسطاء و بالمفهوم الظاهراتي كما هو متسجد أمام العيان خارج مملكة تعقلي ، لكن لا أحد فكر في مساعدتي، مثلما لا أحد أثارت شهيته هذه الطلبات المتوجسة التي تعصف بي.
تبا لك أو مازلت تقو على الخوض في هذه الترهات بعدما تقاذفتك الأيام و رمتك صعلوكا دون قيمة؟ إنهم حمقى إذا فكروا في مساعدتك، إنهم يعلمون طبيعة المخاطرة التي تريد توريطهم فيها و هم على ضعفهم لن يقدموها، لك فلا أحد منهم يريد المغامرة بمستقبله و الرجوع إلى الوطن الأم في كيس الأموات.. إنهم يعرفون طبيعة العقوبة التي ينص عليها القانون الداخلي للسجن : إذا ساعدت أحدا على الهرب قد تموت و تحرم نهائيا من فرصة الحصول على أوراق الإقامة فوق الأرض الأسترالية. لذلك تراهم خائفين و حائرين مثل الدجاج الذي يعد للمسلخ أول مرة يرتعد بمجرد رؤية الضحايا ممن سبقوهم إلى المذبح ،حتى قبل وصول الدور عليه ..
جمال.. هذا اسمي الذي استقر عليه رأي العائلة المحترمة.. ولدتني أمي في بقعة أشبه بمستنقع ضواحي مدينة فاس ذات صيف. إنهم غير متأكدين من تاريخ الولادة بالضبط،، فكل ما تذكره الوالدة أن جارتهم توفيت في ذلك اليوم و تبعها جدي بعد ساعات ، و كان الفلاحون منتشرين في الحقول يحصدون الشعير. هذه هي الأسطوانة التي ظلت تلازمني كلما طلبت منهم إثبات اليوم و الشهر و السنة التي ولدت فيها.. تريثت قليلا حتى أكون طفلا كباقي أقراني إلا أنني أصبحت راشدا بسرعة البرق. كبرت قبل الوقت بسبب الحاجة إلى الخبز و القوت الذي نقتسمه مع الذباب و الغبار المتطاير في قريتنا على الدوام.. لم أرد الرجوع في الزمن و الاستقرار ردحا منه بين أقبية الطفولة أراقب ميمون ابن صاحب الضيعة الغني الذي يتقن شيئا واحدا رأيته يفعله و هو ركوب الدراجة و التسكع بين شجيرات البرتقال..أما أنا فقد أتقنت شيئا آخر.. أتقنت الحصول على الخبز من فم الكلاب الضالة..
نعم ! بسبب طبيعة العمل الذي كنت أقوم به فقد هربت مني طفولتي تباعا، و كبرت بشكل سريع و فظيع بينما كنت أفتش عن اللقمة في مزبلة المدينة، و أعود في المساء مع أقراني في عربة متهالكة إلى البيت العائلي حيث الأفواه الجوعى تنتظر كما ينتظر صغار البجع عودة الأم من رحلة شاقة. شِخْـت في سن مبكرة و القلوب المكلومة لا تنام. لا تنام لأنها تتأسى على الوضع المزري ، هو وضع يأبى إلا أن يسرق مني طفولتي، عفوا شيخوختي و أنا الذي ألبس المعاناة ثوبا وحريرا، و أمشي في ظلام المدينة ليس بيني و بين قطط الليل و كائناته أدنى فرق .
