٢

8 0 00

٢

يوجد بالقرب من ذلك الرصيف قهوة تدعى «أركلين»، تتولى إدارتها امرأة عجوز تمرست بالآفات، وتعودت عشرة اللصوص.

ولم تكن هذه القهوة تفتح أبوابها في النهار لعدم تردد الناس إليها، ولكنها إذا هجم الظلام بدأت عصابات اللصوص تنسل إليها، وأخصها عصابة باتير، فيشردون ويتنادمون، ويتآمرون على إتيان كل منكر، وارتكاب كل إثم.

وكانوا يقدمون إلى هذه القهوة واحدًا واحدًا واثنين اثنين، فلا يفتح لهم بابها إلا إذا صفروا صفيرًا مصطلحًا عليه بينهم يتعارفون به، فكانت ملجأ كل أثيم هارب من السجون يأتي إليهم لينضم تحت لواء زعيم العصابة العام وهو يدعى باتير.

وقد اجتمعوا تلك الليلة، واصطفوا حول مائدة يرأسها الزعيم، وقد رصفت فوقها الأقداح، وكان باتير يقول: إني أنتظر صديقًا من كلامسي.

فقال له أحد رجال العصابة: ألعله فتح لنا باب الارتزاق؟

– ربما.

وبينما هم على ذلك سمعوا وقع أقدام في الخارج فسكتوا، ثم قال الزعيم: لا تجزعوا لا بد أن يكون هؤلاء القادمون من رجالنا.

وعند ذلك دخل جواني الجلاد، ونوتير، ومرميس، ومورت وهم يحملون رجلًا لا حراك فيه، فذعر الحضور لرؤيته، غير أن جواني حاول تطمينهم قائلًا لهم: لا تجزعوا هذا هو الرئيس.

وكان هذا الرجل الفاقد الرشد، المحمول على أكف اللصوص روكامبول.

فالتفت الجميع حوله لتفحص حاله، والتمعن في وجهه لشدة ما بلغ إليه روكامبول من الشهرة بين اللصوص.

فقال مرميس معنيًا بكلامه جواني الجلاد: أظن أن هذا الشيخ مخطئ؛ لأن روكامبول لا حياة فيه.

وقال مورت: هو ما تقول؛ لأن علائم الموت بادية في وجهه، وفوق ذلك إني أرى في صدره جرحًا بليغًا، لا بد أن يكون استنزف معظم دمائه.

كانت العادة في هذه القهوة أنهم إذا انتشلوا غريقًا ميتًا يحضرونه إليها، ويدعون البوليس فيحقق في أمره، ثم يذهبون في اليوم التالي فيقبضون الجائزة المعينة.

وقد وضعوا روكامبول فوق مائدة، وحاولوا استدعاء البوليس، ولكن جواني اعترضهم لاعتقاده أنه لا يزال من الأحياء.

وطال خلافهم، فجاء أحد اللصوص ووضع أذنه فوق قلبه فلم يسمع حركة تدل على الحياة، وأخذ يده وحركها فوجدها لينة كأيدي الأموات، فلجأ عند ذلك إلى التجربة الأخيرة، فأخذ مرآة ووضعها فوق فم روكامبول.

فساد السكوت على الجميع، وكانت دموع جواني تسيل على خديه، ويأسه يحمل على الإشفاق، ونوتير ومرميس واقفان حوله في موقف الخشوع.

فأبقى اللص المرآة فوق فم روكامبول دقيقتين، ثم أزاحها ونظر إليها فوجدها قد تغشت بغشاء ضعيف، وكان ذلك برهانًا جازمًا على أن روكامبول لم يمت.

وعند ذلك صاح بعض رجال العصابة: هلم بنا إلى إنقاذه، أشعلوا النار من حوله، ولندلك جسمه البارد فقد يعيش.

فقال زعيم العصابة: أية فائدة من حياته؟ إن كأس الشراب أفضل منها.

فتصدى له الفتى مرميس؛ لأنه مال إلى روكامبول، وقال له: إن من كان مثلك لا فائدة من حياته.

فسكت الزعيم، ولم تعترض العصابة ذلك الفتى؛ لأنه كان محبوبًا بينهم لبسالته وحداثة سنه.

وأجمع الكثيرون منهم على وجوب إنقاذ روكامبول؛ لأنه من مشاهير زعماء العصابات؛ فثارت الحمية في رءوسهم، واتفقوا على إنقاذه، ما خلا زعيمهم باتير، فإنه ظل منعكفًا على شرابه وهو يحسب لشفاء روكامبول ألف حساب.

وجعل أولئك اللصوص يفركون بالخل صدغيه وشفتيه وأعصابه، وفي كل حين يضع جواني رأسه على قلبه على رجاء أن يسمع دقاته، حتى برقت عيناه بأشعة الفرح، وقال: إن قلبه يدق.

فصاح جميعهم صيحة فرح، وقال مرميس: إن مثل روكامبول لا يموت.

وكان أشدهم تعصبًا نوتير، فجعل يذكر أوصافه لنوتير فاصفر وجه الزعيم باتير، وقال: أأنت تشهد له هذه الشهادة أيضًا؟

– نعم لأني عرفته حق المعرفة حين كنت في عصابة تيميلون؛ إذ كان يعبث بنا كما يشاء.

وعند ذلك اشتدت دقات قلب روكامبول، وتنهد تنهدًا طويلًا.

ففرح الرجال، وقال أحدهم: إنه سيفتح عينيه.

وأجاب نوتير: أقسم بمهنتنا إنه إذا ردت إليه العافية لنجعله رئيس عصابتنا.

فهز باتير كتفه إشارة إلى الاحتقار، فقال له نوتير: لا تهزأ بروكامبول؛ لأنه حيث يوجد تكون السعادة بالرغم عمن ينازعه فيها.

وقبل أن يجيبه باتير، صاح جواني صيحة فرح عظيمة قائلًا: لقد فتح عينيه!

فصاحوا جميعهم نفس صياحه، واختلط الحابل بالنابل، ولم يعد لباتير صوت يسمع.