مقدمة

5 0 00

زهير جبور

مياه آسنة من

أجل الأسفنج

- قصة طويلة.-

من منشورات اتحاد الكتاب العرب

1998

تصميم الغلاف للفنان : محمد بدر حمدان

مدخل

لم يبق سوى الغبار، وخيوط العنكبوت وهياكل الذكرى.

إلى وجوه غابت، وطيور ذبحت. فيما بعد سوف، تدرك يا لجين ماذا يعني ذلك ؟

زهير

ولدت بعد شهر من حادث الموت.

عرفت ذلك فيما بعد ، قيل لي: إن والدي الذي لاأعرف ملامح وجهه، ولم أسمع صوته، قد مات تحت عجلات عربة شاحنة كان يبيع خضار الشتاء، والصيف.

رجل لم أحس أنفاسه، ولم تداعب أصابعي أخاديد وجهه. ماذا تعني كلمة ياأبي؟ لم أعثر على جواب، وكل ما جمعته حولها فيما بعد، بعثرته غير نادم.

هكذا بدأت أحس بما يحيطني من بؤس مبكر.

ولدت في البيت الطيني من ذلك الحي الغربي في مدينة تنمو حديثاً، كان كل شيء ينهض في اسواقها التجارية. وفي الأحياء الثرية. أما في حينا فروائح العفن والمراحيض المكشوفة، والذباب، والجرذان، والصراصير، والدودة الوحيدة، والحمراء الطويلة. وكائنات آخرى، تقاسمنا السكن، والطعام، وجلسات الليل وبرد الشتاء، وحر الصيف والمغص.

هاً آنذا وحيد وسط تلك الترانيم الكونية التي نسجت خيوط حياتي.

تضربني أمي باستمرار. تصر على أني وأختي مريم التي تكبرني بسنة واحدة فقط، عثرة أمام مستقبلها الذي تتطلع إليه بعد رحيل صاحب العربة الخشبية.

لم تكن تحبه ، وهاهي تصرخ لاعنة من فرضه عليها ذات يوم بل هي تلعن اليوم الذي حلت به مصيبتها بي وبشقيقتي.

وبالمناسبة: لم تكن أمي زوجة مخلصة كما يقولون.

أعتذر عن هذه الوقاحة في الاعتراف، لكنني بطبيعة الحال أميل إلى الوقاحة.

دخل الرجل إلى البيت في غير موعده، شعر ببعض الألم، في الظهر أو الرأس، أو الركبة، إرتفعت حرارته، فشاهدها مع الشرطي.

وقف أبي مندهشاً.

- لماذا يا حُسن؟

لم ترد حسُن، وكانت ترتدي ثيابها بهدوء، تكلم الشرطي، ولغة الشرطي مختلفة” ( حبس) (مسدس).

سكت أبي، ثم صار وجود الشرطي في فراش أمي مألوفاً لديه. لعله خاف من الشرطة. فاستسلم وترك محرماته لهم، وقفز فوق الشرف، فما يدور يدور، وليس باليد حيله.

تزوجت حُسن. أعلنت عن زواجها الشرعي الثاني، ودخل عمي لعبة الضعف، والصمت، وتغير الشرطي، وبقيت أمي.

كنت أصل صفائح علب السردين الفارغة بخيط أجرها خلفي ناقلاً التراب من مكان إلى آخر.. وعلى جسدي نتف ممزقة وعلى وجهي مخطة. وحين صرت ألعب مع أطفال الحي، كانت لعبتنا تنتهي دائماً بسيل من الشتائم.

( ياأبو نقطه) ( ياإبن....)

وحين كبرت قليلاً لم تغب النقطه، وكانت حُسن تردد:

(مَّسح نقطتك )

كنت أشعر ببعدي عن ما يحيط بي، كنت اشعر بوجود مريم فقط، كانت الوحيدة التي تربطني بالحركة، ثم نمت بيني وبين المقبرة القريبة من الحي صحبة. هنا قبر والدي كومة من التراب، وها هو ظل الشرطي الذي جعله ينهار ككومة حطب . رماد بعثرته ريح ، ثم رمته في الزوايا المنسية أخذتني أمي ذات صباح، سَّموه صباح العيد.

- هذا قبر أبوك ياولد.

فأصبح المكان مألوفاً لدي، بل أحببته، صرت ألعب هنا وأبكي أمرغ وجهي بالتراب، وكنت أصرخ أحياناً.

ياأبي .. ياأبي..

كانت المقبرة مكاني المفضل، وكنت أتحدث مع نفسي بصوت عال، وأخاطب قبر أبي، كنت أحلم بحديث فيه نبض وعروق أدركت أن لافائدة من ذلك.

كان بائع الخضار ينتظر قدومي بلهفة، فلقد كنت أعني له شيئاً ما يقدره هو، أعني أنني وحيده،. أما وجودي الآن فهو عثرة في طريق أمي.

كنت أسمعها تتأوه ليلاً لعمي أو لغيره في الغرفة الصغيرة المجاورة للقن الذي أرقد به، أنا ومريم والدجاجات آه ياأيها الشرطي الذي يحمل آلة للقتل، وتحقيق القانون ويضاجع أمي! وفي ذلك الزمن كان المسدس يرمز للحكومة وكانوا يطلقون على حامله إبن حكومه. فلماذا يطلقون علي الآن إبن العاهرة.

رجال الحي يترحمون على بائع الخضار، ويقدمون لي قطع ( النموره) ( اقلام الرصاص) ( فرنكين).

- الله يرحمه.

ثم يبصقون عليها.

- لعنة الله عليها.

ثم يشيرون إلى البيت.

أحببت القراءة ، والكتابة، وكانت حُسن تريد أن تعلمني مهنة الخبازة:

- هذه المهنة أفضل لأنها تطعمك الخبز، روح لعند أبو عدنان الفران، واشتغل عنده، فهو رجل طيب.

صرخ أبو عدنان:

- اهلاً بالأميرة، نحنا تحت الطلب ياست. أنتم على الراس والعين وفتل شاربيه.

كانت أمي تحدق في شنب أبي عدنان بشيء من الإثارة، وإذا ترتبح كانت دقات قلب أبي عدنان تعصف، حتى إذا ابتعدت بصق وهمس .

- عاهرة. بس شوبدنا نساوي.

أغلقت المدرسة أبوابها، من أجل الصيف، وترفعت إلى الصف الرابع بتفوق، وعملت في اليوم التالي بالفرن.

كنت أذهب إلى المقبرة كل يوم. حتى مللت نداء : قمْ ياأبي فصرت أصرخ.

- قوموا جميعكم.

وفيما بعد أصرخ:

- مابدي فران. بدي إتعلم. بدي المدرسة.

وأمشي بين القبور، أو أحول أحدها إلى لعبة لامعنى لها، كنت ألعب فقط، وصرت فيما بعد أردد أغنية لايفتأ ابو عدنان يصدح بها:

( إسمع ندا قلبي

وحن إليك.. ينادي عليك)

أعجبتني هذه النداءات، وكنت أتابعها. وكان أبو عدنان يردد:

- ياسلام.. آلله.. مشي الخبزات ياولد. خفف النار ياأبو حميد اسمع ندا قلبي، وحن إليك، ثم يشتم الشغيله

قال. عمر:

- ستشتري لي أمي ثياباً من أجل العيد.

وأمي تعمل مع أم عمر في تحويل أكياس الاسمنت، إلى أكياس صغيرة، تباع لحوانيت السمانة، صناعة بسيطة تعتمد على مادة ( الغراء) وقص أكياس الاسمنت، وكثيراً ما كنا نجوب أزقة الحي، بحثاً عنها في مواقع الأبنية التي تقام حديثاً.

لم أكن أعرف شيئاً عن ثياب العيد. كان العيد بالنسبة لي نقوداً زهيدة، أشتري بها ( نمورة) وأعود إلى المقبرة لأتابع لعب اليوم السابق، كنت حين أنتهي من الفرن أحمل رغيف الخبز، وأمضي به إلى جانب كومة التراب آكله هناك ثم أصرخ.

حلمت بثياب العيد، كل الاطفال سوف يرتدونها غداً ويذهبون إلى الساحة حيث ( الأراجيح) و( النيشان) أعطتني أمي فرنكين من شغلي، اشتريت نموره، ووقفت بعيداً عن ألعاب الأطفال الذين كانوا يلغطون ويضحكون، ثم عدت إلى كومة التراب، ولم تزل النقطة على وجهي، ولعل أبا عدنان كان يصرخ:

- اسمع ندا قلبي، وحن إليك. ياسلام. مسح النقطه يا ولد يا ابن ....

ثم يقطع الكلمة الأخيرة.

علمني أبو حميد الشغيل على بيت النار كيف يمسحون النقطه كنت أخجل منها، وافكر بالسيطرة عليها دون جدوى.

قال عمر:

- سنذهب إلى السوق، والسينما.

ما هي السينما؟ ما هو السوق؟ داهمتني الاسئلة، وعصفت بي الدهشة، وأنا أرى الشوارع، والمدينة لأول مرة، أقبلت أراقب الوجوه، والمحلات، والألعاب، دخنت أول لفافة تبغ، سعلت كثيراً، إنهمرت دموعي بغزارة، دخلت ( السينما) ودارت حكاية الفيلم حول طفل قتلت العصابة أمه فلما كبر تدرب على الرمي بالمسدس، وقرر أن ينتقم ، وراح يبحث عن أفراد العصابة، في كل مكان.

كنا نصفق لكل طلقة إنتقام، وأحببت البطل. كنت مشدوداً طوال العرض إليه، أراقب حركاته، ورغبت لو أحضر الفيلم مرة ثانية.

فكرت حينذاك بالعمل في ( السينما) لأنجو من حرارة الفرن التي لاتطاق، من صفعات أبي عدنان وصراخه:

- أمسح النقطة يا غبي

لماذا أنتقم البطل لأمه؟ إذن هناك أمهات يدفعن أولادهن للوقوف إلى جانبهن.

ياأمي. يأمي..

كان يصرخ ، وهي تموت، عانقته وداعبت شعره، وماتت وهي تقبله.

فكرت بالشرطي الذي سمعت عنه الكثير.

قال عمر..

- نام الشرطي مع أمك. أمي تعرف ذلك ، وأبوك.

بسبب الضرب القاسي، الذي تناوبته أمي وزوجها، لم أستطع النوم، واستيقظت مبكراً، وذهبت إلى الفرن، ثمة نيران في جسدي ، أصبت بدوار،وغبت عن الدنيا.

صحوت على صوت أبي عدنان:

- إطلع إلى السقيفة ونام فوق. شبك ياجحش؟

لم استطع الصعود إلى السقيفة فوقعت على الأرض. وصرت أنتفض من الحرارة.

صرخ أبو عدنان:

- أبو حميد خود الولد لعند أمه، لأنه يموت. ما بدنا مشاكل بالفرن، خلي يموت عندها.

رأيت كومة التراب، ثم إنشقت بعد قليل، ليخرج منها بائع الخضار، قبلني، وسطع منه نور، ربت على كتفي ثم بكى.

كلمني ياأبي..

بعدين.. بعدين..

حاولت النهوض فلم أستطع، أبقاني بيده على وضعي مستلقياً

- أنت أبي.. خذني معك. أرجوك..

اختفى، ثم ظهر، ثم اختفى، ثم ظهر،

وأنا أصرخ:

- أين أنت ياأبي؟ أبي.. أبي..

فتحت عينىَّ شيئاً، فشيئاً، بدأت تتوضح الأشياء من حولي أنا في وسط كتلة ما من البياض، وغبت مرة أخرى، ثم صحوت من جديد، وطفا البياض، ثم توضحت معالم المكان.

قالت : الفتاة وهي تبتسم

- أنت في المستشفى. حين تشفى سوف نخرجك من هنا.

كنت أجيل نظراتي في الغرفة، والشيء المعلق بساعدي، ووجه الفتاة التي ترتدي ثوباً أبيض ناصعاً.

دخل رجل يرتدي البياض أيضاً، وسألها على عجل؟

- تكلم؟

- منذ دقائق صحا.

قال:

- سبحان من يحي العظام وهي رميم ! صدق الله العظيم.

كنت قد قرأت الآية الكريمة في المدرسة فتمتمت:

- صدق الله العظيم.

قفز الرجل صوبي بفرح:

- شاطر.. شاطر.. أحسنت.. قدمي له الطعام ياسلوى.

سألتني سلوى

- ما اسمك؟

أجبت.

- أمين

وتابعت بخجل.

- من الذي خرج الآن؟

قالت:

- الطبيب. هو الذي أنقذ حياتك، لقد أحبك وأنت في الغيبوبة، أنت عندنا من أسبوع.

زارتني أمي مساء، وكانت سلوى قد قدمت لي طعاماً لذيذاً أكلت بنهم، وقالت ، سلوى:

- أنت جائع ؟

خجلت، وأكلت مع الخبز لحماً بلون أبيض.

قالت: سلوى

- سفن الدجاج لايضرك.

كنت أسمع كلمة ( سفن) لأول مرة في حياتي ، كل شئ جديد هنا ، وأنا أحاول أن أكتشف طبيعة الأشياء وسرها، واسباب وجودها: ثمة فواكه تؤكل بعد الطعام والبرتقال منها يخفف من الحمى المرض الذي أصابني.

دخلت أمي مساء:

- يا كلب! هذا المرض بسبب سيجارة السينما.

ردت عليها سلوى:

- رجاء نحن في مستشفى. وهو لايدخن.

شكرت سلوى في صمتي، ثم دخلت أم عمر وعمر، الذي حدث أمي عن سيجارة السينما.

ظلت النقطة على الرغم من كل محاولات سلوى..

قالت:

- لها أسبابها المزمنة، لكنها ستزول، لاتهتم سنعالجها.

ثم أعطتني علبة صغيرة فيها أوراق بيضاء.

- هذه محارم إستعملها.

ياإلهي هل كتب عليَّ الشقاء

***

عملت بمعمل الخفان بعد أن رفض أبو عدنان إعادتي إلى الفرن.

- جسمه لايحتمل حرارة ياأميرة.

كنت أنقل أكياس الاسمنت على ظهري من المستودع إلى موقع آلة الخفان ، ثم أضع الخفان بعضه فوق بعض وكنت أحصل كل يوم على فرنكين لقاء حمل الأكياس، وفرنكين لقاء تنظيم الخفان فوق بعضه.

متعب هذا العمل ياأبي، متعب جداً، وأنا مابقدر أتحمل يا أبي أنظر إلى السماء، واصرخ، واحلم بالثياب، والطعام، وابكي، والعب.

صرخت أمي:

- ضع يوميتك وانصرف.

حاولت لأول مرة رفض أوامرها، والتمرد عليها:

- سأشتري ثياباً، لايوجد عندي ما ألبسه.

هاجت، وماجت. هجمت بكل ما الديها من قسوة.

- مافقست من البيضة، صرت تتحداني يا كلب..

توجهت إلى كومة التراب، وأنا أحس بطعم لعابي المر.

لم أدرك يومذاك ماذا يعني هذا الشعور؟

عاودتني صورة رجل حلم الحمى، والطبيب، وسلوى..

- أنا أحب الأطفال، عندي أخوة صغار بعمرك.

سألتني عن دراستي. وأحضرت لي في اليوم التالي مجموعة من الكتب.

- روايات جميلة، سوف تعجبك

وحين خرجت من المستشفى قالت: بحضور أمي:

- خذ هذا المبلغ، اعتمد على نفسك، يبدو أن رحلة الشقاء سترافقك.

ركزت أمي نظراتها في وجه سلوى، تلك النظرات التي أعرفها جيداً، وراحت تتمتم كلماتها المعهوده، كلمات مشهورة ترددها لأختي مريم باستمرار.

أين مريم؟

منذ بداية حياتي لاوجود لمريم، مسكينة رضخت لقرار أمي وتركت المدرسة، كي تتقن شغل البيت من أجل العريس القادم، ونقطتها بدأت تزول رويداً رويداً. كانت سلوى قد حملت أمي مسؤولية ماجرى، وطردتها من الغرفة وأنا في الغيبوبة، كنت أصرخ، أو أهذي..

- ياأبي.. ياأبي..

قال: الطبيب:

- وضع الطفل خطير، وهو بحاجة لمراقبة شديدة.

تدخلت أمي بجهل، طلبت إليها سلوى الخروج من الغر فة لم تفعل.

- شوبدكن تموتوا الولد.

غضب الطبيب.

- اخرجي .. أخرجي من الغرفة، دون أي كلمة..

سألتني ونحن في طريقنا إلى البيت

-( أديش عطتك ها لـ)..

أخذت المبلغ، دسته في صدرها دون كلمة.

أعرف أنك لن تقوم أبداً، وأن لاجدوى من صراخي هنا وأن رحلة العذاب سوف ترافقني، كم رائعة هذه السلوى..

- سلوى.. سلوى.. سلوى.. إرجعي أيتها الحمى رجاء..

يطلب المعلم المزيد من نقل الأكياس، والخفان، ولايترك لحظة للراحة، وحين أرجع إلى البيت لاأجد ما آكله وتطالبني بترك المدرسة، وأنا لن أتركها، واتذكر قول : سلوى

- اعتمد على نفسك.

كيف سأعتمد على نفسي؟

دارت في ذهني أسئلة كثيرة، وكانت الشمس تميل إلى الغروب وأنا بين القبور أجول وحيداً، والنقطة التي عادت تتحدى صوت سلوى:

- اعتمد على نفسك

همست:

- أنا ضعيف:

قالت:

أنت تفكر أكبر من سنك

أكبر من عمري! صحيح ماذا يفعل هؤلاء الذين هم في عمري؟

أنا الآن في الصف الخامس:

***

بين بيتنا وساحة الحي عدة أزقة، منها الضيق، ومنها الفسيح ويفصلها عنها مجرى، ونهر، هم بدأوا باقامة جسر اسمنتي كي يسهل العبور شتاء، ويتحول النهر في الصيف إلى مستنقع، بيوت تتسرب إليها خيوط الشمس، ضعيفة واهنة، ولاتلبث أن تبعد عنها، وبفضل الرطوبة تنمو الاعشاب والطحالب فوق الجدران.

قريباً من حينا المهمل، وعلى قمة الهضبة المطلة على المدينة أقيمت البيوت الأنيقة، وبدأت تمتد حتى حاذت حينا حيث بوشر بهدم بعض البيوت القديمة، وفي ساحة الحي أدخل سليمان الحلاق لأول مرة لمبة طويلة، تعطي إنارة حمراء، وضعها في صدر الصالون، وعلق حولها مجموعة من الصور عرفت فيما بعد محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وزبيدة ثروت . فجأة بدأت نقود خالد ترد من الكويت إلى أسرته. أثارت هذه النقود فضول سكان الحي، وكانت حديثهم اليومي.

في السهرات، أثناء تواجدهم في الحوانيت أو البيوت أو المقهى الوحيد.

كانت أمي تردد.

- الله يطعمنا مثل ما طعم أم خالد، بس من مين؟ منك يا وجه النحس؟

سمعت أن معظم شبان الحي سيغادرون إلى الكويت. حيث الأموال، والعمل، وخدمة العلم هي العائق الوحيد دونهم، ودون هذا السفر الخيالي..

قال سليمان:

- قل لأمك تسعيرة الحلاقة قد أرتفع ثمنها بأمر الحكومة.

قلت:

- معي نص ليرة.

قال:

- تدفع في الحلاقة الجاي ليرة.

قلت لأمي:

- أخذ سليمان نصف ليره.

ردت بجملة من الشتائم

كنت في العاشرة، حين شاهدت الكوخ الخشبي الصغير الذي أقيم في زاوية الساحة الترابية ، وهو يحاذي صالون سليمان الحلاق:

أصطفت أمام الكوخ عدة دراجات عادية ، وأدوات إصلاح الاطارات، وعرفت أن الدراجات للأجرة، وتسعيرة الساعة الواحدة بفرنكين، وأن صاحب الكوخ يعلم الأطفال قيادة الدراجة.

صرت أختلس من عملي في الخفان، الذي أكل ما يستطيع من جسدي وعلمني عبد العزيز صاحب الكوخ قيادة الدراجة.

كان يصرخ حين أقع

- التوازن يابني.. التوازن يابني.. التوازن ياحبيبي.. التوازن ياأمين.

أحببت عبد العزيز وسلوى معاً سلوى ذات الوجه الذي ضاع في زحمة قهري وبحثي اليومي عن الأمل والحياة.

تجاوزت علاقتي بعبد العزيز حدود الدراجه فطلب مني ذات مرة أن أضع الشاي، أعتبرتها فرصة طيبة. حدثت عبد العزيز عن سلوى، وكومة التراب، وحلم الحمى وأختي مريم التي تغسل الصحون عند صنبور الماء قرب الساحة.

وكانت أم خالد تردد في جلساتها بعد أن تزعمت نساء الحي.

- توصيل المي كلفنا ألف ليرة.

تبلغ أمي غيظها وتتمتم.

- هلق أم خالد ها لـ.. و... صارت تعرف الألف ليرة! تفوه. دخل عبد العزيز مشاكل حينا بسرعة، عرف الأسر والوجوه والفتيان والرجال، وتصدى لسليمان الحلاق عدة مرات.

كان سليمان قد عارض إقامة الكوخ، وهاجم عبد العزيز وأطلق عليه إسم ( الأعرج) لأن عبد العزيز كان يعرج من قدمه اليمنى.

هاهو سليمان يسعل ثم يمشي باتجاه الكوخ يقذف بصاقه وعبد العزيز يضحك..

- تصرفات أولاد، لاتصدر من رجل يحترم نفسه.

يشتم سليمان ، ويهدد، ويلعن، ويحدث الزبائن.

- شوهت الدراجات عقول أطفال الحي، منين أجانا هالبلا هالزلمي خرب الحارة والناس؟ وين الحكومه؟

كنا نجلس في الكوخ مساء نشرب الشاي، وكان يدخن بغزارة ويحدثنا بلهجته القاسية عن الحياة، والعدالة، وكان قد علق في الكوخ مجموعة من الصور.