و أي فرق هذا الذي يحدث معي و أنا الذي ولجت غمار سوق الشغل من الباب الضيق حتى أطلق علي الرفاق لقب الرجل الصغير؟.. صورة طفل بقلب رجل.. أول ما فتحت عيني على الحياة فتحتها في مزبلة المدينة أبحث فيها عن رث الثياب و بقايا الطعام و أجمع ال'كارتون' و قوارير البلاستيك حتى أبيعها لتاجر الجملة. فأي فرق يحدث معي بعدما انتفضت نفسي لتؤنبني عوض أن أكون أنا المؤنب لها حتى لا تزيد في معاناتي و تدفعني للتهور في مصيبة 'كحلة' كما يقول إخوتنا المغاربة؟
أيها الصاحي، هذا قدري أنا جمال المسجون في أستراليا باسم الحرية و الديمقراطية و الانعتاق نحو الأفضل الذي تمليه علي رغبات النفس. هل أنا مظلوم بهذا المصير؟ لست أدري فلم تعد لدي البوصلة الملائمة لتحديد توجهي .. صرت مثل بحار تائه وسط المحيط الهندي لا أدري هل أقترب من اليابسة أم أبتعد عنها ؟ هل أقترب من السطح أم أغوص في غياهب المحيط ؟
يا ريعان الشباب القاسي، الساكن بين ضلوع الرجال، هل غادرت إلى غير رجعة من متردم كما يقول ذالك الشاعر الجاهلي ؟ هل اكتفيت من شرب علقم الجروح التي لا تندمل في مغامراتك التي لا تنطفئ شرارتها؟
منذ الأزل وأنا حاضر هنا.. الكل يعرفني .. ليس لي وجه كباقي الناس .. ربما أنا شخص متكرر في عدة وجوه، صحيح ليس لي مكان ألجأ إليه، لكن صدقني أيها الصاحي ، أنه في كل مكان في هذه الدنيا ستجدني واقفا أو جالسا، مفترشا قطعة كارتون أو ممسكا بشدق خبز يابس أجتر المهانة و أحتفظ بما تبقى لدي من كبرياء متقطع .. أنا ذلك الكائن الجمعي السابح بين تفاصيل الآلام .. هل عرفتني الآن؟ هل اقتنعت بأسطواناتي التي تلخص مسافات طويلة من الآلام الحقيقية ؟ آلام ليس لها جنسية ، هي بالفعل آلام عابرة للقارات.. إياك أن تقول أنها مشروخة مثل الباقين .. فهمت ؟ إنني أحذرك !
و رحت مرة أخرى إلى عريني الذي لا يبلى، إلى حيث ترقد الذاكرة البعيدة التي تركتها في مكان ما في الهناك.
خرجت من منزل العائلة منذ بواكير الصبا بعدما طرحني الزمن على قفاي، أنط من المهد إلى المزبلة القريبة لأنقب عن القوت، و هذا مصير من مصائر المفتقرين إلى المال مثل حالتي و حالة العائلة التي أنتمي إليها. بالله عليكم ماذا تتوقعون من صبي صغير يظل النهار بطوله في المزبلة يلتقط ما تجود عليه به القمامة ؟ هل تتوقعون أن يصيرا مهندسا أو عالما أو ما شابه ؟ هيه ... قل لي أنت أيها الصاحي يا و جه 'الفهامة' و مدعي البلاغة و الفصاحة ماذا تنتظر من صبي كبر بسرعة البرق و عوض أن يمضي صباه في المدرسة و شراء لعب عاشوراء و اللعب و مع الأقران ، ها هو ينط مباشرة، بمجرد تعلمه أبجديات اللغة الأولى و المشي، إلى المزبلة و هي الإرث الصناعي الذي تمتهنه العائلة منذ الأزل. نعم منافعنا في فضلات الآخرين ..تبا !
