مقدمة

10 0 00

الجسر

رواية: هدى حسين

مقدمة:

في الماضي البعيد، أخذ الكُتّاب يترجمون الكتابات الأجنبية. ثم استيقظوا ذات صباح على فكرة عجيبة وقد سقطت على رؤوسهم دفعة واحدة. نظر كل منهم إلى الآخر حتى نطق المتسرع منهم:

-" ولماذا لا نصنع أدبنا؟"

فسأله الي لا يخجل من جهله:

-" وكيف نعرف أنه أدبنا؟"

فأجابه الذي لا يخجل من علمه:

-"إنه طبعا ما ليس أدب الغير!"

فعاد الذي لا يخجل من جهله يسأل:

-" وكيف نصنعه؟"

فأيده المتسرع منهم سائلاً:

-"صحيح. من يصنعه لنا؟! وكيف نصنعه وحدنا لو أردنا ذلك فيما بعد؟"

فأجابه الذي لا يخجل من علمه:

-" إذا، نجعل له علاقة بأدب الغير. لن نترجم كتاباتهم بعد اليوم. لكننا سنكتب. سنكتب مثلهم. وننشيء مدارس أدبية كمدارسهم لتكون مدارسنا نحن."

هنا سأل المتسرع وال1ي لا يخجل من جهله معا:

-"وماذا نسميها؟"

فأجاب الذي لا يخجل من علمه:

-"بسيطة. لنستعر لها أسماء مدارسهم!"

بعد فترة، اجتمعوا مرة أخرى، متسائلين حول دور الكاتب. كان الذي لا يخجل من جهله يردد:

-" وما دور الكاتب؟ ما هي وظيفته؟ يعني بيشتغل إيه الكاتب ده؟"

فأجابه الذي لا يخجل من علمه:

-" إنه الذي يخلق عالما لنا. دورة أن يبدع. فلا أحد غيره يستطيع أن يفعل هذا.. لا أحد يقبل هذه الشغلانة غيره!"

فانبرى المتسرع منهم سائلا:

-" وبياخد كام على كدة؟ بيقبض أجرته باليوم ولا بالشهر؟ ثم ماذا نفعل بما يبدع؟"

شعر الذي لا يخجل من علمه بقرف شديد تجاه جهل المتسرع وسطحيته. فتنهد وامتعض ثم أجاب:

-" نرى العالم من زاوية مختلفة، جديدة، حرة.. ثم إن الكاتب الحقيقي لا يطلب على فعله ثمنا. فلنتركه يفعل طالما ببلاش..إنه.. إنه فعل من أجل الناس.. من أجل الفن.. من أجل رسالة الفن."

هنا عاد المتسرع يطلب بعض الاستفسارات:

-" أهو نبي إذا يحمل رسالة الفن؟ أم بوسطجي؟ أم ماذا؟"

وسأل الذي لا يخجل من جهله:

-" وكيف نرى الزاوية المختلفة للعالم ومدارسنا الأدبية وتياراتنا تحمل أسماء مدارس وتيارات الغير؟ ثم لماذا نكتب أصلا إذا كان الغير موجودين والحمد لله عندهم صحة وصبر ليكتبوا لنا؟!"

لكن أحدا لم يجب. وبقى السؤال معلقا في السقف حتى نسوه. لكنه لكي يلفت انتباههم، عاد يتنكر في صورة عنكبوت، وبدأ يتدلي من السقف شيئا فشيئا، حتى بدأت خيوطه تلامس مقدمات رؤوسهم، فناموا ليحلموا بالإجابة.

وفجأة استيقظوا جميعا على صوت يصرخ:

-" وجدتها! وجدتها! نحن نكتب لنحرر الوطن."

