ـ 4 ـ
نزل الخطيب من مكانه ، وسّع له الناس ، كاد يصطدم بـ "قوب" البئر لولا أن تداركوه وأفسحوا له ، نزل الكلام فوق رءوسهم نزول الجمر ، اشتعلت جوانحهم ، ماج الناس ، سرت همهمات وكلام كثير ، جاهر الواقفون بآرائهم ، وظلّت الرجال بعد الخطبة تنغل في المكان ، تصل من كل الدروب والحواري ، حتى طفحت الساحة ، لم يستطع أحد وقف سيل التساؤلات والاستفسارات ، كل إجابة تصبّ نفطاً فوق نارهم فيزداد استعار الصدور ، أطلّت النسوة والصبايا من أماكن عديدة وساد بينهن لغط شديد ، هرول الشباب والأولاد من كل الأزقّة إلى المكان ، حضر المخاتـير فالتفّ الناس حولهم سائلين ما العمل ؟ لم يعرف أحد منهم ما العمل . خطاب البئر أزاح غمامة الأعين ، وغلاف الانفعال ، وأوجع الذاكرة . قفز صوت جبر المنصور من وسط الأصوات :
ـ تريدون أن ننتظر حتى يأخذوا أرضنا ويهتكوا عرضنا !! أنا رايح .. أين الشباب ؟! أين الرجال ؟! أين النبابيت ؟! هاتوا نبابيتكم والحقوني عند الوادي .
لم ينتظر سماع ردّهم ، سحب نبوته وشدّ عصابة فوق رأسه ، اتّجه إلى الكبانيّة قاطعاً الموارس والأراضي ، شاهد الرجال يخرجون من الحواري والأزقّة بنبابيتهم ، تدفّقوا من كل الحارات يهرولون وراءه وهم يستحضرون صور أولادهم ، بناتهم ، نسائهم ، عجائزهم ، أرضهم ، حواكيرهم ، وأشجار التين والزيتون ، لم يبق غنيُّ ، ولا فقيرٌ إلا خرج ، الذين لا يملكون أرضاً في القرية كانوا أوّل الخارجين ، حتى الذين يُعدّون في القرية من الطارئين عليها والذين أتوا من بلادهم وقراهم سعياً للرزق ، أحبّوا القرية وعاشوا مع ناسها ، خرجوا بنبابيتهم . وخرجتْ معهم بركات الأولياء والصالحين في القرية ، مقام "النبي صالح" ، "النبي إدريس" ، "العجمي" ، "رجال الأربعين" ، ومقام "البردغاوي" .
الأولياء يحرسونهم ويرشّون الكرامات في دروبهم .. كلما تقدموا استشعروا ظلال الأولياء في المقدمة تسبقهم بثياب بيض وخضر وخيول مجنّحة ، وروائح عطرة لا تضاهيها أيّة روائح ، مئات الرجال والشباب اندفعوا فوجاً واحداً ، واندفعت معهم بعض النساء ، وَقْع أقدامهم يثير غباراً يلفّ مسيرتهم ، يعلو مع هبّات العصر فوق الرءوس ، قطعوا الوادي وساروا ، عيونهم مصوّبة إلى الأمام ، يُغذّون الخطا ، قلوبهم تضخّ ، أرواحهم تسابقهم ، لم يتخلف في القرية إلا العجزة ، والمرضى ، والعميان ، والمقعدون ، والذين حين عرفوا الخبر من زوجاتهم ؛ أقبلوا على التسبيح والتهليل والدعاء ، والاستنجاد بالقويّ الناصر ، وبالرسول صلى الله عليه وسلم ، وكل في حارته يستنجد ويستغيث بصاحب المقام الذي اعتاد زيارته . زحفوا ، يتوّجهم ويملأ أنوفهم غبار الطريق ، يسكن العزم قسماتهم ، التفّوا حول الأسلاك ، الأرض مكشوفة لهم وعليهم ، اقتربوا من الأسلاك ، فحاول الحراس أن يثنوهم عن التقدم دون جدوى ، شُرّعت أفواه البنادق من النوافذ والسطوح والفرجات ، ونافذة عيادة الكبانيّة . من حظيرة الأبقار ، وكوّة بئر الماء ، مع ذلك واصل الأهالي الاقتراب ، فسقطت الطلقات وأصابت بعضهم ، تراجعوا يداوون جرحاهم ، ثمّ عاودوا الكرّة ، وبدأ أصحاب البنادق في الكوّات والزوايا لعبة القنص ، وحارب النبوت البارودة ، فقتل عدد من الأهالي ، وسقط جرحى آخرون .
