-3-

5 0 00

-3-

أيها الصاحي،

ليس الأمر خارجا عن السياق و لاعن طواعية الذات..بكل الأحلام المتدثرة بين ثنايا الوجود تنجلي الرغبات إلى السطح تتحير في هذا الأنس الغديري الهام، حيث الطقس مناسب لتشييد مسافات إضافية من المغامرة.فالأمر و ما فيه، أن نفسي المسكينة تحب الأشياء الفاخرة و تورطني أنا العبد الفقير لله في مشقة تحضيرها و إحضارها أينما كانت، و أنا كما تعلم لا أملك سوى المقص الذي أجني به الحوامض و الماكينة التي أهش بها على شجر الزيتون لتتساقط ثماره.

في ليلة الرحيل، ومثل القط المشهور في الرسوم المتحركة 'طوم و جيري' نمت نصف متيقظ كما يقولون، عين مغمضة و عين على كوة الباب الصغيرة أرمق تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر و على فردة حذائي لكي نخرج أنا و التونسي 'الطاهر' إلى الطريق تسللا، حتى لا ينتبه إلينا أحد، لا من العمال و لا من أصحاب المكان. ركلت مرافقي التونسي الطاهر بقدمي اليمنى، قفز واقفا هو الآخر عينه اليسرى لازلت مطبقة على نفسها و هو يغالب النوم .. حملنا حقائب الظهر و صعدنا التلة من الجهة المخالفة للطريق السيار حتى نبتعد قدر الإمكان عن كائنات طفيلية أو فضوليين محتملين.

غادرنا بلا ضوضاء أو بهرجة كما هي عادة القادمين من الهامش..

خرجت بعدما وأدت كل ما كونته من ألفة في هذه الضيعة، وراء ظهري و انتفضت أغالب دمعي على فراق الساكت الذي لم يسكت قط عن الكلام و القهقهة منذ التحاقي بهذا المكان. لن أنس له التضحيات التي قدمها من أجلي .. لم يدم حالي هنا أكثر من عشرين شهرا ، مكثت فيها و طاب لي المقام و لذ في البداية، و قلت في نفسي إن باب السعد ابتسم لي أخيرا وسأحقق ذاتي و أحصل على أوراق إقامتي الرسمية و أتخلص من العذاب. لكن نفسي لم تطاوعني بالمرة.. هزمتني مرة أخرى بلا مجال للنقاش أو أدنى فسحة من الأمل.

وصلنا متعبين إلى طرف الطريق الرابط بين 'فالنسيا' و 'برشلونة' .. نعم وقع آخر للزمن العربي الغابر في هذه البلاد ،هذه 'بلنسية' بالعربية التي خلدها الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي بالرثاء في قصيدته الشهيرة التي مطلعها :

لكل شيء إذا ما تم نقصان ******* فلا يغر بطيب العيش إنسان

قال لي التونسي إن هذا الطريق يأخذ مباشرة إلى الحدود مع فرنسا وهناك يمكننا أخذ قطار إلى مدينة جنوة المليئة بالعمال المغاربة و العرب. المدينة التي أضحت منذ أيام قليلة خلت عصب حديثنا و مجمع حديثنا أنا و الطاهر لا غير ، بها نبدأ النهار و عليها ننهيه في آخر الليل.. أطعته و أطعت نفسي، فهو يعرف أكثر مني هذه البلاد و سبق له أن خرج من إسبانيا إلى فرنسا و إيطاليا مرات عدة متسللا. هو يعرف الطريق مثلما يقول، كأنه ذاهب من سوسة إلى تونس العاصمة.

أحببت في هذا الصديق التونسي إصراره الكبير على التحدي هو الآخر مدفوعا برغباته الطائشة في المغامرة و تقويم أضلاع الحظ الأعوج الذي ظل يلازمه كما يقول. و رغم تحفظي في البداية على طريقة حديثه و قهقهاته التي تشبه رعونة السكارى، إلا أنه مع مرور الوقت ، اكتشفت فيه روحا مرحة و ذاتا متعطشة للهروب و تغيير الأمكنة هو الآخر. أجل، تماما مثل ذاتي المتمردة التي ورطتني في هذه البلاد العريضة و الآن تريد أن تحملني ما لا طاقة لي به من أوجاع الهروب و تبعاته ..

