الفصل الرابع
عندما اجتازت الممر بكامله وخرجت إلى الحقول كانت الظلمة قد سادت... المدينة والجبال ما تزال تُرى, إلاّ أنها فقدت معالمها. وغدا الناس المتجولون والخيول كأشباح ليس لها أي شكل محدد. وأشعلت الأضواء في بعض الأماكن. توقفت الكونتيسة قرب خصّ مبني من القصب والقش في أحد بساتين الخضار التابعة لآل غولداوغين. فقد كان هؤلاء قد استأجروا منذ القدم جزءاً من أراضي المدينة لإقامة بساتينهم عليها. ولم يفعلوا ذلك سوى بدافع الغرور. وقد قال أحدهم يوماً: «كلما كانت حيازات الآخرين حول أرضي أقل, كان ذلك أدعى لأن أرفع رأسي عالياً».
قرب الخص كان يقف البستاني وابنه, وعندما شاهدا الكونتيسة تندفع نحوهما نزعا قبعتيهما. توجهت إليهما الكونتيسة قائلة:
- مرحباً يا فريتس الشيخ وفريتس الشاب! سعيدة جداً بأنني وجدتكما هنا. إذا قالوا لي يوماً بأنكما تسيئان القيام بواجباتكما, سيكون لدي ما يبرر عدم تصديقهم.
قال فريتش الشيخ وهو يشد قامته كالوتر:
- إننا دائماً على رأس عملنا, لا نبتعد خطوة عن البستان. ولكن يا صاحبة السناء, إذا لم تعجب سحنتي السيد الوكيل أو أعوانه لسبب ما فإنهم سيطردونني بدون علم سنائك. نحن أناس صغار, ومن المستبعد أن يزعج أحد سناءك من أجلنا.
- أهكذا تعتقد يا فريتس؟ لا, إنك تخطئ كثيراً. أنا أعرف جميع خدمنا, وصدّق أنني أستطيع تمييز الصالح من الطالح, وأعرف من سُرِّح من العمل. أعرف مثلاً أن فريتس الشيخ خادم مستقيم, وأن فريتس الشاب كسول, وأنه سرق في الشتاء قفازي الشمّاس وعصاه... لدي علم بكل شيء.
- لديك علم بأن قفازي الشمّاس المسكين وعصاه قد سرقت, وليس لديك علم...
سكت فريتس العجوز وتضاحك. فسألت الكونتيسة:
- ما الذي ليس لي به علم؟
- هل لسنائك علم بأن كلابَ وصيفِ سناءِ الكونت عضّضت ابنتي وزوجتي منذ ثلاثة أسابيع؟ ليس لسنائك علم بذلك, بالرغم من أن القرية كلها خرجت من جلدها كي تجعل هذا الأمر معلوماً. إن كلاب الوصيف لا تطيق رؤية الملابس البسيطة, وتمزق كل من يرتدي ثياب الفلاحين. وهذا يدخل السرور على قلب الوصيف. ولم لا! فالكلاب توقع المرأة على الأرض وتمزق ثيابها و.... يظهر جسدها عارياً يا صاحبة الثناء... والسيد الوصيف مغرم جداً بلحم النساء!
- حسن, حسن... وما الذي تريده؟ إنني لا أعرف هذا...
- زوجتي مريضة, وابنتي تخجل من الظهور في الشارع, لأن الرجال, بفضل الكلاب, شاهدوها بحلّة حواء.
- حسن, حسن... سأنظر في هذا. أريد أن أسألك عن أمر. ألم تشاهد اليوم في الطريق إلى المدينة عازفَيْن: شيخاً بديناً وفتاة يافعة تحمل قيثارة؟ ألم يمرا بالقرب من هنا؟
- لم أشاهدهما يا صاحبة الثناء! ربما مرّا, وربما لم يمرّا. أناس كثيرون يمرون. ولا يمكن أن نشاهد الجميع ونتذكرهم...
فكرت الكونتيسة وأنعمت النظر في المدى المعتم. ثم تساءلت وهي تشير بالسوط إلى شبحي شخصين يلوحان في العتمة البعيدة:
- أليس هذان إياهما؟
أجاب فريتس الشاب:
- هذان رجلان كلاهما.
