٣

6 0 00

٣

وبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة كان روكامبول نائمًا في السرير، وقد عادت إليه الحياة، وعاد معها ذلك الذكاء النادر؛ لأن الموت لم يجد موضعًا في ذلك الجسم الذي قُدَّ من الفولاذ، ولم يستطع الجنون أن يتغلب على ذلك الذكاء العجيب الذي طالما صرفه روكامبول في سبل الشر إلى أن أصبح من التائبين، فكان يستخدمه في وجوه الخير.

وكانت هذه القهوة التي ذكرناها منقسمة إلى قسمين: قسم أرضي، وهو الموضع الذي يجتمع فيه اللصوص، وقسم علوي، وهو مؤلف من غرفة واحدة متسعة نصب لروكامبول سرير فيها وحمل إليه، ولم يكن يقيم معه فيها غير جواني الجلاد، وكان له ممرضًا وطبيبًا في وقت واحد.

وكان اللصوص يتفرقون في النهار، فنزل جواني وطلب إلى صاحبة القهوة أن تمنع الضجيج حرصًا على راحة روكامبول، فقالت له: طب نفسًا إننا جميعنا نعجب به نفس إعجابك، ووجود مثل روكامبول بيننا أعظم شرف لنا.

وفي المساء أقبل رجال العصابة، وكانوا يتباحثون همسًا، ولا يقرعون الكئوس حين الشراب، ويصعد بعضهم من حين إلى حين افتقادًا لذلك العليل، فشعر باتير أن زعامته قد سقطت مقدمًا؛ لما رآه من ميل العصابة إلى روكامبول.

أما روكامبول، فقد كان شديد الهزال لكثرة ما نزف من دمائه، فقال لجواني بصوت خافت: كيف أنقذتموني؟ ومن أي موضع؟

– من قرب مركريتيل، وقد كنا نحسبك من الأموات.

فتذكر روكامبول هنيهة، ثم أجاب: نعم إني فقدت صوابي في ذلك الموضع، وإن دمائي قد نزفت حين كنت أسبح، وقد كنت أحاول اجتياز نهر السين، وطالما اجتزته سابحًا، غير أن جرحي حال دون قصدي، فأمسكت بجزع شجرة كان عائمًا أمامي، وهناك أطبقت عيني ولم أعد أعي على شيء.

– إن هذا الجرح قد أنقذك، ولكن كيف أصبت بهذا الجرح؟

فارتعش روكامبول عند هذا السؤال، وحدق بجواني، فاضطرب جواني لنظراته وأضاف: عفوًا أيها الرئيس، إني لا أحاول الوقوف على أسرارك.

– قل أجبني عن كل شيء أولًا أين أنا الآن؟

– في قهوة أركلين.

– ما هذه القهوة؟

– هي شبه خمارة تتردد عليها عصابة من اللصوص.

– من يتولاها؟

– تلك المرأة التي أحضرت لك المرق منذ حين.

– كيف أنت مع هؤلاء الناس؟

– إنهم أنقذوني أيضًا من النهر، وقد كنت أحاول الانتحار لخيانتي لك.

– ولكنك كنت في السجن، فكيف خرجت منه؟

فحكى جواني لروكامبول جميع ما اتفق له، حتى إذا فرغ من قص روايته قال له روكامبول: أصغ إلي، إن جميع الذين يعرفونني يعتقدون الآن أني من الأموات إلاك، وأحب أن يبقى لديهم هذا الاعتقاد ليس لأني أخشى أن تقبض علي الشرطة، فقد وعدت الحكومة بالتخلي عني، وما دمت معي فهي أيضًا لا تقبض عليك.

– فانذهل جواني وقال: أحق ما تقول؟

– نعم، فهل تريد أن تكون رفيقي؟

– أعندك شك في ذلك يا سيدي؟ إني أحترمك احترامًا يبلغ حد العبادة، وما حاولت الانتحار إلا من أجلك.

– حسنًا، اعلم الآن أني كنت أسعى إلى قضاء مهمة وقد أتممتها، ولو كنت جبان النفس منخلع القلب لانتحرت، ولكن المؤمن لا يحق له أن يتلف جسدًا خلقه الله.

ثم إني لا أحب أن أرى أولئك الذين عرفتهم وأحببتهم، فهم يعتقدون أني أصبحت من الأموات، ويعيشون سعداء، ولكن ربما بقي لي أيضًا مهمة خير أقضيها؛ لأني أشعر أن الله لم يغفر لي بعد.

وكان روكامبول يتكلم هذه الكلمات الصالحة في حين أن اللصوص كانوا يترقبون شفاءه ليجعلوه رئيس عصابتهم.

فتأثر جواني تأثرًا عظيمًا لكلامه، وأخذ يده وقبلها بملء الاحترام قائلًا: إني أسفك دمي في سبيل خدمتك.

أجابه روكامبول: أصغ إلي، إني تقاتلت ليلة انتشلتموني من النهر قتالًا شديدًا.

– مع تيميلون؟

– كلا، بل مع امرأة بالسيف تقاتل قتال أستاذ، وكان قتالنا بسبب تنازعنا على ذلك الطفل الذي شاهدتني مرة أنظر إليه من نافذة غرفتي وهو يلعب في حديقة منزله، فطعنتني بسيفها طعنة شديدة، ولكني تمكنت منها فطعنتها بخنجري طعنة نجلاء أظنها كانت القاضية.

– لقد عرفت هذه المرأة، أليست هي تلك الروسية؟

– نعم.

– وهل ماتت؟

– لا أدري، ولكني أخذت الطفل وخرجت به إلى الحديقة ومنها إلى الرصيف، فوضعت الطفل مغميًّا عليه على الأرض؛ لاعتقادي أن رفاقي سيعثرون عليه، ثم ألقيت نفسي في المياه، فخطر لي في البدء خاطر الانتحار، ثم رأيت أنه لا يحق لي قتل النفس، فعزمت على اجتياز نهر السين سباحة بعد أن تركت ورائي من آثار الدماء ما يدل على موتي، وأنت تعرف البقية.

والآن أريد أن أعلم إذا كانت فاندا وميلون وجدا الطفل وأرجعاه إلى أمه. اذهب إلى باريس وابحث عن هذه الحقيقة، وكن حكيمًا.

– ولكن إذا رأيت فاندا وميلون فما أقول لهما؟

– لا تقل لهما شيئًا.

– وإذا رأيتهما يبكيان عليك بكاءهما على الأموات؟

– دعهما يبكيان؛ لأني أريد أن أعرف فقط ماذا حدث للولد.

فدهش جواني وسأله: ومتى شفيت فماذا تصنع؟ أتقيم بين هؤلاء اللصوص الأثيمة؟

– ربما، ومن يعلم فقد تكون تلك المهمة الخيرية التي أريد قضاءها استغفارًا لي بين هؤلاء اللصوص.

وفيما هو يتفوه بهذا الكلام دخل نوتير يتبعه مورت.