سلكنا طريقا مختصرا من مدينة طراغونة على ضفة البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى سرقسطة عاصمة منطقة الأراغون عوض مواصلة الرحلة إلى برشلونة . ليس لدينا خيار آخر، فالحرس المدني الإسباني يقوم بدوريات مفاجئة بمنطقة كاتالونيا التي يصعب فيها التسلل، ولذلك يتوجب علينا أخذ الحيطة والحذر بعدما ابتعدنا كثيرا عن منطقة الأندلس في الجنوب الإسباني..

من بعيد تراءت لنا سرقسطة مترامية الأطراف على نهر إبري تماما كما وصفها ياقوت الحموي في 'معجم البلدان' باستثناء أنها اليوم تضم بنايات شاهقة و هي تتوسد الأضواء المتناثرة فوقها مثل أرجوحة 'عاشوراء' التي اعتدت ركوبها و التي لازلت أتذكر تسميتها عندنا 'الناعورة'. آه ! كم كانت تلك اللعبة متميزة بالنسبة لصبي مثلي آنذاك..لعبة جعلتني أفتح عيني على عوالم خارج عالمي الصغير الذي لم يبتعد كثيرا عن القرية و البرك المتناثرة في نهر 'مكس' قبل أن ينجزوا عليه سدا اكتشفوا فيما بعد ان منطقة تجمع المياه مالحة و أن الكمية التي يتم تجميعها لا تصلح للشرب نظرا لكثافة ملوحتها. ليس هذا ما يشغلني الآن. فكل بالي معلق بكيفية الوصول إلى منطقة جبال 'البريني' أو 'البرانس' كما يسميها إخوتنا العرب. فلنحاول على الأقل في ذلك.. لم يعد لدينا ما نخسره.

لكن، في لحظة خاطفة جرني الطاهر من يدي، و هو يأمرني أن نتوقف قليلا.. لن ندخل المدينة حتى تهدأ حركة المرور، لأن أي توغل وسط المدينة الآن سيجعلهم يشكون في أمرنا، فنحن لا نعرف احدا هنا.. بعد هذه المسافة الطويلة و المضنية من المسير من منطقة الأندلس في الجنوب لم أعد أملك القدرة بعد على النظر إلى حالتنا! نبدو غرباء و لو اختبأنا في لباس الرهبان . كل شيء يفضحنا . أجل كل شيء فينا يقول أننا من الجنوب، من جنوب الكرة الأرضية وليس من جنوب مكان آخر. تقسيم استعماري يفرق بين جنوبية الإنسان و شماليته ، فكرة سخيفة، فلمن تطبل أيها الهارب من ذاته؟ كل واحد سيد نفسه و يملك جنوبه وشماله، يحمله في جسده ككل يوم، بل حتى الملائكة توجد على اليمين و الشمال، ملكان لكل شخص كل واحد له مهمة خاصة تسجل و تدون ما يفعله و يقوله. فمم تهرب أيها الغريب و أنت المغترب منذ البدء؟ مغترب في ذاتك و تحاول أن تغير ما لم يستطع غيرك فعله قبلك؟ لم يعد الأمر كذلك فأنت اليوم مسلح بعزيمة – عفوا بتهور – نفسك التي قادتك مئات الكيلومترات في رحلة عذاب قاسية أكثر صلابة من مارثون الرمال المغربي مشيا وسط الأحراش و في الضواحي حتى عدت تخاف من ظلك و أنت تتجنب قدر الإمكان المرور بالتجمعات السكنية ، لـِـمَ ليست لك جرأة ذلك المهاجر السري الملقب بالمثقف الذي كان يسير وسط المدن و المتاجر و يعيش حياته كأيها الناس؟ . ليست لديك الجرأة لفعل ذلك، أو على الأرجح سبقك إلى ذلك آخرون لم يتركوا لك ما تحققه من بطولة في هذا الشأن .. ماذا؟ تريد أن تظهر رجولتك؟ عفوا ليس بهذه الطريقة نفعل ذلك، فالرجولة الحقيقية في العقل كما يقول ذلك المثل 'زين الرجل في عقله و عقل المرأة في زينها'. المرأة ماذا؟ ليس لي امرأة بعد كل هذه المسيرة المضنية في الحياة من مزبلة إلى أخرى، من عذاب إلى آخر، من اغتراب الذات إلى اغتراب فيزيقي مهين و اغتراب نفسي بطعم العلقم. لا ! ليس هذا وقت التفكير في المرأة فأنا لم أقدر حتى على تحقيق ذاتي فكيف لي بالنجاح و التفاهم مع ذات أخرى هي ذات الأنثى ؟

