ـ 3 ـ

7 0 00

ـ 3 ـ

اكفهرّ الجو بعد صلاة العصر ، تلّبدت السماء بغيوم سوداء تفور وتتقلّب ، تسوقها رياح شديدة تصفر وتعوي بين الأزقّة ، وفي الأرض الفلاة والحقول . عاد الناس إلى بيوتهم يَجرّون دوابهم أو يركبونها . وفي المساء ، اشتدّ قصف الرعد ، ولمعان البرق ، انزوى الناس في بيوتهم ، عندما بدأ انصباب المطر فوق السطوح ، كان هطوله أبواق قرب انفلتت ، واندفع ماؤها فوق البيوت والحقول ، ساح الطين فوق الأسطح المسنّدة بخشب غليظ وثقيل ، دلف المطر داخل بيت إبراهيم الحمدان ، وضع أوعية تحت الدلف ، لكن انسـكاب فوهـات القرب فوق السطح استمر ، فاضطر لوضع ثقيل فوق رأسه والخروج إلى فناء الدار الضيّق ، جبلت زوجته الطين بالتبن بأعواد القمح المفرومة ، وصعد في انهمار المطر على السلّم ، يتناول منها الطين المجبول ويمسّده فوق الثقوب العديدة في السطح والتي أحدثها المطر المنهمر .

راقبت زوجته من داخل الحجرة انسداد الثقوب واحداً تلو الآخر حتى توقف الدلف ، هرعت إلى الخارج على صوت ارتطام قوي وصرخة ألم ، رأت زوجها وقد سقط على الأرض ، بعد أن تزحلق به السلّم عن الجدار الطيني المبلول ، أسندته وساعدته على الدخول إلى البيت ، كشف عن ساقه ، الرضوض واضحة ، ألقمت الزوجة النار بعض الحطب ، فانبعث الدفء في المكان ، استلقى على الفراش وهو يتحامل على نفسه كاظماً ألمه ، حاولت أن تحضر له أحداً من أصدقائه أو جيرانه فرفض ، حرك ساقه فتحركت ، لكن الألم كان شديداً ، وعندما توقف انهمار المطر سمح لزوجته أن تنادي إخوته وصديقه جبر ، الذي عُرف بين أهل القرية بخبرته بالإصابات والجروح ، والتي اكتسبها أثناء مشاركته في الحرب مع الأتراك في وادي غزة ، ومن أحد أصدقائه في قرية مجاورة ، والشيء الذي برع فيه في نظرهم هو الكي ، مع أنه آخر الدواء ، أتقنه بالتجريب في نفسه وأبنائه وأبناء عائلته ، فكلما اشتكى أحدهم من ألم دائم في مكان واحد ، أشار عليه بالكي ، وينفذ فيه استشارته ، غير آبه بولولته وآلامه عندما تقترب نار العطبة من لحمه ، وتبدأ في شيّها .

عاين إخوته ساقه ، وكذا فعل جبر الذي أكدّ أنها مجرد رضوض تحتاج للراحة ، اطمأنّ إبراهيم وزوجته وإخوته ، وخلع طلاقاً بالثلاثة أن يترك بيته هذا ، الضيّق الصغير ، الذي تسبّب في سقوطه ، ولولا رحمة الله لكسرت ساقه ، أو دقّ عنقه ، وأقسم أن يبني بيتاً جديداً في أرضه خارج القرية ، بهت الحاضرون ونظروا إليه بعيون مستنكرة للفكرة ، قال أحد إخوته مستهجناً :

ـ أين ؟

ـ شمال البلد ، في أرض "نصار" ، بعيد عن كل الناس .

ـ تأكلك الضباع .

ـ أفضل من أن يأكلني القهر والكمد في هذا البيت الضيّق ، وأرضي واسعة .

قال جبر :

ـ قريب من بير"تعبيه" ؟!

أجاب بلغة ساخرة :

ـ آ .. وماله ! أبني في أرضي . والا فيها ضباع ؟!

الفكرة أعجبت جبر فشجعه :

ـ أحسن حاجة ، أرض واسعة وفلاة ، بلا ضباع بلا كلام فارغ .. هو فيه ضبع والإنسان موجود ..

ـ كلامك صحيح .. نحن الضباع ..

ُسـرّ إبراهيم الحمدان من تشجيع جبر له ، لكنّ جبر تلقى نظرات نارية من إخوة إبراهيم الحمدان ، الذين اعتبروا أنه يريد أن يفرّق بينهم ، وبين أخيهم ، لحادثة هي قضاء وقدر ، قال أحدهم ممازحاً :

ـ يا رجل ما هذا الكلام ؟! احمد ربّك على السلامة . هذا اليمين من الوجع .

