_ 2 _
أجريت لي فحوصات عديدة وتحليلات وجدوا أنها ضرورية مع اهتمام غير عادي من الكادر الطبي في المستشفى ، كنتُ أُعامل بحفاوة وعناية مركزة وخاصةً من قِبل الأطباء .
في مساء اليوم الثالث ، دخلَ عليّ الدكتور خالد .. فنهضت قليلاً .. جلس على طرف سريري .. وقال بطيبة :
_ لم آتِ لمعاينتك .. بل لأتحدث معك .
فقلت :
_ أهلاً وسهلاً بك .. وفي أي وقت .
_ ما الذي تتذكرهُ بالضبط ؟
_ لا أدري .. صور معينة تومض في فكري ، تبرق للحظة وتغيب .
_ وما هي ؟
_ صور أُمي .. وأُختي حنان .. خطيبتي وفاء .. صديقي عامر .. وأصفاها صورة أُمي ، وحنان أختي .
_ وبعد ؟
_ لا شيء .. ما هناك يا دكتور .. لماذا أنا هنا ؟؟
_ ألديك استعداد للسماع ؟
_ سماع ماذا ؟
_ حكاية الضابط المجند " راغب عبد السلام " !
حين قال " الضابط المجند " تذكرت لحظة الهجوم .. بدأت الصورة بنقطة ، واتسعت .. كبرت أمامي .. صورة النار .. وأزيز الرصاص .. وانفجار القنابل .. وصوت آمر المجموعة وهو يصرخ " شليك كُن " . واختفت الصورة . فصرخت بشكل لا إرادي :
_ لا .. لا .. لا أُريد السماع .
وأغيب في اللاوعي !
في الصباح استيقظت متأخراً .. تأثير المخدر مازال مسيطراً على تفكيري وجسدي .. ويكفي إحساسي بالاستيقاظ لأن تتشكل ألف علامة استفهام في مخيلتي وألف تعجب أخرى تزاحمها .. لكن لا جواب !
بعدها وجدتُ أخي مصطفى جالساً بقربي .. ينظر إليّ ملياً :
_ هل أنت بخير ؟
_ لا أدري !
استعدلت .. حاولتُ أن أنهض لأذهب إلى الحمام .. فتهاوت قواي .. أسندني مصطفى .. فوضعتُ رأسي على كتفه .. وبكيت .. قلت بألم :
_ ماذا حصل ؟
_ لم يحصل أي شيء !
أمرٌ واحد يلح ويتعمق في نفسي ولا أجرؤ _ حتى _ أن أسأل عنه .. كنتُ مستغرباً من كل شيء حولي .. وقبل أن أُبينه بادرني :
_ راغب .. أُريد أن أُوضح لك بأن الزيارة ممنوعة عنك إلى أن تستقر حالتك .. فلا تسألني عن أحد الآن .. اصبر قليلاً وستراهم . جميعهم بانتظارك بعد أيام في البيت ، بالإضافة إلى شخصين آخرين انضما لعائلتنا .. زوجتي فاتن .. وابني راغب .
_ " راغب " ؟!
_ راغب .. عمره سبع سنوات .. ولدٌ لطيف .. أتعرف بأنهُ يشبهك .
_ ومتى تزوجت ومتى رزقت بولد .. ومتى كبر ؟؟؟ ماذا هناك ؟!
وشعرت بأنه يحاول أن يُداري خطأً وقع فيه دون أن يدري ، فأجاب بابتسامة :
_ اني أمزح معك .. أصدقتْ ؟!