تريد أن تلغي ما سنه الآخرون من قوانين جائرة؟ إنني أتضامن معك في هذا البلاء و المصاب الجلل، و معك الحق كل الحق.. الآخرون يزورون بلداننا دون تأشيرات و نحن نصطف في طوابير طويلة للحصول على تأشيرة طائشة يقوم أحدهم بالتجشؤ عليها، و إذا فعلنا مثلهم و دخلنا إلى بلدانهم نعتبر متسللين ، ومهاجرين غير شرعيين .. كائنات من الدرجة الثانية آتين من الجنوب.. لمَ إذن هذا التقسيم البشري الذي يسري علينا من طرف الغرب المحترم الذي يصول سكانه و يجولون العالم بأسره دون فيزا؟ فقط يحملون اسمهم و جوازات سفرهم الغربي و هيا إلى السفر، هيا إلى المتعة و الاستجمام.. يا لها من قوانين ضاربة في المساواة و حقوق الإنسان و سياسة الكيل بمكيالين ؟ بل الأدهى ان هؤلاء السياح العولميون يحملون معهم جراهم و قططهم و حتى حشراتهم التي يربونها و تدخل معهم عديدا من الدول، و بنو البشر من الجنوب تسري عليهم قوانين التأشيرة و الوقوف في الطوابير ! هيا إذن قم بحل هذه المعضلة !

يقولون عنا همج، متخلفون، من العالم الثالث، كحل الراس، مورو ، من دول الجنوب. لن نحتمل هذه الإهانات فنحن ضيوف و من اللائق عدم إحراج المضيف. ثم اسمعني أنت، لنُصَفّ الحساب مع هذا التاريخ الذي استأصلتم معدته حتى أصيب بالإسهال من فرض مضغ كل شيء .. قبل ذلك كنا هنا. أجل، كنا لمدة تفوق ثمانية قرون و المقرف أن معالم وجودنا يريدون طمسها اليوم و لا يقومون بتمريرها إلى أجيالهم الصاعدة. يقومون بمسح الذاكرة و العمل على اجتثاث الوجود العربي السابق من تاريخهم و لذلك فقد وجدنا مجموعة من الأسبان الذين يجهلون بوقاحة أن العرب المسلمين مروا ذات زمن من هنا.. هذا مؤسف حقا.

هكذا قالت لي نفسي و هي تحاول أن تجد لي مبررا للهروب من إسبانيا إلى كندا التي قطعت شوطا كبيرا في حقوق الإنسان و حقوق الحيوان بل حتى حقوق 'سراق الزيت' الذي نضربه عندنا بالنعال و الشباشب أينما صادفناه في منازلنا. أجل! لقد بدأت أكره عجرفة بعض مزوري الحقائق -الذين التقينا بهم على الأقل -..لذلك سأقتنع ، فنفسي تعرف كندا أكثر مني ، و إلا كيف ستدعوني لمغادرة أندلس الإسبان و ليس أندلس طارق ابن زياد إلى كندا الملاصقة تماما للحلم الأمريكي الكبير؟

لم أسلم أبدا من وسوسة هذه النفس و أنا في طريقي مع التونسي الطاهر للمضي قدما و الرحيل عن هذه الأرض غير السعيدة التي لم أجد فيها ضالتي المنشودة. أفكر في الرجوع، قد أكون ضيعت نفسي، قد أكون ' ملعوق' و صببت حلمي في الرمل .. قد يكون أملي الوحيد الذي يتحقق لي هو بعد وصولي إلى هنا قبل أكثر من سنة ونصف، فـَـلِــمَ الرحيل و ترك هذه الخيرات التي تربت ألفتها في قلبي للعمال الآخرين ينعمون بها لوحدهم؟