مرأى الجرحى والقتلى من الرصاص المنطلق من نافذة العيادة ، كان كافياً لأن يتسلّل إلى تلك الزاوية ، أحد حراس الكبانيّة من الشرطة العرب العاملين مع حكومة الانتداب ، إلى حيث اختبأ الطبيب تسيمح واستخدمها للقنص ، ليوقف الشرطي بطلقة واحدة مفاجئة عمل الطبيب المشين بقنص الأهالي وقتلهم أو جرحهم دون رحمة ، رغم أنه كان في مكان حصين وبمنأى عن الخطر . أيقن الأهالي بعد سقوط القتلى والجرحى مدى فاعلية الرصاص وتفوّقه على النبوت ، توقفوا ، تراجعوا عن مرمى النيران . صمت الإطلاق بعد أن اطمأنّ المطلقون إلى تراجع الأهالي ومرور غضبهم بسلام .
بعد صلاة المغرب أرخى الّليل سدوله على المكان . هدأت الأصوات . بدا كأن الأشياء تعود إلى طبيعتها ، لكن الأهالي عندما اكتشفوا الحجم الكبير لأعداد القتلى والجرحى ، عادوا في عتمة الّليل ، اقتحموا المكان ونهبوه ، لم يتركوا شيئاً يمكن أخذه إلا أخذوه ، وهدّموا أجزاء واسعة من الكبانيّة ، صار الرصاص يمرّ في الظلام دون هدف ، الرؤية محدودة ، أصيب بعض الأهالي ، لكنهم عند تراجعهم هذه المرّة تركوا المكان شبه خارب ، إلا من التفاف أصحاب البنادق في زاوية واحدة ، في بيتين هما آخر المعاقل ، إذ تحصنوا وراء وابل مستمر من الإطلاق ، ولما ظهرت أنوار عربات الإنجليز العسكريّة قادمة من بعيد شعر الأهالي بالخطر ، فأسرعوا ينسحبون من المكان ، واهتموا بنقل جرحاهم إلى المجدل للعلاج .
هدأت الأصوات في كل الجهات ، الكشافات تغدو وتروح في الأفق الشرقي فوق المرتفع تمشط المكان . أنوار العربات لم تنقطع . وفي القرية توجّه الناس لدفن القتلى ، خرج الشيخ فهد والشيخ خميس الزين بأعلام ورايات الطريقة الصوفيّة ، علا دق الطبول ، ارتفع السنجق ، داروا في حواري القرية على مقامات الأولياء ، تماماً كما يفعلان كل عام في موسم خميس المنطار ، يخرجان مع المريدين لزيارة مقام أبو الكاس في الشجاعية ، فيودعهم الأهالي بالغناء والمدائح ، يسيرون معهم حتى "جورة المودعين".
ـ إكرام الميت دفنه .
قال الشيخ خميس . أما الشيخ حسن عبد الواحد الذي كان يأتي من "القسطينة" ليخطب في جامع القرية يوم الجمعة فقال :
ـ الشهداء لا يُغَسّلون ويتم دفنهم بدمائهم .
سألوه عن السبب ، فأجابهم :
ـ يُبعثون يوم القيامة بجراحهم ودمائهم تتضوّع منها رائحة المسك .