- هذا جمال عبد الناصر. ياأخي بطل قومي! وهذا لينين ياأخي بطل الاشتراكية، وهذه جميلة بوحيرد ياأخي بطلة الجزائر! وهذا عبد الحليم حافظ ياسلام!

كان يعرف بهم كل الأطفال، ويتحدث عنهم بحرارة.

- تأميم قناة السويس شغله عظيمة. دع قنالي فمياهي مغرقه.

في الطرف المقابل للصور. وضع عبد العزيز صورة لفتاة شبه عارية، وصورة لإحدى ممثلات هوليود.

- ياأخي جسد الأنثى. شايف كل شيء فيها عم يحكي ! يالطيف! بدأت أشعر في شيء ما يتغير بداخلي، وحين تأملت فتاة الصورة، شدني جسدها.

حدث ذلك بعد ما شربت أول كأس كحول في حياتي.

خفت من الحالة رغم لذتها.

كنا في الكوخ ليلاً، وعبد العزيز يقول ضاحكاً:

- اشرب.. اشرب ياأمين، هذه الكأس لاتضر.

شعرت بدوار خفيف.

- كلْ. أكثر من الأكل.

أكلت حتى التخمة وعندما خرج عبد العزيز خارج الكوخ ليبول، شعرت بدوار غريب فخفت وحين عاد سألني:

- ماذا بك ؟

- لا شيء.

- قلْ

حدثته.

ضحك، ضحك بصوت عال، ضربني على كتفي بود.

- سوف نشرب نخب رجولتك.

سعل عدة مرات. بصق، ثم تابع حديثه

- كيف شغلك؟

- متعب جداً، على طول رشح. ومرض.

- عليك مواجهة أمك. اعطها نصف الجمعية فقط.

أخذ الكحول يدور في راسي، وراح عبد العزيز يغني

( يادنيا بدموع عينايا

كتبت قسمتي فيك

يادنيا هاتي ليرضيك يادنيا)

لازم تؤكد للجميع قيمة النقطه. شايف هالبطل؟

وأشار إلى صورة عبد الناصر.

هذا البطل كان من أفقر الناس ، وهو في سنك وأثبت للعالم فيما بعد ما هي قيمة الفقر إذا فهمه الإنسان . أمم القناة وحقق ثوره، وغير مجرى حياة شعب. أدرس ياولد الكتاب حلَّك الوحيد. العلم..

وصرخت أمي:

- أخرج من البيت . أنا ما بحوي ناس بتشرب. بدأت تضربني بقسوة. ثم أستيقظ زوجها وحمل عصا طويلة، وانهال عليَّ ضرباً.

- إنقلع من البيت حالاً يا ابن ...

- لاتشتم والدي ياعمي.

قلتها بهدوء. وأنا أتجنب ضرباته ، ثم تمكنت من الخروج. وقفت أمي أمام باب الكوخ، تطلق الشتائم على عبد العزيز وإلى جانبها سليمان الحلاق.

لم ينطق عبد العزيز بكلمة واحدة، ولم يرفع رأسه عن إطار العجلة الذي يعمل بإصلاحها.

ضربت أمي رجلها في الأرض. ثم ضربته على ظهره، ودوى صوتها:

وكان صمت عبد العزيز يضاعف غضبها ، ثم رفع رأسه بهدوء

- أنت مثل والدتي.

صعقت كلمته أمي، وحولتها إلى ثور هائج

أنا مثل أمك ياأعرج ؟ ياعجوز النحس.

ضحك عبد العزيز، وقال:

- مثل أختي الصغيرة.

وعاد إلى عمله. وكان سليمان يردد كلمات أمي وحين تصمت يدفعها للمتابعة.

تدخل رجال الحي لحل المشكلة، بينما سليمان يزعق بهم ياناس: هذا خطر عليكم ، وعلى أولادكم، كان ناقصنا سكر وخمر بالحارة.

وكانوا جميعاً يعلمون أن سليمان يتناول الخمرة.

إتفقت مع أمي على مناصفة الجمعية، ومتابعة دراستي حتى الشهادة الأعدادية، وعارضت زواج أختي مريم، وكان عمر قد ترك المدرسة، وافتتح دكاناً للسمانة، وذات يوم طلبت علبة تبغ على أن أسدد ثمنها فيما بعد فرفض عمر.

- روح يا أخي إترك المدرسة، بلا كذب ، وعلم، وبطيخ.ولك ياعمي العلم للأغنياء، فقر ودراسة ! والله عجيب أمرك.

سرت في طريقي. ولا أدري لماذا بكيت؟

لقد تعرضت لمواقف تبكي فعلاً. وماقاله عمر لاشيء تجاه ماأعاني. وصمتت أن العلم لي وليس للأغنياء، والمدرسة لي، ولأول مرة انتابني ذلك الشعور الذي جفف دمعتي فعلاً المستقبل لي أيضاً. أنا أبو نقطة وكانت كلمات عبد العزيز تتردد في داخلي هذا البطل كان افقر منك.

وتذكرت سلوى:

أعتمد على نفسك.

حدثت عبد العزيز عن عمر، فدفعني كي أتابع التعليم دون توقف.

ما دمت هنا فلا تطلب من أي أنسان. دخن .. دخن ولا تهتم يارجل... أخت هذه الحياة.

وسعل كعادته ثم ضحك.

كانت المدينة تكبر، ونقود أم خالد الواردة من الكويت تشتري الأراضي، وأبو خالد قد بات صاحب نفوذ في الحي، وأبو عدنان قد تشاجر مع أمي لأسباب لانعرفها، وأنا أتابع عملي بعد الظهر في معمل الخفان، وصباحاً في المدرسة، والنقطة تغيب. وتعود. وزياراتي لكومة التراب قد قلت، ومتعتي الوحيده صارت في الجلوس بالكوخ، واصبح عبد العزيز يشكل كل حياتي دون إستثناء.

قيل إنه جاء من مدينة بعيدة بعد أن أمضى سنوات في السجن لأسباب سياسية. بل قيل إنه قد حكم بالاعدام ومن ثم ألغي الحكم وغادر البلاد، ثم عاد واختار مدينتنا لأنها بعيدة.

تحدثوا عنه حكايات كثيرة. لكن حقيقة الأمر بقيت مجهولة وكان الرجل قليل الكلام. يعمل بجد، ولا يخجل من الحق، ويحب مساعدة الجميع قال لي:

- بدلت العديد من المهن، لابأس أن يتنقل الانسان من مهنة إلى أخرى. كان الكتاب رفيقي الدائم، وصلت إلى الثانوية لم أكمل علمي. يعمل الجوع أشياء كثيرة ياصديق. إذا سيطر فإنه يعشش في النفس ويقهرها. وعلى النفس أن تكون جبارة وهي تواجهه، كنا عشرة أولاد في بيت لايتسع لنصفنا . كنا ننام فوق بعضنا، وحين نأكل لانشبع، والمرض رفيقنا، والأب يعمل عند مالك الأرض. تركت القرية بحثاً عن العمل.

نمت في مداخل العمارات. والحدائق. سرقت جوعاً، وتنقلت من عمل إلى آخر. ومن مطاردة إلى أخرى. ما أجملنا ونحن نواجه قسوة الحياة.

التوازن.. التوازن ياولد هو مسألة الحياة لاشئ مقيد.. ويتناول لفافته العاشرة . يسعل. يتوقف عن الكلام، يطلق نظرات متوثبة . ثم يطرق إلى الأرض ويتابع:

- أحببت . كانت مشاكل الدنيا أقوى من الحب. وهجرت. عشقت الرخيصات لأنهن يعشن في معادلة النقود. هي مهنة رخيصة لكنها مقبولة لمن يكرسن حياتهن لقضايا آخرى.

المشكلة الفردية ليست مشكلة، والرخيصة إنسانة اولاً. أخيراً لكنها رخيصه. أما الهم الفعلي فهو في مشكلة الجماعة الرخيصة. فرد يمكن للمجتمع أن يعيدها للصواب. أما أن تحول المجتمع إلى رخيص فهنا الكارثة. ليس لديك أية مشكلة ما دام المستقبل في انتظارك، طريق الحياة واسعة. جدار الظلام تلغيه ثغرة نور. امض في طريقك لتفتح هذه الثغرة. ألعب التوازن بينك وبين نفسك أولاً ، ثم بينك وبين العالم ثانياً.

هكذا كان يحدثني، وكنت لا أستوعب من كلامه إلاَّ القليل لكنني كنت أشعر بوقعه على نفسي.

أمك جاهلة، وسليمان الحلاق، وأنا لا أواجه أمثالهم لأنني الخاسر في معركة لاتوازن فيها، هم بسطاء. ضعفاء.

***

اثارت أمي موضوع المدرسة من جديد، وكانت أم عمر هي السبب.

- كبرت وصار لازم تشتغل ، وتترك المدرسة.

هذا ما قالته أم عمر كفاتحة لاشعال النار بيني وبين أمي.

ردت أمي بسرعة:

- صحيح ياأم عمر. بس الولد عنيد، وما بيسمع كلمة.

وقف عمي محايداً، وكانت أم عمر تجلس إلى جانب أمي ، وأمامهم كمية من أكياس الاسمنت.

- لن أترك المدرسة.

وافقت مريم على العريس: أو بالمعنى الأصح وافقت أمي وفرضت رأيها، والاخرى وجدتها فرصة للهروب من حياة الشقاء فهي التي تعمل في البيت، وتضرب ، وتهان. مقابل لقمة عيش قلت:

- مريم لم توافق، بل فرض عليها ذلك.

ردت أم عمر:

- مين قال؟

المسكينة مريم لا تتكلم، ولا تتدخل، وتنفذ كل ما يطلب منها قالت: أمي

- هذا نصيب، ونصيبها إجا.

قلت:

- سأعمل ، وأطعم مريم، وأنا سأتكفل بها، حتى تكبر أكثر من ذلك.

قالت: أمي

- عملك لايسد ثمن الطعام، ستتزوج أختك وتنستر، وأنت ماذا سيفيدك العلم؟ سافر إلى الكويت وإجمع المال، جميعهم يسافرون هذه الأيام.

قلت:

- لن أسافر. ولن أترك المدرسة.

خرجت من البيت جائعاً، حزيناً، وقررت أن أبحث عن عمل ليلي لاتابع تعليمي.

قرأت بعض الكتب التي وجدتها مع عبد العزيز: (البؤساء) . ( لمن تقرع الأجراس)، ( ذهب مع الريح) واستمعت إلى أغنيات كثيرة وأحببت فريد الأطرش.

يادنيا بدموع عينايا

كتبت قسمتي فيك

يادنيا هاتي لبيرضيكي يادنيا.

كنت أهتم بكل ما يتعلق بالدنيا. وبدأت أهتم بنشرات ألأخبار ( هنا لندن)

وتدق بيغ بن دقاتها الضخمة.

حدثني عبد العزيز طويلاً. كنا نمضي ساعات . وساعات، وكنت أستمع إليه باهتمام، وإعجاب. حدثني عن قريته، ومواسم القطاف، وعن أمه التي ماتت وهي تربي الأولاد، وعن حبه الأول، وقبلته الأولى.

- أحببت مثل كل الشباب. وفي الموسم كنت أقف إلى جانبها أساعدها لكنها تزوجت ، أو زوجوها، ولم يكن من حقها الرفض، أو الاعلان عن الحب. كثيرة هي الرغبات التي تموت فينا. ناقشني بأبطال الروايات، ووضح لي معنى الفلسفة، وشربت معه، وأكلت اللحم المشوي، والكباب، وكنت دائماً أفكر بمريم

- لو أن مريم معنا. لو أنها تذوقت طعم هذا اللحم.

وعندما سألني عنها قلت بحنق:

- تريد أمي أن تزوجها.

غضب

- إياك .. هذه جريمة.

- قلت:

- كل بنات الحي يتزوجن صغيرات.

غلط. ينبغي أن تتعلم مهنة ما. خياطة. صوف. أي شئ والأفضل متابعة العلم.

ضحكت حين تذكرت قول : أمي

صار صدرها متل التل.

ضحك عبد العزيز.

دهشت لأنه يعرف عن أمي ، وأختي أشياء كثيرة، ويعرف عن أبي أيضاً، وعن عمر وأمه، وأبي عدنان، وعدنان، وأبي حميد، وأبي خالد، وأم خالد، والفاكهاني أبي سعيد ، وأم أيمن.

ركبت خلف عبد العزيز على الدراجة ، ورحنا نجوب شوارع المدينة ليلاً بحثاً عن عمل ما. كنا قد إتفقنا أن يكون في مطعم.

بحثنا طويلاً، وتلقينا إعتذرات.

كنت أستعرض الوجوه، واسلوب الأكل.

- - يأكلون بنهم.

ذكرني ذلك بسلوى ووجبة الطعام التي قدمتها لي بعد صحوتي من حلم الهذيان. حدثت عبد العزيز بذلك فضحك طويلاً وقال:

- للأغنياء مزاجهم في الطعام.

وجدت العمل أخيراً في مطعم ( الخواجة) ترددت في البداية لكن عبد العزيز جعلني أوافق. فالعمل من الثامنة ليلاً حتى الثانية بعد منتصف الليل.

قال:

- فيها تعب، وعليك بالصبر، وإذا تطورت واشتغلت في الصالة فالأمور سوف تختلف تماماً، ودخلك سوف يتحسن.

اشتغلت في اليوم الثاني، ملاعق ، صحون، شوكات، وبقايا طعام ونفايات ، وأعقاب سجائر، وأكواب، كل ذلك في انتظاري.

اقترب مني رجل عجوز، تكلم بلغة آمرة وفظة.

- خذ: هذه مواد التنظيف، هل عملت سابقاً!

- لا.

- إسمع كل شئ يجب أن يلمع، إنتبه إلى الزفر، ورائحة الكأس، مايهم الزبون هي النظافة، أنت الآن قيد التجربة إما أن تستمر أو أن تطرد.

علمت أنه رئيس المطبخ، وهو الآمر في تلك المساحة، ويشرف على سير الأمور، وتعليماته لاترد، ويحل مكانه في حال غيابه ( العشي) وهو المتصرف بالمواد، والكميات، وسرعان ما دخلت في عالم آخر له خصوصيته، وحركته، وأركانه الاساسية هي اللحوم، والاسماك، والكحول، ثم اكتشفت أن لأجساد النساء النصيب ألأكبر في العمل داخل الصالة، وخاصة في صالة الاستراحة.

- يلعبون القمار.

وبخني رئيس المطبخ أكثر من مرة، وكلف أمرأة عجوزاً بمراقبة عملي، وتوجيه الملاحظات.

- أنا لا أحب النقاش في العمل، وأرغب أن أوضح لك شيئاً وأنا في عمرك غسلت الصحون، ونظفت المراحيض، وكل ما يتكسر سوف تدفع ثمنه.

أعجبتني جدية الرجل، ونظراته الثابتة، ورحت أتابعه بنظراتي الخفية، وهو يتنقل من مكان إلى آخر، ويعطي تعليماته، أنهيت فوجاً، ليحضر الفوج الآخر.

لم أرفع رأسي حتى الثانية صباحاً. لكل مهنة عذابها وبين الفرن، والخفان، والجلي علاقة واحدة هي شقائي. كيف سأدرس ومتى ؟ وأنا أتحضر لنيل الشهادة الاعدادية في العام القادم صحن من الحمص ، وفوقه كمية قليلة من اللحم ورغيف خبز وبصلة وصراخ العجوز، أخت المعلم الكبير ( الخواجة) صاحب المطعم .

- كتير هادا عمال بيكالو. كتير يامعلم لازم تخففو.

وتشير إلى مدير المطبخ.

- لازم تخفضوا. يعني ربح بيحطو على عمال حق أكل.

وكان ألأكل من بقايا الزبائن، وثمنه مدفوع عشرات الأضعاف ومع ذلك كنا نسمع هذا الكلام يومياً.

إذن هؤلاء هم الأغنياء.

كنت آكل آخر الليل، ومن ثم علمني أحدهم أن أجمع بقايا الكحول في زجاجات، وأشربها أثناء العمل.

لم أقتنع بالفكرة أول الأمر، لكنني وجدتها مربحة فيما بعد فصرت أشرب، وأعمل ، ونمت بيني وبين بعض العمال علاقات ودية كنا نسخر من أخت المعلم. ونقلد كلامها، ويجمعنا الخوف من مدير المطبخ، وكان العشي يتعاطف معنا وينقلب ضدنا أحياناً، وحين يهرب لنا قطعة من اللحم أو السمك ، كان ينظر إلينا باستعلاء، ويشعرنا أنه فوقنا ، وينبغي أن نقدر عطفه.

***

أمضيت عدة أشهر ، وأنا أتحمل نعاس النهار، وتعب الليل وتحسنت علاقتي برئيس المطبخ، بعد أن عرف أنني أدرس في النهار، وأعمل بالخفان بعد الظهر، وعندهم ليلاً. شربت الشاي عند عبد العزيز، الذي كان دوماً في انتظاري وشجعني لمتابعة العمل.

قابلت الخواجة، يرتدي طربوشاً أحمر، وعلى عينيه نظارة طبية صغيرة، ودائرية، وصلت إلى أسفل أرنبة أنفه قال:

- قررنا وضعك في الصالة لتساعد ( الكرسون) شهد فيك مدير المطبخ. ذكي ، نشيط . هذا يهمنا. أخدم الزبون. لأنه يخدمك، وإياك من السرقة.

صرت أدور بين الطاولات

- صحن سجائر ياأمين

- أمين نظف الطاولة.

بدل صحن الحمص.

ما اسمك ياولد.

لبِّ رغبة السيده.

عرفت وجوه أصحاب النفوذ في المدينة. رئيس البلدية مدير الأشغال العامة. رئيس المكتب الثاني، مدير المعارف التجار، جميعهم يأكلون ، ويشربون، وتهتز كروشهم أولاتهتز، تفوح منهم روائح العطور. والكحول. والدخان الفاخر

- باكيت ( لوكي) ياأمين

- باكيت( فيليب موريس)

وذات ليلة قمنا بتجهيز طاولة تميزت بمواصفاتها الخاصة قال الخواجة:

- السيد المحافظ قادم.

ثم أمر:

- ضع الورد هناك . أحضر من المستودع صحون العاج وملاعق الفضة. أين ( الأولد بار)؟

جعلني المحافظ أرتجف خوفاً، وكان الخواجة يردد:

- هادا المحافظ يا ولد.

يبدو أنه مسألة أخرى تستحق كل هذا الاهتمام.

رحت أترقب حضوره، كي أرى رجل المدينة الأول، الآمر فيها والناهي، هو يجلس وجميعنا سنخدمه. ياإلهي كم هي مربحة مهنة كهذه. أطلب وينفذ لك لأنك صاحب القرار.

- ياخواجة ضع أمين مديراً للصالة.

- سيقول له الخواجة وهو منحني

- أمركم سيدي.

يارئيس البلدية وظف أمين عندك.

سيقول له:

حاضر سيدي.

سأفتح لعبد العزيز دكاناً في السوق، وسأشتري لمريم الثياب، بالأمس أشتريت لها حذاء ، وكنزة، فرحت لأول مرة تلبس حذاءاً جديداً.

-رد عليَّ ياأمين.. ياولد.. يابغل.

كان الخواجة يصرخ، وأنا غائب في أفكاري تلك.

كيف يكون شكل المحافظ؟ سأروي لعبد العزيز تفاصيل هذه الليلة الخالدة. أنا مع المحافظ وجهاً لوجه، وهم ينتظرون آياماً حتى يحظوا بمقابلته دقائق قليلة، حتى أبو خالد انتظره طويلاً.

وفجأة حضرت العربات، الواحدة تلو الأخرى، فتحت الأبواب ووقفت مندهشاً أنتظر مشاهدة وجه المحافظ المنير.

شاهدته، ومن خلفه رجال. إنه يرتدي بزة سوداء ونظارة سوداء، ويبتسم، رجل بدين. قصير. أنفه كبير. صلعته مجعده، وإلى جانبه أمرأة ، أية أمرأة هذه؟ روائح عطر تفوح من جسدها الابيض، وخلفها عدة نسوة.

توقف المحافظ فجأة . فتوقفوا. همس في أذنها. فضحكت وضحك فضحكوا.

يؤدي الخواجة التحيات منحيناً دائماً، قدم الكرسي للمحافظ وللسيدة. تحدث مع أحدهم قبل أن يجلس ، ظلوا واقفين جلس، فجلسوا. ضحك ، فضحكوا. أكل فأكلوا. شربوا نخب الانتصار هكذا سموه.

- نخب الانتصار.

رفعت الكؤوس:

- يستحق ما فعلنا به.

تكلم المحافظ

- نسفناه من الجذور.

ضحك . أهتز كرشه كثيراً، مط رقبته.

- كي يعلم مع من يلعب. ما هو رأيك؟

واشار إلى أحدهم:

-اللعب ياسيدي مسألة ممتعة، قديماً كان اللعب حتى الموت، إبهام الحاكم هي الحكم، اللعب مع الوحوش، إخترع الانسان اللعب كي يتسلى، وله اصوله، ومن لايتقن أصول اللعب يسقط ، ومن يسقط يموت. ويخرج من اللعبة.

قهقه المحافظ بصورة غريبة.

وبدلت الصحون، والأكواب، ورحت أقترب من الطاولة ثم أبتعد ، وأنا أتصرف حسب حركة المحافظ.

قال: موجهاً حديثه لرجل أبرص، وعلى وجهه بقايا نمش

- ماهي أخبار مصر؟

- تعود الأمور إلى طبيعتها، والظرف الدولي خدمهم كثيراً، لكن هناك عدة أسباب سوف تفشل سير العمل في القناة.

- ماهي؟

- كان عليه أن يترك الاستثمار لهم، فهذا أفضل من التأميم.

قال المحافظ:

- ماذا تقول يارجل؟ ماذا تقول؟

شدني الحديث، وكنت قد علمت من عبد العزيز أن تأميم قناة السويس أهم عمل حققه عبد الناصر، وبالفعل ماذا يقول هذا الرجل؟

تابع الابرص:

- لقد دفع ثمناً باهظاً،

قال المحافظ:

- الحرب ليست ثمناً. على العكس رفعت الحرب من شأن عبد الناصر دولياً، وهو قد انتصر، إن أحمد سعيد يخبرنا بذلك يومياً فماذا تقول.