أيها الأحمق ، هذه الخيرات هي لأصحابها و أنت هنا مجرد حشرة تتبرز و تطن في ممراتها أنت لا تصلح لهذه البلاد. هل تريد أن تبقى هنا حياتك بأكملها مدفونا بين أوراق الشجر، العصفور أحسن منك حالا ؟ فعلى الأقل هو يطير و يسافر و يرتحل و أنت تريد البقاء منفيا في بعد سحيق باسم الهجرة و باسم تحقيق كرامة . لا ليس كذلك ، أنت مخطئ .. الهجرة لا تعتبر هجرة حقيقية إلا إذا اغترفت من معين الابتعاد آلاف الأميال و ليس نصف ميل. قل لي أيها المتهور كم تبعد قريتكم النائية في المغرب من هنا ؟ أقل من ميل بحري على طوله.. الغربة نفسية وليست جغرافية يا أحمق ! ألم تكن في قريتكم مغتربا هائما على وجهك، دائم الشرود و التفكير؟ ألم تكن مدمنا على النتانة التي يبتعد منها الكل ؟ أليست تلك أقسى معاني الهجرة؟ ألم تلطخ يديك مئات المرات بغائط ساخن تجده مغلفا في أكياس بلاستيكية بعدما كنت تظنه صيدا سمينا؟ أليست هذه قمة الاغتراب و الابتعاد عن الذات عبر هجر الكرامة و نفي الإحساس بالوجود إلى عالم افتراضي يستأسد فيه البحث عن فرصة طائشة ؟

و مع ذلك لازلت تصر على التورط في ادعاء الغربة . الغربة الحقيقية هي إذا ما ابتعدت عن هنا أكثر من أربعة آلاف ميل إلى القطب الشمالي أو إلى جزر هاواي، حتى تكون مغترفا حقيقا من نار الغربة والبحث الحقيقي عن الذات و حتى تمسك بتلابيب مسح الذاكرة، و البدء في دحرجة صخرة 'سيزيف' بقوة، قبل أن تصل إلى الدرجة صفر من طاقتك . آنذاك ستصير كما أقول لك إنسانا يبدأ من جديد، و يمكن لك أن تنسى كل ماضيك في شفطة كندية واحدة . ألا تريد كل هذه الإغراءات؟ هل أزيدك من معين ما أعرفه أنا و ما تجهله أنت؟

لم أطاوع نفسي، و لم أرد أن أعاكسها في نفس الوقت، فهي كل ما أملك و إذا ما عاكستها قد أجلب المتاعب لذاتي بعينين مغمضتين و قد يصيبني 'بوتفتاف ' و تسيطر علي مشاعر الغضب و تتهيج خارجة عن السيطرة فأثور و يمسك بي الحرس المدني ، و أهدم كل ما بدأته.. يجب أن أهدأ رغم هذه السكيزوفرينيا التي أتخبط فيها و أستمر في المسير . هل هناك عاقل يثور ضد نفسه؟ اللهم إذا كان صوفيا عارفا بالله فأولئك أشخاص قادرون على هزم النفس و ضحد أقاويلها و ادعاءاتها مهما أتت من البراهين و الحجج..

وقفنا قبالة نهر إبري بجانب طريق جميل بعدما دلنا أحد المهاجرين الرومانيين على مكان سيارات النقل. بقينا نترقب مرور سيارة أجرة قد تقلنا إلى وجهتنا. مضى وقت كبير، لم أركب فيه سيارة ..كل ما أركبه هو الجرار الألماني بين أشجار ضيعة خيسوس فآخر مرة ركبت فيها سيارة كانت في الشمال المغربي.

خيوط الفجر بدأت ترتسم في ألق السماء كلوحة تشكيلية سامقة في الأعالي. تنسل من ليل بهيم كما يقول الشاعر و تتناثر متراخية على أقبية المدينة النائمة على صرح أندلسي و قوطي غابر.. من هنا مرت جيوش طارق بن زياد و يوسف بن تاشفين و الموحدين في رحلة إثبات الذات.. إنني لازلت أشم حوافر أحصنتهم مخلوطة بالثرى، و قصر الجعفرية الذي بناه المقتدر لايزال شامخا يؤرخ للمرور العربي من هنا ذات زمن غابر. انزويت صامتا مبتعدا عن الطاهر كأني أندب حظنا الجمعي العاثر في عدم الحفاظ على هذه الخيرات .. الضباب حائر هو الآخر يجمد أفق الرؤية و ينثني على قمم شريط النهر الممتد ساحرا مثل سحابة قطن تغشي الأبصار بلكنتها الرائعة التي لا تقاوم . إنه سحر الخالق في هذه الجغرافيا المنزوية التي تتراءى لنا مجتمعة كسيمفونية صامتة وجدتني أضع عليها مساحيق تجميلية، تضفي عليها مسحة من الألق الغجري النفاث ..

