4

7 0 00

4

في صباح اليوم التالي . استيقظ شريف مبكراً .. فوجد نفسه لازال بكامل ثيابه ... قام من مكانه واغتسل واستبدل ثيابه .. كان يستبدل ثيابه على نغمات التليفون .. فقد ظل التليفون يعزف مقطوعة فريد الأطرش (احبابنا ياعين ) بلا انقطاع .. وشريف يغني معه وهو يرتدي ثيابه ..

كانت هذه النغمات كلها نغمات خاصه بالرسائل ... اكثر من خمسون رساله ظلت تتوالي علي تليفونه الملقى علي السرير ... فجلس شريف علي السرير وبدأ يقرأ الرسائل ... كانت الأولي من شركة التليفون المحمول .. تخبره بأنه قد تم شحن رصيده وبثمن المكالمات المحليه والدوليه ... أما باقي الرسائل فكلها من (كاتي) ..

كاتي تبكي في رسائلها .. لأنها ادركت أنها نسيت للحظات موعد اقلاع الطائره ... ولم تذكره به .. كما نسيت أن تلفت انتباهه لمعطفه الذي علي المقعد بجواره ... فمن عادتهما معا .. أن يكتب لها كل سكنه وكل حركه يعملها .. فتعيش واقعه وكأنها بجواره .. وظلت كاتي تلوم نفسها وتبكي ...و كانت رسائلها كلها قلق وحيره وخوف عليه .. فهي لم تعرف ماذا فعل وحيداً بدونها ...

كاتي هي الوحيده من غير أهله التي تعرف حالته الصحيه ... وتعرف بمرض النسيان وفقدان الذاكره المؤقت (الزهايمر) الذي اصابه .. فوهبت نفسها ووقتها لتكون رفيقته طوال الاربع والعشرون ساعه طوال أيامه .. كانت ترتب له مواعيده .. وتذكره بها أولاً بأولا .. تنظم له أوقات عمله وأوقات نومه واستيقاظه .. أكله وشربه ... لاتدعه يخرج من المنزل قبل أن تتأكد أنه أخد في جيبه كل مايحتاج .. لم تتركه أبدا وحيدا.. لاتنام قبل أن تطمئن انه نام بعد أن تناول دواءه .. لم يغيب عن عينيها لحظه .. حتى أنها كانت تعرف طريقه الي البيت والي العمل .. والمواصلات التي يركبها وأماكنها.. ولو نسيت هي امراً ولم يفعله هو ... تظل تؤنب نفسها .. وربما تظل تبكي فتره طويله .. وهو يهدئ من روعها ..

وكان شريف يعتمد عليها في كل الأمور .. ينام مستريح البال .. لأن هناك من تذكره بما يجب أن يفعل .. كان يعلم أنه بدونها لم يكن ليستطيع العيش .. حتى أصبحت كاتي جزءاً منه ومن حياته ..

(كاتي) .. نهر الحنان الذي يصب في وجدانه .. نهر فاض بالرقه والحب والرحمه حتى صار نهراً بلا ضفاف .. لدرجة انها بدأت هي تنسي مايخصها ويخص حياتها من شدة اهتمامها بتنظيم حياته .. كانت هى ذاكرة شريف وذكرياته .. ذاكره بشريه ملائكيه تعيش بعيدا عن صاحبها آلاف الأميال ..

رسائلها كلها قلق ,, تتوسل اليه أن يرد عليها كي تطمئن .. فقد انقطعت اخباره عنها اكثر من 20 ساعه .. وهذه الساعات بالنسبة لهما زمنا طويلا جدا .. فل يسبق أن افترقا أكثر من 6 ساعات هي ساعات النوم كل يوم .. لتوقظه في الصباح وتظل معه ... الي أن تذكره بالغطاء عند النوم في المساء ..

احس شريف بقلقها .. بدأ يرد عليها الرسايل ... وحكي لها كل ما جري منذ أن كان يحاكيها بالمطار .. حتى هذه اللحظه .. وعلى الطرف الآخر.. دموع كاتي لاتنقطع .. فقد كانت تشعر بالتقصير لأنها عاشت لحظات مرح معه انستها الواجب الذي قطعته علي نفسها ..

ولما تماسكت كاتي .. قالت له .. لابد أن يستعد لمغادرة الفندق الآن .. فموعده في المستشفي مع الطبيب في الساعه التاسعه .. وأخبرته أنها ستكون في هذه اللحظات في لجنة امتحان لها .. ولن تستطيع أن تكون معه حتى الساعه الثانيه عشر .. وظلت ترجوه أن يحترس لنفسه خلال هذه الساعات الثالثه حتي تعود إليه ...