رد الابرص:

لكن أمريكا لاتترك الأمر يفلت من يدها.

قال المحافظ:

والروس ياأستاذ، أنا عندما كنت في مصر السنة الماضية كانوا ينفذون قانون الاصلاح الزراعي، ويعتبرون القانون من اهم إنجازات عبد الناصر، والثورة.

قاطعه الابرص وقال بسخرية:

- إصلاح وقانون، مجرد مسرحية، توزع الأرض على الفلاحين ثم يتم التنازل عنها للمالك الحقيقي بصك بيع وهمي.

ضحكوا حين ضحك المحافظ.

قال:

حتى الآن منهم من يعتقد أن الملك هو حاكم مصر..

شعب طيب

قال الابرص:

- وعلى هذا الشعب سيطبق عبد الناصر الاشتراكية.

قال المحافظ:

- أي إشتراكية وبطيخ إنت خايف على الباشاوات، وهم يلعبون على مية عبد الناصر، يعني كل لعبنا هون ما بيساوي أي شيء أمام لعب الباشاوات.

وبمناسبة وجود المحافظ أحضر الخواجة الليلة راقصة شقراء وحين ابتدأت بالرقص، شرب الجميع نخبها. وحياها المحافظ أكثر من مرة، فردت بمزيد من الهز، وكان الخواجة يعبر عن فرحته بحركة يديه، وضحكه الدائم، ويرفع التحية للسيد المحافظ بين وقت وآخر، ويقترب منه هامساً وكان السيد المحافظ يرد" أو لا يرد، وهو منشد بكامله لهزات الراقصة.

كنت أرى سيقان إمرأة بطولها الكامل لأول مرة في حياتي. رأيت سيقان أمي، وأختي، وصور عبد العزيز، أما الآن فالسيقان مختلفة. ساق تضج بالحركة.

فجأة توقف الرقص، وأسرع الخواجة ليلبي إشارة صدرت من المحافظ تستدعيه.

- أمركم سيدي. أمركم سيدي.

غادرت الراقصة، وأنهى السيد المحافظ سهرته.

نقلت لعبد العزيز ما سمعته من حوار.

أجاب:

- هؤلاء يفكرون بطريقة مختلفة، التأميم أعظم عمل، وقانون الإصلاح تجربة رائدة في الاشتراكية.

أستعرضت سيقان الراقصة، ووجه المحافظ الذي يعيش كما يشاء، هو إنسان مثلنا، لكنه محافظ.

تحسن الدخل كما قدر عبد العزيز، وأقمت علاقات ممتازة مع الزبائن، وتكررت زيارات المحافظ، وعلمت أن الراقصة تغادر مبكرة يوم حضوره لتنام معه في شقة خاصة. أعجبت بشخصية أبي صخر، وكنت حينذاك قد تعلمت معنى الحمام اليومي، وقص الشعر، والثياب الأنيقة، وتحسنت علاقتي مع حسن وزوجها، ففي كل يوم هناك دفعة من النقود.

أشتريت لمريم أشياء كثيرة، وتركت عملي في معمل الخفان بعد أن وصلت لدرجة معلم، فلقد تعلمت صنع الخفان بكامل مراحله.

وأحببت عبد العزيز أكثر، وحددت ساعات يومية للدراسة بدأت ظروف حياتي تتبدل.

- شفت ياحباب شو بيساوي الانسان إذا أراد؟

شفت ياعبد العزيز وكل هادا بفضلك.

أبو صخر رجل قوي، صاحب شنب كثيف، يمضي معظم وقته وهو يلعب بشنبه، ويشرب الكثير ، ويأكل بنهم.

إجمالاً كل زبائن المطعم يِأكلون بهذه الطريقة، وهذا ما يفرح الخواجه، لأنه يحتقر زبون الفاتورة المنخفضة.

- واطي هو وفاتورته.

كان أبو صخر يبحبح( البقشيش)

- خذ ياولد. خذ أنت تستحق.

يناولني أبو صخر مبلغاً حسب إنتعاشه ومزاحه.

قال: لي وهو يقدم المبلغ ذات يوم

- ياولد تعال إلى مكتبي ، أنا بحاجة إليك.

كرر الطلب عدة مرات، وكنت أهمل، أو اعتبره في وضع غير طبيعي، وذات مرة طلب إلي عبد العزيز أن أذهب إلى المكتب فربما تكون فاتحة خير أخرى.

قدمت للراقصة الكأس المثلجة.

قالت:

- شو إسمك؟ إنت شاطر. خذ هدول.

مئةليرة..... أملك الآن خمسمائة ليرة.

- ينبغي أن تجمع المال، من أجل الزمن ياأمين، وأنت الآن أعتدت على نمط جديد من الحياة، عليك أن لاتعيش تحت تأثيره، الشهادة أهم من كل مال الدنيا.

- ولو ياعبد العزيز.. ولو... الشهادة أولاً.

وذهبت إلى مكتب أبي صخر الذي يعمل في تجارة الحيوانات، كان مكتبه غارقاً في فوضى عجيبة.

- ماذا تشرب؟

قلت:

- أي شيء.

أحضر زجاجة من نفس النوع الذي يحتسيه المحافظ.

- إشرب . الحياة بسط ياولد. إفرح وبس.

فتح درج الطاولة، تناول قطعة بنية اللون، حولها إلى نتف صغيرة، ثم فرغ سيجارة من تبغها، وراح يحشو بعض القطع فيها مكان التبغ.

- خذ ..

- ماهذا؟

- أصحيح لاتعرف ما هذا؟

نعم..

خذلك سحبة..

أخذت سحبة طفيفة.

صرخ:

إبلع ياولد.. إبلع..

سعلت، وشعرت أن راسي بدأ يدور.

_ إنت يا أمين.

- حاضر ياست.

- خود هدول.

مائة ليرة ثانية من الراقصة، وكانت تجلس على كنبة في صالة الاستراحة. ومائة ليرة ثالثة، وأنا أتحرق للنوم مع امرأة، كي اكتشف سرذلك العالم.

فيما بعد صارحت عبد العزيز ضحك طويلاً ثم قال:

- النساء .. سر الحياة والكون.

لكن يد أبي صخر امتدت، وكنت قد تركت السيجارة اللعينة، ورفضتها تماماً:

قلت:

- ماذا تريد ياأستاذ؟

ثم غادرت المكتب

قال: عبد العزيز

- الرجل لا شهامه لديه . وهو من النوع التافه جداً.

إياك أن تتحدث معه. تجنبه قدر ما تستطيع.

حضر أبو صخر مساء. جلس على طاولته. صرخ:

- أنت ياحيوان إحضر الزجاجة.

وضعتها على الطاولة ، مع بعض الصحون، وقبل أن أنجز عملي كانت الصحون تتقاذف في الهواء، وهو يصرخ

- وين الخواجة.. وين الخواجة نحنا ما بنجي لهون مشان نتبهدل، نحنا عم ندفع مصاري.

إجتمع العمال، وأنا إبتعدت عنه قليلاً، وراحوا يقدمون له الاعتذرات بكامل الذل.

قدرت أن دقائقي قد اصبحت قليلة في هذا العمل، وترسخ هذا الشعور حين دخل الخواجة وهو يرتجف غضباً

- يابيك.. سامحني يابيك. أنا بوس إيدك . هلي بدك بصير.

إجتمع الزبائن حول أبي صخر، وراحوا يطيبون خاطره

- لاتكترث بالموضوع، الولد وقح.صرخ الخواجة

ماإلك شغل عنا، طلاع لبره، شومستني، واحد ابن شوارع لازم ماتشتغل هون.. وحياتك ياأبو صخر شفقة عم نشغلو عنا، دخيلك إرتاح,.. تفضل..أرجوك.

قال عبد العزيز:

- لايجوز طردك من العمل.

دخلنا مكتب الخواجة، حاول عبد العزيز إقناعه، فرفض.

- تصرف غير لائق.

- ماذا تصرف ياخواجة؟

- الزبون على حق.

قال عبد العزيز:

- هي الحياة يابني، القوي يأكل الضعيف، ولايهمك سوف نبحث عن عمل آخر.

وفي اليوم التالي سافرت أمي مع زوجها إلى قرية لزيارة خالتي وكانت مريم عند الجيران، حين حضرت خديجة تطلب رغيفاً لأمها، حاولت معها ، فقفزت إلى الوراء.

أنا أعلم أن خديجة لاتبخل في مثل هذا الموضوع، وترفع ثوبها ببساطة وقال: لي عمر إنها ممتعة، وأبدى عبد العزيز إعجابه بتناسق جسدها، وتعلم خديجة أن عبد العزيز يهتم بها، وحين تعبر من أمام الكوخ تتصنع مشيتها الآلية.

قالت خديجة:

- أنت يا ابو نقطة!

وضحكت.

- أمسح نقطه ، وبعدين تعال بوس.

تناولت رغيف الخبز.

- قل لامك ياشاطر، بأننا سنرجع الرغيف، منشان ماتضربك

- هذا البطل فهم الفقر ودفعه كي يغيير مجتمع بكامله ، لقد أزلت النقطة ، واشتريت الثياب الجميلة وأملك النقود المعقولة. وسوف أحصل على الاعدادية هذا العام ولو لبيت رغبة أبي صخر لكان الأمر مختلف تماماً. فما الذي يجري في هذا المستنقع الآسن؟ الذي يحتاج لبقايا إسفنج كي يمتص ما فيه من قذارة.

هل أنا القذر أم هم؟ هل أنا الغلط أم هم؟...

أين يكمن السر؟..

***

عملت مع أبي حسن في فتح المجاري. أحببت الرجل الذي أمضى حياته في هذه المهنة.

- اسمع ياأمين : أنا أحب رائحة المجاري، أكثر من رائحة البشر، في المجاري تكتشف يابني أشياء يمكن عكسها على البشر مباشرة.

ضحكت، وضحك أبو حسن.

كان أكبر مبلغ حصلت عليه من فتح المجاري من خلال شقة لناس أثرياء، عملنا من الواحدة حتى السابعة مساء ولم نكتشف سر هذا الاغلاق. غادر سكان البيت إلى مكان آخر بسبب الرائحة، وتشاجرت الزوجة مع زوجها ، وكادت تضربه لولا وجودنا.

- مية مرة قلت لك خلينا نبيع هالبيت. بخيل..

كل مصاريك مثل هالريحه . متل ريحتك كمان خرجت المرأة، وتبعها الرجل قائلاً:

- تابعوا عملكم حتى أعود.

دخل أبو حسن إلى الحمام، غسل يديه جيداً، ورجليه ثم خرج إلى المطبخ ، وضع الطعام وقال:

- إذهب وأغسل يديك ، هؤلاء لايأخذون إلاَّ بهذه الطريقة.

كنا نأكل حين دخل صاحب البيت.

قال:- ماشاء الله.

رد أبو حسن بهدوء

- جعنا، وأنتم خرجتم.

لم يرد الرجل

قال: أبو حسن.

- قم لنتابع العمل.

- لا سر في المجرى ياأمين، السر في نتانةصاحبه.

ومن العجيب فعلاً أن هذه الرائحة ليست جديدة عليَّ ، فهي متوفرة في حينا سواء أغلقت المجاري، أو أنفتحت.

عن أية مجاري أتحدث؟ حينا بطبيعة الحال لايعرفها.

العجيب فعلاً أنني لم أنسجم مع رائحة هذا البيت، وجدتها ثقيله.

قال عبد العزيز وهو يضحك:

- هؤلاء يغطون على روائحهم بالعطور، لأنها حاده لا تطاق . في أحياء الفقراء تبقى الرائحة محافظة على طبيعتها ويمكن للانسان أن يتأقلم معها، لهؤلاء رائحة مزيفة، هي بطبيعة الحال تمثل فكر أصحابها.

ضحك عبد العزيز طويلاً كعادته، ثم سعل ، وبصق، وتناول سيجارة

- ايها الفرخ الاشتراكي، بدأت تكتشف الحقائق. عظيم.

***

تعلمت مهنة الحلاقة بسرعة، من خلاَّلها أقمت علاقات رائعة مع شريحة آخرى من البشر.

عملت في صالون الأناقة، عند حاج لايتحدث إلاَّ في الدين، كونت عن الدين فكرة جيدة، وكنت أناقش عبد العزيز وأطالع، وبعد فترة صرت أختار الكتب التي تتناسب وطبيعة أفكاري، قرأت في الفكر القومي وأحببته.

وفي الوجودية، وكنت أبدي وجهات نظر، وحظيت باعجاب بعض الشخصيات التي تزورنا في الصالون، وانتسبت إلى أحدالأندية الرياضية ، وصرت أمارس الرياضة ساعة أو أكثر في اليوم وكنت أيضاً أستعد للامتحانات، والحاج يوفر لي فرصة للدراسة، كذلك عبد العزيز.

تعرفت على إنعام ، صبية سمراء طويلة. تتناسب نظارتها الطبية مع تقاطيع وجهها، ولها جاذبية خاصة.

دق قلبي.

ضحك عبد العزيز.

- آه من القلب حين يدق.

حسنت من وضع المنزل، أدخلت إليه الراديو، صارت أمي تسمع الاذاعة وزوجها يدعي الفهم وهو يستمع إلى الأنباء.

- قال: العرب بدن يحاربوا

ترد أمي:

- مين قال؟

- أمريكا.

- وليش شوبدا أمريكا بالعرب؟

مابعرف.

تحولت إنعام إلى أمل. فأصبحت الاحلام تخطط من أجلها. بيت، وطفلة، على أن تشاركنا أختي مريم الحياة حتى تتزوج.

عرفت شوارع المدينة وقع خطانا، كذلك البساتين القريبة.

كنت أهامسها خائفاً:

بيني وبين الاعدادية شهر واحد فقط.

وكان عبد العزيز لايفتأ يقرعني:

- أدرس ياولد. أدرس جيداً.

وصل المبلغ الذي أدخره إلى ألفي ليرة.

- مبلغ جيد يمكن أن يصنع لك المستقبل.

ثم ضحك عبد العزيز..

- أعمل ياولد لاتتوقف. كتب علينا ذلك.

مقعد في الحديقة، مقعد في المكان العام نحتسي قهوة، شاركت عبد العزيز الاقامة في منزل صغير، حصلنا عليه بأجر شهري زهيد.

كنت أحرص على مريم، ,اصبح صاحب الصالون يعتمد علي، بعد أن أتقنت المهنة، وصرت أتفنن في مسك المقص وأسلوب العمل، وجلب الزبائن.

بدأت عمليات توسع الحي..

***

يظهر أن اللمبة الحمراء التي أدخلها سليمان قبل عدة سنوات إلى صالونه قد أدت إلى إدخال المزيد منها، ومن المراوح الكهربائية وبدأنا نتعرف على " ديكور" الواجهات التجارية والأسماء الدخيلة على حياتنا ( نوفوتيه) ( باتسيري) ( نسكافيه) ورجع مهنا من الكويت ففتح أول نوفوتيه لبيع الادوات النسائية. وخصص في ركن جانبي من الواجهة قسماً لعرض الملابس الداخلية النسائية.

قال مهنا:

- نعم ياسيدي أهينت كرامتنا، وهلي بيقول غير هيك كذاب.

الكويتي بيعطيك القرش بذل.

قاد سليمان الحلاق حملة ضدَّ واجهة مهنا، وسانده الشيخ تامر، الذي كان يردد:

- عشنا وشفنا، فجر، وفسق،

ويرد عليه سليمان:

- شايف ياسيدنا الشيخ، يكفينا واحد فاسق جاب (بسكليتات) إجانا التاني على أضرب.

حصل عبد العزيز على رخصة رسمية، وأضاف إلى الدراجات مجموعة أخرى ، وكان في ذهنه بعض الأفكار لم أستطع فهمها.

تعرفت على تفاصيل أكثر من حياة إنعام، يعمل والدها بالتجارة، وينفق دخله على أمها المصابة بمرض خبيث، ويحتسي الكحول، وهي مشغولة بأمها، ووجدت إنعام نفسها في سن مبكرة مسؤولة عن البيت.

بين ثلاث بنات أصغر منها، وأخ في العاشرة ترك التعليم واتجه إلى مهنة ( الميكانيك)

كانت تتشبث بآرائها، وغالباً ما تكون آراء ارتجالية، ولعَّلها في دخيلتها كانت تحب الاطراء، وتنجرف مع المجتمع الذي تحيا به، ولا تقاوم الاغراءات التي تقدم لها.

حملت نفسي مسؤوليتها، وحملني عبد العزيز هذه المسؤولية، وحين صارحتها بما اشعر، رفضت كل هذه الأفكار، واتفقنا أن تكون الآراء مشتركة فيما يخص حياتي وحياتها، وكنت أحرص على معرفة كل شيء.

لكنها كانت تتستر أو توارب في نقل الحقيقة، وكان تطلعها إلى الحياة أكبر من واقعها بكثير، فهي تهتم بالأناقة، والذهب، وتفرط في الزينة.

أحببنا عبد الحليم حافظ

( صافيني مرة، وجافيني مرة)

صرت أعطيها الكتب كي تطالعها، وصرنا نتردد على السينما، ونتوه بين( رد قلبي) و( دعاء الكروان) و(ذهب مع الريح) وسواها.

كنت أناقشها. هي تحاول إقناعي بأنها تتبدل، وبأنها مشت معي في الدرب الذي علمني إياه عبد العزيز، وكنت اتشكك في ذلك، وأحياناً أشعر أنها سخيفة أو خبيثة، وحين أتفحص بعض تصرفاتها تكبر شكوكي، لعَّلها كانت تتقن التمثيل، وتختلف حين تكون معي، وادركت أنني لم أكن التجربة الأولى في حياتها فهل سأكون التجربة الأخيرة؟ لكنني أحببتها.

حاولت أن أبعدها عن تراخيها النفسي أمام الاطراء. فتهربت بأسلوب لايخلو من الذكاء، حاولت أن أحدد معها ملامح مستقبلنا المشترك، فبدت آنية جداً، لكن الصدمة عاجلتني حين علمت أن شقيقة لها قد حملت بطريقة غير شرعية

ثرت عليها.

- أنت المسؤولة.

ردت ببساطة

- يسطفلوا.

- ببساطة ؟ وأنت المسؤولة اتجاه الجميع.

- يادوبني حالي.

كنت أنفجر وأنا أصرخ بها:

- لايجوز ذلك ياإنعام ، هؤلاء أمانه.

تفهم إنعام حياتها كما تريد هي ، وليس كما يريد الآخر حتى أنا، وقد تختصر كل شيء في حال إيجاد الزوج، رجل الزواج من أجل الزواج كنت احدثها بوضوح لكن ماذا أقول لا أدري ؟ تراكمت الأخطاء، وكانت تؤثر في حبنا بعض الشيء، ولا تفقده جوهره، لكنها أوجدت بعض الشروخ وكانت المطالعة ترضي غروروها، كي تبرز كوجه متفوق. مثقف في حينا. وهذا ماأدركته بعد فوات الآوان،وحين سقطت إنعام قيل في الحي:

- إنها مثقفة

وكانت موضة المطالعة تلون حياة الحي حديثاً:

قال عبد العزيز:

- أنا معجب بهذه الفتاة، لكنها بحاجة للكثير حتى تتجاوز الموروث، وتستوعب العالم الجديد.

لقد اكتشفت أخيراً أنها تخونني وتظهر الاخلاص لتحقق المكاسب ولكن أية مكاسب؟

استرجعت صورة سلوى الممرضة، وأكوام التراب في المقبرة.

ترى ماذا حل بالمقبرة؟ منذ زمن طويل لم أصرخ، وشعرت بحاجتي إليه

- قم ياأبي.. قم كتب علينا أن نحيا قصة الشرطي.. الشرطي ياأبي وأنت وأنا وأمي وأنعام.

ساهم حبي لانعام في استقرار حياتي إلى حد ما، ولعَّله الجانب الايجابي الوحيد الذي تحقق، اندفعت نحو المستقبل، كنت أقدر أن كل هذه الظروف ستزول حين تزول أسبابها، مع فهمي غير الواضح لطبيعة إنعام، وأعتقدت أن مرض أمها هو السبب في التفكك الحاصل، والوضع الاقتصادي. لقد وضح لي عبد العزيز مجمل هذه القضايا دون أن يناقش إنعام.

هل اكتشفت إنعام مدى حبي لها حقاً؟

اختلفنا مراراً حتى بات انفصالنا محتوماً،وقرر كل واحد منا متابعة طريقه بعيداً عن الآخر، وقبل الوداع الرومانسي منحنا نفسينا فرصة قد تساعدنا في تخطي الموقف.

كنت أعمل وافكر، ولم استطع اتخاذ القرار، ونجحت في الشهادة الاعدادية، يالها من فرحة جعلتني أقفز وأقبل عبد العزيز إقترب مني سليمان بعد أن بصق.

-شو يا نجحت؟ بدك تصبر إستاذ، ولابسكليتاتي متل هالمسطول؟

- بدي صير حلاق. بتبيع الصالون.

- إمشِ من هون.. إمشِ.

بين الحب والشك والكرامة والشرطي وجدت نفسي أترنح ، آه يابائع الخضار المتجول على عربة خشبية كيف قضيت عمرك ضعيفاً ومقيداً يالشرطي.

إستدعاني عبد العزيز، وكنت أعمل في الصالون، وعندي عدد من الزبائن. طلبت من الحجي أن يسمح لي بدقائق قليلة، كي أعرف ماذا يريد عبد العزيز؟

خرجت إلى رصيف الشارع، حيث كان بانتظاري، وهي المرة الأولى التي يحضر بها عبد العزيز إلى مكان عملي..

اعتقدت أن أحدهم قد مات...

قلت:

- هل مات أحد؟

رد عبد العزيز بهدوء..

-لا..

إذن ماذا جرى؟

لاشئ.. دعنا نمشي قليلاً..

