ـ1ـ
ذنباً كنت، وأنا الذي اقترفتك. كذبة بحجم الزمان أصبحت، وأنا الذي كذبتك. كيف أنجزتُ هذا الهرم الخرافي؟ شيء يفوق حدود التصور.
بالأمس كانت يدي ملطخة بصديد معدنك، أعجنك لأصنع منك تمثالاً يبتهل أمام قدميّ، ويسجد إلى خالقه الذي يدعى أنا. فإذا بك تستهزئ بي، وتفرغ أحشاءك فوق رأسي بضربة معلم.
أي والله!. إنه جزائي، قصة خوائي التي كتبتها بطريقة مفككة، وغير مقنعة، حتى جاءت على هذا القدر من الفشل والتبعثر. يومها لم تكن أنت شيئاً في ذاكرة الزمن، لا أدري كيف تسللت إلى عيوني وضلوعي، وعبرت تلك المسامات في جلدي، تحمل حلمك في التجذّر بي، فكنت لك الأرض الخصبة التي فتحت الطريق أمام صلفك وغرورك.
يومئذ أغرتني وداعتك، حينما قدمت بثوبك الطويل المقلم، تحمل علامة فقرك على قدميك الحافيتين، وشعرك الأشعث، وأنا، أنا الذي كنت مأخوذاً بالشعارات، ومدمن أيديولوجيا من الدرجة الممتازة، أحسست أنني عثرت على خاتم سليمان فتلقفتك، وجعلتك ولدي.
من يومها فككتَ عقدة عقمي، واستجررتَ أبوتي، وأهّلت خصوبتي. فلم أعد ذلك العاقر الذي اغتالوا خصوبته ذات استجواب، فغدا يشتهي ولداً ولو من طين.
أتذكر كيف فصّلت لك ثوباً أكبر من مقاسك بشبرين، واشتريت لك حذاء أكبر من قدميك بنمرتين، وزينت صدرك بالنياشين؟. كنت يومها أرسم حلمي على قامتك، وأكتب قصيدتي على دفترك، لتكون لي بعد ذلك الزمان القاحل ومضة في عتمة بيتي، وغبش طريقي، تضيء حجرة نومي، ومكتبي، وتوقد الشعلة التي انطفأت منذ زمن بعيد.
على يدي استقام عودك، وأنت تخطر أمامي بزيك العربي، كم كنت أحب ذلك اللباس على طريقة الأكابر من أبناء مسكرة. وطالما عذلوني فيك؛ قالوا كبّرته قبل أوانه، فقلت لهم: دعوني أسكر على ضفاف قامته، أستتر خلف عباءته المقصبة، أندهش لذلك النماء الفاخر في إهابه.
وطالما أغروني بك؛ قالوا سوف ينقلب عليك، ويكتسح كهولتك، ويستبيح شيخوختك، ويغتصب حبك له. فجعلت أذناً تسخر من توقعاتهم الساذجة، وأذناً تطرب لسماع معزوفة الولاء التي كنتَ تسوقها كل يوم على آلة طربك الخاصة.
هكذا صار لي ولد، بعد عمر أمضيته في معاقرة الأيديولوجيا، واحتساء صالحة، مطفأً، أو مباغتاً، أو مستعجلاً. وهكذا اعتقدت أنه صار بإمكاني أن أجادل الآخرين في إمكانية استمراري بك، بعد عمر لا أدري نهايته.
ويوم اقتدتك إلى المدرسة في ذلك الصباح الخريفي الدامع، جعلتك تزرع في حاكورة الدار دالية عنب بلدي، وراحت صالحة تراهن على أن تكون بداية اندماجك في البيت الذي منحك اسماً. أنا الذي حفرت، وأنا الذي غرست وردمت التراب الأحمر فوق الجذور، وسكبت الماء أما أنت فقد لمستها بيديك، وقايستها بقامتك، ثم ذهبت تفاخر الأولاد بإنجازاتك الباهرة.
