_ 4 _

6 0 00

_ 4 _

غادرت المستشفى بعد أيام مع أخي وابن عمي عدنان .. لأبدأ الحياة بعمرٍ جديد .. ركبت السيارة بجانب مصطفى ..

كنتُ أنظر من النافذة متعجباً كبدوي يحل بالمدينة لأول مرة ! كل شيء قد تغير .. المباني .. الشوارع .. كل شيء .. وحتى الناس بملابسهم وتسريحاتهم الجديدة .. نظرت إلى أخي .. قَصَة شعره مدفوعة إلى الوراء .. ابتسمت مع نفسي .. وفجأة باغتني بقوله :

_ فلنتنزه قليلاً ، ألم تَشُقْكَ بغداد ؟

سعدت لأن المعالم الرئيسية في بغداد لم تتغير .. والتغيير حصل في التفاصيل الصغيرة فقط .. وكُنا وصلنا حينها إلى ساحة التحرير ( نصب الحرية ) قلب بغداد _ كما أظن _ قلت له :

_ درّ بنا حول الساحة .

وفي كلّ دورة كنت أرى جواد سليم يلوح لي بيده !

_ لنعد إلى البيت .. فلي شوق كبير لأمي ولحنان .. فمازحني قائلاً :

_ فقط . وأكمل :

_ نحن في الطريق إليه .

فقلت باستغراب :

_ هذا الطريق لا يؤدي إلى منطقتنا .

_ لقد انتقلنا إلى زيونة _ حي الضباط .

_ لماذا ؟

لم يجبني .. وأوقف السيارة أمام بيتٍ كبير ذي بوابةٍ سوداء ! دخلت البيت .. عيناي تمسحان المكان تبحثان عن أمي بين الحضور .. تمنيت أن أجدها لأرتمي بين أحضانها .. استقبلتني سيدة جميلة بحفاوة .. عرفتُ فيما بعد بأنها زوجة أخي . شعرتهُ موحشاً .. صحراء وتهت فيها .. تقدمَ نحوي طفلٌ رائع ، قبلني بقوة كأنه يعرفني منذ سنين .. لم أسأل أينَ هم .. لأني كنت أتوقع أن أراهم أمامي .. وخاب ظني ! فقال ابن عمي ليضفي على الجو بعض المرح ، وربما لأنه شعر بما أفكر به :

_ زوجة عمي عند ابنة عمي في البصرة وستعود قريباً .

_ أيعقل ؟!

_ حقك .. فأنت لا تدري بأن حنان قد تزوجت في البصرة وأنها الآن تستقبل مولودها الأول .

لم أُصدق ما يقولهُ رغم محاولته في أن يكون طبيعياً بكلامه .

قضينا الوقت إلى المساء معاً .. تناولنا عشاءنا واستحممت .. ولا أدري لِمَ شعرت بالغربة !

دلني مصطفى إلى غرفتي .. لم يكن فيها أي شيء مما تركته سوى صورتي المعلقة في صدر الغرفة . السرير ليسَ بذاك السرير ولا الستائر ولا الشراشف .. وأحسست بأني دخلت غرفة فندق وليسَ غرفتي ! ربما شَعر مصطفى بما راودني فقال :

_ لأتركك تستريح ..

فقلت بغضب :

_ ألا يكفي اني استرحت عشر سنين .. مصطفى .. بيتنا ينقصهُ ثلاثة .. وأهم ثلاثة .. أُمي .. حنان .. وفاء .. لا تتصور بأني اقتنعت بالتمثيلية التي أعدها عدنان .

لم يرد .. بقي صامتاً مثل تمثال نُصب في زمن الأبدية . فأكملت :

_ ما الأمر ؟ .. أرجوك مصطفى .. لا تزد من عذابي .. أنت لا تعرف بأن صورتك يؤطرها إطار أسود رغم السعادة التي تحاول أن تظهرها .. عيناك حزينتان .. مليئتان بالدموع ومنذ أول لحظة رأيتك فيها .. وكأنهما مرساة غرقت فيهما ألف سفينة !

قلت كلماتي بكل ما في قلبي من ألم وحزن .. وما أن توقفت حتى اندفع نحوي .. احتضنني بقوة وبكى .. بكاؤه كان دليلاً واضحاً بأن ما يخبئه عني أمرٌ خطير !

وشاح أسود غطى جسد ليلتي الأولى في بيتي ، فأي عمر جديد يستقبلني !