٢
وكان هذا الرجل شيخًا أحنت ظهره الأيام، وبيَّضت شعره السنون، وطالت لحيته حتى بلغت صدره.
فلما دخلوا أقفل الباب وسار أمامهم بمصباحه، فاجتاز إلى الكنيسة، ثم صعد بهم سلمًا يؤدي إلى جرس الكنيسة، وهناك غرفة تحت قبة الجرس دخلوا إليها.
فقال الرجل العبوس للأرلندية: هو ذا المكان الذي تختبئين فيه مع ولدك، وإني أستحلفك بأبيك وباسم أرلندا أن لا تبرحي هذا المكان إلا حين أعود إليك بنفسي.
وأنت هنا في مأمن مع ولدك حتى ولو وشوا بك إلى البوليس، فإنه لا يجسر على الدخول إليه، ولكنه إذا علم بوجودك مع ولدك في هذه الكنيسة طوقها بالرقباء إلى أن تخرجي منها، فيطول سجنك في الغرفة.
– لا أبالي بالسجن مهما طال عهده إذا كان ولدي معي.
– إذن اقسمي لي أنك لا تبرحين الحجرة.
– أقسم لك بتربة زوجي الشهيد.
– وأنا سأعود إليك بعد يومين.
ثم قبَّلَ الفتى، وودَّعها وانصرف.
ولما خرج من الحجرة لقي الشيخ حارس الكنيسة ينتظره، فسأله: أحقيقة ما قلته لي؛ إنه في كل يوم تأتي امرأة بملابس السواد عند الفجر تبكي وتصلي فوق أحد القبور؟
– نعم يا سيدي، فإني أفتح باب المقبرة في الساعة السادسة من صباح كل يوم، فأجدها على الباب.
– إذن تقفل الباب في كل ليلة؟
– نعم، وإنما أبقيته مفتوحًا الليلة من أجلك.
– وبعد ذلك ماذا تصنع تلك المرأة؟
– تدخل إلى المقبرة، ولم أَرَ وجهها إلى الآن؛ لأنها تتبرقع بنقاب كثيف وتذهب إلى القبور.
– أَمَا رأيتها عند أي قبر تقف؟
– نعم.
– إذن سِرْ أمامي ودلني عليه.
فسار الشيخ أمامه، وهو يبسط أشعة مصباحه على القبور كي يهتدي إلى القبر، وكان الرجل العبوس يقول في نفسه: إذا كانت هذه المرأة هي التي أظنها، فقد أصبح اللورد بالمير في قبضتي، وبِتُّ قادرًا على قتال مس ألن مقاتلة الأكفاء للأكفاء.
وبعد هنيهة وقف الشيخ أمام قبر، فأخذ العبوس المصباح من يده وأدناه من الضريح، فرأى مكتوبًا عليه:
هذا ضريح ديك هارمون، مات في العشرين من عمره، شهيد الغرام.
فقال للشيخ: أهنا تقف المرأة وتبكي؟
– نعم.
ولم يكن يوجد تاريخ تحت الكتابة، غير أن ظاهر الضريح كان يدل على أنه حديث البناء، فقال الرجل العبوس للشيخ: أتعلم متى دُفِن هذا الشاب؟
– كلا، ولكني أشاهد تلك المرأة من عهد قريب كل يوم دون انقطاع، وقد أخبرت الأب صموئيل بما رأيته.
– حسنًا، فقد عرفتُ ما كنتُ أريد أن أعرفه.
ثم أقفل راجعًا، ولكنه لم يخرج من باب المقبرة، بل عاد إلى الكنيسة، فدهش الشيخ وقال له: ألعلك تريد مقابلة الأرلندية أيضًا؟
– كلا، ولكني أريد أن أنتظر في الكنيسة إلى أن تحين الساعة التي تحضر فيها المرأة.
ثم تركه ومضى إلى مكان الاعتراف ودخل إليه.