أتذكر ذلك اليوم من أيام أيلول؟! كنتَ يومها ترفل في طفولتك الزاهية مثل زهرة، ترتدي زيك المدرسي الأنيق؛ مريلة زرقاء , وقبة بيضاء، وترتدي فوق ذلك حشمة وأدباً، وفي حقيبتك الخضراء ازدخرت الأقلام من شتى الألوان، واحتشرت دفاتر من مختلف المقاسات. كنت أطمح أن ترسم عليها وطناً بحجم أحلامي؛ وطناً فسيحاً فسيحاً لا تحده قبيلة من جهة الصحراء، ولا تختصره طائفة من جهة البحر. مضيئاً مضيئاً، تشرق الشمس على كل جزء منه، ليعم الضياء كل ذرة تراب فيه. عظيماً عظيماً، لا يلغي فيه الإنسان الإنسان، فمن يلغي الآخر فسوف يكون عرضة للإلغاء. حراً حراً، لا يحتله الوهم، ولا تحاصره الضغينة والحقد.
إذ ذاك كنت تعتنق براعتك في الامتثال لرغباتي الحارة، وتبذل كل شيطنتك لتكون شاهداً على برِّك بي، وبأمك صالحة التي تلقفتك كشيء شهي، وأثثت لك قلبها بالمحبة. لقد وجدت في ذلك القلب مسكناً لعواطفك التي ستتكلس، فوضعت رأسك في حجرها، بينما أخذت يدها تلعب بشعرك، وانطلق صوت ملائكي يرسم حولك طقساً من الأمان " نام يا حبيبي نام ".
لم يمنع صالحة من البذل كل ما قالوه لها: صبي لا تعرفين له رحماً ولا ديداً، حيّة حينما تكبر ستفرغ سم أحشائها في جسدك. ذكروها بالضبع التي أشفق عليها ذلك البدوي ذات ليلة مجنونة، فاغتالت كرمه ونخوته قبل أن ينبلج الفجر.
غير أن صالحة استحلها داء الأمومة، فأثقل كل عواطفها. مزقت ثوبها نصفين نصفه غلاف لك، ونصفه رباط تشدك به إلى قلبها. أخفت عنك أمك صالحة بالتآمر معي حقيقة نسبك. تواطأنا معاً على أن ندفن هذا السر إلى الأبد، كيلا يكون لك أهل غيرنا. نسجنا لك قصة مشغولة على نغم المصادفات، صبي يتيم عثرت عليه ذات مرور لي بالمدينة، وتبنيته عن حاجة، هذه كل أوراقك الثبوتية التي قدمتها لأهل مسكرة. وحينما ذهبت لأمنحك اسمي في دائرة النفوس بمديرية الناحية لم أجد غير حمود ليلفق لك شهادة مزورة، تثبت أنك ولدي المكتوم لأسباب إنسانية. وحمود نفسه يعرف كم عانى، وكم أحرق من أعصاب حتى عثر على الشاهد الآخر. شهادات مزورة في مسكرة التي ما انفكت حتى ساعة إعداد هذه الشهادة تفيض بالدبس العنبي، والسمن البلدي، والعسل الصافي، والنية المصروفة على الخير.
أذهلني أن أتركك في المدرسة وأمشي، كيف سيبقى البيت مفرغاً من متعة شيطنتك خمس ساعات متواصلات؟! وماذا ستفعل صالحة في خمس الساعات إلا أن تقف أمام الباب ليبدأ العد التنازلي منذ اللحظة الأولى التي تأبّطتك فيها ذلك الصباح الندي. بكت يومها صالحة حتى أرهقتني، ونازعتني فكرة مجنونة أن أذهب إلى المدرسة، وأعود بك، وأعتذر للأستاذ محمود بكذبة جديدة أتدبرها من أجلك. لولا أنني كنت متأكداً أنك ستلتحم في ذلك الصف الذي ألّف منكم جوقة هي للنشيد مرة، وللقراءة الجماعية مرة، وهي لترديد المدائح النبوية في مختلف المناسبات.
ما كنت أصدق أن الأستاذ محمود كان قادراً على أن يستوعب كل هذا القدر من العناء المضمخ بصخب الطفولة، لولا العصا التي نزلت ذات مرة على بدنك، وصفحات يديك، لتعلمك كيف يمكن أن يبدأ الدرس الأول في حسن السلوك والسيرة الحميدة، ولتجعل الذكورة التي اعتنقتك مبكرة تسيح لدى محاولة تأكيدها أمام أنوثة ولو من رخام.
