الفصل الثالث
عندما استيقظ فون زاينيتس كان المساء قد هبط. وكانت ذرا الأشجار والمباني الحجرية في البلدة الصغيرة القائمة فوق هضبة تغتسل بذهب الكوكب الغارب. كان هذا الذهب المشرب قليلاً بالأرجوان ينبثق من الشمس, وينفرش كالديباج باتجاه الشرق, مغطياً ثلث السماء. ولم تكن ثمة أية غيمة قرب الشمس أو تحتها, وكان هذا يَعِد بليلة رائعة. وبعيداً وراء الغابة كان ثمة راع عائداً يعزف على نايه. كان يعزف أغنية بسيطة ليس لها اسم: مجرد موسيقى تلقائية غير منتظمة. ولكن على أنغام هذه الموسيقى البسيطة كانت غابات كونتات غولداوغين كلها وكذلك الجودار والعشب والنهر تغرق كل مساء في نوم عميق.
شاهد أرتور على العشب بالقرب منه قارورتين مرميتين وصفحة الجريدة التي بقيت من صرة الطعام. أما الشيخ البدين والبنت الشقراء الحلوة فلم يكونا موجودين بقربه. تذكرهما, وتذكر حديثه معهما, وابتسم, بل ضحك عندما نظر إلى صدره ورأى وريقة مشبوكة بأحد أزراره. قرأ في الورقة الكلمات التالية المكتوبة بقلم رصاص:
«أيها البارون العزيز! أنت أول شخص يعاملنا بإنسانية. قبلك لم نكن نعرف المعاملة الإنسانية إلاّ بالسماع... ولذا فإنك أول إنسان لن أتذكره بمرارة, بل بتلذذ. لقد أثّر فينا اهتمامك حتى أعماق النفس. وداعاً! ليمنحك الرب السعادة! سأرسل لك الصورة.
خادمتك - إيلكا».
قال فون زاينيتس بصوت مسموع بعد أن قرأ مرة ثانية هذه الرسالة المكتوبة بخط أنثوي لطيف:
- ولا أية غلطة نحوية! شيء مدهش! مرحى إيلكا!
أخرج البارون من دفتر مذكراته قلماً قصديرياً صغيراً وكتب: «من فتاة الخزامى في 13 حزيران» ثم طوى الرسالة وخبأها في جيب دفتر المذكرات.
- فلنسر! حان وقت الغداء()!
تنكب البارون بندقيته وسار في الغابة متجهاً صوب البلدة التي أخذت تنحسر عنها غلالة الذهب بعد أن وشحتها بها الشمس برهة قصيرة.
كان عليه أن يسير في ممر طويل ضيق مفروش بالحصى, يمتد حتى البلدة تقريباً, ويتقاطع في منتصفه مع السكة الحديدية. وفي مكان غير بعيد عن نقطة التقاطع هذه كان يقوم بيت مأمور الحراج «بلا وخير».
عندما اقترب أرتور من نقطة التقاطع انعطف, ونزع قبعته, وانحنى: فعلى شرفة المنزل الصغير كانت مدام بلا وخير العجوز جالسة تطرز غطاء طاولة. كانت تجثم على رأسها الصغير قلنسوة كبيرة ذات شرائط جد عريضة, تطل من تحتها نظارة قديمة جداً من عهد الأجداد: وكانت النظارة تستقر على أنف طويل غليظ الأرنبة يشبه إبهام القدم… أجابت العجوز على انحناءة أرتور بابتسامة معسولة. قال البارون:
- مساء الخير يا فراو مارتا. أليس من رسائل لي؟
- بلى, ولكن واحدة فقط. وعليها شعار, يا بارون…
- هل العنوان مكتوب بخط بيلتسير؟
- نعم…
- إذاً إلقي بها في الموقد يا مارتا. إنني أعرف مضمونها. اليهودي يلعنني, بإملاء من أختي, لأنني اعتنقت اللوثرية… أعرف هذا بدون أن أقرأها. هل زوجك بصحة جيدة؟ وآمل أن الفريلين أماليا كذلك؟
- شكراً لك… علي إذاً أن أحرق الرسالة السادسة… عمل لا يسر جداً إذا كنت تعلم أنهم تعبوا في كتابة هذه الرسالة, وتأثروا. ما أقساك! إلى أين أنت ذاهب الآن؟
- أتغدى… في أي مكان…
- وعند أي شخص؟
- نعم…
تنهدت العجوز وهزت برأسها, وقالت:
- لو لم يكن زوجي بلا وخير شديد الحذر, لكنت قدمت لك الغداء. عندما يزورنا سادة من أصل نبيل ينتف زوجي شعر رأسه. يتردد علينا الجنرال فريختيلزاك, ولكنه مسن, ولا داعي للخوف منه... وزوجي بلا وخير لا يخاف منه… ولكنه يخاف منك أنت. فإذا تغديت عندنا سيقول الجيران إنك تتودد لابنتنا, وربك أعلم بما سيقولون. فالشخص الذي ينتمي إلى فئة النبلاء لا يأتي من أجل الزواج, بل يأتي… من المعروف لماذا… ولهذا بلا وخير يخاف… أما الجنرال فريختيلزاك فحالة مختلفة تماماً!