فقالت الكونتيسة:
- من الجائز جداً أن يكونا قد توقفا في القرية للمبيت. وفي هذه الحالة سيمران من هنا غداً... فإذا رأيتماهما أرسلاهما إليّ على الفور.
قال فريتس الشيخ:
- سمعاً وطاعة. شيخ بدين وفتاة يافعة. مفهوم. وما حاجتك إليهما يا صاحبة السناء؟ لعلهما سرقا شيئاً؟
- ولماذا الظن بأنهما حتماً قد سرقا؟
- هكذا ببساطة, يا صاحبة السناء! ففي كونتية غولداوغين ليس لهم من شغل سوى التفتيش عن اللصوص. هذا هو الدارج الآن. وفي كونتية غولداوغين لا يسرق سوى الكبار, ويَعُدّون الجميع لصوصاً.
- هكذا إذاً! هـ.. م.. بإمكانك أن تبحث لنفسك غداً عن مكان آخر. لا أريد غداً أي فريتس في هذه الكونتية!
قالت الكونتيسة هذا ولوت عنان جوادها وعادت خبباً نحو الممر. قال فريتس الشاب:
- ما أجملها! ما أحلاها!
وقال فريتس الشيخ:
- نعم, جميلة جداً, ولكن ما لنا ولهذا الأمر؟
- حلوة إلى حد خارق! أقسم لك بالرب الحق يا أبي لست أنا من سرق قفازي القسيس وعصاه! أنا ما كنت لصاً قط! ولأُصَبْ بالعمى في هذه اللحظة إن كنت أكذب عليك. لقد افتروا عليّ دون أي سبب... وصدّقتْ هي هذه الفرية! أناس سفلة!
سكت فريتس الشاب قليلاً ثم أردف:
- لكنني لن أدع فرية هؤلاء السفلة تذهب هدراً! لن أدعهم يضحكون علينا عبثاً. سأسرق. فبينما كانت هي تتحدث إليك وأنا أنظر إلى وجهها الجميل عاهدت نفسي على السرقة.. وسأسرق! سأسرق من الكونت غولداوغين ما لا يستطيع أن يسرقه أي واحد من وكلائه. وسأفي بعهدي.
جلس فريتس الشاب واستغرق في التفكير. أحلام جديدة في غاية العذوبة, أحلام ليست فلاحية, بل بلزاكية() تملكت عقله وقلبه. وأشاد خياله الشاب المتّقد في بضع دقائق قصراً ضخماً في الهواء... وما كان يبدو له منذ ساعة جنونياً مستحيل التحقيق ويمكن طرده من رأسه فوراً, كشيء يشبه حكايات الأطفال, اتخذ الآن بغتة طابع المهمة التي برزت لديه رغبة حقيقية في القيام بها مهما كلفه الأمر. لقد انبثقت الحاجة بغتة إلى جعل القصر الهوائي أكثر متانة...
وعندما أحس فريتس الشاب بأن رأسه الملتهب بالأحلام قد أخذ يدور, هب واقفاً, ومسح عينيه بأصابعه وصاح أمام والده وهو يقهقه:
- سأسرق بالتأكيد! وليفتشوا عندئذ!
صادفت الكونتيسة وهي في طريقها إلى البيت البارون فون زاينيتس الذي كان ما يزال في طريقه إلى تناول الغداء. صاحت متسائلة:
- سنتقابل ثانية كما أظن؟
- إذا ما أردت فنعم.
- سنجد ما نتحدث عنه. في جو هذا الضجر الذي أكابده الآن أنت في نظري كنز. خطرت لي فكرة صغيرة: ألا تريد أن تحتفل معي بعيد ميلادك الذي يصادف يوم الخميس من الأسبوع التالي؟ هل ترى كيف أنني ما زلت أذكرك؟ لم أنس حتى يوم ميلادك... أتريد؟
- على الرحب...
لا بد لنا من أن نجتمع في مكان ما... اسمع... هل تعرف مكان «الوعل البرونزي»؟
- نعم.
- هناك لن يمنعنا أحد من استراجع ذكريات الماضي. ليكن موعدنا هناك الساعة السابعة مساءً.
- الخمر من عندي.
- ممتاز.adieu ()! على فكرة, أيها البارون, في المستقبل سنتحادث باللغة الفرنسية. لم أنس أنك لا تحب الألمانية. أما بخصوص «الدجّال» والناس الأذكياء ففكِّر. ِadiue.
