١

7 0 00

١

عرف القرَّاء من رواية ابن أرلندا، كيف فاز الرجل العبوس بإنقاذ ذلك الغلام الذي كانت أرلندا بجملتها عاقدة آمالها عليه، وكيف أن اللورد بالمير عمَّ هذا الفتى، ومس ألن ابنة ذلك اللورد، يبذلان ما يسعهما من الجهد في سبيل الاستيلاء على هذا الفتى؛ طمعًا بثروته، وابتغاءَ تشتيت شمل الأرلنديين بعد فقد زعيمهم.

ونحن نبسط للقرَّاء في هذه الرواية ما جرى من الحوادث الغريبة بين الرجل العبوس وبين تلك الفتاة ابنة اللورد، التي أقسمت على التنكيل بالرجل العبوس منقذ زعيم الأرلنديين وساعدهم الأيمن في المهمات.

وكان آخِر عهدنا بالرجل العبوس أنه صعد بالفتى من فسحة السجن إلى تلك الغرفة المشرفة عليها، حيث كانت والدة الفتى وشوكنج، وأنه حاول إنقاذ جوهان كولدن فلم يَفُزْ لانقطاع الحبل به.

فلما دفع الغلام إلى أمه كان مشهدًا مؤثِّرًا لا يحيط به وصف.

وكان الرجل العبوس أعَدَّ مركبةً تنتظر على باب المنزل، فقال للأرلندية: كفى يا ابنتي وهلم بنا إلى الفرار؛ لأننا غير آمنين في هذا المنزل، وإذا بقينا به هنيهة فقد يقبضون علينا ونساق جميعنا إلى السجن.

ثم خرج بها وبالفتى وبشوكنج فركبوا تلك المركبة وسارت بهم، فأخذ الرجل العبوس يد الأرلندية وقال لها: إني قد ردَدْتُ إليك ابنك، ولكنه محكوم عليه بالسجن خمسة أعوام، وقد ارتكب فوق ذلك جناية الفرار من سجنه، وقُتِل بسببه أحدُ حرَّاس السجن.

وأريد بذلك أن ابنك ليس لك الآن، بل هو للبوليس ويجب أن نبالغ في الحرص عليه.

فطوقت الأرلندية ولدها بذراعيها كأنما الخطر قد تمثَّل لها حقيقةً، وقالت: إني أحميه.

فابتسم الرجل العبوس، وقال: ولكن الأفضل أن نحذر من البوليس.

– كيف ذلك؟

– ذلك ما أتعهد به إذا كنتِ تثقين بي.

فأجفلت الأرلندية وقالت: ألعلك تريد أن تفصلني عن ولدي أيضًا؟

– كلا، ولكني سأجد طريقة تستطيعين أن تريه بها كل يوم بل كل ساعة، ألَمْ تسمعي بمدرسة أبناء المسيح؟

فنظرت إليه نظرة انذهال وقالت: كلا.

– إنها مدرسة إذا دخل إليها الفتى وتزيَّا بزيِّ تلامذتها، لا تستطيع الحكومة القبض عليه لما لها من الامتيازات؛ لأن ابنك قد بات الآن بين خطرين، أحدهما خطر الحكومة التي حكمت عليه، ولا بد لها من البحث عنه بعد فراره.

والثاني وهو الخطر الأشد، اللوردُ بالمير، قاتلُ أخيه زوجِك وعمُّ ولدك، فهو لا يفتأ يبحث عنه مع فتاته.

ولذلك فقد وجب أن نغيِّر اسم ولدك، ونُدخِله في هذه المدرسة، بحيث يبيت فيها آمنًا كل خطر.

وإني سأفعل جميع ذلك، غير أني أحتاج إلى مهلة يومين، يجب أن أحذر بهما عليكما كل الحذر، ولا أستطيع ذلك إلا إذا أطعتني طاعة لا حد لها.

– ومتى عصيتك يا سيدي في أمر منذ عرفتك إلى الآن؟

فلم يجبها الرجل العبوس، وجعل ينظر إلى مياه التميس مفكِّرًا، والمركبة تسير على ضفته إلى أن وقف السائق بها حيث أمر.

فقال لها العبوس: لقد وصلنا يا ابنتي فانزلي.

ثم وثب من المركبة إلى الأرض، وأنزل الفتى، ثم خرجت الأرلندية من المركبة ونظرت إلى ما حولها، فرأت خلاء متسعًا ليس فيه غير بعض بيوت صغيرة متفرقة، وفي وسط هذا الخلاء كنيسة كاثوليكية تحيط بها مقبرة متسعة، وهي كنيسة سانت جورج الكاتدرائية.

فقال العبوس عند ذلك لشوكنج: اذهب الآن في شأنك، وعند الصباح تذهب إلى سانت جيل فترى الأب صموئيل، وتقول له: إن الأمور قد جرت على ما تمنيناه، وإن الغلام قد نجا.

فذهب شوكنج بالمركبة، وعاد الرجل العبوس إلى الأرلندية، فقال لها: إننا سنكون بمأمن هنا من رجال الحكومة؛ إذ لا يوجد في جميع لندرا بوليس يجسر على أن يبحث عنا في المقابر.

ثم سار بها وبالفتى في تلك المقبرة التي كانت قبورها البيضاء تظهر للعين على شدة الظلام حتى وصلوا إلى الكنيسة، فقرع الرجل العبوس بابها ففُتِح الباب على الفور، وظهر رجل يحمل بيده مصباحًا، فقال له العبوس: إننا نحن الذين تنتظرهم.

قال له الرجل: مَن أرسلكم؟

– أرسلنا ذلك الذي نخضع له كلنا، إلى أن يبلغ الزعيم رشده ويغدو رجلًا.

– إذن ادخلوا.