ومشينا عدة خطوات. حين صرخت، ورحت أرتجف غضباً.

ماذا تقول؟ مستحيل..مريم عند الشرطة.

- اسمع، وأخذوا معها مجموعة من النساء، ومنهن أمك.

صدمة أخرى أضيفت إلى قصة الشرطي. حتى مريم ياللهول، ركبتني كل أحزان الأرض، دخلت إلى قلبي الذي تسرب إليه الفرح قليلاً ولم يستقر طويلاً.

قال عبد العزيز:

لاتضعف ، واجه بقوة.

كانت مريم تبكي وعلى وجهها مخاطة، مريم الجميلة، الرقيقة ترجع إليها المخطة من جديد.

أطرقت إلى الأرض حين شاهدتني.

والله ياأخي ما في شيء، أمك أخذتني معها وهي أول مرة..والله.. والله.

ردت أمي:

- طول عمري بزور بيت سليمان الحلاق، وأنا ما بعرف شيء أبداً.

صحيح كان فيه ناس بالبيت. بس هدول قرايبين سليمان من السعودية.

إقتنع المحقق بكلام أمي، ولم أقتنع، وصدقت مريم، حيث كانت أمي ترغب في طرحها للزواج إلى السعودية، وربما المتاجرة بها لأن حنيفه تزوجت هناك وعادت بالاموال بعد طلاقها.

قالت لي مريم:

- جلست مع السعودي في غرفة، وسمعت أمي تقول له: بدك تطول بالك على البنت، فأجابها: والمبلغ كبير أيضاً.

هكذا إذن تسعى أمي لجرف مريم في ذلك الطريق، بحثاً عن المال، أما أنا فعليَّ أن أجنب مريم الوقوع بها.

ضربت أمي لأول مرة في حياتي، لا أدري كيف حدث ذلك؟

صرخت:

- مابيكفي هلي ساويتي فينا..

وقفت أم مدهوشة، ثم استفاقت.. وهي تصرخ بزوجها:

ماشفتو، ولك موتو.. ولك موتو شو ناطر.

هجم عليَّ، فوجهت إليه لكمة، وقع على اثرها وهو يصرخ:

- أنا انكسرت. الحقوني.

هجم علي عمر الذي تضاعف وزنه، فوجهت إليه لكمة أخرى. وسال الدم من أنفه، ووقع على الأرض فاقداً الوعي.

ولولت أمي:

- مات عمر.. ياويلي مات عمر.

وعلاصوت أم عمر من الطرف الآخر

- شو.. ياويلي.. ياويلي..

حضر سليمان. وعبد العزيز، وكانت مريم تبكي في زاوية . وعمر يمسح المياه التي إندلقت فوقه، وأمه مستمرة في صراخها، فوضع عبد العزيز يده على فمها وهو يشير أن الولد لم يمت.

كانت أمي تردد بين وقت وآخر

أذبحوه هذا الكلب، لاأنت إبني ولا بعرفك.

صرخت مريم لأول مريم في حياتها:

هذا أخي، ومن يقترب نحوه سأقتله أنا.

إبتسم عبد العزيز فابتسمت.

حضرت الشرطة، واعتبر الخلاف عائلياً، وبالمناسبة ففي حينا تقع مثل هذه المشاكل كثيراً.

خرجنا من المخفر، وتم الاحتفاظ بعمر بسبب السكين ( الكباس) التي وجدت معه، كما أغلق صالون سليمان، لأنه متورط بعدة قضايا مرة واحدة، منها المخدرات. والانحلال الخلقي. فلقد تبين أنه قواد، وبعد أسبوع خرج سليمان . وكنا نتوقع أنه سيتوقف لسنوات طويلة، خرج سليمان ليقف أمام باب الصالون ويصرخ:

- نحنا أشرف ناس في الحي، ,اقواهم ، وهلي ما بيصدق يتفضل يجرب.

فبادله عبد العزيز هذا التحدي بابتسامة ساخرة.

هل أتجه إلى التعليم؟ أو أتقدم إلى أية وظيفة؟ أو أتابع علمي؟

- أجل سأتابع علمي..

قال عبد العزيز:

ماذا تقول؟ هذا قرار صعب التنفيذ..

ولايهمك... يجب أن أتابع التعليم..

صرخ:

رائع.. رائع جداً..

***

أقامت إنعام علاقة مع الشاب فؤاد، اكتشفت ذلك بالمصادفة، وكنت أتوقع ذلك.

لاأدري لماذا راقبتها في ذلك اليوم، خرجت في السادسة مساء إلى موعدها بالقرب من الساحة الرئيسية، وحضر فؤاد ، ثم سارت إلى جانبه، وكانت تضحك، تقاذفتني مجموعة من المشاعر الصاخبة كنت أحس أنها تمشي فوق قلبي.

زرت فؤاد ليلاً

قال:

- نعم أحبها، وهي تحبني، وماذا يعنيك الأمر؟

انصرفت وأنا أشعر بالخجل، وبالفعل فالأمر لايعنيني. حزنت لأنني لم أوفق في الاختيار، وشعرت بحاجتي للانتقام، وكنت قد اكتشفت قوتي الجسدية.

قال عبد العزيز:

جسدك قوي ياأمين، أهتم بالرياضة قليلاً.

استعرضت الشريط، عمر ، والمقبرة، وإنعام وتبين لي أني أحب مريم وعبد العزيز فقط، وأكره أبو صخر ، ولكن يبدو أن المجتمع بكامله ابو صخر.

قال عبد العزيز:

وماذا يعني ذلك؟ جميعهن هكذا يارجل، أمامك مستقبل وستجد من تخلص لك في يوم من الأيام، وتضحي من أجلك، أفهم ياولدي المشكلة الفردية تنتهي عند مشكلة الجماعة فلا تدع الفردية تسيطر عليك، شربنا نخب فشلي، حدثني عبد العزيز حول الإحساس بالمحيط، ووضح أن من يملك القدرة على ذلك، سيتعذب بحياته حتماً، واعتبر أن معرفة خفايا حينا مسألة ضرورية، لأنه مركب على التناقضات ومثل هذا الحي وفهمه، يساعد في تحقيق مستقبل أفضل.

كنا نستمع إلى أم كلثوم

( أنا لن أعود إليك

مهما استرحمت دقات قلبي

أنت الذي بدأ الملامة

والصدود وخان حبي)

وزارني الشيخ تامر في صالون الأناقة، جلست معه قليلاً، وشربنا قهوة، ولاحظت أنه يريد أن يدخل معي في موضوع ما.

سألني عن المستقبل قال:

- هذه المهنة لاتليق بشاب يحمل إعدادية.

- هي مهنة ياشيخ، مهنة وأنا أحبها، وأتابع علمي.

كان الشيخ يتحدث في مجموعة أحاديث ليست مرتبطة مع بعضها، وكنت أعلم أن لزيارته سبباً آخر غير تلك الأحاديث، ثم جاء الحاج صاحب الصالون، فدخلا في مناقشات دينية.

قال الحاج:

- إحلق للشيخ تامر ياأمين، وأنا سأذهب إلى السوق.

رد الشيخ تامر:

- أنا كنت بحاجة لأمين في موضوع خاص.

طلب مني الحاج أن أخرج مع الشيخ، الذي بادرني ما إن تلقفنا الطريق.

- انت بحاجة لبعض دروس بالدين، وعليك إتقانها، الشهادة لوحدها لاتكفي.

أنا أعلم أنه ليس الحديث المقصود أدخل في الأهم ياشيخ تامر

قدرت أن الرجل في حاجة لبعض المال أويريد أن يتقرب مني بعد فضيحة سليمان.

قال:

- لاعيب في الحلال. وأنا بعد ما جرى مع أختكم مريم حفظها الله.وجدت نفسي ملزماً في حمايتها، وجعلها واحدة من أفراد اسرتي. مدَّللة، مرفهة. آمره، وهي تستحق رجلاً مثلي يعرف كيف يعاملها بالحسنى.

عرفت ماذ يريد الشيخ تامر؟ الذي خلف السنين خلفه.

قلت:

- سأنقل الرغبة لأختي مريم، فهي صاحبة العلاقة.

رد الشيخ بعصبية:

ومنذ متى كنا نأخذ رأي النساء. في مثل هذه المواضيع؟

وجدت نفسي في المقبرة ، فتشت عن قبره، تغيرت الملامح القديمة رأيته بين زحمة من قبور لم تعرفها طفولتي.

أرأيت اللعنات؟ كلما قفزت فوق جدار، أرى غيره. في طريقي حملتني الشوك وأنا بعمر الورد، وكتبت علي أن اعيش تحت رحمة اللعنة التي خلفتها لي، وهذا الشيخ تامر يرغب في ابنتك. قم يارجل ، قم لنواجه معاً تلك المياه الآسنة، قم يارجل فالنظيف فينا يبحث عن الاسفنج ليمتص قذارته.

تابعت إلى الكوخ، عبد العزيز يبعد عني اليأس. هو الوحيد الذي وقف إلى جانبي منذ البداية.

ماذا يحمل هذا المجهول القادم؟ الذي يرعبني أحياناً، ويريحني في الوقت نفسه .

قال عبد العزيز:

- لابد أن المستقبل يخبئ من أجلك أشياء.

ضحكت

- أشياء، واية أشياء.

طالعت الكتب الكثيرة، وبعد إنعام صرت أركز على دراسات علم النفس، واقتنعت أن حبي مجرد مرحلة لابد منها، تترك بصمات وذكرى ولا علاقة لها بالمستقبل، وأن الحب الحقيقي لايسقط أمام مغريات الحياة مهما كانت.

صرت أمشي ليلاً في الشوارع التي عرفناها معاً. هنا ضحكنا ، وهنا إتفقنا على تسمية الطفلة القادمة.

- إختر أنت.

-بل أنتِ

-نسميها.. ماذا نسميها؟

همس..

ومنذ ذلك الوقت أطلقت عليها أم همس، وكانت ايامنا تمر كالهمس فعلاً. عاشت همس بيننا تأكل معنا ، تشرب ، تحلم. تناقش. غرفة من أجلها فسحة كي تلعب، تطلع تافه لاثنين من مجتمع المجارير المكشوفة. والمياه الآسنة، ياللغباء الذي يرتكبه الانسان حين يفكر أن يغير بحياته دون أرضية فولاذية تمكنه من وضع قدمه في بداية الطريق، نعم كنت أحلم بشخصية المحافظ، وابحث في سر، إنه السؤال الذي حيرني حينذاك، لماذا يخسر الانسان ذاته دفعة واحدة، ألأنه لايحسن ترتيب الساعات؟ هل خسر عبد العزيز هذه الذات؟ وهو المنسجم مع نفسه، والقانع بها . والذي يعرف ماذا يريد جيداً؟

كنت أتقن طبخ البيض مع البندورة، أو البطاطا، وحين نترفه قليلاً كنا نزود الطبخة بكمية لحوم، وعبد العزيز يعتبر الأكل متعة، ويحب البصل اليابس.

- ياشاطر البصل مسألة مهمة.

وأحياناً نكتفي بأكل الخبز مع البصل، كما أعتاد حين كان يعمل في الأرض ويفضل الخبز الطازج من فرن أبي عدنان، وبالمناسبة فعلاقة أمي معه قد انتهت، ولم يعد يميزها، وصارت ترسل مريم لجلب الخبز وكانت تلقى الترحاب.

شربنا كثيراً، ودخنا كثيراً.

قال عبد العزيز.

ضع في حسابك أن عليك أن تعيش دائماً في إطار لعبة التوازن ومن يريد مواجهة الحياة، عليه إتقان ركوب الدراجة الهوائية. يركب البشر هذه الدراجة، ولايعرفون معنى المحافظة على توازنهم خذ مثلاً أم همس، حين فقدتك فقدت توازنها، وسوف تندم.

وضحكت...

لاتقل غير ذلك يابني، كل فتيات الأرض يندمن بعد فوات الآوان والرجال لايدركون ذلك، كن متوازناً في جلستك، لاتتعب ومع أفكارك، ونومك ، وصرفك، واذا خسرت التوازن في يوم ما فتش عن السبب في دماغك. لأن خلاياك بدأت تأكل بعضها بعضاً وهنا الكارثة.

توقف فجأة ، كأنه تذكر شيئاً، أنت الآن بمرحلة الصدمة العاطفية، أمثالك يكتفون بسماع الاغاني ، أما أنا فالآن سيان عندي . أنا بحاجة لذراع بيضاء، وصدر متوثب، وشفاهي تمتص الرحيق..

***

قرر عبد العزيز السفر إلى قريته.

- ست سنوات ياأمين ونحن معاً، تصور كيف يمضي الزمن؟ بالأمس كنت طفل المخطة، واليوم حامل الشهادة، وغداً... عليك الآن أن تتدبر أمر البسكليتات إلى حين عودتي.

غادر عبد العزيز، وشرحت للحاج صاحب الصالون أسباب تركي للعمل فقال:

- عد إلى عملك حين تشاء.

عشت فراغاً بسبب غياب عبد العزيز، ودعاني سليمان لشرب الشاي عنده، وسألني عن مشاريعي بعد الشهادة

- أين صاحبك عبد العزيز؟ باعك الكوخ.

- سافر إلى قريته.

- على مين ياشاطر؟ عبد العزيز في السجن لأسباب سياسية.

صعقني الخبر

- من قال: لك

- ولو ما في شي بيتخبا على سليمان الحلاق، إستغلها فرصة ودبر حالك بقرشين.

- أنا ما بستغل ، ولابدبر حالي.

- غشيم..

بحثت في سجن المدينة. لاوجود له. فتركني سليمان في حالة قلق مستمرة، كنت أعمل طوال النهار. وأسجل دخل الدارجات والنفقات، وأدخر المبلغ المتبقي. وأقوم باصلاح الاعطال والعجلات.

حضر محمود صباحاً، سلمته دراجة، وتأخر عن موعد التسليم، رحت أبحث عنه، علمت أن سيارة قد صدمته، والدراجة محجوزة لدى الشرطة، ذهبت إلى مستشفى سلوى، شاهدت أهل محمود، وصوبت نحوي نظرات اللوم، فجعلتني أشعر بالذنب، وحملت نفسي مسؤولية ما حدث، لأن محمود لايتقن لعبة التوازن، ولو كان عبد العزيز هنا لجعله يقود الدراجة أمام الكوخ فقط.

كيف غاب عن ذهني ذلك؟

إقترب أحدهم مني قال بغضب:

- روح لعند الشرطة عم يدوروا عليك.

أنهت الشرطة استجوابي سريعاً، وحصلت على الدراجة المحطمة ثم عدت إلى المستشفى كي أعرف ماذا جرى لمحمود؟ رأيته بحالة جيدة، ففرحت، واجلسني إلى جانبه، وسألني عن الدراجة ضحكت.

- المهم أنت.

قال محمود:

- أنا بتحمل قيمة الاصلاح.

قلت:

- ياأخي أحمد الله على السلامة وكفى.

وكان محمود قد وضح للشرطة أثناء التحقيق أنه قد أخذ الدراجة دون علمي، وعرفت أن أمه قدفارقت الحياة منذ عدة سنوات وهو يحيا الآن مع زوجة أبيه التي لاترحم ، وترك المدرسة ليعمل (جلا) صحون النحاس.

سألت في قسم الاطفال عن ممرضة أسمها سلوى.

- لايوجد ممرضة بهذا الأسم.

ثم أرسلوني إلى سلوى شابة في جناح آخر

قلت:

- سلوى ممرضة قديمة.

ردت:

- سلوى.. سلوى.. لايوجد غيري سلوى هنا.

نجحت في إصلاح الدراجة المحطمة، وأعدتها إلى ماكانت عليه بل أفضل ، وهذا اكتشاف آخر، حين فكرت وصممت تمكنت من إصلاح الدراجة، وضعت دراجة سليمة أمامي ثم بدأت العمل خطوة، خطوة، طرأت على المحطمة بعض التشوهات بسبب لحام الكهرباء، لكنها عادت أقوى مما كانت.

ينبغي أن ابحث عن عبد العزيز، لقد مضى الشهر ولم يعد، وبصراحة بدأت أميل لتصديق كلام سليمان.

قررت أن اسافر في الاسبوع القادم بحثاً عنه، وقد أخذت اسم قريته من بعض الرسائل القليلة التي وصلته.

وافقت مريم على الزواج. لا أدري كيف تم ذلك؟

كنت أعطي مريم مصروفها اليومي أثناء عبورها إلى الكوخ وكانت تجلس عندي، وتحضر الشاي، ولم تحدثني عن ألأمر نهائياً وقدرت أن أمي قد رتبت كل شيء، وظننت أن الشيخ تامر هو المقصود، لكنني فوجئت بمنصور البوابرجي الذي يكبرها بثلاثين سنة.

ارسلت أمي في طلبي بعد غياب ابتدأ منذ ضربتها، تركت العمل واتجهت صوب البيت، فرأيت سليمان الحلاق، وابو فايز بائع البيض ، والداية خديجة، وأم عمر صديقة أمي الدائمة.

قال سليمان:

- أنت الأخ الوحيد . وموافقتك تهمنا.

قالت أمي:

- زواج البنت سترة.

زغردت أم عمر، وكانت مريم في المطبخ، واتفقوا على تحديد يوم العرس.

لم يعد عبد العزيز وينبغي أن أسافر مهما كلف الأمر، تزوجت مريم. دعي إلى العرس كل الأشخاص الذين لاأحبهم.

سألني عمر:

- ماأحوالك؟ سمعت أنك ستتابع التعليم، أي ستبقى تلميذاً.

لم أرد:

ثم اضاف

- ليش خادم مطعم أحسن، لا. عامل خفان، وبعدين منظف مراحيض، وحلاق، وبعد الاعدادية صرت بسكليتاتي، أنا صار معي مصاري كتير، وبدي أتزوج،وفتحت بيت، إنتي شو ساويت غير الشهادة؟

قلت:

-مبروك ياعمر، أنا ما بدي أتزوج، ولابدي يصير عندي بيت، تركت هالشغلات إلك ولأمك.

كان عمر يحدثني بمزيد من الحقد بسبب فشله الدرسي، وحين أجبته تهجم وصاح:

- صرت تحكي ياأبو نقطة؟ والله تغيرت الدنيا.

تجاهلت عمر.

سألني سليمان

- شو أخبار الاعرج؟

- جيدة، واترك الرجل بحاله.

قال:

- غريب وراء غريب، بدنا نشوف الحارة للغرباء.

- أرجو أن يكونوا كلهم مثل عبد العزيز.

بكت أمي، ومريم، وزغردت أم عمر، وقبلتني مريم بحرارة.

قال زوجها:

- سأبعثها كل أسبوع مرة كي تراها

أدركت أن مريم قد خرجت من حياتي، وأنني خسرت نبضة من قلبي وفجأة أطل عبد العزيز. عانقته . قبلته. صرت ابكي. انشق القبر وخرج الرجل صرخت:

- ياأبي. ياأبي.

طال عناقي لعبد العزيز ودون أن أدري كان شريط الذكريات يعود إلى الوراء.

قال: عبد العزيز

- ماذا تعمل يابسكليتاتي؟

قلت:

- كما ترى يامعلم.

أشعلت ( بابور الكاز) شربنا الشاي، حدثني عن القرية وأخوته وفرحه باللقاء، وأثر صمت قصير همست:

- من لي في هذا الحي سواك أنت ومريم؟ أمي لم أرها منذ زواج مريم زرت مريم ظن زوجها أني زرتها كي آكل

فقال:

- حطي غدا لأخوك وخلي يمشي.

ضحك عبد العزيز:

- وماهي أحوالها؟

- يضربها ، ويشتمها كما قالت من اليوم الثالث هو وأولاده وزوجته الأولى كلهم يوجهون لها الاهانات .

رفضت أخذ لمبلغ باصرار.

قال:

- أتركه معك، وحين الحاجة أسترده، بالمناسبة ما هو المبلغ المدخر لديك.

- وصل إلى خمسة الأف مع هذا لمبلغ.

- بعد فترة سوف ندخل بتنفيذ مشاريع مهمة لصالحك.

قلت:

- تتبدل الأيام، ويقرع المجهول الباب، ويدخل دون إستئذان .

ضحك وقال:

- صرت تكتب الشعر.

وبالفعل كانت لي بعض المحاولات البسيطة.

***

أحببت محموداً كثيراً، ولعَّل ذلك لما خلته يجمع بيننا من ظلم . كان يشكو زوجة أبيه التي لاترحم، وهو يقدم ما يستطيع من نقود كي يطعم أخوته، وذات مساء قال:

- أعطاني الرجل الذي دهسني مبلغاً، مقابل إسقاط الدعوى وهو صاحب شركة للبناء، وطلب مني أن أحضر عمالاً من الحي إلى ورشته هل تعمل معنا؟

- أنا أرغب في متابعة دراستي يامحمود.

- ياأخي جرب.

استشرت عبد العزيز، فطلب أن أزور الرجل، لأفهم طبيعة العمل ، فنفذت.

رجل أنيق. لطيف يجلس في مكتب أنيق. تميل الأشياء الموجودة فيه إلى اللون الخمري.

قال:

- أنت متعلم.

- أحمل الإعدادية.

- إعدادية جيد، يمكن الاستفادة منك في الأعمال الحسابية لإحدى الورشات.

- لكنني سأتابع علمي.

لايمنع. وأظن أن عمل الورشة يوفر لك الوقت للدراسة، وشهادة البكالوريا بحاجة لجهد شخصي، أنا حصلت عليها دون مدرسة وبالمناسبة أعجبت بك من خلال موقفك مع محمود أثناء الحادث، أنت تحملت المسؤولية، وأنا من ساعدك لدى الشرطة، حدثني عنك محمود وهو في المستشفى، وكان أهله يريدون الإساءة لك.

تذكرت تلك النظرات الحاقدة، والاستجواب السريع في مخفر الشرطة والاهتمام الكبير بمحمود في المستشفى. ودون أية مقدمات سألني السيد موفق:

- ماأوضاع حيكم الغربي؟ هناك تحولات جديدة يحققها الشبان العائدون من الخارج.