ساطت الكونتيسة حصانها, وغابت بعد دقيقة في عتمة الغابة التي ما انفكت تزداد حلكة.
كانت البارونة تيريزا فون غيلينشترال هي «المخلوقة الطاهرة السامية» التي استراحت عليها عينا أرتور ومشاعره أول مرة بعد خيانة الباريسية المقرفة. ولم ينعطف أرتور ذاك الانعطاف البالغ الحدة من المجون إلى العمل بفضل احترام العلم فحسب: إذ إن البارونة ساعدت على هذا الانعطاف جلّ المساعدة. ولولاها لما تحقق ذاك التجدد الكامل.
عندما عاد أرتور من باريس إلى فيينا عاش في عزلة عن الناس, وكان في وحدته يحلم بالعمل الذي يجلب الطمأنينة, ويلعن هذا العالم وساكنيه, ويتحسر رغم إرادته على غانيات باريس. ولا أحد يعرف إلام كانت ستنتهي هذه الوحدة لو لم يتسن لأرتور أن يصبح, بعد قدومه بقليل, أحد الزوار الدائمين لبيت البارونات غيلينشترال. وكانت زيارة بيت غيلينشترال, في أثناء وجود أرتور في فيينا, متاحة لكل راغب. ولم يكن آل غيلينشترال في الحقيقة يدعون أحداً لزيارتهم, بل كان يزورهم كل من يحب التردد على بيوت عظماء هذا العالم بدون دعوة ما دامت الأبواب غير موصدة.
وفي السنوات الأخيرة بات هذا البيت يشبه إنساناً ورعاً أحس بدنو أجله فلم يعد يبالي بشيء وانغمس بكليته في المجون ليعيش ولو يوماً واحداً كما يعيش البشر.
وبعد أن أضنت الحياة الصاخبة البارونات غيلينشترال وأفلستهم, وأصبحوا يبحثون عن الخلاص فلا يجدونه واستولى عليهم إحساس مسبق بساعة الاحتضار لم يعودوا يبالون بشيء وفقدوا كل قدرة على الانتباه إلى أي شأن, وغدا كل شيء نسياً منسياً ما عدا النهاية الدانية المفزعة. ولكنهم نجحوا في إخماد فزعهم من الخاتمة الدانية بالخمر والحب والأحلام. كان آل غيلينشترال ما يزالون يحلمون بإمكانية الخلاص. وكانوا يعتقدون أن خلاصهم في يدي تيريزا التي تستطيع أن تتزوج شخصاً واسع الثراء, وتصلح بزواجها أحوال أسرتها السيئة. بيد أن هذا الأمل كان مجرد حلم. ذلك أن تيريزا كانت في خصام مع أبيها, وقد أقسمت على أنها عندما تتزوج شخصاً غنياً لن تعطي أهلها قرشاً واحداً.
نفض آل غيلينشترال أيديهم يأساً, وأخذوا يأكلون ما لم يؤكل بعد. ولم يكونوا يأكلون ببساطة, بل بضراوة وزهو, وبضجة وقرقعة, وكأنهم لم يأكلوا من قبل قط. أبوابهم كانت تنفتح من تلقاء ذاتها, وعبر هذه الأبواب كان يتدفق جمهور نصف جائع من ملتهمي الفتات. وكان هذا الجمهور يضم الأرستقراطيين المفلسين والكتاب والرسامين والفنانين والموسيقيين بحللهم الفاخرة ووجوههم الباهرة وروائحهم الناعمة وآلاتهم الرائعة ومَعِداتهم الجائعة. واستولت جموع الملتهمين بسرعة خاطفة على منزل البارونات, وإذا بآل غيلينشترال السائرين نحو الفقر والتائقين إلى الخلاص يجدون أنفسهم بغتة على قمة رعاية الفنون. ازدان بيتهم بالكواليس واللوحات والرسوم المائية النادرة. وكان الحي يضج في الأمسيات بأنغام السيمفونيات والقطع الموسيقية الحالمة وألحان الفالس والبولكا. وذاعت شهرة الأمسيات الموسيقية والأدبية التي كانوا فيها يعزفون ويقرؤون, وجذبت الشهرة كثرةً من الزوار من جميع فئات المجتمع. وكانت تيريزا