فرح الجميع بالحل وجروا يلحقون بالأتوبيسات والميكروباصات وقطارات المترو محاولين الوصول بأقصى سرعة إلى بيوتهم وانهمكوا في الكتابة حتى يجدوا الوطن قد تحرر. عانوا كثيرا هؤلاء الكتاب، وارهقوا ماديا ومعويا في سبيل هدفهم النبيل، إذا صرفوا الكثير من السجائر والورق غير آبهين بالعواقب. تحولت حجراتهم إلى أكوام من الورق والحبر وأعقاب السجائر والرماد. منهكين، تجمعوا من جديد، ماسحين العرق من فوق جباععم ومتسائلين:

-" الآن وقد تحرر الوطن، ماذا نفعل؟"

حك الذي لا يخجل من علمه ذقنه ورفع سيجارته إلى فمه بوقار، ثم بصوت رصين تكلم. تكلم بقرف من يعلِّم أناساً فكرة منذ سنين لكنهم لا يفهمون!:

-" لا تتوقف حرية الوطن عند حدود تحرره من الاستعمار الأجنبي، بل إن هناك حريات أخرى كثيرة ينبغي أن يحصل عليها المواطن. على الأقل، نحصل نحن عليها مقابل كوننا نكتب بلا مقابل! فهذا الوطن يجب مثلاً أن يتحرر من ماضيه السلفي الرجعي المتخلف الذي أدى به إلى الاستعمار.. وجزء من ماضيه هذا أنه كان مستَعمَراً. عليه أن ينسى هذا الجزء أيضاً ويتحرر منه. كيف؟ بأن يصبح كالقطة الرومي التي تمسح وبرها في كتف مستعمريها القدامي، دليلاً على صداقتها الجديدة لهم وحسن نواياها السلمية البريئة تجاههم، خصوصاً إننا نبدأ عصراً جداً من الحرية والتعددية. ثم إنه مازال أمامنا الكثير.. الكثير يا أبنائي. فعلينا مثلاً أن نبحث عن مصلحة الشعب – أي والله – فهو جاهل ولا يعرف مصلحته أبداً. علينا أن نكون أنبياء، ديننا حرية الفكر. ولكي لا يخدعنا أحد الكفار ويندس بيننا، علينا أن نحفظ كلمة السر "النبي عربي والفكرة حرة. والصراحة راحة والقاعدة حرية". ولنأخذ أوروبا مثلاً! الذين استعمرونا يوماً استطاعوا ذلك لأنهم كانوا يملكون فكراً."

قاطعه المتسرع:

-" ياه! كنت فاكرهم استطاعوا ذلك لأنهم يملكون سلاحاً!"

فأيده الذي لا يخجل من جهله:

-" طبعاً طبعاً. سلاح الفكر. ثم إنهم كانوا ضيوفاً علينا، وأكلنا معاهم عيش وملح. والعِشرة ماتهونش إلاّ على ابن الحرام. فلماذا لا نملك فكراً نحن أيضاً مثلهم؟ بل فكرهم ذاته! الفكر الاستعماري."

هنا أسرع الجميع ، كل في موقعه، يقوم بدوره في هذه المرحلة من تحرير الوطن. البعض هرع إلى حجراته يبحث تحت السرير وفوق الدولاب عن مصلحة الشعب. والبعض الآخر انخرط بين الناس نبياً يبشر بالفكر الاستعماري الوطني الجديد. أما الفئة الثالثة فقد انخرطوا بين العمال في المصانع والفلاحين في المزارع وأخذا يقلدون الماركات الأجنبية الفكرية ويلصقونها على منتجات كل العقول الأخرى المصنوعة محلياً. اجتمع الناس حولهم فترة يتفرجون على ألاعيب هؤلاء الحواة ثم تفرقوا مرعوبين من أشكالهم وكلامهم وتصرفاتهم العجيبة. فعاد الكتّاب مكتئبين يجتمعون منرة أخرى.

قال الذي لا يخجل من علمه بعد أن زفر زفرة طويلة ذات شجون:

-" يا إجواني، إن مهمتنا صعبة. لا تنسوا أن الشعب لا يعرف مصلحته."

فانطلق المتسرع:

-" دعونا نقدم لهم حلولاً لمشاكلهم، ربما يحبوننا..."