قلت:

- نعم بعض المشاريع الصغيرة، ولكن الحي بحاجة لخدمات أكثر.

أبدى رغبة في زيارة الحي، وبيوته، والساحة، فركبت معه العربة وانطلقنا.

وقف سليمان الحلاق أمام باب دكانه ، بصق عدة بصقات على الكوخ وهو يحمل بيده المقص ثم قال : بصوت مرتفع :

- عشنا وشفنا. أبو مخطة يركب سيارة خصوصي.

كان السيد موفق ينشر نظراته بين هنا، وهناك ثم طلب أن ندخل الأزقة، وكان عبد العزيز يناقشه ويتابع حركاته.

أوقف العربة في مدخل زقاق بيتنا، وشاهدنا عمر، حاول أن يتعرف على هوية الرجل.

قلت:

- أقول لك فيما بعد.

قمنا بجولة قصيرة وغادرنا.

حضرت أمي في اليوم الثاني مهددة، وكنت لأول مرة أسمع بإرث البيت وحصتي منه

قالت:

- هذا بيتي ولن أسمح لك و لغيرك ببيعه للغرباء.

وقفت مندهشاً مما تقول.

- عمر شاهد الرجل الغريب.

قلت:

- ياأمي عمر كذاب، ياأمي عمر كذب يوم (السينما) أتذكرين؟ وكذب في موضوع السيجارة، وكذب بشأن البيت، أنا لاأفكر بهذا الموضوع.

تدخل سليمان الحلاق الذي حضر من دكانه إلى جانب الكوخ

- دخول هذا الرجل الغريب إلى الحي ما بيريح، وهادا كمان دخل / وأشار إلى عبد العزيز الذي يصلح إحدى الدراجات/

وتابع حديثه

-سيدخل الآخر، والآخر ، وماذا سيحل بأهل الحارة؟

بالمناسبة فان سليمان الحلاق يتحدث أحياناً بلهجة عربية فصيحة لكنها مفككة، يدخل فيها المزيد من الكلمات العامية.

قلت:

- وأنت لم تفسد الحارة بعد؟

فرد عبد العزيز الذي لم يتدخل في حواري مع أمي.

- ياسيدي الفساد ذاته. لاراح ولا إجا.

رد سليمان:

_ اخرس أيها الأعرج النحس، من يوم ما دخلت الحارة ما شفنا الخير.

قالت أمي:

- بدك تنزل على الطابو، وتتنازل عن حصتك.

قلت:

- بنزل ياأمي. بكره بنزل.

ذهبت أمي ، وغضب عبد العزيز رافضاً التنازل عن أي حق من حقوقي في البيت وطلب أن أعلم مريم بهذا الأمر.

- لايمكن لمخلوق أن يجبرك على التنازل. إنه حقك الشرعي.

قلت:

- ياعبد تبقى أمي.

قال:

- لماذا لاتتنازل عن حصتها؟

دخلت إلى دكان عمر، كذب كل ما قالته أمي.

- أخترعت هذا الكلام من عندها.

كنت على ثقة أنه يكذب، فتركته يشتم، ثم حضرت أمه مهددة.

- والله إذا ضربتو بدي إشتكي للشرطة.

- ياخالتي أم عمر..

- يلعنك ، ويلعن خالتك يا أبو نقطة، صرت تضرب ولاد الناس .

صرخ سليمان الحلاق

- ماذا يجري في هذه الحارة؟ ياوجه النحس ياأعرج إتركنا متل الشيطان دخلت فينا.

ضحك عبد العزيز

حضر زوج مريم غاضباً، وقف أمام الكوخ وراح يصرخ بجنون

- حصة مريم من حقها، وما بسمح لواحد إنو يتلاعب فيا، وهلق بدي حصتا.

قال عبد العزيز:

- خود هالمصايب هلق. وحلاَّ مع هالزبون.

أقتربت منه وقلت بهدوء.

- ياصهري أنا وشغلي والبيت لمريم. ليش عم تصرخ هيك.

- ماني رايح من هون بلاحصة مريم، واذا ماصار هيك بدي رجعا مطلقة.

- لاحول ولا قوة إلا بالله.

تدخل عبد العزيز.

- يا أخونا حقك عندي.

- إنت ما دخلك.

جاء سليمان الحلاق ليتدخل كالعادة.

- أعطوا الرجل حقه، بتاكل حق أختك ياشريف.. عيب عليك.

بصق عدة بصقات، وهو يلعب بالمقص ثم عاد إلى دكانه.

حين سمع صهري كلام سليمان ثار أكثر.

قلت:

إذهب ومساء نتفاهم.

- مافي تفاهم بلاحصة مريم.

- ياصهري لم ابع البيت، ولم أعرضه لأحد، وهو باسم والدي حتى الآن، ومين جاب حديث الأرث، ومشي على الطابو لتعرف الحقيقة.

- لاياسيدي بعت البيت، ولطشت حقو إنتي والأعرج وعلى كل حال بدي طلق مريم.

راح يجري في أزقة الحي وهو يصرخ:

- طالق يامريم.. طالق يامريم.

جلست أمام الكوخ، أفكر بهذه المصائب التي حلت لمجرد زيارة الرجل الغريب، وبعمر الذي كان سببها، والذي يطاردني منذ طفولتي هو وأمه، وسليمان الحلاق، وبذلك الصهر الذي رفض أن أزور أختي، وبإنعام ، وبأي نحس يركبني منذ البداية.

قال عبد العزيز.

- إشرب الشاي ولا تهتم:

تناولت كوب الشاي لأرتشف الرشفة الأول، فظهرت جارة مريم من بداية الحارة، راكضة حافية صارخة.

- ماتت مريم ياأمين. إلحق إختك ياأمين:

رحت جرياً ، لم أشعر بأي شئ من حولي، سحابة سوداء، غطت الكون لابد أنني في عالم آخر.

كانت مريم مرمية على الأرض بلا حركة، وبطنها منفوخة لأنها في الشهر الأخير من الحمل، وكان زوجها يبكي ومن حوله أولاده وزوجته الأولى.

نقلنا مريم إلى المستشفى:

قال الطبيب:

- حالتها خطرة. الجنين ميت بسبب الضرب.

انتظرنا طويلاً. لا فائدة. حتى الطبيب دخل إلى غرفة العمليات ولم يخرج، كانوا صامتين جميعاً، كل يحدق في وجه الآخر، ودخلت أمي مولولة في بداية الأمر ثم انضمت إلى جوقة الصامتين، وتلتها أم عمر، فعمر وزوج أمي، وكان عبد العزيز يراقب الجميع عن بعد.

زرت المقبرة بعد غياب. زرتها هذه المرة حزيناً. باكياً. صامتاً لارغبة لي في الصراخ، ولا الشكوى، ولا أي شئ.

أنزلوا مريم في حفرة التراب، إلى جانب قبر أبي.

أصبحت الآن أملك في هذا المكان كومة تراب أخرى، ضمت مريم. كانت الأرض تدور بي، وأنا أبكي، لقد فقدت نبضة قلب..

آه يامريم..

***

دخلت عالم الاسمنت، حيث تحويل الأرض الجرداء إلى مواقع تعج بالحركة.

قدمت الكشوف في الشهر الأول، وأكرمني السيد موفق بإجر إضافي. كنت أمضي كل الوقت في الورشة، وأنام في غرفة خصصت لي زودت بكل ما أحتاجه ، ثم صار عبد العزيز ينام عندي أحياناً أو أنام عنده، كنا نأكل سوياً، وكانت الثانوية شغلي الشاغل.

عرفت فيما بعد أنني كنت أقدم كشوفاً دقيقة، وأن ورش السيد موفق قد تعرضت لسرقات من موظفين، ونتيجة لذلك أعجب بي الرجل، فأدخلني كشريك في مشروع آخر بمبلغ صغير

- هذه فرصة. أنت إنسان جيد تستحق ذلك.

- سأرحل.

قالها عبد العزيز ببساطة وأضاف.

- بعت الدراجات والأدوات لسليمان الحلاق. وسوف أغادر.

صرخت:

- ماذا؟

قال:

سأعود إلى قريتي. أنا أيضاً أريد أن أبني حياتي من جديد، أنت الآن رجل المشاريع، وأنا في حيكم الأعرج الغريب . كل ما حققته من حيكم إلى الآن أن سليمان الحلاق لم يبصق أمام الكوخ منذ عصر البارحة ، حين طرحت عليه مشروع البيع.

لم تسعفني الجمل في إيجاد التعبير المناسب ، لمثل هذا الموقف الذي فجعت من هوله.

قلت:

- كان عليك أن تتريث بالسفر، وبيع الدراجات. ولسليمان بالذات

- سليمان هو الرجل المناسب لمثل هذا العمل، يضع الدراجات أمام الصالون ويتابع عمله الاساسي..

***

كان أبو خالد يتقاضى أكثر من خمسة الأف ليرة لقاء كل شاب يرسله إلى الكويت، ليعمل عند خالد الذي افتتح شركة كبيرة للمقاولات. سافر من الحي أحمد، وسامر، وبهيج، وأبو فضة، توفيق ومجموعة أخرى.

زرت أبا خالد في البيت للاطلاع فقط، وكي أتأكد من موضوع النقود.

استقبلني في صالون عريض. أنيق. زينه بالكهرباء، وهو يرتدي ثياب أهل الكويت وعقالهم. وأمامه على الطاولة مجموعة صحون فيها حلويات، وفواكه، ورجل يقدم القهوة المرة.

كان أبو خالد قد تحول بفضل نقود خالد كما يقول: إلى زعيم شعبي يحل مشاكل الناس، ويتقاضى عنها الأجور. ويسفرهم إلى الكويت. سألني إن كنت راغباً بالسفر ، فوافقت.

قال:

- الاجراءات القانونية تحتاج لمبلغ من المال.

واعتذر لأن عليه تقديم بعض الهدايا لأشخاص هنا، وفي الكويت.

أما بالنسبة لعملي فهو مضمون في شركة خالد التي تستوعب الأعداد الكثيرة ثم طلب سبعة الأف ليرة، نظراً لغلاء التسعيرة وارتفاعها في الشهر الأخير.

قلت:

- سأعمل على تأمين المبلغ.

بالطبع أبو خالد لايعرف شيئاً عن حياتي الحالية، وكل ما يذكره عني أنني الطفل أبو نقطه الذي حمل شهادة الاعدادية بفضل الأعرج عبد العزيز البسكليتاتي، وكان أحد المعارضين لوجوده في الحي.

ودعني أبو خالد دون أهتمام.

- سلم على الوالدة. ودبر المبلغ قبل فوات الآوان.

قدرت . ينصب على الناس هنا وشركة خالد مجرد أوهام.

تراجعت عن تقديري حين تذكرت الشباب الذين سافروا.

قلت : ربما لكني لم أقتنع بما قاله ابو خالد . ولا بهذا المظهر الذي يستقبل به الناس . وكأنه واحد من أصحاب ابار البترول. فعل مال الكويت فعله في حينا، لكنه بالمقابل ليس هذا الثراء الذي يلفت النظر. وحين يرجع أحدهم يفكر مباشرة بفتح دكان ما، وهذا لاينفي وجود حالات إستثنائية لاشخاص قلائل رجعوا ومعهم الأموال الطائلة إن حالفهم الحظ هناك.

ودعت عبد العزيز. بكيت وأنا أقبله، عانقني بحرارة.

وما إن غاب حتى رحت أتساءل بذهول كيف قرر هذا الرجل أن يبدأ حياته من جديد؟

كيف ترك كل ماله علاقة مادية بهذا الماضي! حتى ثيابه وزعها على فقراء الحي، وفي اللحظات الأخيرة قال:

- هذا لك.

رفعت يدي، وأنا الحق به جرياً.

- معي مصاري.. معي مصاري..

- دين.. دين. بتسدد هالمبلغ حين أطلبه منك.

مشيت وحيداً في فسحة من الفراغ ، والهواء، والطنين، ذهب عبد العزيز ولم أكن قد فكرت بافتراقنا قط. من أين جاء عبد العزيز؟ ولماذا أمضى كل هذه السنوات ثم رحل دون أن يحقق أي شيء سوى أنه عاش.

- بتعرف أنا حزين، بحياتي ما ودعت حدا وحزنت قدما حزنت عليك تاريني بحبك.

- لكن شو بدي أحكي أنا..

- ليش عم تبكي؟ لازم تفرح، أنا رايح استقر، بدي ساوي مشروع زراعي كبير. أنا عم استناك مشان تشوف المشروع. صفت أمام دكان سليمان الحلاق الدراجات، وعلق على الزاوية عجلات. وبعض قطع زينه، وكان ينظر إلى الدراجات وهو يحلق للزبون.

استقبلني بحرارة حين دخلت إلى الدكان، امتدح عبد العزيز وقدم الاعتذار عما سبق ، لأنه فهمه غلط، كان يخشى على ابناء الحي لكن هذا الغريب.

- طلع ابن حلال، وما بصير ينحكا عليه غير ذلك.

قلت لسليمان:

- الله يبارك فيك.

- دخلك وين راح؟

ضحكت وقلت بسخرية

- على السجن

قال سليمان:

- أعوذ بالله . شوعم تحكي.

ذكرت سليمان بموضوع السجن، والإشاعة التي حاول بثها.

- سيدي لاتوقف عندا

ثم لمح سليمان أننا ابناء حارة واحدة، وأنني عزيز عليه جداً، وعلىَّ أن أعتبر أن هذه (البسلكيتات) ملكي.

وبالفعل فأنا أحبها، ولي مع كل واحدة قصة، ووضح سليمان أنه يحتاج لتعلم إصلاحها، وطلب مني ذلك، فوعدته أن أزوره أثناء فراغي.

وحين ودعته كنت أبحث في سر بيع الدراجات لسليمان، وماذا قصد عبد العزيز بذلك؟ فموضوع أنه الرجل الأجدر لم أقتنع به.

زارني السيد موفق في الورشة ، كانت أمورها تسير بشكل جيد وجميع الكشوف جاهزة، وهي مطابقة لانجاز العمل تماماً.

وضح لي السيد موفق أنه سيباشر بمشروع إقامة مدينة جديدة في مساحة واسعة. أبنية نموذجية، وبداخلها حدائق، ومطاعم ومسابح على الطراز الفرنسي، وأعتبره أهم مشروع في البلاد، وقرر تعييني مديراً له.

ارتجفت:

- ماذا تقول ياأستاذ؟

كانت علائم الفرح ممزوجة بالدهشة مرسومة على ملامح وجهي مدَّ يده وهو يبتسم.

- مبروك.

قاد عربته وغادر الورشة، وفي اليوم الثاني حضرت إجتماع مجلس الادارة بصفتي عضواً، لم أتكلم كنت في عالم آخر ، وكان الأستاذ يؤكد على وجودي باستمرار، حتى لفت أنظار أعضاء المجلس وبعضهم ظن أني قريبه. ثم أعلن الاستاذ عن تسلمي منصب مدير عام المشروع الجديد فوافق جميع الأعضاء ، وقدموا لي التهاني.

ماذا يدور في هذه الدنيا؟ ماذا يجري؟ أين أنت ياعبد العزيز؟

أنا ابن بائع الخضار، أو ابن الشرطي لا أدري، أنا ابو نقطة.

- العالم كله احترم فقير مصر، ومن الفقر انطلق ليحقق المعجزات

قال لي محاسب الادارة:

- أستاذ أمين هذه أوراق سيادتكم الخاصة، يرجى توقيع إستلامها.

وقعت.

- السائق في إنتظاركم.

سائق ، وسيارة، ومجلس إدارة، ومدير عام.

دوار حقيقي أصابني، لكنني قررت أن أسيطر على أعصابي، وأتعامل مع مايجري دون ردة فعل ، تفقدني صوابي ولو للحظات:

***

بت أملك الآن ثلاثين ألف ليرة، وضعت المبلغ بكامله في مشروع البناء وأخيراً عاد خالد من الكويت: أنارت زينة الكهرباء الشارع وعلقت لافتات قماشية كتبت عليها شعارات.

( سكان الحي يقدمون كل الحب للقادم)

( بيت أبو خالد يرحبون بعودة الابن البار خالد)

( فرن أبو عدنان يرحب بالاستاذ خالد)

مجموعة من الرجال يدبكون، ويرقصون، ويغنون، وزغاريد تنطلق من بيت أبو خالد.

جميع سكان الحارة يعلقون على عودة خالد أمالهم، ويظهر أن الشبان الذين عادوا من الكويت ينتظرون أيضاً، وحين وصل إلى الحي حملوه على الأكتاف، وأدخلوه البيت، ثم ألقى بهم كلمة.

- شكراً ياأبناء الحي الكرام، أنا منكم ولكم. لقد عدت من أجلكم ومن أجلكم فقط.

وتوقف خالد هنا بسبب التصفيق الذي قوبلت به تلك الجملة.

ذكرني خطاب خالد بتعليق كنا نسمعه من إذاعة صوت العرب لمحلل سياسي مصري إسمه ( أحمد سعيد)

قال عبد العزيز:

- هذا الرجل يحارب في الكلام، أو يخدرنا به.

- إنني قادم إليكم لاثبت حقيقة إيماني بكم ، ومن هذا الحي سوف ننطلق ، لنحوله إلى ورشة يعمل بها الجميع دون استثناء.

ترجَّعت كلمات خالد في المدينة كلها.

- عاد مليونير ليقيم المشاريع في حيه الشعبي.

أصبح من المفروض رصد تحركات خالد، هذا ما قاله السيد موفق، وأردف

- إن كان الرجل يريد أن يساهم ببناء البلد فعلاً، فنحن على استعداد للتعاون معه. لكنني أخشى هؤلاء الذين يجيدون إلقاء الخطابات اكتشف الأمر وأخبرني.

حمل خالد على الأكتاف مرة أخرى، ودار به الحارة.

( خالد بيك الله محيك، شباب الحارة بتحيك)

( خالد بيك ياعزنا، راجع يبني مجدنا)

جمل طنانة لشخصية أقل من عادية. يبدو خالد في الثلاثين من العمر له شنب رفيع، وعينان دائريتان سوداوان وتطلقان نظرات ذئبية، يحاول خالد التكيف بها، وجعلها أكثر طهارة.

لاشك أنه ذكي، ويحسن التمثيل، وفي اليوم العاشر لوصوله كانت الاحتفالات لم تزل مستمرة.

كنت قد اشتريت من محل ( أطلس) بذلة فرنسية، أرتديتها وتوجهت بكامل أناقتي إلى بيت أبي خالد، أوقفت العربة أمام الباب المفتوح على فسحة الدار حيث اصطف الزوار، وتعمدت أن تبقى مشاهدة للجميع ثم هبطت بهدوء، فقفز سليمان مباشرة وصرخ:

_ أمين بيك يامرحباً.

سمعت همسات:

( مين أمين بيك؟)

( ولك هادا أبو نقطه)

رحب بي أبو خالد، وصهري زوج مريم البوابرجي، ورأيت أبا عدنان الفران الذي تجاهلني، ثم تحدث خالد مع أحد الجالسين إلى جانبه وسأله عني، تمتم الرجل كلمات فهمت معناها.

إبن الخضرجي والشرطي، وأستغرب خالد أن أكون أمين بك.

قدرت مباشرة أن اللعب مع خالد بحاجة للذكاء ، وأن عليَّ أن أقوم بدوري الآن على الوجه الأكمل، وأنا الأقوى بكل الأحوال. ولدي مايثبت ذلك. وبالمناسبة كنت قد تأثرت سابقاً بالأفلام الأمريكية، وخصوصاً بتمثيل ( جون راين) ( أودي مورفي) وأحببت كثيراً أفلام رعاة البقر( الكاوبوي) وبدأت أشعر بقيمة ذلك الفيلم القديم، الطفل الذي إنتقم لأمه، أليس عليَّ أن أنتقم لنفسي؟

إنني أكره خالد، وصهري، وابا عدنان، وأبا خالد، وعمي زوج أمي. وأمي. وسليمان، عليَّ أن آخذ دور البطولة، وفي فيلم أمريكي سوف أمثله أنا في هذا الحي الآسن.

وقف خالد ومد يده.

لا أدري بماذا كان يفكر؟ لكنه عرف مباشرة مصدر البزة وثمنها وهذا مايجهله سكان الحي. شعرت أن احترامه للبدلة وليس لي. رحت أقلد حركات المحافظ. ضحكه حركة يديه، وشعرت أنني المحافظ فعلاً دون سلطة، لعله إحساس سخيف، لكنه ممتع ، ويؤدي دوره في هكذا مجالس جاهله.

( خالد بيك الله محيك شباب الحارة بتحيك)

( جاء ابو نقطه، أنسيته؟ تذكر الشرطي وبياع العرباية ).

سألني خالد:

- وكم كلفة مشروعكم؟

أجبت ببساطة

- خمسة ملايين

نظر خالد إلى أبيه، ثم تابع حديثه معي:

- هل يمكن أن أزور الموقع؟

- ممكن متى رغبت.

- حتى تنتهي مراسم الاستقبال.

أعجبتني كلمة مراسم.

لابأس.

زرت سليمان، دخلت عليه فجأة، فصعق الرجل. ظن أني أود الحلاقة قلت - ماذا حل بالدراجات ياسليمان؟

- بعتها ياأستاذ أمين. الشغلة موشغلتي، وهلق درجت موضة الموتورات.

- وكيف الحلاقة؟ شايف الصالون مهتري.

تردد سليمان، وهو يحدق في وجهي مستفسراً:

- المهم عايشين.

- ليش عايشين، فينا نشتغل عندي مشروع.

لم يعرف سليمان ما هو المشروع. ومباشرة أبدى استعداده للعمل، واختصرت المشروع في هدم الصالون، وإقامة بناء مكانه فمساحته تتسع لمثل ذلك؟

ووضح أبو عدنان أنه يرغب في إدخال خط الخبز (الافرنجي) إلى الفرن وكانت مادة ( البيتفور) قد دخلت حياة ابناء الحي مجدداً. و( الكاتو) وافق سليمان، وفي اليوم التالي التقيت البوابرجي، كانت مهنة البوابرجي تتراجع بسبب ( الغاز).