الجميلة التي تخالها نحتت من المرمر تحضر جميع هذه الأمسيات والعروض, متنقلة بحلتها السوداء وسط جمهور الملتهمين المبرقش من فنان لآخر, باذلة قصارى جهدها للتخلص من سأمها الممض. وكان الناس الذين يتألف منهم الجمهور جدداً لم تعرفهم سابقاً, لذا فقد أخذوا يثيرون اهتمامها. وعكفت من الملل على دراستهم. كانت تتفرس الوجوه الباهرة وتستمع وتتكلم وتقرأ المخطوطات التي تقدم إليها, وقد انتهت بعد هذه الدراسة الطويلة إلى استنتاج واحد فقط, هو أن هناك بين هؤلاء الناس أشخاصاً مستقيمين, كما أن بينهم دجالين, وكان هذا الاستنتاج هو الحصيلة الوحيدة لدراستها. وبما أنها لم تكن تملك تحليلاً أكثر دقة, فقد عجزت عن أن تميز بين المستقيمين والدجالين. قربت منها بعضهم ولكن بين هؤلاء كان هناك كثير من الشخصيات المتألقة, كما كان هناك دجالون. وكان فون زاينيتس في عداد النخبة المختارة. والمصادفة وحدها هي التي قادته إلى بيت غيلينشترال أول مرة. فقد اصطحبه إلى هناك أحد أصحابه الكتاب ليريه ملهاة له كانت تعرض في مسرح البارونات. ولكنه بعد وقت قصير لم يعد يكتفي بالمسرحيات والأمسيات الأدبية, فأخذ يزور بيت غيلينشترال في النهار أيضاً. وما لبثت تيريزا التي كانت تقوم عادة بنزهات مسائية على جوادها بصحبة خادم خاص أن أصبحت تقوم بهذه النزهات بصحبة أرتور. وكان أرتور في كل مساء يحدثها بشغف عما فعله في نهاره, وماذا قرأ وماذا كتب. وبعد التقرير كان يأتي حتماً دور الأحلام والآمال والافتراضات. وكانت تيريزا تستمع إليه وتتحدث بدورها, فتنثال من فمها أسماء العلماء المشهورين الذين كانت تعرفهم.... بالسماع, من أرتور. وهكذا أصبحا صديقين. يقولون إن بين الصداقة والحب خطوة واحدة. ولكن أرتور لم يكن يفكر في الحب. كانت تكفيه فقط عشرة امرأة ذكية نضرة. ولم يبدأ بالحديث عن الحب إلاّ عندما اعترفت له تيريزا في أثناء نزهة مسائية بأنها تحبه... كانت هي المبادرة إلى الحديث عن الحب, وبعد هذا الاعتراف أقبلت أيام لا تأتي إلاّ مرة في العمر كما يقولون. لم يحدث لأرتور أن كان في يوم من الأيام سعيداً وراضياً عن حياته كما كان في تلك الأيام التي قضاها مع المرأة التي يحب. إلاّ أن هذه السعادة لم تدم طويلاً. وكانت تيريزا هي التي قوضتها. فعندما طلب أرتور من فتاته المحبوبة والمحبة لا شك أن تصبح زوجته, البارونة و «زوجة الدكتور» فون زاينيتس, أجابته بالرفض القاطع. كتبت له تقول: «لا أستطيع أن أتزوجك. فأنت فقير وأنا فقيرة. وقد نغّص الفقر عليّ نصف حياتي, فهل أُنغّص نصفها الثاني؟ أنت رجل, والرجال لا يدركون تماماً كل فظائع الفاقة كما تدركها النساء.المرأة المعدمة أتعس مخلوق في هذه الدنيا. لم يكن هناك داعٍ لحديثك عن الزواج... إذ إنك بهذا تدعو إلى مكاشفات لا يمكن أن تمر دون أن تخلّف أثراً في علاقاتنا الحالية. فلنوقف هذه المكاشفات العصيبة ولنعش كالسابق».
مزق أرتور الرسالة نُتَفاً وكتب رداً استنزل فيه صواعق السماء فوق رأس تيريزا. ثارت ثائرته وكتب «للمخلوقة السامية» رسالة مستفيضة لعن فيها «روح العصر» والتربية...