أيها الصاحي، لا أخفيك الحقيقية التي لا غبار و لا إسمنت عليها، بل و الله على ما أقول شهيد، كنت منذ الصبا متظاهرا بكل رغبة في الهروب، في طي تلاوين السراب ، في المثول أمام الشمس ، والنور الإلهي يهديني إلى الرفعة و السمو، و إيجاد إيقاع لحياتي رغم قساوة الجيوب و فراغها و رغم ضنك العيش و مصادقة الحرمان الطفولي و الرجولي معا . كنت متيقنا أن يوم السعد ينتظرني في شبابي .. لا أدري و لكنها كما يقال الحاسة السادسة أو السابعة أو العاشرة لا يهم .. كل ما تعلمته من قساوة حاولت استثماره في المستقبل .. كبرت بسرعة في لمح البصر حتى خفت من مرش الشيخوخة المبكرة حين اختلطت علي المراحل، و صحوت ذات ربيع فوجدت لحيتي قد نمت و صوتي قد اخشوشن و نما الشعر في مختلف أنحاء جسمي ما ظهر منها و ما بطن، و أحسست بالمسؤولية تزداد على عاتقي و تكبر بكبر عضلاتي و ازدياد صلابتها ، منذ وفاة أخي الجندي في معركة من معارك الوطن. معركة فاصلة في حياتي كذلك فقدت العائلة معيلها الثاني بعدما دفنت أبي قبل سنوات و أنا بعد في القماط .
ليس الأمر عيبا أن ينبش الإنسان في القمامة لتحصيل موارد العيش مادامت صناعة التدوير الخاصة بالبلاستيك و علب الكاترون تزداد كل يوم، و تنقذ البيئة من الإغراق في الأوساخ و التلوث الخانق. لكن العيب أيها الصاحي، إن كنت لا تدرك ذلك هو الإطالة في ذلك، و الاستمرار في امتهان هذه الحرفة التي ليس بينها و بين الحرف الأخرى سوى الخير و الإحسان. كم مرة صادفت دماء بشرية داخل أكياس هي من مخلفات العيادات الطبية، أما دماء الحيض فحدث و لا حرج فمنها كثير في مناديل الاستعمال المنزلي و زد من عندك فلا يمكن لي إخبارك بكل شيء..
كم مرة صادفت –حاشا وجوهكم – الغائط البشري ملفوفا في أكياس بلاستيكية و مرميا ضمن القمامة.. كنا نتلهى و نتسلى معا حين نجده.. أجل ! لا زلت أذكر ذات مرة حين كان معي الميلودي ولد يطو و هو من الخبراء في التنقيب في القمامة .. إنه رئيسنا و 'النمرة' واحد فينا.. لكنني بحيلتي استطعت الكيد له و رد دين قديم له علي.. وجدت كيسا سمينا و عرفت أن به غائطا طريا –شرف الله قدركم- فناديته مفتعلا عدم القدرة على فتحه حتى جاء البطل 'النمرة' واحد فشرع يعالجه بقوته و سرعته المعهودتين. و ما أن فتح الكيس حتى اختلط الحابل بالنابل، بل إن يديه اصطبغتا بلون الحناء.. و رغم غسل يديه بالماء و الصابون لم ينج ولد يطو منها، بقي على حاله أسبوعا لا يخرج إلى المزبلة و هو يتوعدني بالانتقام. إنه فاشل و قد وصلته رسالتي كاملة مكمولة مع فريق المنقبين : أن إذا وصل أذنه أن يعضها كما يقول المثل الشعبي عندنا.. ليست هذه المرة و فقط، بل في مرات كثيرة كنا ننصب المقالب لبعضنا البعض، و قد كان فينا الطفل احميدة، الذي أعطيناه ذات مرة عوازل طبية متعللين بأنها نفاخات جميلة. صاح الصغير فرحا كمن عثر على كنز وهو ينفخها حتى احمرت أوداجه ، بينما ولد يطو بقي يضحك حتى استلقى على قفاه .. أما احميدة المسكين فقد ترك التنقيب عن علب البلاستيك و قوارير الزجاج، و صار شغله الشاغل كنز البالونات الذي وجد منه المزيد .. لكن النهاية لم تكن شيقة و كوميدية كما العادة، فقد جاءت أمه و حالما نزلت من على حمارها، استفسرته عن ذلك 'الهم' الذي ينفخ فقال لها ببراءته :
انظري ما ذا وجدت يا أمي ؟ نفاخات جميلة سألعب بها وأعط ي لأختي حورية لتنفخ بدورها ..