قالوا :
ـ ما معنى تتضوّع يا شيخ حسن ؟
قال :
ـ ينتشر . يعني يملأ الجو رائحة طيبة ذكية ، وفي رواية أخرى ...
وقبل أن يكمل روايته هتف المختار متعجلاً :
ـ يوم الجمعة .. الشرح يوم الجمعة .. في الخطبة يا شيخ حسن ، عتّمت الدنيا .. وإكرام الميت دفنه .
ـ معك حق .. معك حق يا مختار .
رفع المريدون ورجال الطريقة الأعلام الخضراء والبيضاء ، تساوت الألوان في شحوب الّليل ، اختفت التطاريز والنقوش عن الرايات . وحين سار الموكب ، لم يبق قادر على المشي وراء الجنازة إلا ومشى ، وكلما انتهى المشيعون إلى ساحة توقفوا ، سبّحوا ، وحوقلوا ، وهلّلوا ، وكلما وصلوا مقاماً صاح صوت .. اذكروا الّله .. وهتف الشيخ فهد "وحدوا الحي الذي لا يموت" . وصلوا مقبرة القرية . تذكّر جبر المنصور دخوله المقبرة قبل سنوات ، عندما لم يتجرأ الشباب على دخولها تلك الّليلة إلا بصحبته ، وها هو يراهم يدخلون مع الداخلين ، تمتم في نفسه "من لا يدخلها حياً يدخلها ميتاً .. ومن لا يدخلها حاملاً يدخلها محمولاً" . ألجمت المكان والحاضرين صرخة الشيخ خميس : "سبحان من قهر عباده بالموت .. اذكروا الله" .
لم يخف أحد منهم ، وخاض الّليلة تجربة الدخول إلى المقبرة شباب ورجال ما كان يتسنى لهم ذلك ـ ولو أرادوا ـ في غير هذا التجمع الكبير الذي أنساهم هواجسهم ومخاوفهم . أتموا الدفن ، وحين عادوا هدأت الأصوات ، مشى الرجال حاني رءوسهم ، مأخوذين برهبة الموت ، واكتشاف العلاقة الجديدة بين الكبانيّة والمقبرة .
تفّرقوا إلى مهاجعهم ، ناموا على وجع ، وفقر ، ورجولة أصيلة ، وتساؤلات لا يعرفون إجابات عليها ، أهمها أن خطيب اليوم ـ الذي استحقّ منهم بعد كلماته الحماسية هذا اليوم لقب خطيب البئر ـ اختفى ولم يره أحد ساعة المواجهة .
استيقظ الناس لصلاة الفجر ، لم يستطع أحد منهم التوجّه إلى جامع القرية ، ولم يتمكنوا من مغادرة بيوتهم إلى الحواكير والموارس ، عربات الإنجليز وصلت أطراف القرية .. وهديرها تجاوز الجرون ، جنود كثيرون أحاطوا مداخل القرية فأُرغم الأهالي على البقاء في بيوتهم ، سقطت أولى حزم الشمس على البيوت والأشجار والحقول ، الخبر ملأ البيوت ، الجرون ، الدواوين ، الأزقّة ، الحواري ، وعرف الأهالي أنهم محاصرون مع طيورهم وحيواناتهم .