أما الرسائل المؤثرة التي أُرسلت له بعد ذلك لتبرير الرفض فلم تكن تُقرأ, بل كانت تُلقى في الموقد. وبلغت كراهية أرتور لتيريزا حداً جعل كل ما يذكِّره بها عديم القيمة في نظره. كره كل ما هو جليل وصارم وفخور, ومال بكل قلبه نحو كل ما هو ضئيل ومقهور وفقير...
تذكّر أرتور كل هذا وهو ذاهب إلى الغداء... رسالته عن «روح العصر» غدت مضحكة في نظره الآن, لكن كرهه القديم عاد وتحرك في نفسه. لم يكن قد تسنى له بعد نسيان هذا الكره.
في يوم الخميس, يوم عيد ميلاده, تذكر أرتور وعده لتيريزا بأن يتغدى معها, وتوجه قاصداً «الوعل البرونزي» كما كانوا يسمون فسحة صغيرة وسط الغابة اصطاد الملك فيها يوماً وعلاً صوفه بلون البرونز. ويقول آخرون إنه في وقت ما كان يوجد هنا تمثال «الصيد», وهو على شكل وعل مصبوب من البرونز يمثل «ديانا»(). ويقولون إن الملك الذي أمر بإقامة هذا التمثال كان يتسم بالعفة, ويتقزز من مرأى تماثيل النساء الكلاسيكيات.
عندما بلغ أرتور الفسحة وجد تيريزا قد سبقته. كانت تسير على العشب بتؤدة وهي تقطع بسوطها رؤوس الأزهار, بينما حصانها يرعى العشب بكسل وهو مربوط بشجرة منزوية. قالت الكونتيسة وهي تتقدم نحو أرتور:
- ما أحسن استقبالك لأصدقائك! وما أحسنك من مضيف! أنت تتنزه, وضيفتك تنتظرك منذ أكثر من نصف ساعة...
فقال أرتور مبرراً تأخره:
- ذهبت لإحضار الخمر. أرجوك الجلوس! ليست هذه أول مرة نجلس فيها على العشب معاً. أتذكرين الزمن الماضي؟
جلس أرتور والكونتيسة على العشب وطفقا يتذكران الماضي... كانا يتذكران دون أن يتطرقا إلى الحب أو القطيعة... دار الحديث حول حياتهما في فيينا, وبيت غيلينشترال, والفنانين والنزهات المسائية... كان البارون يتحدث ويشرب, أما الكونتيسة فقد امتنعت عن الشراب. شرب البارون زجاجة كاملة فسكر قليلاً وأخذ يقهقه ويلمز ويتهكم بلوذعية. تساءل عرضاً:
- بِمَ تقتاتين الآن؟
- بِمَ؟ هـ م... معروف بِمَ... آل غولداوغين ليسوا فقراء...
- أنت إذاً تأكلين وتشربين على مائدة الكونت؟
- لا أفهم, لِمَ هذه الأسئلة؟!
- لكنْ أجيبيني, أتوسل إليك يا تيريزا.. هل تأكلين وتشربين على مائدة الكونت؟
- أي نعم!
- غريب. أنت لا تطيقين الكونت, وفي الوقت نفسه تعيشين على مائدته... ها - ها - ها. ياللعجب! أية قواعد هذه, أيتها الشياطين؟ إن أصحابك الأذكياء يعتبرونني دجّالاً. فما هو رأيهم فيك أنت؟ ها - ها - ها.
قالت الكونتيسة بصرامة وقد تجهم وجهها:
- لا تشرب أكثر يا بارون. ستسكر وتبدأ بالتواقح. أنت تعرف أنني ما زلت بعد مضطرة بحكم الظروف إلى العيش عند غولداوغين.
- أية ظروف؟ الخوف من الألسنة الشريرة؟ أغنية قديمة! ثم قولي لي من فضلك يا كونتيسة كم سيترتب على الكونت أن يعطيك سنوياً بعد الطلاق؟
- لا شيء...
- لماذا لا تقولين الحقيقة؟ ولكن لا تغضبي... إنني أتكلم كصديق. لا تعبثي بالسوط هكذا, فهو لا ذنب له. هاه!
ضرب البارون جبينه براحته ونهض.