كتمنا ضحكنا و عرفنا أن وقت الهزل قد انقضى و ساعة الحقيقية قد دقت، حين عالجته أمه بضربة قوية حتى تطاير المخاط من أنفه :
ارمي يا ولد الحرام هذاك الشي الله يخليها سلعة. واش عرفتي شنوا هذا ؟
بقي المسكين مستلقيا على الأرض و هو يكفكف دموعه ..
ما عمرني ما نعاود، و الله حتا اعطاها لي ولد يطو و جمال
ياك أ جمال واخا نتا و هذاك ولد يطو الهدرة ماشي معاكم.
استدار جهتها ولد يطو مفتعلا الغضب :
أنت فين ما البرهوش ديال ولدك يدير شي حاجة خايبة سميها فيّ.. الصباح لله
واخا دابا نوريك الهدوروات اللي فيك ..
كتمت ضحكاتي و غمزت و لد يطو بأن يكف عن تبادل السب و الشتم مع امرأة في سن أمه.. واصلنا الضحك و لم نستطع نسيان ذلك المقلب حتى عندما كبرنا .. فقد شاءت الصدف أن يتزوج احميدة قبل سنوات و يقيم وليمة كبيرة حضرناها مع سكان القرية و الأحباب. ففعلها ثانية ذلك المسخوط ولد يطو الذي أصبح عربيد القرية.. يشرب قنينة 'باستيس' و يعربد في الأعراس .. قبل ذهابنا إلى العرس رجوته ألا يعربد كما هي عادته و لكنه فاجأني فاتحا سترته و مخرجا قنينة لم أتوضح نوعها بسبب الظلام.
ما هذا يا 'مسخوط' ؟
ه هههه هذا هو 'القاصح'.
ياك اتفقنا على عدم الشرب، أم تريد الثمالة كل يوم؟
ليس شأنك أنت راقب الأمر و اسكت.. أنا أريد النشاط و أبحث عنه أينما سمعت رنين الكمان..
أردت ثنيه عن الشرب في عرس صديقنا احميدة لكنه لم يسمع كلامي ، فابتعدت عنه و لم أشارك معه في هذه اللعبة الوقحة التي يريد القيام بها.. كان الكل متسامرا و الأمور تجري بسلام ، و بقي الجوق الشعبي يغني و رئيسه 'بلخمار' بدوره يتمايل من الثمالة و 'الشيخات' يتراقصن على أنغام حزينة تجلب البكاء بدل الفرح، حين نط ولد يطو على حين غرة داخل الساحة كأنه العفريت يراقص هذه و يراقص تلك و يقوم بحركات لا تنم عن الرقص و لكن الركض و الرفس كأنه يقيد الحمير في اصطبل و لا يرقص. تدخلت أم العريس خالتي فاطنة تتوسل إليه وتعانقه أن يجلس في مكانه و يترك الليلة تمر بسلام، لكنه أصر على حقه في الرقص الذي تحول إلى ركل و رفس مع سبق الإصرار و الترصد في حق المدعوين الجالسين..
تدخل هذه المرة العريس نفسه احميدة صديق طفولتنا لثنيه عن تهوره، لكن 'المسخوط' ولد يطو لما رآه قادما نحوه قال له أمام الملأ :
أهلا الصاحيب، هل حملت معك 'البروتيكس' ؟
(اندهش الحاضرون و فغر البعض فاه)
-عما تتحدث أيها المجنون ؟
- آه نسيت ..
