١
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة كان ثلاثة من لصوص باريس جالسين على ضفة نهر السين، وقد مضت ساعة على انتصاف الليل، ورقصت أشعة القمر فوق مياه ذلك النهر، ونام سكان باريس إلا أمثال أولئك اللصوص؛ لأن أعمالهم تبتدئ في مثل هذه الساعة.
وكان اثنان من هؤلاء اللصوص قد بلغا سن الكهولة، وواحد منهم لا يزال في بدء نضارة الصبا لا يتجاوز عشرين عامًا، واسمه مرميس، وكان الاثنان الآخران أحدهما يدعى مورت، والثاني نوتير، وهي ألقاب لقبهم بها رئيس العصابة؛ فلزمهم لزوم الأسماء.
وكانوا جالسين على رصيف النهر، وأرجلهم مدلاة فوق مياهه الساكنة، وكان مورت يفرك يديه ويقول: ما أشد برد هذه الليلة! وما أشد ظمئي إلى الشراب!
فقال له نوتير: هو ذا الماء أمامك، فارو ظمأك.
فقال له مورت بلهجة الهازئ: ويحك متى كان الماء يروي ظمأ أمثالنا، وإني ما شربته غير أيام قليلة في حياتي، وذلك في سجن طولون.
وكان مرميس يسمع كلامهما فقال: إنه مهما كان من شدة العيش في سجن طولون فإنه أفضل من سجن باريس، وكفى به أن من يدخل إليه يكون له المقام السامي بين العصابات.
فضحك مورت وأجاب: طب نفسًا فإنك لا تزال صغيرًا، وستتشرف بزيارته، ويكون لك هذا المقام ما دمت سائرًا في مناهجنا.
وفيما هم يتسامرون رأى مرميس شيئًا يتحرك في النهر فيغوص ثم يرتفع، فنبه إليه أنظار رفيقيه، فحدقوا جميعهم أبصارهم حتى تبينوا أنه شيخ غريق يحاول الانتحار. وهناك اختلفوا بين أن ينقذوه ويخرجوه حيًّا؛ فلا يكون جزاؤهم من الحكومة غير خمسة عشر فرنكًا، وبين أن يصبروا عليه حتى يموت فتكافئهم الحكومة عن إخراجه خمسة وعشرين، وهي سُنة للحكومة لا ندرك القصد منها.
وكان مورت يقول بوجوب إنقاذه حيًّا، ولم يحفل بمعارضة رفيقيه له، وألقى بنفسه في مياه النهر، وجعل يسبح إلى جهة الغريق، وكان بعيدًا عنه مسافة عدة أمتار.
وكان يظهر أن هذا الغريق ألقى نفسه في النهر مختارًا، بدليل إتقانه فن السباحة، وكان يغوص تحت المياه، ثم يرتفع فوقها، وقد نشبت حرب مائلة بين نفسه التي كانت تريد مفارقة الجسم والانتهاء إلى مبدئها، وبين جسمه الذي كان يريد البقاء في قيد الحياة. وكان إذا تغلبت إرادة النفس غاص في النهر حتى لا يرى، وإذا تغلبت عوامل الجسد عاد إلى السباحة.
وفيما هو على هذا النزاع أدركه مورت فقبض على شعر رأسه، وجعل يجره إلى البر، وكان مرميس يصيح به من الرصيف قائلًا: أغرقه أيها الأبله؛ لأننا نكسب بموته ١٠ فرنكات زيادة.
وكان الغريق يصيح به: دعني وشأني أيها الرجل؛ لأني لا أريد أن تنقذني.
غير أن اللص لم يصغ إلى أحد منهما، فما زال يجذبه حتى وصل به إلى الرصيف، وظهر وجهه لنوتير من أشعة القمر، فصاح قائلًا: هذا هو.
ثم أسرع إلى الاثنين، وأعانهما على الصعود إلى البر.
وانذهل مرميس انذهالًا عظيمًا، وقال: من عسى أن يكون هذا الرجل، ألعله من أمراء الروس الأغنياء فاعتنيتم به هذا الاعتناء.
