3
عرف شريف أنه تحت المجهر عند رجال الأمن نتيجة حالات النسيان التي تنتابه .. فتأخره عن الطائره .. ثم نسيانه لمعطفه وما دار حوله ... وبعدها نسيانه لحقيبته التي كان يمكن أن يكون لها عواقبها .. ولو أن احداً ظن أن بالحقيبه شئ خطر كالمتفجرات مثلا .. لكان شريف الي الآن في موقف صعب ... ورغم احساسه بالقلق لكنه طمأن اخيه في التليفون وطلب منه أن يشحن له رصيده في الموبايل ... حتى يستطيع استخدامه
كان اخيه على الطرف الآخر يلوم نفسه لأنه تركه يسافر وحده هذه المره ... حتى أنه فكر في اللحاق به ... لولا أن شريف اعطاه بعض الاحساس بالطمأنينه .. وأنه لاخوف عليه .. وماحدث لم يكن إلا سوء حظ ولحظة نسيان عابره .. استمرت المكالمه فتره ثم انتهت ولازال القلق يسطر على روح اخيه خوفا عليه ..
ماأن انهي المكالمه .. حتى التفت الي هذه المرأه العجوز الإيطاليه التي تجلس بجواره في القطار ووقال لها باللغة الأنجليزيه ... أريد أن انزل في محطه ريسسيفري روما ... ارجوكي اعطيني خبرا عندما نقترب منها ... لكن المرأه العجوز لم تفهمه ... فهي لاتعرف الانجليزيه ... فحاول أن يفهمها باللغه الايطاليه بالكلمات والاشارات .. فهو لايعرف من الايطاليه الا بعض كلمات ... وبعد أن اعياه الأمر وهي لاتفهم تركها .. وجلس صامتا ...
في هذه اللحظه ربتت علي كتفه يد ناعمه من الخلف .. فالتفت .. فرأي شابه ايطاليه بيضاء البشره كأنها قطعه من السحاب سقطت من السماء في القطار .. وكأن شعرها حجاب صنعته من اشعة الشمس لتستر به عورة السحاب
قالت له الفتاه بلغه انجليزيه واضحه .. ان محطة ريسستفري فاتت منذ فتره .. وعليه أن ينزل في المحطه القادمه ويعود في القطار محطتين وهي الثالثه ... شكرها شريف بشده وقام من مكانه متوجها الي الباب ... فقد كانت حركة القطار بدأ ت في البطئ ...
لم يصل شريف عند الباب حتى وجد الفتاه التي كانت تحادثه تأتي اليه بسرعه لتعطيه تليفونه الذي تركه علي المقعد بعد أن حادث اخيه ... فابتسم لها وشكرها بسرعه ثم نزل الي المحطه عند وقوف القطار ...
جلس شريف علي المحطه علي الرصيف الآخر ينتظر القطار ... واحس برغبه في تدخين سيجاره بعد هذا اليوم الطويل الشاق .. ينفث مع دخانها التعب الذي بدأ ينتابه ... فوضع يده في حقيبته ليخرج علبة السجائر ... ولكنه انطلق ضاحكا بصوت مرتفع ويده لازالت في الحقيبه ...
ظل يضحك ويلعن هذه الذاكره العقيمه .. كان يضحك لإن يده وهو يبحث عن السجائر لمست .. الفيزا كارت .. التي وضعها في حقيبته ليسحب بها النقود التي يحتاجها إذا لم تكفيه نقوده ...
كانت شريف رغم ضحكه وابتسامته التي لاتفارق شفتيه .. من يتفرس في ملامحه عن قرب ... يرى انه قطعه من الأسى اقتطعها الحزن من أرض العذاب ... وكأنه مخلوق من طينة الألم .. لكنه شريف ... الفتى الذي لايبالي بالعذاب ولا بالألم ... الفتى الذي يسخر من الدنيا بكل مافيها من احزان وأفراح .. الفتى الذي لايبالي بنوائب الدهر ... دائما راضى ضاحك باسم ... يعلم أنها أيام وستمر بحلوها ومرها ولن تدوم الحال .. وإن دام الحال فلن يدوم هو لها ... لذا كان دائما الفتى الساخر من الاهوال ... القانع بقدره المكتوب .
جلس شريف يدخن مستغرقا في افكاره ... وقد مر قطار واثنان ولم يلتفت لهما .. ولكنه بدأ يشعر أن الوقت يجري ولابد أن ينتبه للقطار القادم ... ومضت دقائق وجاء القطار ليجد شريف على أهبة الاستعداد في انتظاره ...
ركب شريف القطار .. ولم يجلس علي مقعد .. بل ظل واقفا بجوار الباب ... فمحطتان فقط لن تاخذ اكثر من عدة دقائق ... وبعد دقائق معدوده كان شريف خارجا من باب محطة ريسسيفري واستقل تاكسي الي الفندق الذي اعتاد أن ينزل فيه ...
وصل شريف الي الفندق وتقدم للفتاه التي مكتب الاستقبال وقدم اليها جواز سفره وهو يقول ... لقد ارسلت اليكم عدة ايميلات لحجز غرفه اليوم .. فنظرت الفتاه في جهاز الكومبيوتر قليلا ثم قالت له :
فتاة الاستقبال : فعلا كان هناك غرفه محجوزه باسمك .. ولكنك تأخرت عن موعد الوصول المحدد فقمنا بتسكينها ... موعد الدخول هنا (تشيك إن) ... قبل الثانيه ظهرا والآن الثامنه مساءا ..