ثم أخذ المخبول ميكروفون الجوق و شرع في سرد الحكاية و التي كان فيها احميدة ينفخ العوازل الطبية في المزبلة في صغره، قبل أن يقطعوا عنه الصوت.. فشرع الباقون في الضحك و أما السكارى فقد استلقى بعضهم على قفاه من الضحك، حيث كان العرس ينتظر فقط مثل هذه التصرفات الرعناء ليتحول إلى عرض هزلي ساخر ضحيته العريس نفسه. أما الأم فقد بدأت المسكينة تندب حظها العاثر و خيبتها الكبيرة أمام أصهارها الذين جاؤوا من المدينة، فأغمي عليها و جاءت العروس المسكينة تقوم بدور المسعفة من أول يوم و هي تفرغ الماء على رأسها..
أما المخبول ولد يطو فقد اتخذ له زاوية تحت الخيمة وشرع يكمل السهرة و هو يحكي النكات الفاجرة لباقي السكارى و الندماء و هم يتمايلون و يصدرون قهقهاتهم كالمجانين. أردت التدخل لكن الوقت كان قد فات لأنني عرفت أن القضية 'احماضت'، و حتى أفلت بجلدي من ضربة طائشة هنا أو قنينة مقذوفة في الهواء هناك، فضلت الهروب عبر عامود الكهرباء الإسمنتي الذي يشبه الدرج. تدليت منه و هربت سامعا ورائي أصوات القناني الزجاجية تتكسر على رؤوس السكارى و المغفلين. اختلط الحابل بالنابل بعدما لمحت أخ العريس يحمل سيفا و يخرج باحثا في ذلك الليل عن ولد يطو، الذي أفسد حفلة الزفاف و جعل من احميدة العريس قردا بلا كرامة أمام عروسه و أصهاره الذين كانوا يجلسون في البداية منتفخين قبل أن يدوس ولد يطو و 'رباعتو' على رؤوسهم، ليختلط الخبز و المرق بالدم الذي يسيح من رؤوس السكارى المتلاطمة.
ترى أينك الآن يا ولد يطو؟ أنا أعرفك لن تكون إلا في سجن أو في الآخرة.
ما عساني أفعل و قد تركت المدرسة منذ زرتها في السنوات الأولى لا ألوي على حرف، و لا أكاد أتذكر منها سوى صراخ الصبيان و عصا المعلم التي يضرب بها في مكتبه كلما اشتد عليه الشغب و الضجيج. ظلت صورة ذلك المعلم عالقة في ذهني بقامته المديدة و كبريائه السبعيني الخاص، الكبرياء الذي يجعله يمشي بثقة خاصة تنم عن مكانته و قيمته أمام الناس في القرية.. تعلمت منه في تلك الأيام معنى الزهو بالنفس، مثلما تدربت على غرس الشتلات و الاعتناء بها، فقد كانت أمام قسمنا حديقة صغيرة كنا نعتني بها بشكل دوري نسقي أزهارها و نزيل أعشابها الضارة.. في تلك المدرسة تعلمت مهارة جز العشب بدل التركيز على الحروف و القراءة.. مهنة لازمتني وقتا آخر في طفولتي المحرومة في إحدى الضيعات بعدما سمح لي مسيرها بذلك على مضض، و بعد تدخل كبار شيوخ القرية حتى صرت ذا خبرة في الجز، جز العشب و النباتنات و من تم أيها الصاحي انتقلت لاحقا إلى حرفة أخرى تعتمد على الجز .
و حتى السيقان و النباتات الغضة التي كنت أقطعها خلتها غير ما مرة تمثل معي مونولوغا ميولودراميا :
أرجوك دعني أعيش، لـِـمَ تقسو علينا ؟
هذه حرفتي !
لمَ لا تكتفي بسقي الأشجار فقط؟
إذا سقيتها و تركتك تعيشين فستقتسمين معها الماء و السماد..
و ما شأنك أنت؟
إذا لم افعل سيطردني رب الضيعة من العمل و يستقدم شخصا غيري يقوم بالمهمة..
لا تفعل أنت ! و اتركنا و شأننا ..