ـ الحمد لله ، هو أنا كفرت .

قال آخر بنبرة عتاب :

ـ يا جبر رأيك هذا متسرّع ، تريد أن تفرّق بيننا !

ـ لا . أنا أحب إبراهيم وأريد الخير له .

ـ تحب إبراهيم صحيح . لكن تشجعه أن يبني بجوار اليهود !

ـ آ .. يهود الكبانية !

ـ آ .. يهود الكبانية .

ـ يا عمي أرضه بعيدة عنهم ، وإبراهيم ماله ومالهم !

ـ ها يسكن هناك ولا واحد منا ولا من غيرنا عنده ؟! .. ما في إلا الخلاء والوحوش .

ـ يا جماعة ما هذا الخوف ؟ طيّب إذا أيّ واحد في البلد بنى كل الناس رايحين يلحقوه ، الرأيّ رأيه ودار مسلّم قريبة منه .

نظر إبراهيم الحمدان إليهم وحلّ الخلاف الذي بدا واضحاً :

ـ المهم .. رجلي مكسورة والا لأ ؟

أجابوا بصوت واحد :

ـ لأ .

ـ طيّب عليّ الطلاق ما أبني طول الشتاء ، وفي الصيف يحلّها الحلاّل .

ـ إلى الصيف فرج .

شربوا الشاي ، الذي قليلاً ما يصنعه أهل القرية والقرى المجاورة ، إلا للمريض أو الضيف . خفّت الرياح وتوقف البرق والرعد والمطر ، عادوا إلى بيوتهم عبر الأزقّة الموحلة بحذر خوف التزحلق ، على ثقة بأن إبراهيم ما أن تزول رضوض ساقه ، حتى ينفذ فكرته في بناء بيت جديد في أرض "نصار" .

بعد شهور حلّ الربيع فازدانت الأرض بأعواد القمح والشعير الخضراء النامية ، وتفتحت الأزهار البريّة على جوانب الحقول والكروم ، بألوانها الزاهية الحمراء والصفراء والبيضاء ، النسمات تداعب الأغصان في تؤدة ، فتميس الأعواد مع كل هبّة وتتـثـنى ، الشمس غرّبت تتوارى عن أبواب البيوت وسطوحها حين أقبل تسيمح طبيب "الكبانيّة" لعلاج أحد المرضى ، وبعد أن فحصه طمأن الموجودين ، وعرّج بعدها على الديوان كعادته ، ربط فرسه ، وجلس يشرب القهوة السادة ، معرباً أمام الحضور عن قلقه لأن التبن عنده أوشك أن ينفد ، فعرض أحد الجالسين :

ـ أنا أعطيك حِمل تبن .

قال تسيمح غير مصدق :

ـ أنت ؟!

ـ أنا . جرب . أرسل أيّ شخص من طرفك وأنا أعطيه .

ردّ تسيمح على الفور :

ـ مقبول منك .

في اليوم التالي أرسل واحداً من رجال القرية العاملين في الكبانيّة ، ليأخذ التبن من عبد العزيز المنصور الذي قام بنقل التبن على جَمله مع الرجل ، ولمّا رآهما الطبيب دُهـش من أن عربياً يمكن أن يفي بوعده .

أهل القرية والقرى المجاورة يعملون في الكبانية ، في الزراعة وتربية الحيوانات ، ونشأت بينهم وبين السكان علاقات بيع وشراء ، اشترى أهل القرية الأبقار من الفلاحين اليهود ، الذين امتازوا بتربيتها ، وفي المواسم كانوا يبيعون لهم ويشترون منهم ما يحتاجونه، وعندما تمّ إنشاء المطحنة في الكبانية صار الناس يأتون إليها من القرية والقرى المجاورة للطحن ، وسمّاها الأهالي مطحنة غزال باسم صاحبها اليهودي ، بعض المرضى من القرية والقرى المجاورة كانوا يذهبون إلى تسيمح ليعالجهم ، لم يحدث خلاف بين العرب واليهود في هذا المكان . إمام القرية يقول : "السبب لأن عددهم قليل" ، في حين كانت نظرة الأهالي أنهم مهاجرون أتوا للبحث عن لقمة العيش . فكانت العلاقات بينهم عادية ، يحكمها البيع والشراء ، العمل والمصلحة ، إلا أن الأهالي لاحظوا ازدياد بيوت الكبانية وسكانها يتزايدون شهراً بعد شهر ، حتى صارت تربو على الثلاثين بيتاً .