شريف : ألا يوجد أي غرفه لديكم اقضي بها ليلتي ؟؟
فتاة الاستقبال : اعتذر لك بشده .. فهذه الايام هي قمة الموسم السياحي ... وليس هناك غرفه واحده .. كل مايمكن أن افعله لك .. هو أن احجز لك من الغد .. بشرط أن تكون هنا قبل الثانيه غدا .
شريف : هل تعلمي؟ ... من اللحظه الأولي لي في المطار .. وأنا اشعر اني سأقضى ليلتي هذه في محطات القطار ... امممممممم .. هل ليديكي نصيحه لي .. أو فندق آخر قريب يمكن أن اذهب اليه الآن ..
فتاة الاستقبال : (اثرت كلماته الحزينه في الفتاه الرقيقه فقالت له) انتظر لحظه .. ثم دخلت الي حجرة جانبيه وعادت بعد دقايق وقالت له ... يمكنك الاسراع الي فندق دونا كاميللا فقد تمكنت من أن اجد لك غرفه الليله فقط ... ومن الغد ستجد غرفتك محجوزه عندنا ... هيا اسرع الآن ..
شكرها شريف بسرعه .. وانطلق خارجا من الفندق ... لكن فتاة الاستقبال ظلت تنادي عليه بإسمه .. ولما التفت اليها .. اشارت له بجواز سفره الذي في يدها ... فعاد اليها واخذه منها شاكرا وهو يبتسم مع ابتسامتها .. وكأنهما ابتسامتان كانتا علي موعد ...
استقل شريف التاكسي وتوجه الي الفندق دونا كاميللا .. فوجد الغرفه فعلا قد تم حجزها بإسمه .. فأنهي اجراءات الحجز بسرعه وصعد الي غرفته ... ولم ينتظر أن يغير ملابسه .. ولكنه استلقى علي السرير فور دخوله ...
لم يكن شريف نائما ... بل كان مستلقي على ظهره يتذكر زيارته السابقه هو وأخيه الي روما ... فقد جاء شريف الي روما منذ عامين وهو مريض على عتبات الرحيل ... بعد اصابته بورم خبيث في الكبد والطحال ( السرطان) ... ولكن اسرته الكبيره لم ترضى أن تتركه بين يدي المرض كي يلتهم شبابه الغض ويقضى علي حياته ... فارسلته مع اخيه الي روما واجرى عدة عمليات ... استئصال السرطان من الطحال .. واستئصال الكبد الذي كان قد انهي عليه السرطان .. وزراعة فص كبدي جديد ... لكن للاسف ...
كان جسد شريف في ذاك الوقت يرفض العضو الجديد المستزرع ... وكأنه يرفض من داخله الحياه بعد صدمته في المرأه التي احبها وأخلص لها ... ورأى خيانتها بعينيه ... ولكنه سرعان ماألقي بهذه المرأه بعيدا عنه فرحلت سريعا الي عالم النسيان ... بعد أن أسمعها بأذنها أنه رحل عنها والي الأبد ...
فقد كانت تحاول أن تتصل به وهو بالمطار اثناء سفره الأول للجراحه ... لتكمل كذبها المحكم الذكي بدموعها الزائفه ... وشريف لايرد عليها ... لكنه يفتح لها التليفون لتسمع نداء ميكروفون المطار معلنا عن رحيله عنها مقدما ... قبل رحيله عن الدنيا كلها بعد بعض شهور
فشريف يعلم أن عمره في هذه الدنيا قصير ... ولم يبقى له فيها سوى عدة شهور ... قرر أن يقضيها كما هي ... بحلوها ومرها ... دون أن يبالي بالدنيا ولا مافيها ولا من عليها ... الا كاتي التي كان يعيش معها ايامه الباقيه ... يسامرها وتسامره .. يضاحكها وتضاحكه ... يرافقها وترافقه ... فقد كانت بالنسبة له طوق النجاه ... ورصيد الابتسامه الوحيد له .. وكأن بيديها مفاتيح السعاده وخزائن الفرح ...
وكانت كاتي تفتح خزائنها له .. تسعده ... فيقضي أيامه معها ... وتنسيه ما يمر به من آلام ... تنسيه لحظات الحزن ... حتى بدأ هو ينسي من نفسه .. وذاكرته تمحو اكثر مما تتكتب ..
كان جسد شريف يرفض العضو المستزرع .. فلم يجد الاطباء وسيله لإنقاذه الا بحقنه بأدويه تثبط جهاز المناعه عنده ... وعاد الي القاهره من رحلته الأولي ليعيش بهذه الادويه ... يوقف جهاز مناعته بيده .. حتى اصبح بلا مناعه ... وكأنه مصاب بمرض الايدز ...
فقد كانت هذه الادويه والعقاقير التي تحافظ عليه حيا ... لها اعراض جانبيه خطيره .. فغير انها توقف جهاز المناعه عنده ليكون مريض الايدز بمحض ارادته وبفعل يده ... اصابته هذه الادويه أيضا بمرض فقدان الذاكره ... (الزهايمر) ... وظلت حالة الزهايمر تزداد تدريجيا ... حتى بلغ به الامر انه بدأ يتوه عن بيته ... وبدأ ينسي أسماء اهله واصدقاءه ... بدأ ينسي كل مايفعل وما يقول بسرعه ..
لذلك قرر العوده الي المستشفي التي اجري بها الجراحات السابقه ... وبعد اتصاله بالطبيب الذي عالجه ... طلب منه الحضور الي روما .. وها هو مره اخري بروما ... في انتظار موعده في الغد مع الطبيب بمستشفي تريستفري ...
وفي صباح اليوم التالي ....