- والله ياأستاذ أمين يادوب عم نطلع حق الخبزات، مابعرف منين إجانا هالغاز.

وهكذا توزعت الأعمال على الخطوط الثلاثة. توسيع فرن أبو عدنان وجعله على النمط الحديث، وتحويل دكان البوابرجي إلى محل واسع لبيع الادوات المنزلية ، ومشروع دكان الحلاق.

كان بيتنا في زقاق جانبي، حسب المخططات التي قدمها لي رئيس البلدية وشرحها المهندس. فهمت أن ثمة حديقة سوف تقابل البيت مباشرة وأن الهدم سيشمل الطرف المقابل، أي أن بيتنا وبيت أم عمر مع دكان عمر لها مستقبل تجاري هام.

كان عمر قد تزوج، وكنت قد تجاهلت أمي لأكثر من سنتين لكني في ذلك الصباح، زرت الزقاق، فهبت أمي، وبرفقتها أم عمر وعمر، وبعض عجائز الزقاق. وكانت كلمة بيك تتردد على ألسنتهم حتى أمي

- ياأمين بيك.

لماذا لاتنطق ياإبني؟ لم أستطع أن أخاطبها ياأم أمين . كانت مريضة وقد زالت عنها تلك اللمعة التي حملتها طوال سنوات وبات يميل لونها إلى الاصفرار.

دخلت البيت، رأيت المطبخ، وقفت للحظات، وجاء صوت مريم

- هذا أخي ومن يؤذيه.

ياإلهي كم كنت رائعة يامريم.

قلت : لأمي أنني سأنقلها من الحارة، وسوف أعيد بناء البيت على شكل عمارة كبيرة، وسوف أعطيها شقة حديثة تعيش مع زوجها فيها. وسأتنازل لها عن كامل هذه الشقة. واقتنعت أم عمر بالمشاركة في البناء مقابل تشغيل عمر، وتوسيع دكانه بعد انجاز المشروع وتزويده بالبضائع، وقسم الطابق الأولى إلى شقتين الأولى لها والثانية لعمر مع زوجته وأولاده. وكانت كافة العقود توقع بإسمي. وتتابع من قبل شخص خصصته لهذه الأعمال.

قال موفق:

- هذه المساحة تعادل مساحة أرض المشروع ياأمين. لكنها موزعة وأهم مافيها هو موقع بيتكم والجوار.

وكنت أتردد في الآونة الأخيرة على مطعم الخواجة، مات الخواجة ومدير المطبخ، وأخذ دور الخواجة ابنه أرتين وبالطريقة نفسها.

- أهلاً ياباشا.. أهلاً أمين بك.

كنت أقلد المحافظ بحركاته ، وضحكه، وحين إنتهت الراقصة من تأدية وصلتها، تصرفت كما تصرف المحافظ أيام زمان.

صرخ أرتين.

- حاضر ياباشا، تحت أمركم.

رفض أرتين أي مشروع تجاري. حاولت كثيراً لكني لم أتمكن منه

- مستورة بالمطعم ياباشا، ولا أريد أكثر.

تم تفريغ بيت أم عمر والدكان، وبيتنا، ودكان سليمان الحلاق ، وهدم قسم من الفرن ودكان البوابراجي، وبدأ اللعب الكبير.

والمغامرة تستهويني، وبداخلي شعور بالراحة والآمان، سجلت لموفق نصف العقارات التي أملكها الآن، ووقعنا عقد المشروع الجديد.

وتفرغت له نهائياً. ليتسلم مشروع المدينة أحد أعضاء مجلس الادارة بناء على رغبتي.

***

كيف دخلوا بيت أبي خالد ليلاً، وقيدوا أفراد العائلة، وسرقوا الأموال وطعنوا خالد بسكين وخرجوا؟

هذا هو السؤال الذي شغل السكان، وملخص الجريمة الأولى التي ارتكبت في الحي منذ بداياته ، فضجت المدينة، وطوقت الشرطة البيت وبدأت التحقيقات والأقاويل:

- نصاب بيستحق.

- أبوه شلح الناس مصاريها بحجة الكويت والسفر.

-مين بدو يكون عمل هيك؟

- أربعة خمسة ملثمين. الله يستر.

ومات خالد في المستشفى بعد أسبوع من حادث السرقة، مشيت في الجنازة ولم يطل اكتشافي لخالد. فهو قد أوضح لي أن أمواله في الكويت وحين يعود سيفكر بمشاركتنا بالمشروع. وهو لم يقدم لسكان الحي أي مشروع، سوى الوعود الخلبية خلال نصف سنة أمضاها بينهم يخطط ، ويكذب مع والده، وكان قد جمع مبلغاً لابأس به، إما من خلال وعد الشبان بتسفيرهم إلى الكويت. أو مشاركتهم بالمشاريع القادمة.

ألقي القبض على جميع المتعاملين مع خالد. أو الذين وضعوا لديه أموالهم أو أي شئ له قيمة مالية من ذهب وسواه، وتبين أن المبلغ المسروق لايتجاوز المئة ألف فقط، وأثناء وجودي في المقبرة رأيتها فسيحة، كبيرة. وقد توسطت الحي تقريباً بعد حملة العمران التي أقيمت من حولها.

بحثت عن قبر أبي وقبر مريم، ضاعت كل الملامح القديمة ، لاشئ يدل عليها. لمن أرض هذه المقبرة؟ إنها صفقة العمر.

قالت السكرتيرة:

- أستاذ سيدة فقيرة أسمها إنعام تريد مقابلتك.

وقفت فجأة ، ثم رددت

- إنعام تريد مقابلتي .

ضاعت ضاعت شخصية المحافظ، والممثل، ورجعت للحقيقة. أحاسيس كثيرة صبت دفعة واحدة، مرت فترة صمت، والسكرتيرة لاتعرف كيف تتصرف؟

قلت:

- دعيني وحدي قليلاً.

أخيراً إنعام يالها من حياة .. ماذا تريد إنعام؟ ترى كيف هو شكلها الآن؟ ماذا تذكر مني؟ من ملامح وجهي، أنا بالنسبة لها الرجل القديم الذي باعته بثمن رخيص، كيف سأقابلها؟ شعرت بالضعف لمجرد عودتي إلى الوراء. أنا الآن أكبر من الماضي. وهو لايعني لي أي شئ، وماذا تعني إنعام؟ أيضاً لاشئ هي مجرد وجه من الوجوه الآسنة لحي المستنقع البشري.

وينبغي أن أعاملها على هذا الأساس.

- دعيها تدخل.

ثم دخلت فإذا بها قد فقدت الكثير من رونق الماضي.

لم اتحرك. وكان المحافظ بداخلي.

- ماذا تريدين؟

اشعلت لفافة تبغ، ورحت أحدق في زاوية الغرفة منتظراً الجواب ولعلَّها كانت ترتجف.

- ياسيد أمين طردني زوجي ، وعندي ولدان. أريد أي عمل.

تراجع المحافظ قليلاً، حلت مكانه موجة عاطفة طفيفة، لكن الولد أبو نقطه رفضها. تذكرت ( السينما) والمقبرة، وهي الخدعة الكبيرة التي عشتها.

- يلزمني خادمة للبيت.

رفعت رأسها قليلاً كي تنظر إلى وجهي . الكتب . الافلام. الحديقة.

الحلم. لم تنطق بكلمة، وقفت واللون الأحمر يغطي مساحة وجهها.

- أين زوجك؟

- سافر..

إنه البديل الذي فضلته عليَّ.

- عندي هذا العمل فقط.

صرخ عبد العزيز.

- على وجهك تدفقت المياه.

وراح يرقص حولي. ويغني.

- طلعت المي ياأمين. وطلعت المي ياأمين. وطلعت المي ياأبو نقطه.

وضحكنا .. ضحكنا طويلاً.

إجتمع سكان القرية من حولنا. ونحن لانشعر ماذا يدور ، فرح لايوصف، قرية جبلية تحيط بها الغابات، بيوت منتشرة على هواها، ومساحة زراعية واسعة يتوسطها بيت عبد العزيز، المطل على الوادي من الناحية الشرقية.

عرفني عبد العزيز على بعضهم.

- والدي. أخوتي . زوجة أخي الأول. الثاني، خالتي. أولادها. عمتي، أولادها. عمي . بناتهم... أختي... حفار البئر.

وكانت سهرة تحت دالية العنب والقمر، هنا يشربون كثيراً يصنعون لأنفسهم كميات من العنب والتين، ويغنون الميجانا . والزلف:

صرخ عبد العزيز:

-هاتي ياكليمه.

وأعطت كليمه

( آوف ياام الزلف، عيني ياموليا، ياتراب أرض الوطن آغلى من عينيا، وياراجع بعد غيبه. خود عطيتك قلبي) ثم حضر أبو خضر ومعه ( المنجيرة) وبدأت الدبكة، وكانت الخرفان قد ذبحت، وسهرت القرية كلها حتى الصباح.

رقص عبد العزيز مع الصبايا، ورقصت قليلاً، وكنت كلما جلست تدعوني إحداهن للرقص، فاعتذر أو أقوم.

- شهر وأنا عم اشتغل بالبير. وإجت المي، وإنتي إجيت.

إي شوهالفرحة، كنت تعال من قبل.

استيقظت صباحاً، وكان عبد العزيز قد سبقني إلى الأرض، وعلى الرغم من سهري فلقد شعرت بالنشاط ، والحيوية ولم أحس بالصداع كما في سهرات المدينة.

- ياأخي شئ عظيم، صار لازم أتزوج، شوف ياأخي الأرض، ذهب صافي، شايف لازم أزرع كل ها لمساحة، أنا ما بدي من الحياة شي غير هيك.

سرنا معاً في الغابة ، والسهل ، وصعدنا الجبل، حدثته عن كل الأمور، وإنعام التي عادت، والعقارات.

قال:

- حققت قفزات رائعة في المال، وماذا عن العلم؟

تذكرت شيئاً مهماً بالفعل ، لكن التحولات الكثيرة التي طرأت على حياتي جعلته ، منسياً. لقد حصلت على الثانوية منذ سنتين.

- سجل في الجامعة، تذهب النقود. ويبقى العلم السلاح الامضى، ومباشرة إلى كلية الحقوق. فشكلك يوحي بذلك. وابحث عن أرض زراعية لاتحصر أعمالك في العقارات.

كان عليَّ أن أنتهز فرصة انتخابات البلديه لأصل إلى أرض المقبرة ويبدو أنها انتخابات حامية، وابو قيس رئيس البلدية مهدد هذه المرة بالفشل.

ودخلت سعاد في حياتي دون تخطيط، مهندسة شابة تعمل في دائرة أملاك الدولة.

تقبلت الهدية ألأولى، كانت ساعة ذهبية، ثم تقبلت دعوتي إلى البيت، ثم تكررت الهدايا والدعوات، وساومني أبو قيس أن أنسحب لصالحه من الترشيح مقابل أرض المقبرة ووجدت سعاد طريقة ما تلغي بها الحدود الحقيقية، وتضع على الخارطة حدوداً أخرى، على أن يتم نقل المقبرة من مكانها بسبب إتساعها. وتوسطها للحي. ثم تم الاعلان عن الأرض..كي تأخذ المسألة طابعها القانوني. وطلب أن تصل الاعتراضات خلال مدة محدده لمن يملكون أي عقار كي تتم التسويه مع البلدية. ولم يرد إلى البلدية أي إعتراض، ويظهر أنها من الأرض المشاع، وكثيرة هي هذه الأراضي في ذلك الوقت.

حيث لاملكية ، ولاجهاز طابو.. وكله استحدث في السنوات العشرين الماضية أو الثلاثين لا أدري؟ كنت قد بدأت بتنفيذ جميع أعمال الحي. وشغلت عمر في المراقبة. والبوابرجي أيضاً وسليمان. وربحت أرض المقبرة بما فيها عبر مزاد علني رسمي. وفضت العروض. وانتخب أبو قيس رئيساً للبلدية من جديد. بفضل التلاعب الذي تم في الأصوات. وكان المحافظ إلى جانبنا، في كل ذلك، خشية أن يصل أحدهم ممن ترشحوا وهم يعارضون سياسية المدينة خاصة في البناء.

لكن أمي مرضت وكانت تبكي، فنقلتها إلى المستشفى. وكانت تكرر:

- خلص ياأمين بدي موت.

لماذا لاتموت؟ ماتت مريم من قبلها. وماذا يعني موتها؟ وأنا سأموت أيضاً، كانت حزينة على نفسها جداً. ولم يخلق لي هذا الحزن أي تعاطف معها، لكنني بقيت إلى جانبها.

- سرطان...

قدرت أنها ستخرج من المستشفى إلى القبر مباشرة، وسوف تكون آخر مدفونة في مقبرة الحي الغربي، التي سأنسف جذورها قريباً سألني زوجها:

- وين بدي روح من بعدها.

فهمت مباشرة ماذا يريد ؟ وكان يرغب أن أطمئنه، أو أجعله مرتبطاً بي ولو بالكلام، وكان ردي باختصار:

- إلى جهنم.

صمت.

كنت قد استأجرت للبوابرجي وأسرته، وأم عمر وأبنها سكناً في حي شعبي آخر، إلى حين إنجاز المشروع. وأعطيت المالك سلفة مالية قدرت إيجار سنة كاملة. وفي الطابو إستطعت أن أجردهم من الملكية كلياً، وأدرك البوابرجي متأخراً خطورة ما حدث، وعلمت أنه استشار أكثر من محام في الموضوع. ونقل الصورة إلى سليمان وأم عمر.- (كم واكلناه. والزلمي ماراح يفوتا هيك.)

تبين أخيراً أن قتلة خالد، كانوا من الشبان الذين نصب عليهم هو وأبوه، وأنهم اكتشفوا حقيقة خالد في الكويت ودجله، وأن جماعة من الكويت حضروا إلى هنا مطالبين خالد بمبالغ أخذها منهم بالإحتيال.

مالفرق بيني وبين خالد؟

لم أسمح لنفسي حتى بالتوقف عند السؤال، أوالإجابة عليه لأني أنتقم لنفسي من بشر عذبوني.

زرت أبا عدنان في الفرن الحديث، قدمت كشوف الحسابات، كان المبلغ يعادل أضعاف شركته معي.

قال:

- هذا لايجوز...

وكان هو الآخر قد شعر بالورطة التي وقع بها.

قلت..

- الحساب هيك؟

كانت كل الأدلة القانونية لصالحي، وهو قد وقع في لحظة الغفلة كما سماها.

- كيف وقعت؟

إستعجلت المحكمة، وحصلت على الحكم، وأخرجت أبو عدنان من الفرن. وعلى ذمته مبلغ لابأس به.

سقط الخصم الأول:

( بنادي عليك

إسمع ندا قلبي)

قدرت أن ابا عدنان لم يعد بمقدوره الاستمتاع بالأغنية بعد الآن.

انتشر خبر أبي عدنان في الحارة. وسلمت الفرن لمحمود الذي كان يدير ورشة البناء، وتنازلت له عن النصف مباشرة وأقمنا الافتتاح، وزعنا الخبز ( الافرنجي) و( الكاتو) و( البيتفور) مجاناً ، وفي اليوم الرابع نقل ابا عدنان بحالة إنهيار عام إلى إحدى المستشفيات فزرته ومعي باقة زهور.

ماتت أمي.

كانت مناسبة طيبة لمزيد من الذل، قدمه سليمان، والبوابرجي ، وأم عمر، وعمر.

( أمرك بيك)

( البقية بحياتكم ياباشا)

( متل مابتريدوا)

وجاء الشيخ تامر متبرعاً ليصلي على المرحومة، وينجز مراسم الدفن لم أكن حزيناً ولا فرحاً، ثم حضر المحافظ، ورئيس البلدية وأعضاء المجلس، وشخصيات المدينة الرسمية و الشعبية بكاملها.

طردت زوج أمي من البيت، طلبت إليه أن يغادر حتى أرسل في طلبه، بكى سليمان، وعمر، وكنت أبحث عن قبر أبي ومريم، أثناء مراسم الدفن، ولاحظت أن ثمة بيوتاً مخالفة قد تجاوزت حدود المقبرة وقررت أن هؤلاء سوف يتشردون قريباً، وكان الشيخ تامر يصرخ:

- الفاتحة على روح المرحومة الطاهرة. النقية ذات السمعة الطيبة الشذية

استدرت إلى الوراء قليلاً فرأيت الحي الغربي. فكرت متى سأقلع جذوره بكاملها. وقررت أنني سأشتري الحي في وقت لاحق.

ثم ابتسمت بيني وبين نفسي، ورحت أتصور مدينة المقبرة القادمة. ياَّلها من مدينة.

( البقيه بحياتكم)

لماذا كل هذه الطقوس؟ وشاهدت أبو خالد فتذكرت الصالون والحلويات، ورجل القهوة، جاء أبو خالد باهت الوجه، محني الظهر، ميت، ذكرني بالنهاية، فارتعشت قليلاً. وانتفضت من جديد.

يستحيل أن تكون نهايتي كما هي البداية. ولذلك سأسجل في الجامعة وأزرع أرضاً، وأعمل على عدة محاور أخرى، ولماذا أنتهي هكذا؟ أي ذنب إقترفت، بنيت نفسي بنفسي، ولولا عبد العزيز لكنت حتى الآن أبو نقطه. من هو عبد العزيز؟ من هو موفق؟

من هي سلوى؟ من هو محمود؟

هل يعقل أن أحيا في حي كهذا، ويد العون تمتد لي من أشخاص لا أعرفهم باستثناء محمود؟ وهؤلاء ماذا كانوا سيفعلون بي لو بقيت على ما كنت عليه. بل هذه المرحومة النقية الشذيةالتي أتقبل التعازي من أجلها، أبو عدنان ، سليمان السافل، البوابرجي قاتل مريم والذي إدعى أنها سقطت في فسحة الدار، وطوي الموضوع قانونياً وبمعرفه الشرطة، وعمر البغل المرواغ دائماً، وأم عمر، من لي في هذا الحي سوى ذكريات النقطة، والجوع ، والمجاري؟

سلمت أبو حسين دكان التجهيزات المنزلية. ضاحكاً قلت له:

- أبو حسين يجب أن تغتسل بالعطر مدة سنة حتى تزول رائحة المراحيض أتذكر. ذاك المرحاض البرجوازي.

ضحك أبو حسين، ودخل البوابرجي إلى المخزن الواسع، المليء بالبضاعة وراح يصرخ:

- هذه دكاني ، أنتم نصابون.

ووضحت للبوابرجي أنه قد حصل على ثمن الدكان بكامله. ووقع قانونياً ، وصدر الحكم فيما بعد وتنازلت لأبي حسين عن نصف المخزن.

جن البوابرجي ونقلوه إلى مستشفى المجانين.

***

حين نقلت أمي إلى المستشفى فكرت مراراً في أن أسألها من هو أبي؟

ترددت في طرح السؤال، وكنت أمشي في البهو وشيء ما في داخلي يدفعني لذلك ، فلعلي إنتهي منه حتى الأبد.

دخلت غرفتها، وأغلقت الباب كانت مستسلمة لقدرها والموت قد عشش في نظراتها. تمتمت بوهن.

- أنا ظلمتك ، وظلمت مريم. إرحمني.

خرجت من الغرفة، ماض أسود لمرأة آسنة، وكنت النتيجة التي علي تقبلها، وسكان الحي تناسوا الآن هذا الأمر، أما أنا فسأقلعهم من جذورهم كي ينتهي معهم هذا السؤال الذي يعذبني. كنت ادقق النظر في خارطة البناء. حين دخلت السكرتيرة.

- رجل في الخارج أسمه عبد العزيز.

وقفزت إلى الخارج، حين وقفت هي مذهولة تتابع ما يجري

- أنت؟

ضحكت. بكيت، عانقته، وأجلت كل الأعمال بسبب حضوره، وأجريت إتصالاً مع سعاد كي تؤمن كل أسباب الراحة لضيف عزيز في بيتي، وليس بالفندق ولتدعو إلى العشاء من تشاء، واتصلت بموفق لأعرفه على الانسان الذي رآه مرة واحدة في حياته.

خبرني عبد العزيز عن إنتاجه، وبخاصة في زراعة الأرض.

وطال سرده. ثم طرح سؤالاً غريباً:

- ماذا تفعل؟

قلت:

- لم أفهم...!

- سمعت كل شيء، حضر سليمان وأم عمر إلى القرية ، عليك أن ترجع للناس حقوقها..

لأول مرة أختلف مع عبد العزيز، وكانت وجهة نظره أن ما فعلته أقذر بكثير من كل تصرفاتهم الماضية، وطلب أن أوقظ ضميري الذي نام، لأنهم بشر لم يقدروا ما قيمة تواقيعهم في التنازل بسبب جهلهم، وهم قد وضعوا مصيرهم بين يدي ولايجوز أن أسحقهم هكذا. أو أن أقتلهم كما فعلت.

حاولت أن أبسط الأمر، لكنه رفض.

لم يمكث عندي طويلاً ، زار سليمان، وأم عمر، وأبو عدنان ، والبوابرجي في المستشفى، وكانوا في وداعه. عانقهم بود، والقى عليَّ تحية باردة، وهو يحدق في وجهي غاضباً.

قدرت أنها آخر مرة سأشاهده فيها.

طلب إلي موفق أن نصفي ما بيننا من حساب بسبب سفره إلى الخارج كونه شارك في معمل حديث لصناعة إطارات السيارات، وكلف زوجته الشابة بمتابعة مشاريعه بكاملها ، لأن سفرته ستطول،وبقيت حساباتنا قائمة في مشروع أرض المقبرة على أن تتابع زوجته كل إجراءات هذا المشروع، ثم سافر وكنت معها في وداعه، قدت عربتها وكانت متأثرة لفراقه، تحدثنا في الطريق، ووضحت أن أسباب شركته في مصنع الاطارات بسبب العلاج، فموفق لاينجب أطفالاً.

أدركت حينها سبب إحتضاني من قبله، وفهمت أن زوجته لاتعرف عني أي شيء.