وفي إحدى الأمسيات الحارة من شهر آب ، النساء يجلسن أمام بيوتهن ، والرجال يتحلقون في الجرون ، يتسامرون في هذه الليلة الصيفية الطويلة ، ومنهم من أمضى أوّل الأمسية في حاكورته أو كرمه قبل أن يحضر إلى مجلس الرجال في الجرن ، وبعضهم انتشروا في الخلاء يتلمسون النسمات الرطبة ، هرباً من ضيق البيوت ، أما الشباب فملعبهم وحلقاتهم ساحات القرية ؛ بعد أن انتهى موسم الحصيدة ، ونقلت الغلال إلى البيوت ، وخزّنت الحبوب في الخوابي .

الأنس يلفّ القرية ، الحكايات تدور بين حلقات الناس في حميميّة وسرور ، لم يفسد هذا الجوّ الإنساني ، إلا أصوات رشقات رصاص متقطّعة ، تفاجأوا وانتتروا من مجالسهم وحلقاتهم ودواوينهم وحواكيرهم وكرومهم ، محاولين التعرف على مصدر الطلقات ، بهتوا عندما اكتشفوا أن الأصوات تأتي من جهة الكبانيّة ، أصوات الطلقات متقطعة ، أحياناً رشقات ، وأحياناً طلقة طلقة ، ثمّ ساد صمت عميق وطويل ، أعقبه ظهور أنوار عربات ، تطلّع الناس في وجوه بعضهم البعض يستطلعون الأمر ، لم يكن أحد منهم يملك جواباً على ما يسمع ويرى ، داروا حول الجرون ، صعدوا فوق أسطح البيوت ، تسلّقوا الأشجار العالية ، ومنهم من توجّه مسرعاً خارج القرية ، حيث الأرض المشاع التي تكشف الكبانيّة ، عادت الأصوات تئزّ في الفضاء جمراً متوهجاً ، ما الحكاية ؟! ماذا يجري ؟! قال جبر : "هل عادت الحرب بين الإنجليز والترك من جديد ؟!" . ومنى نفسه برؤية بدر الدين وزيارة إستنبول . والبعض قدّر أنها تدريبات لجنود الإنجليز ، واستبعدوا أن يكون اليهود هم الذين يطلقون ، لم يحدث مثل هذا قبل الآن ، في حين أكدّ بعض التجار الذين كانوا في الكبانيّة هذا النهار أنها خالية من الإنجليز ، وعليه فالرصاص من سكان الكبانيّة ، توجّه البعض خارج حدود القرية ، جبر أوّل المستطلعين ، عَبَرَ الوادي ، رأى حركة غير عادية للعربات جهة الكبانيّة ، تأكد من مصدر الطلقات ، ولمّا عاد بهذه الأخبار فاجأ الجميع ، ولم يستطع الأهالي فهم ما يدور .

بعد صلاة العشاء بساعات ، توقفت الطلقات وساد هدوء ، ظلّت التخوّفات والتساؤلات قائمة ، حتى الذين زاروا يافا قبل أيام لم يقدموا تفسيراً معقولاً لمظاهرات يافا ، ولم يوضّحوا أسبابها ، سوى أن العلاقة في المدينة بين العرب من ناحية ، واليهود والإنجليز من ناحية أخرى متوترة ، جزارو القرية الذين اشتروا ظهر اليوم بعض الأبقار من الكبانيّة ، أفادوا لمّا سألهم الناس عن تفسير ما يجري ، أنهم لم يروا ما يثير الريبة حتى ساعة مغادرتهم بعد العصر ، وأن رجال الشرطة العرب المسلحين يقومون بالحراسة حول الكبانيّة كالمعتاد .

سهر الناس على قلق حتى منتصف الّليل ، تَوَقف الإطلاق لم يُطَمْئْنهم ، ولم يُهَدّئ روعهم ، انفرط عقد الجماعات والحلقات والمجالس ، ودخل الرجال إلى بيوتهم واجمين ، ناموا تعباً ، ونفثت جدران الطين على جلودهم هواء مُبرّداً ، َصمتُ الّليل يغطي الحقول والمزارع والحواكير .

أفاقوا عند الفجر على صوت خليل الحمدان الذي صار مؤذن القرية بعد وفاة الشيخ سلامة ، يتصاعد من فوق سطح جامع أبو ياسين وهـو يُذكّر .. سبحان من أصبح الصباح .. سبحان العزيز الفتاح ..

لا أحد في القرية يعرف لماذا سُمي جامع أبو ياسين بهذا الاسم ، تكاثرت الروايات حول التسمية ؛ بعضهم قال إن المكان قبل أن يكون جامعاً كان بيتاً لشيخ يسمى أبو ياسين ، وتعجّب الناس من أنهم لم يروا ياسين هذا أبداً ، وكان الناس يجتمعون فيه للصلاة ويقوم بإمامتهم ، ولمّا ماتت زوجته لم يروا له خلفًا ، فمكث دون زواج ، حتى شارف على الخامسة والستين ، وفي يوم بعد صلاة الجمعة ، قال للناس :

ـ بعد وفاتي يكون بيتي جامعاً للقرية .

