نصر لا لـزوم لـه
قصة للفتيان
تأليــف : أنطون تشيخوف
ترجمة : عـدنـان جامـوس
منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب
وزارة الثقافة – دمشق 2009
العنوان الأصلي للكتاب :
A. П. ЧЕХОВ
Ненужная победа
قصص وروايات
تمهيد
أنطون تشيخوف (1860- 1904) كاتب روسي شهير من ألمع كتاب الأقصوصة والقصة في العالم. وقد اشتهر بين جمهور القراء بهذه الصفة بالذات, مع أنه برع أيضاً في كتابة القصة الطويلة والمسرحية والوصفية والأسخورة وسواها من فنون الكتابة الإبداعية.
وقد ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة, وصدر العديد من إبداعاته بالعربية بترجمات مختلفة تتفاوت في جودتها وقيمتها. ولكن لا تزال بعض هذه الأعمال غير مترجمة إلى العربية إما لأنها كُتبت في حقبة مبكرة من إبداع الكاتب قبل أن يصبح المبدعَ العملاقَ الذي نعهده في أعماله الناضجة, أو لأن المترجم لا يرى في هذه الأعمال السمات الطابعية التي تميز النص التشيخوفي من أي نص آخر بمجرد قراءة الأسطر الأولى. ولكن كاتباً يتسم بمثل هذه القدرة الفذة على تصوير الطباع البشرية, وبمثل هذا الإحساس المرهف المؤهل لالتقاط أعمق خلجات النفس الإنسانية وأدقها, ويتميز بموهبة نادرة في تقمص مختلف الشخصيات, والكشف عن الدوافع الحقيقية وراء تصرفاتها سواء أكانت مرئية أو مخفية, شعورية أو لا شعورية, وفي النفاذ إلى جوهر الظواهر الحياتية وتجسيدها بفنية عالية تجعل منها نماذج إبداعية فردية غير قابلة للتكرار, لَهُوَ كاتب يستحق منا أن نطّلع على كل ما أبدعه قلمه, ولا سيما تلك الأعمال التي تتميز بطابع خاص بالمقارنة مع آثاره الأخرى, لنرى مختلف أوجه موهبته التي تجعل من أي موضوع تتناوله موضوعاً جديراً بالاهتمام والتأمل.
والقصة التي نقدم ترجمتها إلى العربية أول مرة هي من هذا النوع الأخير بالذات. فنحن لم نعتد أن نقرأ لتشيخوف قصص مغامرات. بيد أن الأحداث هنا لا تقتصر على إثارة اهتمام القارئ بالحدث المفاجئ بحد ذاته, بل هي تعكس ظواهر اجتماعية ذات دلالة, وتتجلى من خلالها سمات طباع بشرية نموذجية وشخصيات من لحم ودم.
نُشرت القصة أول مرة في مجلة «المنبّه» في العام 1882, مسلسلة في عشرة أعداد, بإمضاء: أ- تشيخونته, وهو الاسم المستعار الأكثر شهرة بين الأسماء التي كان تشيخوف ينتحلها في أعماله المبكرة.
والنص العربي مترجم عن النص الروسي المنشور في المجلد الأول من أعمال تشيخوف الكاملة الصادرة في ثلاثين مجلداً (موسكو 1974).
ويحدثنا أ. ف. أمفيتياتروف عن منشأ فكرة «نصر لا لزوم له» في مذكراته فيقول: «راهن أنطون بافلوفتش تشيخوف مرة رئيس تحرير مجلة «المنبه» أ. د. كوريبين بحضوري على أنه سيكتب قصة تجعل جميع القراء يظنون أن كاتبها هو مافر إيوكاي, وربح الرهان, بالرغم من أنه لم يكن لديه أي تصور عن هنغاريا ولم يزرها قط. كانت موهبته الفتيّة تفور كالشمبانيا بالآلاف من شرر الحباب».
وكانت أعمال الأديب الهنغاري مافر إيوكاي (1825- 1904) الذي كان تشيخوف يقلده, كما هو مفروض, في قصة «نصر لا لزوم له» قد ظهرت مترجمة إلى اللغة الروسية في أواخر السبعينيات. ومن الأعمال الأولى التي نشرت له بالروسية: رواية «الإباء الألماني» وقد أُعلن عن ذلك في العام 1879 وسرعان ما ذاع اسم إيوكاي على نطاق واسع, وغدت رواياته وقصصه تنشر في المجلات «العائلية», وتصدر في طبعات مستقلة.
ولكن لا يمكننا أن نجد وجوه تماثل مباشرة بين «نصر لا لزوم له» والترجمات التي نشرتها المجلات الروسية لأعمال «إيوكاي» في بداية الثمانينيات. لذا فليس ثمة أساس للقول إن قصة تشيخوف «معارضة أدبية» أو, بالأحرى, تقليد, لأعمال «إيوكاي».
وقد كتب الباحث والناقد المعروف غ. أ. بيالي بهذا الصدد, مبيناً الفرق بين العالم الذي يصوره تشيخوف وعالم الكاتب المجري «إيوكاي»: «.... في قصة نصر لا لزوم له» يمثل أمامنا عالم آخر تماماً: أشخاص كبار, وأهواء كبيرة, وصدامات عنيفة, ونزاعات اجتماعية, حياة غنية بالأفعال والأحداث. إن العناصر الميلودرامية في تسلسل الأحداث وفي الأسلوب تحتشد بكثافةٍ تستدعي الافتراض تلقائياً بأن القصة تتصف بطابع المعارضة الأدبية. ولكن المعارضة هنا تفتقر إلى عنصر الكاريكاتور والتعمد والتشديد على نغمة التهكم. هنا لا وجود للمعارضة, بل ثمة أسلبةٌ معينة (...) (السرد بأسلوب يشبه أسلوب إيوكاي, بدون تعمد التقليد- المترجم), و الأهم من هذا كله هو أن القصة تتضمن تمجيداً للناس الأقوياء والطبائع النبيلة(1).
وقد لاقت قصة تشيخوف بشهادة المعاصرين نجاحاً كبيراً (2). ولعل اسم بطلة القصة «إيلكا», كان يتداعى في وعي القراء آنذاك مع اسم «العندليب المجري» المغنية: إيتيلكا غيرستير غارديني التي زارت موسكو زيارة فنية في العام 1882.
وقد وُضعت على أساس قصة «نصر لا لزوم له» عدة سيناريوهات سينمائية (لأفلام: «مهنة مغنية الشارع» «نصر لا لزوم له», «إيلكا» «نهاية آل فونيتش»).