فاعترض الذي لا يخجل من جهله:

-" لقد اعتادوا مشاكلهم يا أخي، وهم يعيشون بتآلف غريب معها. ربما ينبغي أن نقدم لهم، على العكس من ذلك، مشاكل جديدة. لكي لا يعيشوا في ملل.. يا للمساكين العامة الرعاع هؤلاء.."

لكن الغلبة كانت لرأي المتسرع. فالكُتاب يحبون أن بعترف لهم أحدما – أي أحد – بالجميل. ثم إنهم يزعمون أنهم يعرفون الحقيقة.

صاح الجميع فرحين:

-" هيا هيا! وجداً عملاً! سنكون مصلحين اجتماعيين! هيا هيا هيه!"

التف الناس حولهم لحظة ثم تفرقوا.. كان التعجب والدهشة يبرقان من عيون الكُتاب، يدق التساؤل رؤوسهم كالشاكوش، حتى أرهقهم الصداع فقرروا نزع الشاكوش من رؤوسهم واستخدامه في دق السؤال مرة أخرى في السقف.

-" بشر جهلاء فعلاً.. تخيلوا!" قال الذي لا يخجل من جهله. "إنهم لا يرقون أبدا لمستوانا! حقيرون! ينبغي أن نقاطعهم ونعاديهم!"

سأل المتسرع:

-" كيف؟"

فأجاب الذي لا يخجل من علمه فرحا بالمؤامرة:

-" أقول لكم. نكتب أشياء لا يفهمونها. أشياء لا تعبِّر عنهم. ويا سلام لو كانت ألغازا لغوية لا حلول لها!"

عاد المتسرع يسأل:

-" وكيف يقرأون لنا؟"

فأجاب الذي لا يخجل من جهله:

-" يا يتعلموا لغات يا أخي!"

فضحك الذي لا يخجل من علمه على سذاجتهما، وقال:

-" يا إخواني، نحن أصلاً لن يكون هدفنا من الكتابة أن يقرأوا ما نكتبه."

-" ولماذا نكتب إذاً؟" سأل المتسرع مذعورا.

وهكذا تورط الذي لا يخجل من علمه في الإجابة:

-" نكتب لكي.. نكتب لأجل.. نكتب للكتابة. نعم. الفن للفن وإلاّ فلا!."

فرح الذي لا يخجل من جهله مؤكداً:

-" والطيبون للطيبات والخبيثون للخبيثان... الخ. الخ.."

فأسرع المتسرع معتذراً:

-"آسف يا جماعة، انا مازلت أحب حيات العزوبية، وخصوصاً إن لم يكن أحد سكتب لي فسأكتب لنفسي.."

فسأله الذي لا يخجل من جهله:

-" ولماذا، مادمت تستطيع أن تحدثها؟"

فأجاب المتسرع مندهشاً:

-" أحدثها! يا راجل! هذا درب من الجنون!"

فطارحه الذي لا يخجل من جهله الحجة بالحجة سائلاً:

-" طيب. لماذا تنشر ما تكتبه، ما دمت تكتبه لنفسك؟"

فتورط المتسرع في الإجابة:

-" لأن الكتابة جنون أيضاً"

ومن يوم أن سمع الناس أن الكتابة جنون وهم يخافون الاقتراب من أي كاتب لربما تصيبهم العدوى.. ولم يعودوا يسمعون إلاّ لمن يحاول من الكتّاب أن يبرهن لهم أنه ليس مجنوناً. فالمتهم مدان حتى تثبت براءته.. ولو ثبتت، يخرجونه من سرايات الكُتّاب ليدخل كل البيوت ضيفا مكروما من خلال شاشة عجيبة يصدق البسطاء كل ما تخبهم به بلا استثناء.. عبرها، يخبرهم الكاتب البريء من الجنون ويثبت لهم أنه ليس مجنوناً بدليل أنه يحب الله والوطن وماما وبابا والمدرسة، ويكره الموضة والأغاني الشبابية ويحتقر الشواذ. أما عن الجنس فيدينه، وعن السياسة لا يتحدث أبداً.