_ 1 _
ستار كثيف من الغشاوة متكوّن أمامي .. ليسَ باستطاعتي النفاذ منه .. فقط هي صورة مشوشة تومض .. وكأني غارق في دوامة مفاجئة .. فتحتُ عينيّ .. أشباح حولي .. ليستْ لديّ القدرة على تمييز أحدهم .. أغلقتهما ثانيةً . أسمع أصواتاً تتحدث ، ما يشبه الصخب ، لكنها مبهمة .. ما هذا ؟ أينَ أنا ؟!
وفجأةً شعرتُ بكفين تحتضنان ذراعيّ وتنتقلان إلى رأسي ، إلى شعري .. وشعرتُ بشفاهٍ تُقبل فمي وخديّ وعينيّ .. تلثم كلّ وجهي . أفتح عينيّ .. أحاول جاهداً أن أتذكر شيئاً ، أي شيء .. لكن لا جدوى ! فأغلقهما ، سمعتُ أول كلمة بوضوح " راغب " .
أُركز على هذا اللفظ ، قد يفتح لي شقاً صغيراً أستطيع أن أنفذ منه إلى الوعي .. وأسمعها مرة أخرى :
_ راغب .. راغب حبيبي .. راغب .
سمعتها هذه المرة بشجن .. وتداخل صوت آخر :
_ أرجوك بهدوء .. دعهُ الآن !
فتحتُ عينيّ لأتبين .. ثبتت نظراتي على وجهٍ قبالتي .. شيء ما يشدني إليه .. شعرتُ منه بأن الوعي قد قدح .. رأيت ما يلمع كضوءِ سراجٍ صغير .. بدأ النور يزداد .. يزداد .. يتسع أكثر في ذاكرتي ، فنطقت بصعوبة : _ مصطفى .
_ نعم .. نعم .. أنا مصطفى .. أخوك .. أرجوك .. قُمْ يا راغب .. قم .. لا تغب ثانيةً في اللاوعي ، فأنا بحاجةٍ إليك .
وأجهشَ بالبكاء على صدري .. شعرتُ بِمَن يسحبهُ .. وسمعتُ صوتاً يُهدئه .
حاولت أن أنهض .. ووجدتُ مَن يساعدني في ذلك .. جلست في تلك اللحظة أحسست وكأن الأرض تخسف بي ، ولا أدري أية دهاليز مظلمة تسحبني .. وغرقت في دوامة جديدة .. أغمضتُ عينيّ مرة أخرى قد أستطيع التركيز أكثر .. وأفتحهما .. يقابلني وجهه .. ما أن رأيتُ دموعه ، حتى شعرتُ بأني أريد أن أندفع إليه ، أن آخذه بين ذراعيّ وأُقبل رأسه .. تقدم نحوي .. وحضنني بقوة .. لا أعرف كم استغرقنا في ذلك .. كل مَنْ حولنا كان يبكي .. بدأت أسمع بوضوح .. وأستوعب شيئاً فشيئاً .
الغرفة مليئة ، مزدحمة بالناس .. ومن أرديتهم البيضاء عرفت أني في مستشفى .. وتقدم أحدهم نحونا .. يبدو بأنهُ أكبرهم سناً .. هنأني أولاً .. وقبلني في جبيني .. وهنأ أخي .. ووجه كلامه لمصطفى :
_ الحمد لله .. انتهت الحالة .. وسيبقى راغب معنا لأيام إلى أن تستقر حالته الصحية .. وبعدها سيغادرنا ..
وربت على كتفي .. وواصل كلامه مُمازحاً :
_ ومع ألف سلامة !