- مهلاً... كيف لم أنتبه إلى هذا من قبل؟
- ما الأمر؟
تراكضت عينا البارون متنقلة من وجه الكونتيسة إلى السوط ومن السوط إلى وجهها, ثم أخذ يتحرك بعصبية, ودمدم:
- كيف لم أتذكر هذا من قبل! إذاً أنت التي تفضلت باستضافة الشيخ البدين وفتاتي بنت الخزامى؟
فتحت الكونتيسة عينيها على سعتهما ورفعت كتفيها:
- الخزامى... البدين... بِمَ تتمتم يا فون زاينيتس؟ لقد أصبحت تَرْقي. لا لزوم للشرب!
- لا لزوم للضرب, يا سيدتي الكريمة! - شحب وجه البارون ولكم صدره بقبضته- لا لزوم للضرب, فليأخذك الشيطان أنت وعاداتك الارستقراطية! هل تسمعين؟
هبت الكونتيسة واقفة وقد اتسعت حدقتاها واتقدتا بالغضب.
- أنت تتمادى يا بارون! هل تتفضل وتستعيد شيطانك؟ إنني لا أفهمك!
- لن أتفضل! إلى الشيطان! ألا تفكرين أيضاً بإنكار تصرفك الدنيء؟
ازدادت عينا الكونتيسة اتساعاً. لم تكن تفهم.
- أي تصرف؟ وما الذي علي أن أنكره؟ إنني لا أفهمك يا بارون!
- ومن الذي ضرب عازف الكمان الشيخ على وجهه بهذا السوط نفسه في فناء الكونت غولداوغين؟ ومن الذي رماه تحت قوائم هذا الحصان بالذات؟ لقد ذكرا لي اسم الكونتيسة غولداوغين, وليس هناك سوى كونتيسة غولداوغين واحدة؟
تضرج وجه الكونتيسة بحمرة قانية كوهج الحريق انسفحت من الصدغين حتى القَبَّة الدانتيل. ارتبكت بشدة وأخذت تسعل, ثم تمتمت:
- إنني لا أفهمك, أي عازف كمان؟ ما هذا الذي... تهذر به؟ ثب إلى رشدك يا بارون!
- كفى! لِمَ الكذب؟ في الماضي كنت تجيدين الكذب, ولكن ليس من أجل تفاهات كهذه! ما سبب ضربك إياه؟
- من؟ عمّن تتحدث؟
كان صوت الكونتيسة خافتاً يرتعش, وكانت عيناها تتراكضان كفأرين وقعا في مصيدة. كانت تشعر بخجل شديد. أما البارون فقد تمدد ثانية على العشب في نصف اضطجاعة وجعل ينظر في عينيها الرائعتين بإصرار ويتضاحك بحقد وسكر. ثم سأل وشفتاه ترتعشان بابتسامة شريرة:
- لماذا ضربته؟ هل رأيت كيف كانت ابنته تبكي؟
- ابنة من؟ وضّح يا بارون!
- وكيف ترين! إنك تستطيعين إطلاق العنان ليديك البيضاوين ولسانك الطويل, ولكنك لا تستطيعين رؤية الدموع! إنها ما زالت حتى الآن تبكي... الفتاة الشقراء الحلوة حتى الآن تبكي... إنها ضعيفة, بائسة, لا تستطيع أن تثأر لأبيها من الكونتيسة. لقد جلست معهما ثلاث ساعات, وطوال هذه الساعات الثلاث لم تبعد يديها عن عينيها... يا للفتاة المسكينة! إنها لا تفارق مخيلتي بوجهها النبيل الباكي. آه أيها الشياطين القساة البطرون الذين لم تُضربوا ولم تُهانوا قط!
- وضّح يا بارون! من الذي ضربتُه؟
- آ, نعم! هل تظنين أنني لا أعرف من وجهك أين هي الهرة التي أكلت الفأرة؟ يا للخجل!
نهض البارون ومد يده نحو السوط قائلاً:
- أريني! فناولته الكونتيسة السوط بإذعان. كرر وهو يلوي السوط على شكل حلزون: - يا للخجل! ثم كسره إلى ثلاث قطع وقذف به جانباً.