شكروا فضله ، ودعوا له بالرحمة والجنة . وبعضهم قال إن أبو ياسين هذا شيخ أَذّن وأَمّ الناس للصلاة قبل خليل الحمدان وقبل الشيخ سلامة ، درس في الأزهر ثلاث سنوات ، وعاد إليهم بملابس المشيخة ، لبس العمامة والقـفطان والسروال ، وأنجبت زوجته طفلاً سماه ياسين ، فناداه أهل القرية بهذا الاسم ، لكن الطفل مات أيام الطاعون ولم ينجب غيره بعد ذلك .

تململ المفيقون على صوت المؤذن ، لم ينالوا حظّهم من الراحة هذه الّليلة ، منهم من ترك فراشه للوضوء والصلاة ، ومنهم من عاد للنوم ، وبعد صموت المؤذن بساعة دبّت الحركة والحياة في القرية ، غادر كثيرون إلى حقولهم وحواكيرهم ، سقطت حزم النور الآتية من الصباح الجديد ، وانتقلت مع الأهالي إشاعات كثيرة حول رصاص الّليلة الفائتة ، لم تتوفر أجوبة على الاستفسارات الكثيرة التي ترددت في البيوت والحقول ، ولم يتم سماع أيّ نبأ جديد هذا النهار حتى صلاة العصر ، بعد الصلاة تغيّر الحال وصار اليوم غير أيام القرية الرتيبة ، تفاجأ الناس بقدوم رجل من مدينة المجدل القريبة ، أخذ يتحدث إلى الأهالي عن الإنجليز واليهود ، ولمّا تجمّع عدد كبير من الناس على صوته ، وقف بجوار بئر الماء الوحيد في القرية ، صعد درجات البئر حاملاً صحيفة معه يظلّل بها رأسه من الحرّ ، وقف على الجدار المحيط بالبركة التي يتجمع فيها ماء البئر ، أشرف على الساحة ، التفّ المتجمهرون حوله يستطلعون الخبر ، عقل أبو محمد المكحل وقف يتفرج في ظل زقاق يشرف على الساحة ، هتف الخطيب بهم : " يا أهل بيت دراس ، قبل شهور انعقد مؤتمر إسلامي في القدس ، لأن اليهود يحاولون السيطرة على منطقة البراق في المسجد الأقصى ، المكان الذي نزل فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام قبل أن يصعد إلى السماء في رحلة الإسراء ، وهذا المؤتمر الإسلامي رفض أن يعطي اليهود أيّ حق في هذا المكان ، لأنه ليس لهم حق فيه ، ووزير المستعمرات البريطاني أرسل لجنة تحقيق استمرّت شهراً سمعت كلام العرب وكلام اليهود ، وأقرّت حقّ العرب وأن يبقى الوضع كما هو عليه ، لكن اليهود تحدوا قرار اللجنة ، وبدأوا يعملون ضدّ مصلحة العرب ، فعملوا شركة استثمار البحر الميت لاستخراج الأملاح المعدنية ، أخذوا حق الامتياز قبل شهرين ، ووقّع العقد في لندن وكلاء التاج البريطاني نيابة عن حكومة فلسطين وشرق الأردن ، ووقّع الإنجليز العقد مع اثنين من رجال الأعمال اليهود ، واحد اسمه نوفومسكي والثاني تولوخ ، وسموا الشركة "شركة البوتاس الفلسطينية" ، اليهود الآن يشترون الأراضي من سماسرة الأرض بكل ثمن ، واليوم لا بدّ أن نعرف أن كل سمسار يبيع الأرض لليهود والإنجليز خائن للوطن والدين ، الثورة والمظاهرات مشتعلة في القدس ونابلس ويافا والخليل وكل فلسطين ، ضدّ الحكومة الإنجليزية ، وضدّ أن تكون بلادنا وطناً لليهود ، يأخذون أرضنا ، ويهتكون عرضنا ، يا أهل بيت دراس ، يا أهل النخوة والرجولة ، اليوم يومكم ، يوم الرجال ، وأنا سمعت أن الّليلة كان في الكبانيّة صوت رصاص ، وحركة غير عادية .. السكوت ما عاد منه فائدة . من اليوم ما في سكوت .. فكرنا أنهم لاجئون غلابه ومساكين ، يزرعون ويأكلون ويعيشون مثلنا مثلهم ، وكلنا أولاد آدم وحواء .. لكن الظاهر "الدار دار أبونا أجوا الغُرب يطردونا" .

***