كان الأستاذ محمود يبحث بشكل جدي عن وسيلة مجدية تجعله أكثر مهابة في المدرسة والشارع وحتى في سرير النوم. وحين أعلن عليك الحملة في تلك اللحظة، كنت تعرف تماماً من وراء هذه الدسيسة. كيف لك أن تتجاهل ذلك وأنت ترى أبا العينين يجلس خلفك قنطاراً من اللحم والدبق؟! ويوثقك بكلابتيه، فيما أمسك آخران برجليك. عندئذ كان بإمكانك أن تصيح بكل وجعك، ليصل صوتك إلى أذني فيرهقني، لكنني قطعت عهداً على نفسي ألا أتدخل في تدابير الأستاذ محمود، وبايعته حتى العظم واللحم.
لم يكن لك ذنب يومها، وعلى الأصح كنت مذنباً بتهمة الحب، ضبطك الأستاذ محمود متلبسا بحب نوال، وأنت مازلت لا تحفظ حروف الهجاء، ولا شيئاً من جزء عمّ. لم تستطع مداركك آنذاك استيعاب لائحة الاتهام، فحملتها إليّ مستصرخاً، وأنت في حالة من التفكك والهذيان. وحينما فككت لك رموز الصورة التي رسمها لك، أدركت أنك لم تفلح في إقناع الأستاذ محمود أن نوال هي التي بكرّت عليك، يوم فرشت لك طرف ثوبها المطرز بالسنابل الذهبية، ذهب على قطيفة من لون السماء، مهدته بيديها، لتجلس عليه. تلتصق بك لا تدري لماذا، فتستجيب لها دون أن تدرك أنك تقوم بما يتنافى مع شرائع الأستاذ محمود.
وشيئاً فشيئاً بدأت تنشغل عن متابعة الدرس، كنت تسألها أسئلة لا علاقة لها بكل ما يطرحه الأستاذ محمود من أفكار ومفاهيم. لم تكن مسيرتك الأولى جريئة، كانت تستهدف أناملها الطرية، تلك الحدود الإدارية لأنوثتها المبكرة، تلمسها فتشفق أن تشد عليها كيلا تتألم. لكنها علمتك بمكر وخبث أن الطريقة المجدية في مثل هذه الحالات أن تشد وتشد. فأخذت تضغط، ثم تضغط، وهي تبدي في كل مرة شغفاً من نوع ما لا تدركه أنت، وحينما رأيت طريقك سالكة ومأمونة من جهة، ومسلية من جهة أخرى أخذت تبحر باتجاهات متعددة، مخترقاً المياه الإقليمية، مختصراً المسافات النائية، التي تجعلك لا تعود إلا حين يستدعيك الأستاذ محمود لأمر ما من أموره الطارئة. عند ذلك كنت ترتد كما النابض وتتهيأ له مثل قوس.
وأخذت الرحلات تتعدد، وتتشعب، وتطول، حتى بلغت أكثر الأماكن المزدحمة بالعشق، الأماكن المأهولة وغير المأهولة. ولم يكن الهدف من هذه الرحلات خارج حدود العبث الطفلي، الذي يعشق التوغل في المجهول واكتشاف الجزيرة النائية في ذلك المحيط الهادر. قرأت اعترافك هذا في مذكراتك التي تركتها بين كتبك وأشيائك، لقد سمحت لنفسي أن أطلع عليها بعد أن اتخذت لنفسك أحداقاً من زجاج، وشرايين من مطاط، ولساناً من جلد الخنزير. عثرت على هذه المذكرات التي كتبتها في وقت متأخر حينما كنت أبحث عن سبب يجعلني أقتنع أنني المسؤول الأول عن هذا الانزياح الخطير في تشكيلك النهائي.
وبحسب مذكراتك، فإن نوال لم تكن لتكف عن ملاحقتك، فما أن يأذن لكما الأستاذ محمود بالانصراف حتى تتلبسك، فتجعل طريقك إلى البيت يطول ويطول، ليشتمل كل الدروب الضيقة في مسكرة، ولم تكن وحولة الشتاء لتمنعك من متابعة هذه الرحلة الشائقة، التي تجعلك تقنتع بكفاءتك يوماً بعد يوم.