أما الشيخ فإنه كان يعلم أن الرجل العبوس من كبار زعماء الأرلنديين فلم يعترضه بشيء، بل انحنى أمامه وقال: متى تريد يا سيدي أن أوقظك؟
– متى فتحت باب المقبرة.
فانصرف الشيخ، والتَفَّ العبوس بردائه، ونام نومًا هادئًا.
وعند الصباح أقبل الشيخ لإيقاظه، فوجده مستيقظًا، فقال له: أفتحت الباب؟
– نعم.
– أَأَتَتِ المرأة؟
– كلا، ولكنها ستحضر قريبًا.
فتركه العبوس وذهب إلى ذلك الضريح الذي رآه في الليل، واختبأ وراء ضريح يشرف عليه.
ولم تمر هنيهة حتى رأى المرأة مقبلة، وهي مقنعة بقناع كثيف، فمشت توًّا إلى الضريح حتى إذا وصلت إليه ركعت أمامه، وجعلت تبكي وتنتحب، وتقول أقوالًا تقطع القلوب من الإشفاق، فكان مما قالته وسمعه العبوس: أين أنت يا ولدي؟ أحق أن الأموات لا يرجعون؟ وما بالك لا تجيب نداء أمك ولا ترثي لنحيبها؟ ألم تكن بي برًّا رحومًا! فما للعهد غير فيك يا ولدي! وكيف أنا عائشة بعدك! إنهم قتلوك حبًّا، ولكنهم قتلوني دونك، فإنما الميت ميت الأحياء.
ثم تشهق وتنتحب، وتذرف الدمع السخين، وتنادي ولدها بأشجى النداء، كأنما هي ترجو أن يجيب نداءها، حتى إذا ثاب إليها رشدها ورأت أنها تخاطب ميتًا، حبست دمعها المنسكب، وانصرفت إلى الصلاة عن نفس فقيدها الحبيب.
ثم نهضت نهوض القانطين، وذعرت حين رأت الشمس مرتفعة، كأنها خشيت أن يفاجئها أحد وهي في هذا الموقف، فأسرعت إلى ضريح ولدها، وقبَّلت ذلك الحجر المنقوش عليه اسمه قبلة الخاشع، وعادت مسرعة من حيث أتت.
وعند ذلك سار الرجل العبوس في إثرها، وهي لا تراه، حتى انتهت إلى منزلها وهو في زقاق ضيق، وحاولت أن تدخل فأسرع العبوس ووضع يده على كتفها، فالتفتت إليه مرتعبة وهمَّتْ أن تصيح، ولكنه بادرها بإشارة سرية من أشائر الأرلنديين، وذهب اضطرابها، وجعلت تنظر إليه بدهش، فقال لها: ألستِ والدة ديك؟
فجزعت تلك الأم عند سماع اسم ولدها الميت، وقالت له: بالله لا تذكر هذا الاسم أمامي وأشفِقْ عليَّ.
– إني كنت صديق ديك وأنت أمه.
– قلتُ لكَ لا تذكر هذا الاسم؛ فإنهم يقتلوني أيضًا إذا عرفوا أني في قيد الحياة؛ لأنهم يعتقدون أني ميتة كولدي، ولم يبْقَ لي غير عزاء واحد في هذه الحياة التعيسة، وهو أني أذهب عند مطلع كل فجر فأبكي على ضريحه، فإذا علم الذين قتلوه أني في قيد الحياة كان الخطر عظيمًا عليَّ.
– لقد كان الخطر عظيمًا أمس، أما اليوم فقد زال كل خطر.
– لماذا؟
– ذلك لأني سأحميك؛ فإني كنت صديق ولدك، وأنا ألَدُّ أعداء مس ألن بالمير التي مات ابنك ضحيةَ هواها.
فصاحت المرأة عند ذلك صيحة خرجت معها مكنونات صدرها.
فقال لها الرجل العبوس: لا تفوهي بحرف هنا، وادخلي بي إلى منزلك؛ إذ يجب أن أعرف كل شيء، كي أستطيع أن أنتقم لابنك الحبيب.