لولاي لما جاءت الفواكه كثيرة، و أكل الناس منها وعم الرخاء..
الله من يعطي الحياة أو يأخذها و ما أنت إلا عبد ضعيف ..
صحيح ! و لكن أنا سبب في ذلك ..
أنت سبب في تعاستنا، فقد كنا في سعادة قبل مقدمك !
حتى النباتات لم تسلم من حواراتي الضاربة في الافتراضية. حوارات أقضي فيها سويعات و أنا أستظل تحت فرع شجرة جوز عالية وسط الضيعة.. أترك الماء ينساب رقراقا في القنوات، و أرخي العنان لحوارات لا تنتهي، حيث في كل مرة أختار شخصياتي بعناية.. مرة أمثل قويا جبارا لا أرحم باقي الشخصيات، و تارة أخرى ألعب دور ممثل ضعيف و أختار تقنية الانزواء في الخلف تاركا لباقي الشخصيات حرية التصرف و الظهور و لعب أدوارها بالطريقة التي تحبذها.. إنها لعبة مسلية كنت أقضي فيها أوقاتا جميلة كمن يحمل حكايات رائعة لا تنتهي.. فتارة تكون سعيدة و تارة أخرى تكون قاتمة و حزينة..
**********
ليتك لم تفعل ..ليتك بقيت حالما تسابق أوراق 'الكارتون' و قناني البلاستيك في عالمك 'المزبلي' و تتحكم في خيوط اللعبة بنفسك. لكنك عنيد ، بحثت عن تغيير جذري، فلا أنت اليوم بمشية الغراب و لا بمشية الحمامة.. لكن هون من مصيبتك، لا عليك لا فأحد يملك حرية التصرف في مصيره بيده. لو كان الأمر كذلك لحاك الناس حيواتهم على مقاسهم. هذه مشيئة الله تعالى أن لا يعرف الأشخاص ما يخبؤه لهم القدر في المستقبل.. المهم تمنى فقط أن تكون الخاتمة سعيدة..
و تتابع مسلسل الهروب أيها الصاحي، فانتقلت بفعل رغباتي الدائمة في التغيير إلى محل لجز الشعر، عفوا أقصد الحلاقة، و تعلمت كذلك هذه الحرفة النبيلة جامعا بينها و بين سبع صنائع و عملا بالمثل المغربي الذي يقول 'سبع صنايع و الرزق ضايع'.. أجل لست أول شخص يتعلم الحلاقة فقد سبقني إلى ذلك الكاتب السوري حنا مينة الذي بدأ بحلاقة الرؤوس في ميناء اللاذقية في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، و انتهى بجز الكلمات و تسييجها بلغة الكلام و لعبة السرد و حبكته حتى غدا ماهرا في ذلك لا يشق له غبار. و ما العيب في ذلك؟ إذا كان المرء يتعلم حرفة يسد بها رمقه، و من تم يختلي بالثقافة في وقت خاص؟ تذكرت يوم قرأت له رواية 'الشراع و العاصفة' و تذكرت رغبات شخصية الطروسي في العودة لإحياء الماضي الجميل الذي تمتع به على ظهر مركبه. إنها مصائر مختلطة يلفها الغموض و تلفها أنواء النفوس و رغباتها، فالطروسي الذي كبله حنا مينا في لحظة معينة أرخى له العنان كي يفجر طاقته في النهاية و يحصل على ما يريد.
لذلك أيها الصاحي، قلت بنفسي و أنا في كامل قواي البدنية و النفسية، لمَ لا أكون مثل شخصية الطروسي في 'الشراع و العاصفة'، و أتخلص من الواقع بنسج خيوط جديدة؟ خيوط لا تتشابك و لا يتحكم فيها كاتب أو سارد من وراء الستار ، هي في النهاية خيوط البحث و المغامرة الطائشة التي لم توصلني إلى شيء إلى حدود الساعة.