- لا تقلقي يا مارتا! سأتغدى في مكان آخر.
- ثم.. لأقل الحقيقة, الغداء عندنا اليوم غير مناسب بالمرة. مصيبة مع الخدم في هذه الأيام, لا تستطيع أن تفعل معهم شيئاً!
- وداعاً يا مارتا! تحياتي لأهل بيتك!
- وداعاً يا بارون!
انحنى البارون وسار نحو الممر. كانت ظلال المساء المعتمة قد استلقت على الأرض, وأمسى هواء الغابة ندياً. مرق من خلف أرتور بسرعةٍ وضجيجٍ قطارُ المصايف المسائي الذي ينقل المواطنين إلى مختلف الحقول والغابات… المساء يبدأ في الغابة قبل الحقل… ففي الحقل كان ما يزال بالإمكان إدخال الخيط في سم الإبرة… عندما خمدت ضجة قطار المصايف سمع زاينيتس خلفه وقع حوافر حصان, فالتفت وتوقف.
كانت تندفع نحوه فارسة تمتطي جواداً أدهم رائعاً. مرقت بالقرب منه ونظرت إليه, وما إن اجتازت بضعة أمتار حتى أوقفت الحصان, وسألت بصوت عالٍ:
- فون زاينيتس؟
- هو بعينه.
اقترب أرتور من الفارسة وانحنى . كانت الغابة قد أظلمت, ولكن ليس بالقدر الذي يحول دون رؤية مدى جمال الفارسة. من قوامها كله كان تشع بقوة عظمةٌ دوقيةٌ حقيقية.
لو كان تسفيبوش وإيلكا هنا لعرفا فيها تلك الفارسة نفسها التي سميناها مع تسفيبوش في الفصل الأول من قصتنا الكونتيسة غولداوغين, والتي كانت قبل الزواج تحمل لقب غيلينشترال. كانت تمسك بيدها السوط نفسه الذي شقّت به ظُهراً شفةَ تسفيبوش. قالت وهي تمد يدها لأرتور:
- لقد عرفتك من أول نظرة. إنك لم تتغير كثيراً... ولكن.. هل يمكن الحديث معك أم لا؟ رسالتك الأخيرة لي كانت مفعمة بالكراهية والسخط ومنتهى الاحتقار... فهل ما زلت تكرهني بشدة كالسابق؟
شد البارون على يدها الجميلة وقال مبتسماً:
- رسالتي إليك جريمة يمكن اغتفارها لي بالتقادم. لقد كتبتها منذ أربع سنوات, وعبرت فيها عن كرهي لك بسبب طمعك الذي منعك من أن تتزوجي الشخص المحبوب العاشق الذي حط به الزمان. ولكنني في الوقت الحاضر أبعد ما أكون عن الميل إلى الغضب منك بسبب طمعك. فأنا منذ ثلاث ساعات كنت أتحدث عن زواجي المقبل بالنقود... إنني ما زلت أعيش في هذا العالم ولم أرسل نفسي بعد إلى العالم الآخر لسبب واحد فقط هو أن لي في هذه الحياة هدفاً... وهدفي هو أن أتزوج مليوناً...
- هكذا إذاً! معنى ذلك أن قناعاتك قد تغيرت كثيراً خلال الأعوام الأربعة الأخيرة. ولكنني سعيدة... يا لهذا اللقاء المفاجئ! إنني مسرورة جداً يا بارون, أقسم بالرب مسرورة! شكراً لأننا على الأقل تلاقينا!
- لم أكن أتوقع بحال من الأحوال أن ألقاك في هذه الأماكن. كيف اتفق لك المرور من هنا؟
- أنا... ألا تعرف إذاً؟ أنا أقيم هنا... ومنذ وقت طويل...
- أنت يا بارونة؟ وكيف ذلك؟
- أنا الآن لست البارونة غيلينشترال, بل الكونتيسة فون غولداوغين. منذ سنتين تزوجت جارك, الكونت غولداوغين...