ولكي تقنع الأستاذ محمود أنكما جديران بهذه المكانة التي احتللتماها في قلبه، فقد كنت تحرص على أن تسيرا في مستوى واحد من التحصيل، فتجهد نفسك كي تشرح لنوال ما عجزت عن فهمه في المدرسة. وربما شعرت أنك أكثر حرصاً على تفوقها من الأستاذ محمود نفسه.
كانت نوال تمتلك من الألفة ما يجعلها قادرة على أن تأتيك إلى البيت في أي وقت، وقد منحتك ألفتها جرأة جعلتك لا تحتاج إلى أي سبب حين تريد أن تذهب إلى هناك، ليستقبلك عمك مزعل بوده ومزاحه، جاعلاً منكما عصفورين في قفص واحد فيما يستقبل من الزمان. لقد كان مزعل مأخوذاً بما بيننا من قرابة دم، فقطع لك بدوره هوية، مصادقاً على انتمائك للعائلة دون قيد أو شرط.
عند ذلك كنت تشتعل أنت، وتنشغل لحظة في تلك الهيئة الفاتنة التي سوف تكونها نوال في ذلك القفص المحبوك بالسيلوفان، وسط جوقة من الحساسين، تجعل الأرض تدور، والأشجار تدور، والشمس تدور وأنت في تلك الدوامة لا تعرف شرقك من الغرب.
أمك صالحة كانت بدورها تبادر إلى النغم نفسه حين ترى نوال، تعبّر عن ولعها بلهفة سنونوة، تخرج من صدرها " آه يا نوال..." ثم تنتهي إلى تلك الأمنية الدافئة، غارقة في حلم زاهر، ترى فيه نوالاً تستقل حصاناً أبيض وثوباً أبيض، ووجهاً أبيض، وتخطر إلى الدار بمسيرة احتفالية. عند ذلك كانت نوال تحمر خجلاً، وربما شغفاً، دون أن تتمكن من مجاراة أمك صالحة في هذا الحديث الشائك.
هل كانت نوال تحب؟!. وفي هذا الوقت المبكر؟!. أكنت أنت تعرف معنى الحب بطقسه الجنسي؟!. وأنت في ذلك العمر؟!. أبعاده... دلالاته... ربما لم تخطر لك مثل هذه الأسئلة المعقدة، أما أنا فلا بد لي من أن أسألها لنفسي، وأسأل نفسي سؤالاً معقداً آخر: هل يتمكن أطفال في مثل عمريكما من هذه المهمة المعقدة التي ينبغي أن يستعد لها المرء بكامل إمكانياته النفسية والجسدية؟!. أم انك تعد نفسك منذ ذلك التاريخ للابتلاع؛ ابتلاع نوال، وابتلاع البيت، وابتلاع مسكرة في نهاية الأمر؟.
يقولون في عالم التربية: إن هناك استعدادات وراثية، وهناك مؤثرات المحيط. أنا أشعر بالأمن المطلق حينما أدرك أني وضعتك في محيط نظيف، يوم كنت تحت إرادتي، وفي دائرة قدرتي على الإحاطة بك. هل تذكر كم مرة داهمت حقيبتك المدرسية؟ وكم حملة تفتيش مفاجئة قمت بها في هذا الاتجاه؟. أتذكر القلم القصير الأخضر وقطعة الممحاة، وأقلام التلوين التي وجدتها في حقيبتك يوماً؟ حينها سألتك سؤالاً واحداً: من أين لك هذا؟ فقد كنت قادراً على طرح مثل هذا السؤال. وحين حاولت أن تتدبر أمرك لتهيئ الإجابة المقنعة، أضفتُ مؤكداً: أنا لم أشتر لك هذه الأشياء من قبل. عند ذلك لم يبق أمامك إلا الاعتراف. ومن ساعتها قمت بنفسك برد الأشياء إلى أصحابها. فيا ليتني أقدر اليوم أن ألوي لساني بسؤال كهذا، إذاً لتغيرت في مسكرة خارطة الأشياء. فهل ما انتهيت إليه الآن إنما هو بفعل الجينات التي كانت أساس تركيبك العضوي؟!. وما كان أبوك امرأ سوء ولا كانت أمك بغيا.