لم أنتظر حتى يخبرني الطاهر بالخطة، فقد فهمت ما يرمي إليه. الأورو يتكلم لغة خاصة في هذه المنطقة و هو سلاحنا للعبور إلى الحدود الفرنسية التي لم يعد لها وجود بعد الاندماج الإسباني في الاتحاد الأوربي خلال الثمانينيات و بعد اتفاقية 'شينغين' بين الدول الأعضاء باستثناء بريطانيا. إنها البراغماتية النفعية التي تولي بظهرها للأخلاق و للقيم. و هذا طبيعي فكثير من الناس هنا لا يحبون العمل في البناء و الفلاحة.. هم يفضلون جني المال دون كلل، و هذا هو الفرق الصارخ بيننا و بينهم.. بل منهم من لا يعمل بتاتا و يتلقى تعويضا عن البطالة يفوق أجرة من يعمل ليل نهار في الضفة الجنوبية.. هم يحبون الوظائف السهلة المدرة للدخل الجيد، بينما الوظائف و المهن الخطيرة و التي فيها مصاعب و أشغال شاقة يعطونها لنا و لمهاجري أمريكا اللاتينية من كولومبيا و تشيلي و أوروبا الشرقية آنذاك و غيرها.. إنني في موضع لا يسمح لي بالنقد، كما أن وضعي الحالي لازال يشبه إلى حد كبير وضع بطل فيلم The Fugitive و ما علي سوى السكوت و الاختلاء بنفسي قدر الإمكان حتى أشاورها في كيفية الخروج من هذه المقلاة الإسبانية. أجل نفسي تعتبرها مقلاة لأنها ترخي بظلالها على تفكيري، و تجعل القنوط و الملل يتسربان معا إلى ذاتي في لحظة واحدة.

أيها الصاحي،

لم أعد أحب المجازفة و لكن ليس لدي حل آخر و لا أريد الدخول في معاكسة نفسي و لذلك صرت أطاوعها و أنا العبد الفقير إلى الله ، و حتى أتقي شرورها رغم إيماني الطبيعي بضرورة تغيير الوضع الذي أنا فيه.

صرت أحس و أنا على هذه الحال، و الله أعلم أن شخصيتي تسير برأسين مثل تلك الأفعى الكولومبية الشهيرة التي يتنازعها رأسان : واحد يريد الشرب، و الآخر يريد المضغ . سبحان الله!

لا أدري كيف سيتفقان في إدخال الطعام عبر المرئ ، هذا إذ اتفقا .

ينتابني إحساس بالذل و الضعف و الهوان أمام هذه النفس التي تستأسد علي و تأمرني بفعل ما تريده هي. أ لهذه الدرجة غاب تعقلي و تفطني؟ هل هذه النفس من تلك الأنواع التي لا تترك صاحبها حتى تهلكه و العياذ بالله ؟ لست أدري ! لكن كل ما صرت أتمناه في هذه اللحظة أن يكون القادم من الأيام أهون و أيسر، فلم تعد لدي الطاقة للمضي وراء هذه المغامرات الزئبقية المتناثرة هنا و هناك و التي لا أدري كيف تخرج لي من ' الجنب'.

مرت علينا قرابة الساعتين و نحن قبالة مدخل المدينة، حين توقفت لنا سيارة أخيرا. رميت نفسي في المقاعد الخلفية و ركب الطاهر الذي كان يتقن الإسبانية في المقعد الأمامي. أخبر السائق بوجهتنا و تفاهما حول مبلغ التوصيل (كأننا بضاعة فاسدة)، ثم انطلقت السيارة و غاص الطاهر مع السائق في الكلام، اطمأن له وهو يستدير جهتي ليخبرني بأن صاحب السيارة من الغجر الذين يكنون للحكومة عداء خاصا لأنها تريد طردهم من إسبانيا بحجة عدم ثبوتية جنسيتهم، حتى أن وضعيتهم معلقة هم الآخرين، لذلك يمتنعون عن دفع الضرائب لمدريد و يعلنون العصيان مرارا. لم أنصت لباقي كلامه فالقضية و ما فيها أنني كنت غارقا في صراعي الداخلي، و محرك 'الديازل' يزمجر بكل ما أوتي من قوة فوق منزلقات الإسفلت الناعمة. أحسست بالندم على فعلتي، على شماتة الأعداء في، لاسيما بعدما سيتفقد "خيسوس' رب الضيعة العمال صباحا. سيحس بالخيبة لأنه احترمني كثيرا و أصبحت محبوبا عنده أكثر من باقي العمال، ربما لصرامتي معه و ربما لأنني لم أكن أسبه في غيبته كما كان يفعل أغلبهم، و الفظيع أن كل ما كانوا يقولونه ليلا كان يصله صباحا وجبة ساخنة على مائدة الإفطار عن طريق بعضهم البعض. يسبونه بالليل و يفطرون على النميمة و الوشاية ببعضهم البعض في الصباح ..

