_ 3 _

9 0 00

_ 3 _

بقيت كلمات مصطفى تراود مخيلتي .. تغيب لتظهر .. ولأول مرة بدأت أستعيد صورته .. لقد تغيرت .. أو هكذا يبدو لي .. وفي زحمة الأفكار .. دخل عليّ الدكتور خالد ثانيةً ليقطعها .. وما أن أطبق الباب حتى التفت نحوي وابتسم :

_ سنسهر معاً الليلة .. هل تسمح ؟

لم أنطق .. أجبت بابتسامة .. ربما خوفاً .. لكن ، الخوف من ماذا وأي شيء ؟!

_ أتعرف منذ متى وأنا أعرفك ؟!

أردت أن أقول له : _ منذ أيام طبعاً ، فأكمل قبل أن أرد عليه :

_ منذ ست سنوات .

_ وأين ؟

_ هنا .. وفي هذه الغرفة .

سأحكي لك حكايتك .. وما عليك إلاّ أن تصغي إليّ لتتبين أمرك بعدها ، وليكون باستطاعتك الخروج من هذه الدوامة التي تشكلت حولك .

صمت قليلاً .. وأخرجَ سيكارة من العلبة .. وأشعلها .. ثم سحبَ نفساً عميقاً منها ، نهض من الكرسي ومشى ببطء نحو النافذة .. وواصل حديثه بنبرةٍ حزينة :

_ سأحكي لك حكاية هي أغرب من الخيال لكل مَن يسمعها .. لكنها حدثت فعلاً وأصبحت أمراً واقعاً .. وكم من الواقع يضاهي _ حتى _ الخيال ؟!

لم يلتفت ، استمر بالسرد :

_ قبل عشر سنوات من الآن وبعد هجوم عنيف وقعتَ أسيراً مع مَنْ بقي من أفراد كتيبتك .. كنتم خمسة .. وبدلاً من أن يأخذونكم معهم أمر الآمر بإعدامكم .. هكذا وبكل قسوة .. وكأنكم طيور قد اصطادها ! وخلافاً لكل الأعراف والدساتير .. يطلق الرصاص .. والخمسة يسقطون .. وأنت معهم .. لكنك ، ومن حُسنِ حظك لم تمت .. بل حتى أن الرصاصة لم تصبك !

ويتركونكم في العراء ويغادرون بلا رحمة ولا إنسانية .. ويأتي الجيش العراقي لعملية الإخلاء ويجدونك حياً بينهم ، لكنك لا تعي من الحياة شيئاً .. تُنقل إلى الخلفيات .. ومن بعدها إلى هنا ! كُنتَ حالة نادرة جداً فأخذتَ حيزاً كبيراً من الاهتمام . والذي تولى علاجك أول الأمر الدكتور فوزي رحمه الله .. الدكتور فوزي كان أباً لسبع بنات وولد واحد .. اسمهُ حيدر . وهذا الولد كان من ضمن الخمسة الذين أُعدموا وأنت معهم .. يا للصدفة ويا للقدر الذي جمعكما ! ابنه استشهد وأنت حي .. حي بالروح فقط .. حاول معك .. وبكل طرق العلاج .. ولم يفد ! .. فقد دخلت الغيبوبة ( Coma ) كما تُسمى طبياً وعلمياً . وتبقى في المستشفى ويتولى الدكتور فوزي رعايتك .. وكأن الله عوضه بك غياب ابنه الوحيد . ولولا القدر الذي وقع بهذا الشكل لَما بقيتَ على قيد الحياة !

كنتُ أصغي باستغراب لأتوصل إلى نتيجة لِما أنا فيه .. تقدم نحوي .. جلس بجانبي ومدّ يده إلى وجهي .. تحت عينيّ بالضبط ليمسحَ بأنامله دموعاً فرت من مقلتيّ دون أن أدري . وأكمل :

_ وبعد أن انتهت الحرب ..

لم أدعه يكمل حين سمعت هذه الكلمات .. قاطعتهُ بفرحٍ لا يوصف :

_ وهل انتهت ؟ ومتى ؟!

_ نعم انتهت يا راغب .. فمهما طالت الحرب لابد أن تنتهي في يومٍ ما . انتهت بتاريخ جميل جداً .. 8 / 8 / 1988 . كان يوماً غالياً وعزيزاً حُفر بأحرف الأمان والعز في قلوب العراقيين أجمع !

دماء السعادة سرت في شراييني .. نسيت حزني وألمي وغرابة ما أسمع وقلت له : أكمل . استمتاعاً .. وكأني شهريار يسمع بإصغاء لِما ترويه شهرزاد من حكايا ألف ليلةٍ وليلة !

_ عدنا من الجبهة بعد أن انتهت الحرب .. وباشرتُ هنا في أواخر آذار 1989 . ومن أول يوم عرفت حكايتك معه .. رواها لي الدكتور فوزي وبكامل تفاصيلها .. أثرتَ اهتمامي كحالة نادرة .. وبدأت أتابعك من خلاله . كان يحبك وبدرجة لا توصف .. لا يسمع لأحدٍ غيره أن يرعاك .. بنفسه يغير لك زجاجات المصل ، وكل ما تحتاجه من رعاية طبية وبدنية .. وكثيراً ، كثيراً ما ضبطتهُ وهو يناجيك .. يكلمك .. ويبكي على صدرك

أي حبٍ جعله الله في قلبه تجاهك .. وكم مرة قالها لي : _ لو مت راغب أمانة في رقبتك.

صمت برهة ثم واصل بنبرةٍ هادئة :

_ قلب المؤمن دليله .. هكذا يقولون .. هل كان يعلم بأنهُ سيفارقنا ؟! بعد سنةٍ من انتقالي إلى هنا تعرضَ الدكتور فوزي لحادث سيارة .. وافاه الأجل ومات ! يومها _ ولأول مرة _ شعرت بثقل الأمانة ! تمثلت أمامي جملته آلاف المرات " لو مت راغب أمانة في رقبتك " .

وانتقل ذلك الحب إلى قلبي وكأن الله أماته في قلب وأحياه في آخر ! وبدأت أرعاك جدياً وكأنك وليدي !

أتعرف يوم أفقت .. أول مكان قصدته بعد أن غادرتك .. مثواه .. نعم مثواه ! ذهبتُ إليه لأبشره .. وقفت أمام شاهدة قبره .. قلت له وكأني أراه أمامي :

_ راغب استفاق من غيبوبته .. فاق !

أتصدقني لو قلت لك بأني سمعتهُ وشاهدته يهلل فرحاً : " لقد عاد حيدر ، عاد حيدر " !

كان واثقاً بأنك ستعود .. ستعود يوماً ما إلى الحياة !

هذه المرة وجدتُ الدموع في عينيه هو .. فنهضت ولم تخر قواي .. بل وقفت بصلابة .. تحركت .. تراجع إلى الخلف .. مشيت بهدوء نحوه ، فأشر لي بيده .. تقدم .. تعال .. وكأنه أُم فرحة بمشية طفلها لأول مرة ! ووصلت إليه .. حضنني بقوة .. وبكينا !