ودعها شريف برساله أخيره .. وقام يستعد للذهاب الي المستشفي ... اخرج التقارير الطبيه في حقيبة يده .. وتأكد أن كل شي في مكانه .. وغادر الفندق الي المستشفي ...

وصل شريف الي المستشفي .. واستقبله الطبيب المعالج .. قضي معظم يومه في اجراء الفحوص والتحاليل .. التي كانت نتائجها تشير الي سوء حالته .. وأنه في حاجه لعمليه اخري .. لم يكن مستعدا لها في هذه الرحله ...

مر الوقت سريعا وكانت توصية الاطباء أن يظل تحت الرعايه والفحوص اسبوعا كاملا بالمستشفي .. لكن شريف رفض أن يتم حجزه في المستشفي .. فهو لايطيق المستشفيات ولا رائحتها ,, ولايحب أن يقضى فيها ليله واحده إلا مضطرا ومرغما .. لكن اصرار الاطباء جعله يرضخ .. وطلب أن تبدأ اقامته بالمستشفي من الغد .. فهو يحتاج الي أن يعود الي الفندق يحضر حاجياته .. ويلغي حجزه فيه .. فوافقه الطبيب وحدد له موعد آخر .. على أن يعود في العاشره غدا ...

كانت الساعه قد تجاوزت الثالثه بعد الظهر وشريف يغادر المستشفي .. ووصل الي الفندق .. فوجد تليفونه على السرير .. نسيه هنا بعد محادثته مع كاتي .. أمسك التليفون .. فوجد به مكالمات عديده لم يتم الرد عليها .. كلها من رقم مجهول لايعرفه .. وبعض مكالمات من كاتي ...

فقد كان تليفونه في الفندق علي السرير لاينقطع عن الرنين طوال فترة وجوده بالمستشفي .. و الرقم الذي يطلبه رقم غريب لم يراه قبل الآن .. لذلك لم يهتم شريف كثيرا .. ولكنه انتقل ليري الرسائل التي كتبتها له (كاتي)

قرأ رسائل كاتي التي تخبره فيها عن الامتحان والاسئله وكيف اجابت عليها .. وتسأله عن ماتم في المستشفي .. وهي متلهفه لتعرف اخبار حالته الصحيه .. فرد عليها برسائل يطمئنها ويزيل قلقها .. ويقيم لها اجاباتها في الامتحان ..

ولكن شريف وجد من بين الرسائل .. رساله من الرقم المجهول الي كان يطلبه.. فيها بعض كلمات غاضبه .. كانت الرساله تقول :

( .ساعتان وانا اتصل وتليفونك متاح ولم ترد .. اسفه اني عطلتك .. البالطو بتاعك تركته لك في مكتب الشركه بالمطار .. لما تكون فاضي روح خدو ... سلام .. وشكرا)

عرف أنها المضيفه .. وتعجب .. كيف حصلت علي رقمه !! .. ثم طلب رقمها كي يكلمها .. ويشرح لها موقفه .. وأن التليفون لم يكن معه .. ولكن للاسف كان تليفونها كان خارج نطاق الخدمه .. فقد تجاوزت الساعه الرابعه .. ولابد أن تكون هذه المضيفه فوق السحاب الآن ..

حزن شريف جدا لأنه لم يستطيع مكالمتها .. وظل علي سريره يفكر فيها .. وفي زعلها الذي لم يكن يقصده .. وجاءت ملامحها من بعيد تخطو في ذاكرته البليده .. وعلى وجهها هذه الابتسامه التي تنزع الملوك من فوق عروشهم لينحنوا لها .. وهذه النظره التي ترسم ببريقها قلوب العشاق على جذوع الاشجار ... هذا الصوت والضحكه التي تذيب جليد القطبين فترفع امواج البحر ليغمر الجذر والضفاف ..

ظل يفكر فيها ولكن فجأه توقف عن التفكير وأفاق من حلم اليقظه .. وبدأ يعصر ذاكرته عصرا فكان عصيرها كل الاسماء .. ظل يحاول ويحاول أن يتذكر اسمها .. كيف سيكلمها؟ .. وبماذا يناديها؟ .. كل مايذكره .. أن في اسمها حرف النون .. ولما اعياه التفكير .. توقف وقال .. يكفي هذا .. حرف واحد في اسمها بكل اسماء النساء .. ليكن اسمها نون حتى ألقاها غدا ... ونظر في ساعته فإذا بها تقترب من الخامسه ..