المهم وقعت في الفخ و صرت مثل الشاعر تأبط شرا، أترقب السقوط في كل ثانية و لحظة..
و ذات ربيع آخر، حيث فلول الأرض مضمخة بترانيم النحل و تباريح الورد التي تسكن يباب الروح، بدأت أحلامي تكبر منسابة رقراقة على بياض الروح ، ملتفة على رغباتي كشرنقة غير مكتملة الصنع في غفلة من عقلي. و هذا طبيعي بل هذا حق من حقوق الإنسان أن تكون له بالإضافة إلى الحق في الزوجة و السكن و الشغل، أن تكون له أحلام، شريطة ألا تتحول إلى توهمات و أضغاث أحلام .. أجل إذا اختلطت الأمور صار لها أكثر من نتيجة و اختلطت أحلام اليقظة بترهات النفس و شرودها. و هذا ما وقع لي أيها الصاحي، و صارت أمنيتي أن أكون قريبا من ابن عمتي الذي يزاول الحلاقة منذ الصغر، و قد أثارني ما هو فيه من ثراء و من لعب بالمال بإغراء باد للعيان، و ضعفت شخصيتي حتى دخلت في حرب فصامية مع نفسي و هي الحرب الحقيقية الأولى التي تقرع فيها الطبول و ينتفض فيها العقل ، و يعلن عدم موافقته على ما أنا ماض فيه من خسران . في النهاية لم يكن الأمر مهما، فقد ملت إلى هوى النفس بعدما جذبتني إلى صفوفها ووجدتني منذ ذلك اليوم المشؤوم أتربع على قمة الانسياق وراء رغباتها المارقة في الهروب و الضلالة مثل البهيمة الدبساء المنقادة إلى السوق..
قد تبدو لي الأيام الآن على غير عادتها راسية متماسكة بثباتها و غير منهمكة في الرواح و الغدو، لكن مهما يكن فالقدر يفرض ذاته دائما .المصير يسير بسرعته المعهودة و نفسي على حالها تتبع ما خططت له بنفسها و تقف عليه حتى تنفذه، و هذا ما وقع لي بالضبط حين هممت بالسفر من القرية الصغيرة في تلال فايس إلى مدينة 'كاسطييخو' ذات فجر.. أجل خططت لكل شيء و انتقلت إلى الشمال . ولم ألبث على حاليمرة أخرى ، فقد وجدتني مرة أخرى مقدما على السفر–عفوا الهروب- من بلدي إلى اسبانيا التي كانت يومها بلدا يسيل اللعاب و يغري هواة جمع الثروة و التغيير المادي مثل سعيد بن حماد و الساحوتة الذي أقفل دكانه قبل سنوات و خرج لاهثا وراء السراب الأوربي .
و اليوم بعد سنوات من العذاب، ما هي الحصيلة ؟ و لاشيء ! ها أنذا أجلس في طائرة متهالكة تحلق فوق سماء أبيدجان قادما من جوهانسبورغ التي رمتني سلطاتها حلما استلمتني من سلطات أستراليا في رحلة عودة تراجيدية. رحلة استنزفت مني ما بقي في طراوة، بعدما لم تقبل أوراق لجوئي الاجتماعي لدى سلطات الهجرة. فيما بعد أرسلوني في أول طائرة إلى الكوت ديفوار التي تخلصت مني هي الأخرى على عجل فور وصولي إلى مطارها الرئيسي .. ها هي رحى الوقت تدور علي من جديد محلقا بين السماء و الأرض منبعثا من الرماد مثل طائر الفينيق الخرافي، منبعثا من تسكعي الدولي الذي شربت فيه علقم الأيام و اقتربت من النهاية غير ما مرة،
هاأنذا أغادرها في رحلة عودة مدادها الألم و دواتها السنوات العجاف التي ضيعتها بعيدا عن وطني الذي نسيت ملامحه بعدما جبت العالم مقيد اليدين و مصفد الرجلين . و هذا هو كبد الألم الذي يطوح بذاتي في غياهب الندم و الانفلات من سياج العقل بدل الاحتماء بحميته. الألم الذي لازمني و أطواره تحز في نفسي.. لقد فشلت بكل معاني اللغة و مفرداتها سواء و أنا حر أو في السجن، برا و بحرا و جوا . نعم فشلت في كل الجهات و بكل المعاني . ماذا عساي أفعل بعدما فشلت مع بني جلدتي فوق اليابسة، مع الطيور في السماء، و مع الأسماك و الحيتان في البحار و المحيطات الشاسعة التي قطعتها. هل هي لعنة الفشل ترافقني ؟ هل هو بوح المصير لا يريد الابتسام لي في كل المكونات التضاريسية الجغرافية؟ ربما لم يبق لي غير التسلل في مركبة فضائية إلى خارج الكرة الأرضية.. من يدري ؟ ربما تتبسم لي أطياف الحظ هناك في عالم آخر يقال أنهم يخططون للاستقرار به آنفا.