بلغ الارتباك بالكونتيسة غايته. ضاعت منها الكلمات وهي تقف خجلى تسمع أول مرة في حياتها كلمة وقحة, تضرجت بالحمرة ولم تعد تعرف أين تواري وجهها ويديها عن عيني البارون اللتين تحاكمانها. وهنا حدثت حادثة صغيرة أخرجتها بعض الشيء من هذا الوضع الحرج. فبينما كان أرتور يكسر السوط ارتفع من خلف الأشجار وقع خطوات, ثم ما لبثت الكونتيسة أن شاهدت أمامها فريتس الشيخ وفريتس الشاب اللذين خرجا من خلف الأشجار وسارا عبر الفسحة وهما ينظران بفضول إلى الكونتيسة وأرتور. كان فريتس الشاب يسير في الأمام متنكباً قصبة صيد طويلة, ويتجرجر فريتس الشيخ خلفه, محركاً قدميه بصعوبة وحاملاً بيده اليمنى قطعة حبل تتدلى منها سمكة كراكي. توجهت الكونتيسة إلى فريتس الشاب متسائلة:
- لماذا لا ترتدي القفازين يا سيد فريتس؟
أرخى فريتس نظره وحرك شفتيه وهو يرمق الكونتيسة بطرف عينه.
- أين عصاك؟ لماذا لا تحمل العصا؟
امتقع فريتس الشاب وخطا مسرعاً صوب الأشجار. وهناك التفت مرة واحدة وتوارى. وتجرجر فريتس الشيخ في إثره صامتاً, دون أن ينظر إلى أحد. بادر البارون إلى القول بعد أن توارى الرجلان خلف الأشجار:
- اعذريني, إنني لا أقصد إهانتك... ولكن أقسم بشرفي, لو لم تكوني امرأة لكان بمقدوري أن أثأر لعازف الكمان... هذا مخجل يا تيريزا! لقد خجلت عنك أمام الفتاة!
نهض البارون واعتمر قبعته:
- إنك لا تجدين الكلمات لتبرير موقفك... وهذا رائع! فلم الكذب؟ إن تبريرك كذب.
قالت الكونتيسة:
- إنني ما زلت لا أفهمك يا بارون!
- صدقاً؟
- نعم... صدقاً...
- هـ م... وداعاً! عيناك الجميلتان مليئتان بالكذب! حمداً لله على أنك ما زلت قادرة على الاحمرار عندما تكذبين.
شد أرتور قامته وأومأ برأسه وسار عبر الفسحة نحو الممر الذي يخترق الغابة.
تغطى جبين الكونتيسة بالتغضنات. كانت تفكر بألم, وتنقب في ذهنها عن كلمات فلا تجد... استولت عليها رغبة طاغية في أن تبرر لأرتور تصرفها الذي كانت تخجل من الإقرار به. وبينما هي تفكر وتعض شفتيها الورديتين وتلوي أصابعها كان أرتور قد انعطف وسار خلف الأشجار. صاحت تيريزا:
- مهلاً يا بارون!
وبدلاً من الجواب لم تسمع الكونتيسة سوى وقع خطا أرتور المبتعدة.
- أيها البارون! - صاحت الكونتيسة ثانية, وارتجف صوتها خوفاً من أن يذهب دون رجعة. ولكن وقع الخطوات ما لبث أن تلاشى.
وقفت الكونتيسة قليلاً, ثم جلست على الأرض وهي غارقة في أفكارها. بجانبها كان ثمة زجاجتان فارغتان مرميتان على الأرض, وثالثة بقي فيها بعض الخمر تقف مائلة على وشك الوقوع. شربت تيريزا بقية الخمر في الزجاجة, ونهضت, ومشت صوب الحصان.
وعندما خرجت من الفسحة شاهدت على بعد خطوتين أو ثلاث من الأشجار المحيطة بالفسحة فارساً على صهوة جواده. وما إن شاهد الجواد الكونتيسة حتى أخذ يصهل بمرح. كان الفارس رجلاً في الخامسة والأربعين, طويلاً, نحيلاً, شاحباً, ذا لحية خفيفة.
- قفي!
قال الفارس بصوت خافت. وكان هذا الصوت الضعيف الذي لا يشبه صوت الرجال يدل على أنه صادر من صدر مريض.
- قفي! أريد أن أقول لك كلمتين! كلمتين فقط!
قالت الكونتيسة دون أن تلتفت:
- هل كنت تتجسس؟ تتلصص؟
- ولكنني أحبك! لا أستطيع العيش دقيقة واحدة بدون أن أراك. كلمتان فقط!!