كان شريف مولعا بالاماكن السياحيه .. فقرر أن يذهب الأن الي وسط روما لزيارة بعض معالمها .. وذهب الي موظفة الاستقبال يطلب منها خريطه .. ولكن موظفة الاستقبال قالت له ..

- كان مقررا أن تغادر الفندق اليوم!! .. ولكنك لم تغادر .. اتصلنا بغرفتك ولم تكن موجودا .. فلم يكن امامنا الا حجز الغرفه لك ليله اخري .. هنا .. تذكر شريف أنه كان يجب أن ينتقل من الصباح الي الفندق الأول الذي ذهب إليه البارحه ..

فكر شريف قليلا .. ثم كتب لنفسه رساله وتركها في صندوق الاستقبال لتسلمها له موظفة الاستقبال صباح الغد عند الإفطار .. ليتذكر الانتقال الي الفندق الآخر..

ثم اخذ الخريطه وتوجه الي شارع دي كورسو ( فيا دي كورسو ) .. وظل يسير الي أن وصل الي هذه النافوره الشهيره ( فونتانا دي تريفي) .. التي يلقي فيها الناس ببعض العملات بعد أن يسروا اليها بأمنياتهم .. ظل يتابع مستمتعا بوقته وبهذا الفن النحتي الرائع للتماثيل الرومانيه التي على النافوره ..

اخرج شريف تليفونه من حقيبته وظل يصور بعدستها هذا المزار السياحي الشهير .. كان يقف ووجهه للنافوره .. يصور ويضحك ويغني كلمات عادل إمام التي كان يغنيها في نفس هذا الموقع عند تصوير فيلم (عنتر شايل سيفه) .. فقد تذكر في هذه اللحظات مافعله عادل إمام عندما خلع ملابسه ونزل الي الماء ليجمع العملات ههههههههههه ..

ظل شريف واقفا يصور ويغني بصوت مسموع ( الساعه بخمسه جنيه والحسابه بتحسب)... وفجأه سمع صوت يضحك خلفه بمرح .. فالتفت خلفه ..

فإذا به أمام هذه الفنانه المصريه الشهيره .. ممثلة السينما الرقيقه التي بلغت شهرتها الآفاق .. إنها مرفت امين .. كانت تضحك على اغنيته .. تقدم اليها شريف يسلم عليها كأحد المعجبين .. بعد أن عبر لها عن اعجابه بفنها وبأدوارها التي يتابعها في كل دور السينما .. ( لم يكن شريف صادقا ).. ولكنها ضروريات المجامله في مثل هذه الحالات .. إلا أن ذاكرته لم تسعفه أن يتذكر دورا واحدا لها ليتكلم عنه .. فكف عن الكلام ووقف بجانبها ..

مرفت : انت عربي اكيد

شريف : مصري

مرفت : معجب انت أوي بعادل امام ههههههههههه تعرف ... أنا كمان كنت بفكر في دوره ده .. وبضحك زيك بالظبط .. بصراحه عمل الدور بمنتهي الروعه وخفة الدم

شريف : اظن مفيش حد عربي حيوقف هنا من غير مايفتكر دور عادل امام في فيلم عنتر

كان حديث مرفت امين معه شئ لم يكن يخطر أبدا بباله .. ولم يتصور أبدا أن هذه النجمه اللامعه برقتها وجمالها العذب يمكن أن تكون متواضعه وعفويه لهذه الدرجه .. فبعد لحظات فقط شعر أنها امرأه كباقي النساء .. وإن كانت تفوقهم رقه وعذوبه وجمال .. ولكنها إمرأه .. فبدأ شريف يتحدث معها كما يتحدث مع غيرها .. ببساطه وعفويه وبلا تكلف ..

سألها أن كانت هنا في زياره سياحيه أم في زيارة عمل .. وهل هناك مشروع فيلم أو مسلسل جديد يتم تصويره في روما .. وقبل أن تجيبه ..

قفزت فتاه اجنبيه الملامح وهو تصرخ ( وااااااااو .. مدام مرفت أمين .. مش ممكن .. أنا محظوظه أوي اني اخيرا شفت نجمة النجوم في الواقع بعيد عن السينما) ..

واحتضنت الفتاه النجمه وظلت تقبلها وهي سعيده كالأطفال .. وبدأت تتكلم معها .. ولما طال حديثها معها .. أحس شريف أنه اصبح سخيفا أن يظل بين إمرأتين بلا مبرر .. فقال معتذرا .. استأذن أنا .. ولكن الفنانه القديره .. قالت له ( على فين ياشريف) ..