أجل مثل تلك الحكاية التي وقعت لبعض المهاجرين بفرنسا. كانوا خلال النهار يمضون إلى العمل في فدان البطاطا و لما يحين وقت الصلاة يجتمع اثنان منهم لأداء الصلاة حتى أحبهما المشغل الفرنسي و احترمهما. و ذات ليلة خرج لتفقد ضيعته، فتراءت له أشباح تتحرك في حقل البطاطا. اقترب من الأجساد المتحركة أكثر دون أن تشعر به و أشهر مسدسه و هو يشغل المصباح اليدوي مكتشفا السارقين اللذين لم يكونا سوى العاملين المداومين على الصلاة، فقال لهما:

- أوه le jour الله أكبر الله أكبر، la nuit بطاطا بطاطا..

تخيلت هذه النكتة أو الحكاية لست أدري، فانفرجت أساريري من كثرة النفاق الذي يصيبنا و نصيب بسهامه النارية بعضنا البعض، و ندمر ثقافتنا و عاداتنا بأنفسنا ، و نشفي الآخر فينا فيكون عنا صورا مقيتة و غارقة في السلبية تذهب عنا كل مصداقية ..

تعاطفت مع السائق الغجري لكنني ، كنت غارقا في غجريتي النفسية التي رجحت كفتها المحبة للمغامرة، رغم أنني صرت أخاف هذه المرة أن يكون مصيري لا يليق بمقامي، فأنا في الأول و في الأخير من سيدفع الضريبة مثنى و ثلاثا و رباعا، ضريبة الوحدة و ضريبة الهروب متدثرا في خوفي و في شجاعتي الخالصة، متدثرا في بحثي عن المجهول بعدما تحققت لي بداية حياة رغدة في ضيعة "خيسوس "الإسباني.

استدار التونسي جهتي فجأة بعد حديث مطول مع السائق، فهمت من كلامهما عدة كلمات لكن لم أستمع لأغلب ما جاء في الحوار. لم أفهم سببا يجعلني أشك في نوايا هذا الغجري ذي العينين الحمراوين، المتدليتين من محجريهما. أحسست بالخوف من طيبوبته المشكوك فيها و نهرت نفسي مرة أخرى عن الخوض في مثل هذه الحماقات، فهؤلاء القوم لا يؤمنون إلى حد علمي بقراءة الأفكار و بماورائية الطبيعة لأنهم أكثر مادية و أكثر حبا و تمسكا بالحياة و التصاقا بها ...

- سيأخذنا الغجري من طريق مختصر ..

هكذا قال الطاهر و هو يحرك رأسه و يهزه في إعجاب. لم أرتح لهذا الكلام ، فقد يكون هذا السائق عنصرا من المافيا أو ربما من حركة "إيتا" الباسكية يريد أن يختطفنا و نحن أصلا مختطفان من كينونتينا ، مختطفان من ذواتينا الغارقتين في العذاب حد التخمة و مختطفان من واقعنا المرير..

حذرت التونسي من مغبة أن يكون الرجل كما قلت ، لكنه طمأنني و جعل الدماء تنقع وجهي بقهقهته المرعدة. أجل ورطة واحدة تكفيني و أنا ماض في هذا الهروب الأبدي، لا أدري إلى أين تأخذني متاريس القدر، و لا إلى أين سترسو بنا مراكب الطيش و الانسياق وراء رغبات النفس الهادرة كفرن لصهر الحديد لا يشبع من تلقي المزيد .. المزيد و المزيد و لا شيء غير ذلك ..

****************