***

وجدت سوزان زوجة موفق سهلة التعامل، سريعة الفهم، وشرحت لي أشياء كثيرة عن زوجها، وفهمت أن ثروته تعود إليها، فهي قد يسرت له الطريق، وحين تمكن مادياً تناسى فضل أسرتها، وتحولت حياتهم إلى جحيم يومي، هي في أعمالها ، وهو في أعماله، وحين بينت التحاليل أنه المعني بعدم الانجاب، أصيب بصدمة بدَّلت الكثير من حياته، وطلب إليها الطلاق إن رغبت في إنجاب الأطفال، فرفضت، وبقيت العلاقة خالية من المشاعر.

وفي السنوات الأخيرة بدأ يعاني من مرض الرجولة، وهذا ما جعله يندفع نحو العمل ويحقق تلك النجاحات، وهو من النوع الذي لايبدو على وجهه أي أثر أو انطباع يوحي بالموقف. وهذا مالاحظته أنا أيضاً، لكنه بقي محافظاً على وده للفقراء، ومساعدتهم.

فهناك من مدَّ له يد العون في طفولته.

علاقة حميمة قامت بيني وبينها، رغم دقتها بالحساب، وكرهها للخسارة، وولّعها بتربية الطيور.

كان موفق يفضل دائماً لقاءات المكتب أوالأماكن العامة، ونادراً ما كان يدعو إلى منزله ويتجنب العلاقات الاسروية ، وسوزان لاتحبذ ذلك.

حين دخلت حديقة المنزل، سمعت صوت الطيور، وشعرت كأنني في غابة كثيفة، يبدو أنها قد درست هذا الجو.

جلسنا في الداخل ، وسارت عدة خطوات عكس إتجاهي.

ثم انحنت عدة مرات لأسباب ما، وأحضرت القهوة، ثم قدمتها..

ثم مدت ساعدها لالتقاط كوب الماء. وخرجنا إلى الحديقة.

وسمعنا صوت العصافير، واستيقظت بداخلي الرغبة.. فتراجعت عنها لكنها شدتني. وامتزجت رائحتها برائحة الزهر.

قالت:

نحن لم نتحدث في العمل.

قلت:

أجل..

وتذكرت هنا أن جميع الأعمال قد إنجزت صباح اليوم في المكتب. فلماذا هذا الاتصال الهاتفي السريع؟ وهذا الثوب الدقيق الذي يظهر مفاتن جسدها.

واندفعت نحو سوزان........

***

كانت الاعمدة ترتفع في الحي. ولم يزل أمل سليمان، وأم عمر ، وعمر وأبو عدنان وغيرهم في تعويض خسارتهم يبرز أو يغيب حسب أقوالي، وكانوا ينتظرون قدومي لتقديم الطاعة وكنت أستمتع بذلك ، وأضيفت إليهم سوزان، فطردت سهام بعد أن أنجزت كامل أعمالها المتعلقة بالبلدية.

سلمتني سوزان الأعمال دون إستثناء، كانت تجهز نفسها لزيارتي الليلية، تعد الطعام، وتعتني بالطيور، وتمارس الرياضة، وتحدثني بالهاتف، إنها تحيا حياة جديدة لم تتذوق طعمها سابقاً.

نسيت موفق، ونسيته سوزان.

- حين يحضر سوف أطلب الطلاق.

ترددت في الأجابة ، فأنا لا أحب الزواج، وتذكرت أمي كثيراً في الأيام الأخيرة.

ما الفرق بين أمي، وسوزان. أنا الشرطي، وأداة المتعة. ربما كانت أسباب أمي أكثر قناعة من أسباب سوزان. وهي تسعى للطلاق كي أتزوجها.

دخلت لعبة جديدة معها، تعلقت بي أكثر، وأرسل موفق يعلمنا أنه مدد الأقامة في الخارج.

بدأت ببيع الشقق، وبناية أرض سليمان حققت ربحاً لم أكن أنتظره، فرفعت الأسعار، وطردت سليمان، فبكى، اخترت مجموعة من شبان الورش لمرافقتي، وسلمتهم أسلحة خاصة بالحماية لأنني أكره نهاية خالد، وكان رجال السلطة بكاملهم يقفون إلى جانبي فيما أتصرف، وكانوا ينالون مقابل ذلك أهديت أبو قيس شقة، وكذلك المحافظ ، وانفقت المزيد من المال، وسيطرت على سوق البناء بكامله، ودفعتني سوزان للمباشرة في مشروع المقبرة، لأنه الوقت المناسب.

صرخت أم عمر، وركضت، وراحت تقبل يدي وقدمي، وهي تبكي.

مات الضمير ياأم عمر فما الفائدة من هذه الدموع؟

أين أنت يا عبد العزيز؟ الآن شعرت بحاجتي لك.

فأنا في غمرة المياه الآسنة، وكل ما يحيط بي يوحي بذلك أنا الأسنفج الذي تشبع بالقذارة. لكنني السيد. ماذا لو بقيت إلى الآن أبو نقطه؟ ستبصق سوزان حين تراني. وأم عمر سترفسني في بطني، وتعتبر أن عمر قد حقق نجاحاً وأنا الفاشل.

لكنها القذارة مقابل ربحك للحياة. خسرت كل شيء بما في ذلك عبد العزيز.

صرخت بأم عمر:

- لن أشردك. خلص.. خلص نحيب.

قلتها بنرفزة وقرف، واسرع أحدهم ليقدم لي محارم ورق، وماء ( الكالونيا)

صرت تتعقم ياأبو نقطه من بوسة إيدك ، هكذا قالت: أم عمر في سرها وهي تحدق في وجهي وأنا أمسح يدي.

- برحمة الوالدة.

كدت أن أقهقه. الوالدة! برحمة الشرطي! لو تعرفين أن الوالدة هي السبب في موقفك هذا، لو تعرفين أنك السبب كيف سأوضح لك الأمر؟ هل تصدقين أنني بريء من هذا الموقف ومن كل ماجرى، أنتم تقودون إلى الخطيئة، وتندمون ، فماذا سأفعل؟ لا يا أم عمر لن أتراجع، وإذا تراجعت معك الآن فسوف أضعف ، وأنهار، وأخسر كل شيء.

- إرحمني يابني.

تراجعت للوراء وأشرت، وبقرف قلت:

ابعدوا هذه المجنونة.

خرج عمر حين كنت أهم بالصعود إلى العربة، جاء راكضاً يحمل في يده سكيناً:

وينك ياأبو نقطه، ياابن....

لم يستطع أن يتابع جريه، لأن الشباب طوقوه، فتحول إلى ثور هائج، وأسرعت أمه صوبي..

- دخيلك ياأمين.. دخيلك لاتموتوا.. دخيلك ما إلي غيرو بالدنيا.

أعجبني موقف عمر رغم أنه غبي، وقدرت أن في داخل الرجل شيئاً ما يمكن أن يسخر في لحظة ما، أي أنه يستمتع( بحيوانية ) نادرة، ومن يبغي القتل عليه أن يخطط، أما بهذه الطريقة الاستعراضية فهي لحظة يمكن أن أستفيد منها لمصالحي القادمة.

- اطلبوا الشرطة. تهديد بالقتل.

- دخيلك بلا الشرطة، دخيلك.

تركتها تصرخ، ومشيت إلى مقر الورشة. إتصلت بقائد الشرطة وطلبت إذلال عمر عدة أيام، وإرساله كي يعتذر عما تصرف.

وأذلت الشرطة عمر. فبكى، واعتذر. ثم عينته عندي براتب لابأس به.

قلت:

- عملك مسح أحذيتي فقط.. كل يوم تمسح الأحذية.

- كما تريد يامعلم. كما تريد..

***

حزيران 1967

كنت قد أنجزت مع طاقم المهندسين مخطط المدينة الجديدة في أرض المقبرة، وعملنا بمساعدة السلطة على إفراغ البيوت المخالفة من سكانها، وأقاموا لهم خياماً بعيدة وقررنا إزالة المقبرة:

اتخذنا كامل الاستعدادات ، وجهزنا قوة مسلحة لهذا الغرض. قمت صباحاً بتوزيع عمل ( البلدوزرات) كنت أرغب في إنجاز العمل بأقصى سرعة.

تجمهر أطفال، وشيوخ، ورجال، وشباب، منهم من راح يبكي فوق القبر، ومنهم من وقف متحدياً بشراسة.

ثم اقتربوا من بعضهم، وظهرت العصي، والسكاكين، والرفوش.

تماسكوا ضدي، هم دائماً، سيقفون ضدي.

قال أبو قيس

- هل نعطي الأوامر بالرمي.

- تريث.

طلبت من الشرطة ، ومرافقتي، والعمال، تجنب سفك الدماء كي لانحول فرحنا بالمشروع إلى مأساة لامعنى لها منذ البداية.

إقتربوا أكثر. صرخ أحدهم:

- لايا أمين، لن تزيل قبور أجدادنا..ولك شونسيت جدك هون، أبوك هون. أختك مريم . أمك

صرخ رئيس الشرطة

- أحضروا هذا الكلب

قلت:

- اتركوه. أتركوه . يقول ما يشاء

صرخ رجل آخر

ياأبو نقطه. ياأبو نقطه نسيت ماضيك، نسيت أصلك.

كل الأراضي ما عجبتك غير المقبرة، بس وينك يادمنا يادمك، ما بصير شي غير على أجسادنا.

- إخرس ياحيوان عم تهين البيك.

وضحكوا .. ضحكوا جميعهم باستثناء الشرطة، والمرافقة. ورجال السلطة. بيك اشتراكم بشوية مصاري.

صرخت في أحدهم أن يعيد مسدسه إلى مكانه

- مابيصير يامعلم هي إهانة.

هم جبهة وأنا جبهة هكذا كنت، وسوف أبقى من منا على حق أبي. مريم. الشرطي. سليمان. البوابرجي. أم أنا.

- إلك ماضي ياأمين لاتنسَ مين إنت؟

حدقت في الجميع، رأيت محموداً يقف إلى جوار قبر أمه ، حيادياً لكنه متعاطف معهم، وكان أبو حسين في المؤخرة يطل قليلاً ويختبئ كي لا آراه.

- يسقط أمين.

- الموت لأمين. الموت لأمين. المقبرة رح تبقى هون. المقبرة بتبقى هون.

إنتشرت الشرطة، صوبت البنادق ، لم يزل محمود بالقرب من قبر أمه، قدروا أن الموقف لم يعد يحتمل أكثر.

حُبست الانفاس، وجميعهم كانوا في إنتظار اشارتي للمباشرة.

تمتمت:

- المقبرة لن تبقى هون.

قال رئيس الشرطة:

- ماذا أمرت؟

إستعرضت القبور. وتذكرت عبد العزيز. لقد تحول إلى واحد من هؤلاء الذين سأقبعهم بعد قليل، وأخترق غفوتهم الأبدية. الأموات أعدائي، والأحياء أيضاً.

فقدت آخر إرتباط لي حين مات عبد العزيز، وهو ينفذ عملية فدائية.

لم يبك عبد الناصر عليه، ولم يسمع بإسمه، مات عبد العزيز واستقال عبد الناصر، ليس لأن عبد العزيز مات، ويبدو أن الفقر قد خذله هذه المرة، ياعبد الناصر لن تدعه يخذلني.

أنت عدت عن الاستقالة لأنهم وقفوا إلى جانبك، أما أنا فلن أستقيل لأنهم لن يقفوا إلى جانبي، وهذا الفرق. بين فقرك وفقري، نسي الوطن من هو عبد العزيز الأعرج الذي كان سليمان الحلاق يرشقه مئات البصقات كل يوم، ويرشقني معه، سوف أستمر ، ولن أتراجع ياعزيزي عبد الناصر. وأنت ياعبد العزيز لقد خرجت عنك، كنت آخر بصيص يمكن أن يحقق لي بعض التوازن، ورحت في رحلة قناعاتك ميتاً، وسأعيش من أجل قناعاتي. فدعني وشأني ، لن أسقط كما يريدون، أفهمت، سأعمل في الزراعة، من أجل الجميع كما كنت تقول: يارجل أين الجميع! أتظن أن هؤلاء هم الجميع؟ ياللكارثة كان عليهم أن ينتفضوا ليس من أجل أرض المقبرة، بل من أجل مساحات ، ومساحات أخذت غدراً. دعني أعتذر منك للمرة الأخيرة ياعبد العزيز، لأن حياتي لم تعد تحتمل أي إعتذار آخر ، وأنت الوحيد الذي سأنحني له وللمرة الأخيرة لأنني أقتلك بعد موتك، سأقتلهم دون إنحناء، فاعذرني أخيراً: رأيت البنادق موجهة صوب الصدور، ووجوه الناس محفورة بأظافر الشياطين، يمكن أن تتحول إلى كتل هلامية لمجرد تحقيق كسب ما.

أين محمود؟

لم يزل بالقرب من قبر أمه، وابو حسين يختبئ، خلف الناس في إنتظار الحسم كي لايخسر أحد الطرفين. يالها من معادلة. ياله من لعب سخيف يمارسه الاغبياء فقط.

لن أهزم.. لن أدعك تهزمني ياعبد العزيز، أنا الأقوى الآن وهم الضعفاء. أنا ابو نقطه سأسجل للتاريخ وقفة.

جميعهم ينتظرون اشارة يدي للدخول في معركة الأحياء من أجل الأموات، أو العكس. من منهم الميت، ومن منهم الحي؟ وكلهم تحت السماء بقايا.

مياه آسنة تنتظر الاسفنج ، والدم، من الآسن، ومن الاسفنج إنها مأساتي منذ البداية.

ستقوم مدينة جميلة في هذا المكان. ستكون من أجمل المدن.

- ماذا أمرتم ياأستاذ؟

- هل أنت مستعد؟

وصرخ الرجل.. تعالى صوت البلدوزرات) طغى على صراخ الناس، وأصوات البنادق.

تمتمت:

- وطن يحتمل المزيد من الموت.. المزيد من الموت..

ابتسمت.. لماذا؟ لاأدري. صعدت إلى العربة، وكانت أعمدة الغبار تتصاعد إلى الأعلى.....

ذبحنا الطيور

وهي تغرد:

- قصص -

بلاد للضحك... بلاد للتحديق

تنويه:

هذه ليست قصة قصيرة، أو طويلة، وهي غير صالحة للمناقشة أو المطالعة، والموضوع بما فيه،

أن الرجل عاد إلى بلاده بعد شوق طويل...

قبّل الأرض. استنشق الهواء. وفرح.

الطائرة:

بين ممرات الورد التي شهدت بداية الحب، سيحدثها عن الغربة، وإلى جانب بحيرة البط سيجلسان. وعبر طريق الياسمين سيعودان إلى حيهما الشعبي. سوف يعاتبها برقة من أجل الرسائل والردود، وسيأكل من طعام أمه، ويشم رائحتها.

ومع (معتز) صديق الطفولة، سيشرب الشاي آه.. كم هو بشوق لكل هذه التفاصيل.. يرجى شدّ الأحزمة إستعداداً للهبوط.

المطار:

لم ير أمه وأخته والأصدقاء، لم يشاهد معتزاً... معتز لم يحضر إلى المطار، شيء عجيب!

قدّر أن البرقية لم تصل، أو أن حدثاً ما قد حصل.. أنجز إجراءات الدخول، جفّف عرقه عدة مرات، أجاب عن أسئلة كثيرة وجهت إليه، ثم خرج من قيود الأختام والتواقيع، قبّل الأرض، واستنشق الهواء و فرح.

العربة:

طلب من سائق العربة العامة مضاعفة السرعة سأله:

كيف أحوالكم ؟

رفع السائق صوت الراديو.

قال:

-ما اسم المغنية؟

إنتظر الجواب الذي لم يرد، وحدق في وجه السائق الصامت! ثم حول بصره حيث إمتداد الشارع فلاحظ التبدل، وشدّه الجدار الرخاميّ الذي قسم المدينة.

-ما هذا الجدار؟.

أثار أعصابه صمت السائق، وتجاوز الحالة حين تنبه لصوت الراديو، وهو يعدّد فوائد الضحك وأصيب بدهشة حين غاب السائق في نوبة من القهقهات المتواصلة، التي تبدو مصطنعة. رفض السائق تغيير مؤشر الراديو.

أبعد يده بحركة نزقة، وهو لم يزل يضحك بصوت مرتفع.

قال الراديو:

بعد قليل نتابع برنامج الضحك.

إلتفت إلى ضحكات السائق، ثم تكلم بصوت حذر. منخفض جداً.

-منذ متى وأنت في الخارج؟

-عشر سنوات.

دخلت العربة أزقة الأحياء الشعبية، التي بقيت على حالها، ثمة هدوء، وأوراق نعي على الجدران.

أبو نبهان:

أسرع صوب أبي نبهان ليعانقه، إستقبله الآخر بفتور وعدم إكتراث.

صرخ:

-هل نسيتني يا عمي؟ أنا..

كان السائق يفرغ حمولة العربة، ويتابع ما يجري عبر نظراته المتلاحقة.

إبتعد أبو نبهان سمّان الحي، متجاهلاً وجوده. وقف كالأبله لا يعرف كيف يتصرف؟

رفع أبو نبهان صوت الراديو، وغادر العربة.

البيت:

إنتظر من أخته المستلقية على الكنبة العريضة مبادرة ما تعبر عن فرحها بقدومه، إكتفت بتغطية ساقها المكشوفة، وبقيت على حالها، تستمع إلى الراديو.

فيما أمه مشغولة بحبات سبحتها، وصورة والده المتوفى معلقة على الجدار كما تركها.

قالت أمه:

-أنت وصلت؟

-كما ترين!

قالها: بعصبية ممزوجة بالإستنكار، والمزيد من الدهشة.

قالت أمه:

-إذن إجلس، واستمع معنا.

قالت أخته بغنج:

-إنتظرناك طويلاً لنسمع سوياً.

رد بهدوء :

-من غير الطبيعي أن أستقبل هكذا.

أجابت أمه:

-لا تعليمات بهذا الخصوص.

كرر كلمة: نعم !.. نعم!.

وضعت أمه إصبعها على شفتيها، وأشارت بما معناه /هس/ /هس/

وكان الراديو يقول:

(ينشط عضلات الوجه، يوسع شرايين القلب إضحكوا الآن... إضحكوا أكثر)

إرتفقت ضحكات أمه وأخته، إرتفعت أكثر..

قال الراديو:

(توقفوا.. سنعود إلى وضع التحديق)

شاهد التقاطيع التي ارتسمت على وجه السائق وأبي نبهان والمارّة.

خاطب نفسه، إن ما يجري يخضع لاعتبارات أكبر من مشاعره التي تتمزق، وعليه إنتظار النتائج، لقد سمع في بلاد الغربة عن شيء ما يحدث هنا، ولم يتوقعه بهذا الحجم.

قال الراديو.

(والآن لنستمع إلى الأغنية، وهي من أجل المتعة) راحت أخته تتمايل مع اللحن بإثارة، وتلامس بأناملها أجزاء من جسدها المستمتع، والمغنية تقول:

(ضحكني حبيبي على شط البحر

ضحكني جنب النهر

ياويلي من حبو المر

ضحكني جنب النهر

وأليّ عم دبر مهر)

أبو العز

أطل أبو العز وهو يضحك بصخب... فأدرك أنها حالة الضحك.

ألقى أبو العز نظرات خرساء، لامعنى لها، وأغلق باب البيت بعنف.

وضع اصبعه على ضاغط الجرس مره أخرى. فأطلّ أبو العز مجدداً، وعلى وجهه تقاطيع التحديق فحدق، وأضاف حركه أمه /هس/هس/

ثم أغلق الباب بعنف.

المقهى:

جلس في مقهى الحي، يراقب الوجوه التي يعرفها جيداً. حاول أن يتحدث مع صديق قديم لوالده، ففشل.

طلب القهوة.

يقول الراديو:

(ننظر إلى الأعلى، ونركز بصرنا في نقطة محددة) إرتفعت النظرات، تركزت في النقطة. تحول الناس إلى أجساد لا حياة فيها ما عدا دقات القلوب المسموعة في هذا التحديق الضمني المرعب.

قال الراديو:

(اضحكوا بصوت منخفض واجعلوه يعلو رويداً... رويداً) بدأ الضحك الخافت يعلو.

وقف كالمجنون، وهو محاط بأصوات القهقهات العالية. داهمه صداع حاد، وكانت الخيبة قد إغتالت فرحه وشعر أن عذاب الغربة أرحم من هذا العذاب الذي يحياه الآن.

المكتبة:

فكر بزيارتها، تجنب التفكير بها، فهو سيراها إما ضاحكة أو محدقة، وأمام مكتبة الحي إستعاد ذكرياته، فمن هنا اشترى أقلام الرصاص والدفاتر، وطالع عناوين الكتب المعروضة: (كيف نضحك) (تاريخ الضحك) (الصحة والضحك) (الأغنية والضحك) (هم الذين ضحكوا) (السياسة بالضحك) (الشعب والضحك) (أطول ضحكة في العالم) (ديمقراطية الضحك) (الاشتراكية والضحك) وطالع في الجريدة اليومية "برنامج الضحك المقرر للأسبوع القادم"

وأكدت الجريدة ضرورة متابعة الراديو دون انقطاع وتنفيذ المطلوب تحقيقاً لأنظمة الضحك، أو التحديق فيما يخص بهجة الفرد.

ثم اشترى كتاب (كيف الضحك) بثمن مرتفع جداً

الضحك:

إرتفع صوت ضحكه في البيت، قالت أمه:

-يضحك بفوضى، وهذا ما يسيء لسمعتنا.

قرر أن يعود إلى بلاد الغربة.

قالت أمه:

-ينبغي أن تنظم ضحكك.

قدمت إليه (راديو)

-خذ هذا تحقيقاً لشعار "لكل مواطن مذياع".

قال له الموظف بجدية:

-لا تستطيع السفر.

سأله:

-لماذا؟

أجاب بغضب:

-لأنك عدت، ومن يعد فعليه أن يبقى، والقانون صريح، إسمع الراديو ونفّذْ

قال الراديو:

(إتركوا أعمالكم، واتجهوا على دفعات إلى المراحيض لتفريغ مثاناتكم، نكرر: المثانات فقط، لإن تفريغها الآن يبعث الراحة)

صار يضحك، ويقفز كالبهلوان من مكان إلى آخر، و هو يصرخ...