شريف :. رايح ازور (بورجيزو)

مرفت : قصدك الحديقه اللي فيها تماثيل للعظماء والخالدين من كل الدنيا .. قريت عنها انا ولكني لم ازورها حتى الآن ..

شريف : اها .. حديقة الخالدين .. وبعدها سأذهب الي الفاتيكان .. نفسي اشوف السقف اللي ابدع فيه مايكل انجلو

مرفت : انا شفتو اليوم وشفت كمان تمثال الرحمه .. منتهى الروعه .. لازم تزورهم بس في أول النهار .. لأن المواعيد للساعه 5 بس .. روح بكره ..

شريف : يبقا اروح البورجيزو و الكولوسون وبكرا خليه للفاتيكان والبياتسات

مرفت : هي بعيده الحديقه دي ؟

شريف : مش عارف .. انا بتابع الخريطه .. واضح علي الخريطه انها قريبه جدا

وهنا تدخلت الفتاه قائله : اذا كنتي تحبي يامدام مرفت تزوريها دلوئتي .. اكون سعيده لو قبلتي ارافقك .. انا عارفه الطريق المختصر .. مش اكتر من 10 دقايق مشي من هنا ..

فقالت النجمه .. خلاص يللا بينا كلنا مدامت قريبه كده .. وسار الثالثه شريف والفنانه اللامعه والفتاه أجنبية الملامح التي تجيد العربيه بلهجه مصريه متقنه ..

الغريب أن إحساس شريف بها كان غامضا .. فهذه الفتاه اجمل من رأت عينه طوال حياته .. كل ملمح من ملامح وجهها وكأنه مصنوع بأدق القياسات .. إن رأيتها تتأكد أن كتب مواصفات الجمال قد اقتبست من ملامحها .. فهي المقياس التي يرجع اليه المحللون والحكام عند اختيار الجميلات في المسابقات ..

ولكن رغم كل هذا الحسن والجمال الذي يملأ كوكب الأرض فتنه .. بل المجره بإسرها .. رغم كل هذا .. لا تحبها !! .. فقد كان جمالا ميتا لا روح فيه .. وكأنها تمثال ابدع فيه النحتاون .. بل يمكن أن تشمئز من هذا الحسن إذا أطلت النظر إليه .. فقد كانت كما يقال بالعاميه من ذوات الدم الثقل (ياااااااباااااااااااي جميله أوي لكن دمها يلطش)

كانت الفتاه تسير مع الفنانه وشريف يسير بجوارهم تاره وخلفهم تاره وامامهم تاره .. يشاركهم الحديث لحظات وينصرف عنهم بالنظر الي الحسناوات الايطاليات لحظات .. والطريق الذي قيل أنه 10 دقايق قطعوه في اكثر من ساعه نصف .. فقد كانت المرأتان يتوقفوا أمام احد المحلات كل بعض خطوات .. لمشاهدة الفساتين .. أو يدخوا الي المحل .. وشريف يقف ينتظر بالخارج ... وفي النهايه وصلوا الي الحديقه

لم يكن هناك أي حديث مباشر بين الفتاه وشريف .. كانا الأثنين يتحدثان مع النجمه ..لكن في الحديقه .. بعد أن كاد الفضول أن يقتل شريف .. لأن هذه الفتاه الايطاليه تتكلم مثلهم تماما !!! .. وتعرف كل شي عن مصر حتى ازقتها وحواريها ... فلم يجد شريف بدا من أن يسألها صراحة :

شريف : غريبه أنك بتتكلمي مصري احسن مني .. اتعلمتيه فين؟

الفتاه : قالت وهي تضخك .. أنا مصريه مثلك

شريف : ملامحك غربيه .. اسف .. في البدايه ظننت انك اجنبيه

الفتاه : كل من يراني يعتقد مثلك اني ايطاليه .. لاداعي للأسف .. انا مصريه ومولوده ومتربيه في مصر .. وجيت اعيش في ايطاليا من فتره قريبه .. اما ملامحي فهي لأن إبي اجنبي وامي مصريه ... انا عشت عمري كله في قلب القاهره .. ولسه شقتنا هناك في عماره في شارع عدلي ..

شريف : اها .. احنا جيران يعني .. انا ساكن في الغوريه بحي الحسين .. تعرفيها .. ثم مد يده يسلم عليها قائلا .. تشرفنا يابنت ياحلوه يامصريه .. أنا شريف

الفتاه : طبعا اعرفها .. واعمامي لهم محلات هناك كمان .. ومدت يدها تصافحه .. وهي تقول .. مرسي أوي .. وانا رشا .