٤

8 0 00

٤

وقد حمل الاثنان قبعتيهما بيديهما، ووقفا أمام روكامبول وقفة احترام، فقال لهما روكامبول بلهجة حنو وإخلاص: ماذا تريدان أيها الصديقان؟

فتقدم نوتير خطوة قائلًا: إن العصابة أرسلتنا وفدًا إليك.

– قل ما تشاء إني مصغ إليك.

– نريد أن نعلم قبل كل شيء كيف أنت؟

– إني بخير أيها الرفاق، ولكن لا بد لي من ملازمة الفراش خمسة عشر يومًا على الأقل.

– هذا ما كنت أقوله لأفراد العصابة، ولكن ذلك لا يمنعنا من الانتظار.

– قل.

– إن ما أتينا به إليك يوضح بمنتهى الإيجاز. وهو أن من لا يستطيع أن يشتغل بالأعمال العظيمة كما كنت تفعل، يكتفي بالأمور الصغيرة كما نحن نفعل، وإني حين هربت من السجن وأتيت إلى باريس أردت أن أشتغل بالمهنة، ولكن رأيت الارتزاق غير ميسور لشدة تنبه البوليس، فحسب نفسي سعيدًا بانضمامي إلى باتير.

– من هو باتير هذا؟

– هو زعيم عصابتنا المؤلفة من خمسة عشر رجلًا، فإننا نخرج كل يوم ونطوف في أنحاء باريس، ثم نعود في الليل إلى هذه الخمارة فنتحدث بما لقيناه، وإذا اكتشف أحدنا موردًا للكسب عرضه على الزعيم، فيرى رأيه فيه، ولكن نظامنا قد اختل، منذ تشرفت هذه الخمارة بوجودك فيها.

– لماذا؟

– لأن زعيمنا الكسول يريد أن تبقى له الزعامة.

– وأنتم؟

– رأينا أن هذا الزعيم ليس من رجالك، فاتفق أحد عشر رجلًا منا على الصياح ليحيَ روكامبول، وليسقط باتير، ولم يمتنع الأربعة الآخرون عن موافقتنا إلا لخوفهم، ولكننا واثقون من إقناعهم على الانضمام إلينا، ونحن أتينا الآن نسألك باسم العصابة قبول هذه الرئاسة.

فابتسم روكامبول ابتسامًا يشف عن الاحتقار، وأجاب: سوف نرى أيها الرفاق متى شفيت الشفاء التام.

وحاول أن يصرفهم بإشارة غير أن باتير لم ينصرف، وقال: إني أرشدت العصابة إلى عمل قد يكون لنا منه غنم كبير، فارتأى باتير أنه يجب أن نسرع في العمل دون أن ننتظر شفاءك، ولكننا لم نوافقه على ما أراد.

فارتعش روكامبول وأجاب: حسنًا، إذا كان العمل يوافقني أتولاه، غير أنكم تعلمون أيها الرفاق أنه قبل أن أوشك على الغرق كان بيدي أعمال أخرى لم تتم بعد.

– ذلك لا شك فيه؛ لأن رجلًا مثلك لا يبقى دون عمل.

– إني تخلفت عن بعض أمور في باريس، وسأرسل تعليمات بواسطة جواني. كم الساعة الآن؟

– الساعة الرابعة صباحًا.

فقال روكامبول لجواني: اذهب الآن في المهمة التي أخبرتك عنها.

ثم التفت إلى نوتير قائلًا: اجلس الآن بجانبي، وأخبرني عما اكتشفته.

– إنه يوجد بالقرب من ضفة النهر بيت معتزل، يقيم فيه رجل عجوز وامرأة صبية.

– إنها فتاته، وهو أبوها دون شك؟

– لا نعلم، إن البعض يقولون إنه أبوها، والبعض يقولون زوجها، وهما لا يخرجان من البيت على الإطلاق، حتى إن الجيران لم يروها غير ثلاث مرات في مدة عامين، وكانت المرأة بملابس الحداد.

وليس لهما غير خادمين؛ أحدهما امرأة عجوز، والآخر رجل عجوز يشتغل في الحديقة.

– إن ذلك موافق لنا كل الموافقة.

– وقد مررت بهذا البيت مرات، وأخذت تعليمات كثيرة بفضل مرميس.

– ماذا علم مرميس؟

إنه اختبأ كل الليل في شجرة من أشجار الحديقة، وذلك منذ ثلاثة أيام، فعلم أن الخادم والخادمة ينامان في الدور الأسفل، وأن الشيخ والفتاة ينامان في غرفتين تشرفان على الحديقة وهما ينامان متأخرين، ويظهر أن عيشتهما غير راضية، فقد سمعهما مرميس يتخاصمان، وكانت الفتاة تبكي، وتعض يديها من اليأس، ولكن مرميس لم يستطع أن يسمع شيئًا من حديثهما.

– كل هذه التفاصيل مفيدة، ولكن هل يوجد نقود في هذا المنزل؟

– إنه بعد أن فرغ الشيخ من خصام الفتاة أقفل باب غرفتها بحدة، وذهب إلى غرفته، فانتقل مرميس من شجرة إلى شجرة، وراقب هذا الشيخ، فرآه قد فتح صندوقًا من الحديد، وجعل يعد أوراقًا مالية، وأكياسًا ملآى من الذهب، فلما أخبر العصابة بما رآه هاج رجالها — ولا سيما باتير — وأرادوا بدء العمل في هذه الليلة.

فخرج نوتير ومورت وهما يصيحان: ليسقط باتير.

والآن فلنذهب بالقراء إلى ذلك البيت المعتزل الذي يريد اللصوص اغتصابه، ونبسط حالة الشيخ وتلك الفتاة.