فقال له مورت: كلا بل هو من رجال سجن طولون القدماء.
ثم التفت إلى الغريق بعد أن هدأ روعه وقال له: ألست الذي كانوا يدعونك في السجن جواني الجزار؟
وأن أنين الموجع، وقال: بل جواني الجلاد، ولقد أسأتم لي إساءة لا أغتفرها لكم بإنقاذي؛ لأني خنت الرئيس، ووجب علي الموت.
وكان مرميس يصغي إلى هذا الكلام ولا يعلم منه شيئًا، وقال لرفيقيه: ماذا تعنون؟ وماذا يعني بالرئيس؟
وأجابه مورت: إنه كان جلادًا في سجن طولون، وهرب منه بدهاء عظيم، وتنكر حتى أعجز الحكومة أمره، ولو وقع في قبضتها استقبلته استقبال روكامبول.
فقال مرميس: إني سمعت بهذا الاسم، فهو من كبار اللصوص المشاهير.
وقال جواني: هذا هو الذي لقبته بالرئيس، وقد أشكل عليك فهم معناه.
فاضطرب نوتير وقال لمرميس: إن روكامبول هذا فوق الناس أجمعين في مراتب الذكاء والدهاء، فقد طالما عبث بالحكام، وأتى أعمالًا لا تخطر لأحد في بال، وقد خطر له يومًا أن يبرح السجن ففتحت له أبوابه، وقضي مرة على رجل بقطع العنق فأوقف آلة القطع عن العمل.
وافتتن مرميس به وقال: والله لو عرفت أنه في أعمق السجون لارتكبت جريمة أستحق بها ذلك السجن كي أراه، وأين هذا الرئيس العظيم من رئيس عصابتنا باتير، فإنه كسول لا ثبات له إلا على موائد الشراب، فلماذا لا نخدم برئاسته؟
فتنهد جواني قائلًا: إنكم لا ترونه فقد قبضوا عليه.
– كيف قبضوا عليه؟
أجابه حواني بلهجة القانط: إني أنا سلمته إلى الحكومة، ولكني ما فعلت ذلك غدرًا به بل إن القضاة خدعوني.
ثم بكى بكاءً شديدًا، وأضاف: هذا هو السبب فيما ترونه من يأسي ومحاولتي الانتحار؛ لأنهم قبضوا علي يوم قبضوا على روكامبول، وألقوني في السجن، وبعد أن تمت محاكمتي، وحكم علي بالعودة إلى سجن طولون أرسلوني أمس في قطار إلى ذلك السجن.
وكنت في مركبة لم يكن فيها سواي من المجرمين، فخرقت خشب المركبة بحديد القيد الذي كان في رجلي حتى جعلت فيها ثقبًا متسعًا، ثم خرجت من ذلك الثقب إلى الأرض، وأنا أرجو أن تسحقني عجلات القطار، وأغمضت عيني مستسلمًا للموت، ولكني ما لبثت بضع ثوان حتى رأيت القطار قد ابتعد عني دون أن تصيبني عجلاته بأدنى ضرر؛ لأني سقطت بين منفرجاتها.
ونهضت مضعضع الحواس، آسفًا لنجاتي من الموت، تنبهت للقيد الذي كان في رجلي فكسرته، وتواريت عن الشرطة كل يومي حذرًا من أعود إلى السجن فأعود إلى مهنة الجلاد.
وفي الليل ذكرت خيانتي لروكامبول فعولت على الانتحار غرقًا في السين، ولولا إنقاذكم إياي لقضيت مآربي بيدي.
وقبل أن يتم حديثه قاطعه نوتير قائلًا: انظروا هو ذا غريق آخر انظروه، إنه عائم على جذع شجرة قرب الشاطئ، والماء يغمره إلى عنقه.
فصفق مرميس بيده فرحًا، وقال: لقد فاتتنا جائزة الغريق الأول، وعسى أن لا تفوتنا جائزة الثاني، وهي أعظم من الأولى؛ لأنه ميت لا حراك فيه.