أيها الصاحي، لا أدري أي طريق أسلك ، بعدما فارقت عناوين كبرى لمعاني النجاح منذ غادرت بلدي ذات فجر قبل سنوات. الآن فقط تتعب ذاكرتي في تعقب تلك التفاصيل الجميلة التي نسجتها يوما ما، أحاول إعادتها إلى الواجهة مجددا لكن دون جدوى. أحاول التخلص من حمم الصراع المتدفقة على ذاتي مثل سائل بركاني، و رسم ملامح رحبة لهذا العبور الهلامي الذي يستعصي على القبضجريا وراء الرغبة الجامحة في الانصهار و التحليق بعيدا عن الوطن لمجرد الكسب المادي. تبا لتلك الأيام الطائشة، حين نسيت أن الوطن أنبل من كل شيء.. ضيعت هذه المعاني الجميلة التي لا تنمحي و لا تذبل. نعم الوطن ليس فيه خريف ، الوطن عندي علامات بارزة بين الخرائط يرتسم ربيعا سرمديا. آه عليك أيتها الأيام ما أسرع خطوك بين المجرات ! ما أسرع هروبك في هذا السباق المحموم الذي وأد كل أحلامي الربيعية !
و حتى و أنا في هذه الطائرة المتهالكة، التي أجلس فيها بالمناسبة قرب أكياس الكاكاو والبن و القطن، وجدتني أجلس جاثما على نفسي لا أزيد من الكلام أكثر من هذا 'المونولوغ' الأليم و النظر إلى نفسي بحسرة، فأي كلام بقي لي بعدما تكلمت بكل اللغات، و أخرجت مفردات متنوعة لم تنفعني في شيء؟ أي صوت بقي لإخراج المفردات و ما عساي أقول، و أنا التائه في براثين الضلال النفسي و الجسدي و التدحرج من قمة إلى أخرى أسفل ، حتى صرت لا أتقن غير لغة التدحرج و النظر إلى الأسفل ؟
أنظر من نافذة الطائرة الصغيرة إلى الأسفل.. تتراءى لي الأرض و الحقول مربعات صغيرة لأشياء لا أميزها، حيث السيارات في هذا اليوم الإفريقي المشمس تبدو مثل علب أعواد ثقاب.
احتملت كل شيء فيما مضى إلا هذه الإهانة الدولية التي تعرضت لها.. إنها ليست إهانة بسيطة أن ترمى من حفرة إلى أخرى ، سجن إلى سجن.. من عذاب إلى عذاب، مصير لم أميز فيه القمر من الشمس و لا الحضور من الغياب، فعلامة وجودي أضحت أن يخبرني الآخر بالمنتظر مني، و أنا مجرد شخص أدب على الأرض و أطير في السماء بلا لذة في الحياة، حيث مصيري دائما معلق بيد الآخرين.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°