-ما هي الحركة التالية لننفذها معاً؟

حدقوا (ها... ها ... ها..) إضحكوا (ها..ها..ها..) فرغوا مثاناتكم من أجل الراحة (ها...ها..) نفذوا (ها ...ها...ها...)

إقترب منه رجل طويل القامة، قوي العضلات، بدت عليه مزايا الديمقراطية.

قال له بكثير من الوقار:

-إنها حركة التحديق، نفذ كما تسمع، ولا تحدث فوضى.

حدّق في وجه الرجل... ثم ضحك، ثم قفز عدة قفزات، ثم ارتمى على الأرض وهو يضحك، ثم نهض، ثم حدق، ثم تلقى لكمة قوية على أنفه، فسال الدم، ولكمه أخرى، وركلة قدم على البطن...

حاول النهوض، لم يتمكن... فقد التوازن، وغاب عن الوعي.

وكان الراديو يقول:

(إليكم الآن الحركة التالية)...

1994

الرغبة، ولون البحر الميت:

عبرت نشرات الأنباء وأوراق النعي دون أن تترك فيّ إنفعالاً يذكر، فشربت قهوة، واستمعت إلى الموسيقا وبعض الأغنيات، ولم أتعرض منذ الصباح لأية دهشة.

حزنت بعد الظهر، وضحكت كثيراً لخبر عممته وكالات الأنباء عن حالة فرح جماعي داهم سكان إحدى القرى، فراحوا يغنون ويرقصون، ويدقون الطبول دون سبب، وعندما طالت الحالة، أرسلت منظمة الصحة بعثة لتحليل الظاهرة.

رغبت لو أنني مع سكان القرية في هستيريا فرحهم كما سمته الأنباء.

تشير الساعة إلى الخامسة مساءً، الحرارة مرتفعة يتصبب العرق من جسدي بغزارة، والبحر بلونه الأزرق وركوده الكسول يبدو كالميت، أكرهه في شكله المقيت هذا.

ينبغي أن أهرب فالملل قاتل.

أوقفت عربة عامة.

- إلى أين ترغب؟

أعجبتني ترغب، فرغبت باستحضار أشكال ساعات يدي التي استعملتها سابقاً، وقدرت أن أفضلهن كانت تشير إلى السابعة وهي في الواقع العاشرة وإذا ما وصلت إلى الثالثة تتوقف.

ضحكت، وأنا مستمر في حزني، وخبر الفرح المباغت معي، قال مذياع العربة أن ثمة موجزاً للأنباء قد حل زمنه فتململت كمن يستعد للأصغاء، وكنت أكذب في تململي وتنبه سائق العربه لشيء ما لم يقدره، ولم يستطع إكتشافه. فاكتفى بنظرة سريعة، ثم هز رأسه وقرر أنني مجنون أو هكذا أوحي إليه.

-لماذا تتدخل المنظمة وتغتال الفرح المباغت؟ ناولته النقود. وغادرت العربة.

اتجهت صوب البناء، استجاب ضاغظ الجرس لحركة إصبعي /طن/طن/.

هكذا وجدت نفسي أواجه الموقف، دون تخطيط والساعة الآن السادسة مساء.

-أهلاً.

قلت:

-أهلاً:

ترددت في نطق أول جملة مطلوبة للوضع الذي واجهني هي ترتدي ثوباً داخلياً رقيقاً. إنه الحر، لم تضع ساعديها على صدرها كما في (السينما).

-أين هو؟

-ذهب. سيعود. ادخل

-مررت لألقي التحية

دخلت، هبت نسمات اصطناعية فرزتها آلة الطاقة. انتعشت اصطناعياً، وشممت رائحة عطرها ممزوجة برائحة العرق. ورأيت مساحة صغيرة من السواد تغطي أسفل إبطها، وآثار قطرات العرق.

سرقت نظرة خجولة للمجرى الفاصل بين النهد والنهد. لعنت حضوري، وحاولت إعادة كياني المهزوز أمام لحظة حارقة كهذه لكن الرغبة سيطرت. فدخلت في عالم الدهشة الذي لم أعرفه اليوم، تذكرت حزني والفرح، واخترت كنبة للجلوس، فجلست مضطرباً وقلت بعتب:

-الجو حار.

قالت:

-البحر أو الحمام البارد.

تخيلت عريها الكامل، ارتجفت.

سارت عدة خطوات عكس اتجاه مقعدي، ظهر بوضوح لون الشيء الداخلي، يميل إلى (الأورانج). أو هكذا خيل إلي.

حرارة المكان لم تعد تحتمل، والهواء الآلي يضرب وجهي ولا يخفف من حرارتي، وبحركتي المعهودة رحت ألعب في ساعة معصمي، وشتمت في داخلي شركات تضيع الزمن، والرغبات المباغتة.

هم لا يترجمون معنى الرغبة يا غبي، كل فلسفات الأرض لا تحجب عنك الرحم أيها المثقف المتحرر.

(دخل كصديق) (غدر) (نزواته قذرة)

قلت:

-سأمضي.

استدارت. ضحكت. رفعت ساعدها فرزت الطاقة رائحة ما التقطتها (كالمغناطيس)، ماذا يجري؟.

قالت:

-لا ، سنشرب القهوة معاً

ابتسمت.

-قهوة معاً. لا بأس.

زمن .قهوة. لفائف التبغ، فكرت بتوضيح ما يدور. ألغيت الفكرة دون تردد.

قلت:

-متى يعود؟

جلست على الكنبة المواجهة، قالت:

-حين ينتهي من لعب (الورق) هو يمقت الخسارة، ولا يرجع إلا منتصراً.

تابعت حديثها:

-أعجبتني الرواية، فيها واقعية وتشويق.

قلت:

-أنجزت مطالعتها بهذه السرعة.

-أجل أنا أستسلم لأي شيء أحبه. رغم أنني أهتم هذه الأيام بالمقرر الجامعي، رغبتي بالتخرج تسيطر علي. قلت:

-هو لا يعود إلا بعد الانتصار.

لم ترد . راحت تتحدث بكثافة وبوتيرة واحدة.

فانتقلت إلى جماعة القرية. اعتذرت غابت. عادت تحمل القهوة، وكنت قد اتخذت قراري بالبوح عن الرغبة التي إختلطت بالحرارة، لشعوري أن التفاصيل المحيطه توحي بأنها مُهّيأة لتقبل ما يدور.

/نزوة/ أخرج/ /خائن/ /غدار/

- قلت بعصبية وأنا أتراجع في جلستي:

- لن أشرب القهوة.

ردت:

-مابك.

-الجو... الجو..

أحسست أن عطش الدنيا قد تجمع في حنجرتي دفعة واحدة

قالت:

-بل ستشرب القهوة. ونتحدث.

رأيت ثغرها كوردة مليئة بالرائحة،وشهية باللون وهواء الطاقة يداعب شفافيه الرداء.

حقول من البنفسج برزت مع نغم الموسيقا. إنبعثت من مسامات الجسد الحنطي، وبداخلي طبول تقرع، وبيني وبينها مساحة من الشوك والحواجز والقنابل الموقوتة.

قلت:

-ماذا تعرفين عن منظمة الصحة؟

ضحكت هي،ضحكت أنا، ضحكت طويلاً... فضحكت معها طويلاً. وتراجعت إلى الوراء، ارتفع الرداء، أنزلته انحنت إلى الأمام، المجرى سواد أسفل الإبط. الرائحة. عالم يدور. والطبول تقرع عبّر عن رغبتك. ماذا تنتظر؟

قالت:

-هذه المنظمة تعالج اسهالات الأطفال.

ضحكت هي. ضحكت أنا.. أخذنا الضحك طويلاً.

عبر عن رغبتك... ماذا سيحدث؟

قلت:

-أطفال. مساكين أطفال القرية.

قالت:

أية قرية؟

قلت:

جميعهم دبكوا. غنوا. فرحوا. صغارهم كبارهم ولا علاقة لهم بالاسهال.

هواء مخنوق. رغبة مخنوقة. عودة الرجل المنتصر. حتى القهوة لا طعم لها، كل المذاق في المواجهة. ينبغي أن أتحرر.

-سأنصرف.

قالت:

_انتظره

قلت:

-قد لا ينتصر.

ضحكت هي. لم أضحك أنا. طعم الخيبة في حلقي فتحت الباب... لفحني حر الشارع. سرت. وكانت ساعة معصمي تدور،والبحر في ركوده الكسول ولونه الأزرق كالميت.

1993

لكن نورا لم تقع

"نورا" صبية عصرها، وعصفورة الماء البارد، وردة تتفتح في ربيع صعب المسالك، تتداخل فيه الطقوس. كانت شهّية كقطعة نور، تشعّ لتبهر، ويصدح صوتها عبر الطريق الترابية الممتدة من قرية (المغر) المنحوتة في صخر سفح الجبل حتى عين البارد.

(ردي منديلك ردي

بيضا والشمس حدي)

بين نورا وحمارها ناقل الماء،ألفة أوجدتها تلك العلاقة اليومية، حيث المسافة بين القرية والنبع تراها وحيدة تحت الشمس، وهي ترتدي طاقيتها القش وأمامها الحمار، تتركه أحياناً لتلاحق فراشة، أو تراقب ما يثير انتباهها.

يحبون نورا، وهي تحبهم.

-شربة (مي) باردة يا نورا

تقدم الماء ضاحكة، متفتحة كوردة جورية في بلاد لا ورد فيها، كتب عليها أن تحيا شقاء زمن لايرحم أنامل نورا الطرية.

عشقتها في وقت مبكر من حياتي،حين كنت أتجاوز سن الطفولة متجهاً حيث بداية نمو زغب الإبط.

كنت أتبع "نورا" سراً، أختبئ خلف الصخور أو أشجارالبلوط، وأنتظر لحظتها الحارة، حين تطلب من الحمار التوقف فينصاع لها لتبتعد عن الطريق بحثاً عن مكان مناسب لتفريغ مثانتها.

ألهث وأستمتع، وحين تنهي عملها، تقف لتعيد ترتيب ثيابها، فأغيب عن الدنيا مسترسلاً مع ثوان ساحرة، أحيا وهجها بحرارة.

يومذاك صحوت على صوت هز الفضاء، تتالت صرخات نورا المستغيثة، شاهدتها تجري صوب الحمار صارخة:

-يا أبي... يا..بي يا إمي...

جريت خائفاً، وأنا أتطلع صوب نورا التي تصرخ وحين ابتعدت عنها وقعت على صخرة، فسال الدم من قدمي. لم تقع نورا، وأنا أقطع المسافة كي أصل إلى قرية (النخيله) حيث تقيم أسرتي بحكم عمل والدي في القوات المسلحة.

اختفى الصوت، ثم عاد، ثم اختفى.

رأيت أمي خائفة، تجلس إلى جانبها جاكلين ابنة الجيران، وهي تخفف عنها.

صرخت:

-وين كنت يا شيطان؟

لم أرد، وكان لحضور والدي المباغت وهو يرتدي خوذة القتال الفضل في حسم الموقف.

قال:

-لا تخافوا. هذا طيران العدو يخترق جدار الصوت.

قالت أمي:

جدار من؟

ضحكت جاكلين بخبث، وكعادة أمي لم تفهم ماذا قال أبي. فأسكتها مردداً

-لا تخرجوا من البيت، أو اذهبوا إلى الملجأ

غادر أبي راكضاً، فشاهدت أمي الدم على ركبتي .

-ما هذا؟

-وقعت.

-يا ريت انكسر راسك.

كانت جاكلين تحدق فيّ، قالت:

-قم لأنظف لك الجرح يا مدلل أبوك

ردت أمي:

-بل حمّميه يا جوجو.

عاد الاختراق، ولم أكترث، لأن فكرة الحمام التي طرحتها أمي قد أعجبتني، ولقيت الرضى من قبل جاكلين الأكبر مني بعشرين سنة.

سمعنا طلقات المدفعية.

-اشتبك أبوك، الله يستر

استرجعت صراخ نورا، وهي ترفع سروالها الداخلي دون وعي.

قالت جاكلين:

-إتبعني إلى الحمام يا ولد.

دخلت أمي إلى المطبخ، وهي تتمتم داعية حماية والدي من شر الأعداء.

صارت جاكلين تخلع ثيابها، قدرت أن فيها ما يشبه نورا، ركبة، ساق، بياض، وكنت أنتظر القطعة الأخيرة كي أكتشف لون الشعر الذي يعلوه، ولم تفعل وقفت شبه عارية.

-قوم يا شاطر

صرخت أمي:

-أجرديه منيح يا جوجو

اهتزت وضحكت.

-حاضر يا خالتي .

ثم سلطت صوبي نظرات مفترسة.

-قوم ولاّ...

استسلمت لها، وكان الجدار يخترق، ووالدي يشتبك وجاكلين غير مهتمة .

لا فرق بينها وبين نورا، سوى بلون الشعر، فهو أسود عندها.

جلست جوجو على الخشبة الصغيرة، وأبعدت بين ساقيها ووضعت رأسي في الوسط، وبدأت تجردني تنفيذاً للوصية. كنت أسترجع نورا، والفضاء المحيط بي وبها دون أن تدري وأدركت أن حالة نورا مختلفة، وهي أكثر متعة. ولم أستطع في جو الحمام أن أصل إلى ذلك الإحساس الذي أتذوق طعمه مع نورا.

طلبت جوجو أن أقف، ففعلت، أصبح كل شيء مواجهتها.

قالت:

-يجب تنظيف هذه المنطقة جيداً.

راحت تفرك بيدها والصابون ثم التصقت بي أكثر وهي تلهث بشكل منقطع وتردد:

-افعل كما أفعل، ماذا تنتظر؟

غبت مع جوجو، ونورا في مخيلتي. صرخت أمي:

-عجلوا ياولاد.

عاد الصوت، وخوف نورا

-يا بي... يا إمي...

ركضت صوب الحمار، وحين عاد الصوت مرة ثانية اختفى صوتها، ولكنها لم تقع، أنا الذي وقع، إذن اين اختفت نورا؟ تراها قابعة بين الصخور حتى الآن. قالت جوجو وصوتها يميل إلى النعاس:

-خوفك الخرق يا عيب الشوم؟

وسمعنا طلقات والدي الثقيلة،وبدأت الانفجارات من جديد صرخت أمي:

-لازم نروح إلى الملجأ.

تركت جوجو في الحمام شبه نائمة، وخرجت.

قالت: انتظرني يابغل، ثم ارتفع صوتها تخاطب أمي:

-سألحق بكما حين أنتهي من الحمام.

كنت أتنقل بين نورا وجوجو، وأمي تصلي من أجل أبي المشتبك، وبعض النسوة يشاركنها ذلك، وأطفال يبكون أو يصيحون، ونورا في رأسي، ورائحة جوجو عالقة بي. كانت جوجو مستلقية على السرير تشرب الشاي وهي تستمع بنشوة إلى أغنية من الراديو:

(ياموج البحر أنغامك

شكت للشط عن حالي)

قالت:

-أنت جبان، تركتني وهربت إلى الملجأ، ووضعت يدها على كفها يعني (طق)

خرجت من البيت باتجاه موقع أبي، رأيته في خوذته وغبار المعركة على وجهه وثيابه، ضحك حين رآني اقترب منه،قال:

-هل خفت يا ولد؟ كن بطلاً.

قلت:

-ماذا يعني اختراق الصوت؟

-يعني صوت لترهيب الناس.

ولم يكمل كلامه لأنه تنبه لصوت أحدهم يصرخ عن بعد:

-ماتت نورا يا سيدي.. ماتت نورا يا سيدي.

رد أبي:

-أين؟

-على الطريق الصخرية بين المغر والنبع.

رحت أجري صوب الطريق، ودموعي تغسل وجهي.

-كيف ماتت؟

رأيت نورا في المكان الذي غادرته قبل ساعتين وعلى جبينها بقايا دم، ومن حولها اجتمع رجال ونساء قرية المغر والنخيلة والعباسية، وأمها تولول:

-ليش متي يا زينة الصبايا، من بعدك ما في قمر يا نورا، لكن نورا لم تقع، ركضت خائفة تصرخ، شاهدتها وسمعتها.

حملوها على ظهر الحمار فوق (قربة) الماء، ساروا بصمت وأمها تئن بألم.

رأيت أبي وجاكلين والحزن يعلو وجوههم، صرخت وأنا أبكي بمرارة

قتلت نورا... أنا قتلت نورا.. أنا قتلتها يا أبي...

قال أبي موجهاً كلامه لجوجو:

-الولد خائف يا جوجو، إذهبي معه إلى البيت، ودعيه يرتاح بعض الشيء.

اهتزت جاكلين.

-حاضر ياعمي... حاضر ياعمي.

ثم شدتني من يدي، وسرنا معاً.

1995

هوامش :

المغر، النخيلة، العباسية، قرى في جنوب الجولان وهي خليط من أسر سورية ولبنانية بحكم قربها من قرى الجنوب مرجعيون -شبعا-الخيام- وكانت العادات متشابهة، والزيارات متبادلة وعلاقات الخطوبة والزواج وغيرها.

حين بكت نوال.

1- مدخل للبكاء

لنوال نكهة خاصة، تنسجم وطبيعة اعلانات الشاشة الصغيرة، ولشعر نوال الفحمي جاذبية تشع لتبهر ببساطة، هذه هي نوال التي بكت ذات يوم.

كانت ترغب بالعمل كمذيعة للتلفاز لكونها تمتلك المقومات الفعلية لمثل هذا العمل.

تقرأ، تضحك، تتقن فن اثارة الدهشة، وكانت تتابع نشرات الأنباء، وتفرح حين تشاهد الأوسمة وهي تزين صدور القادة الذين حققوا للبلاد تفوقها .

تقول نوال بغبطة.

-هذه الأوسمة سياج النرجس، ما أحلى بريقها وكانت تعتز بصورة تزين غرفتها، صورة لجنود التفوا حول دبابة وهم بثياب القتال.

كانت نوال تحدق في الصورة فتراهم يتطلعون صوب الأفق بابتسامات واثقة ورؤوس شامخة ونظرات متوثبة وطن. وخضرة وأوسمة براقة.

تفتح نوال ذراعيها لتعانق الشمس، فتبدوا كفراشة ربيع أخذت من الألوان وراحت تتقافز بين وردة وأخرى.

تقول:- ما أروع الحياة في نبض الوطن، أنت تحياه، وهو يحيا فيك وأنتما تنشدان أغنية الأمل وسياج النرجس البراق يبعث الطمأنينة.

يا لصدورهم المزينة بأوسمة المجد.

2- البداية

-نعم سيدي أنا نوال

رفعت شعرها الفحمي، جعلته يتدلى على ظهرها، فبدا قصيدة شعر مسكوبة بأنامل شاعر، أكثر من الصور الرائعة. ونشرت تلك الجاذبية التي تعبق لتجذب الكائنات من خلال سحرها العجيب.

إرتبك الرجل الضخم، واستيقظ بداخله حس الإنسان الذي فقده منذ زمن بعيد.

-تعالي معنا

سارت معهم، دخلت أقبية وهي تضحك، ثم ممرات ضيقة وهي تضحك

-ما أروع الحياة في وطن تحياه ويحيا فيك، وسياج النرجس البراق يزين صدور المجد.

3- المكان

سألت نوال المراة التي تشاركها ضيق المكان ورائحة العفونة:

لماذا حزنك؟.

ردت الأخرى بصوت واهن في طريقه إلى الموت.

-فيما بعد تعرفين!

ضحكت نوال، ولم تكترث برد المرأة التي تجهل معنى وجودها في مكان جليل وقوركهذا، ستوضح لها الأمر، وتابعت ضحكتها.

قدرت المرأة أن الفتاة مجنونة، فهزت رأسها عدة هزات متتالية كتعبير عن الأسف، وكانت نوال ما تزال تضحك.

4- الاختراق

وصلها الصوت الغليظ من عمق السواد، مخترقاً حواجز العفونة والرائحة .

-مين نوال؟

ردت:

-أنا.

أجاب:

-لا تضحكي بقرف.

لم تسمع هذا الرأي من قبل، لكنه الليل الذي حجب عنه الجاذبية وحوله إلى مجرد صوت غليظ ينفذ. مشت بمحاذاته، انتقلت من ليل إلى آخر عبر ممرات ضيقة، وصلت إلى ضوء الطاقة.

-انتظري هنا.

تذكرت نوال بطلات الروايات اللواتي انتظرن مثلها وكانت قد شاهدت ما يشبه ذلك في (السينما)

-ادخلي يا...

دخلت، فشاهدته وسيماً يدخن سيجاراً، ويتمايل على كرسيه بهدوء، ومن حوله وزعت التحف الثمينة، ولمحت باقة زهور طبيعية.

خاطبت نفسها:

-لا بد أنه شاعر.

قذفته بابتسامة مشعة، حرصت على شحنها بمزيد من الجاذبية، وتركت لشعرها الفحمي حرية الحركة.فمج من سيجاره طويلاً وفرغ الدخان بهدوء وهو أمام موقف أثار بداخله الدهشة الممزوجة بالاتزان المصطنع حدق اليها من الأسفل إلى الأعلى.

قال:

-اعترفي يا نوال، فالتكتم لا يفيد..

ضحكت نوال:

-توقفي عن الضحك يا نوال.

اقترب منها أكثر، فلامست أنفاسه الساخنة وجهها ثم التصق بها وهو يردد:

تعترفين فيما بعد، لا بأس، تعترفين فيما بعد.كثيرات هن الفتيات اللواتي تعرضن لمثل موقفها، فاستسلمت وهي تعلم أن لاجدوى من الرفض. تألمت من وحشيته حين اقتحمها دفعة واحدة فسال الدم على ساقيها، وابتعد وهو يلهث ويردد:

-عاهرة وعذراء.

ضحكت نوال وهي تتألم.

صرخ:

-لماذا الضحك يا فاجرة؟ لماذا الضحك؟