نادى المنادي في الحواري .. "يا أهل بيت دراس .. اخرجوا من بيوتكم إلى جرن دار الحمدان .. بأمر المندوب السامي قوات الانتداب تأمركم بالخروج من غير تأخير .. المخالف جزاؤه الحبس .. والحاضر يُعلم الغايب .. يا أهل بيت دراس .. اخرجوا .. "
خرج الناس رجالاً ونساء وأطفالاً إلى جرن دار الحمدان الغربي الواسع ، وحين تجمّعوا بدأ الجنود يفتشون البيوت ، تحدث القائد الإنجليزي مع المختار ، وطلب منه إبلاغ الأهالي بأن كل من أخذ شيئاً من الكبانيّة عليه أن يعيده الآن ، يضعه في ساحة الجرن وعليه الأمان . خاف الناس من التفتيش . القائد طمأن المختار على سلامة الجميع ، والمختار طمأن الأهالي بناء على وعد القائد ، فهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها أمرٌ كهذا ، ذهب كل من أخذ شيئاً إلى بيته ليعيده ، أعادوا الحبوب ، الخيول ، الأبقار ، حتى الطيور ، نظر البعض إلى جبر الذي تجاهل الخروج لإعادة البقرات الثلاث التي جلبها ليلاً وضمها إلى بقرتيه ، الرجال يعرفون شجاعة جبر وجرأته ورباطة جأشه ، إذ أن آخر ما يفكر فيه الخوف ، فتّش الجنود البيوت، ضبطوا البقرات في الحظيرة ، سألوا عن صاحب البيت ، فقام من بين الرجال .
ربط الجنود عينيه ، سألوه عن البقرات فقال إنها ملكه ، اشتراها بماله ، سأل القائد المختار عن صحة الأمر ، قال : كل أهل القرية يعرفون أن عنده بقر لكن لا نعرف عددها ، أو إن كانت هي هذه . سمع الحديث أحد مرافقي القائد من سكان الكبانيّة ، فذهب مع الجنود إلى البيت وتعرّف على البقرات ، سحبها من البيت إلى ساحة الجرن ، تفاجأ الجميع وصمتوا . وعرفوا أن بعض سكان الكبانيّة أتوا مع الجنود .. أجلسوه جانباً ، وحين انتهى التفتيش أخذوا كل من أحضر شيئاً إلى عربة شحن كبيرة وضعوهم فيها ، وجبر معصوب العينين معهم . ووضعوا في شاحنة أخرى كل ما جمعوه من القرية ، وحين بدأوا في ترك القرية لم تنجح كل محاولات المختار للإفراج عنهم كما وعده القائد ، وحين جادله وذكّره بوعده بالأمان للأهالي ، دفعه القائد بقوة ، وقع المختار على الأرض ، فهرع الرجال إليه يساعدونه على النهوض . غادرت عربات الإنجليز المكان ، وفي مقدمتهم بعض سكان الكبانيّة يقودون الدواب .
بعد أقل من أسبوع صدرت الأحكام على رجال القرية ، ويوم ذهب عبد العزيز المنصور لزيارة جبر لأوّل مرّة في معتقل صرفند بعد الحكم عليه ، يومها جاء حمد الراضي إلى القرية ، وحين نزل في ديوان المختار محمود الصالحي لم يلحظ وجود كثير من أصحابه الذين كانوا يسارعون للترحيب به ، وكان قد عرف قبل حضوره أن أحداثاً كبيرة دارت في القرية ، لكنه لم يتوقع هذا العدد من المعتقلين ، أخبرهم أن الاعتقال لعدة أشهر أمر بسيط إذا ما قورن بحكم الإعدام الذي تم تنفيذه في الثوار الثلاثة عطا الزير ، ومحمد جمجوم ، وفؤاد حجازي . وطلب من المختار أن يساعده في إيجاد عدد من الفلاحين للعمل في الأرض الجديدة التي اشتراها وضمها إلى أرضه في القرية ، والحقيقة أن جزءاً من هذه الأرض المشتراة لم يقبض أصحابها نقوداً تذكر ثمناً لها ، إذ جرت العادة عند فلاحي القرى الفقراء الذين يريدون التخلص من دفع الضرائب للأتراك والإنجليز ، أن يبيعوا أراضيهم أو جزءاً منها ولو بثمن بخـس ، لتسديد ضرائبها ، والحصول على قليل من المال ، ويتمّ نقل الملكية ، وبعدها وجبة غداء في مطعم متواضع في المدينة ، وثوب جديد يُشترى بعد كتابة العقد ، وإكمال الإجراءات في دائرة الطابو في غزة .
***