- لم أسمع بهذا... يا للأنباء الجديدة! الكونت.. إنني لا أعرفه... هل هو وسيم؟
- لا.
- غريب... أنت من هواة الرجال الوسيمين, حسبما أعهدك. وقد أحببتني لأنني, كما يقولون, كنت خارق الوسامة. وهل هو شاب, غني؟
- يناهز الأربعين... وهو غني جداً...
- وأنت سعيدة طبعاً؟
- لا, على الإطلاق. فأنا أيضاً تزوجت مليوناً. لقد بيّنتْ لي تجربة هاتين السنتين أنني ارتكبت غلطة شنيعة. السعادة ليست في المليون, كما تبيّن في الواقع... وكل ما أفعله الآن هو أنني أخترع طريقة للهرب من المليون!
ضحكت الكونتيسة وثبتت نظرها لبعض الوقت على السماء الآخذة في الإعتام, ثم أردفت بعد صمت قصير وهي تضحك:
- هذا يعني أننا تبادلنا الأدوار الآن يا بارون. فأنا الآن أكره ما كنت أحبه سابقاً, وأنت بالعكس... فما أغرب تبدل الأحوال في هذا العالم الممل!
- أنت تريدين أن تهربي من المليون من أجل السعادة, أما أنا فإنني أبحث عن المليون لا لكي أكتب اسمي في سجل السعداء... إن أهدافنا, كما ترين, مختلفة...
- أنت لا تعرف أي شيء على الإطلاق عن حياتي الجديدة؟
- على الإطلاق...
- معنى ذلك أن الأقاويل ليست قوية الانتشار.. إنني أدبر أمر الطلاق من زوجي...
- تدبير ظريف... وتعيشين الآن عنده؟
- أي نعم... أمر غريب بعض الشيء, هذا صحيح... ولكننا تفادياً للقيل والقال لن نفترق إلاّ عندما يصطبغ انفصالنا بالشمع الأحمر... سأطير من هنا طيراناً عندما أصبح حرة رسمياً... على كل هذا كله لا يهمك... لقد فرحت بلقائي أحد معارفي, بل... أصدقائي القدامى, إلى حد أنني مستعدة لأن أفشي بلا ضمير كل ما لدي من أسرار وغير أسرار... لنتحدث عنك أحسن... كيف تعيش؟
- كما ترين. أعيش حيثما اتفق...
- هل تركت العلوم؟ بالمرة؟
- تركتها, وفي الأغلب بالمرة...
- وهل ضمير العالِم مستريح؟
- ايه... لقد خسر العلم فيّ أكثر من الصفر بقليل... خسارة ليست فادحة...
رفعت الكونتيسة كتفيها وهزت برأسها وقالت:
- إنك, يا زاينيتس, تبرر موقفك كالتلاميذ... أكثر من الصفر بقليل... إن العلماء الشباب ليس لهم حاضر, بل لهم مستقبل. من يدري: ربما لو تابعت دراستك للعلوم.. لكنت أصبحت أكثر من الصفر بألف ضِعفٍ في مجال العلم.
قال زاينيتس ضاحكاً:
- إنك تعبرين بأسلوب خاطئ, فالصفر مضروباً بألف يساوي صفراً.
سألت الكونتيسة وكأنها لم تسمع ما قاله فون زاينيتس:
- هل أنت مفلس تماماً؟
- تماماً. هل تحملين معك نقوداً؟
- معي القليل. وما ذاك؟
- اعطني إياها.
أخرجت الكونتيسة من جيبها بسرعة محفظة صغيرة وقدمتها لأرتور, فأفرغ هذا النقود في راحته وأعاد المحفظة للكونتيسة قائلاً:
- شكراً(). آخذها ديناً, وسأعيدها في اليوم التالي للعرس. تتعجبين؟ ما أشد العجب في عينيك! إنني لا أطلب وآخذ فحسب, بل أتأسف كذلك لأن ما في محفظتك قليل إلى هذا الحد.
نظرت الكونتيسة في عينيه وفكرت: «إنه يكذب». ثم قالت:
- أنا لاأتعجب مطلقاً, فما وجه الغرابة أو العجب في أن أرتور فون زاينيتس يستدين بعض النقود من صديق؟ هذا أمر عادي, مألوف..
- ومن قال لك إنك صديق لي؟
- أنت غريب... وداعاً! الحديث معك صعب.
هزت الكونتيسة رأسها ورفعت السوط وانطلقت تخبّ في الممر.