٣

5 0 00

٣

ثم أخذ العبوس بيدها ودخل بها إلى منزلها، فذهبت تلك الأم المنكودة إلى غرفة ففتحتها، وقالت: هنا مات ولدي.

ثم انطرحت على مقعد في تلك الغرفة، وهي واهية القوى، وقالت للرجل العبوس: تقول إنك عرفت ولدي، وكنت صديقًا له، فأين كنتَ تراه؟

– في ويت هال.

– لا أعرف ذاك المكان الذي تذكره، ولكني كنتُ أعلم أن ولدي كان يبرح المنزل كل ليلة، فما كنت أعترضه؛ إذ كنت أراه يكاد يجن من يأسه.

فقال العبوس: إني غادرت لندرا مدة، ثم عدت إليها، فأخبروني أن ابنك قد مات شهيد الغرام، ولم أجد بين إخوانه مَن يخبرني حقيقة أمره؛ ولذلك أردتُ أن أعلم منك كل شيء بالتفصيل.

فوثقت تلك الأم منه لما رأته من دلائل الصدق والوفاء بين عينيه، ولا سيما أنه قد أشار لها تلك الإشارة الدالة على أنه مثلها من الأرلنديين، فحكت له حكايتها كما يأتي: إني امرأة أرلندية كان زوجي إنكليزيًّا، وهو من جنود البحارة، فرآني يومًا في أحد موانئ أرلندا، وتزوَّج بي على اختلاف مذهبينا فتبعته إلى لندرا.

وبعد سنة من زواجنا غادرني وسافر في دارعة، فولدت غلامًا بعد شهر من سفره، وما رأيته بعد ذلك العهد؛ لأن تلك الدارعة غرقت، وما نجا أحد من بحارتها، فعينت لي الحكومة راتبًا صغيرًا.

وقد خطر لي عند ذلك أن أعود إلى أهلي في أرلندا، غير أن مستقبل ولدي أثناني عن السفر، فاستخدمت في محل تجاري فكان راتبي منه وما أقبضه من الحكومة يساعداني على تربية ولدي وتعليمه.

ولما بلغ السادسة عشرة من عمره ترك المدرسة، واستخدم في أحد المصارف براتب كان يكفينا، فمنعني عن العمل، وأقمنا في هذا المنزل الذي تراه.

ودام ذلك عامين كنتُ في خلالهما أسعد أمٍّ وأسعد امرأة، إلى أن جاءنا يومًا صاحب المنزل الذي نقيم فيه فقال لولدي: إن أرض هذا المنزل للوردٍ من أعظم نبلاء إنكلترا، وإن هذا اللورد محتاج إلى سكرتير، فهل تريد أن تكون في خدمته فأسعى لك هذا السعي، فإنك تكسب منه ضعف ما تكسبه الآن.

فما ترددنا في قبول هذا الاقتراح، وفي اليوم التالي ذهب بولدي إلى اللورد، فأعجب بذكائه وعيَّنَه سكرتيرًا له، فكان في كل يوم يذهب إلى منزله فيكتب له بإملائه جميع رسائله.

ومضى على ذلك شهران وأنا أحسب نفسي سعيدة بسعادة ولدي، وقد تغيَّرَتْ عوائده تغيُّرًا فجائيًّا لم أفطن له في ذلك العهد، مع أن عيون الأمهات تنفذ إلى أعماق قلوب أبنائهن فلا تخفاهن خافية من أسرارها.

فقد كان من عادته قبل دخوله في خدمة اللورد أن لا يكترث للبهرجة والزينة، وكانت ملابسه على أتم البساطة، لكن عاداته تغيَّرَتْ بعد ذلك، فأصبح شديد التأنُّق كثير البهرجة، ثم تبدَّلَتْ أخلاقه من الزهو إلى الانقباض بالتدريج، فما مر به عهد طويل حتى تجهم وجهه، ولم يَعُدْ يلقى إلا مقطب الجبين، فما شككت أن الغرام قد نفذ إلى قلبه.

وقد أتى لي يومًا قائلًا: إن اللورد بالمير كثرت أشغاله في هذه الأيام لانعقاد جلسات البرلمان، وإنه مضطر إلى الاشتغال معه في الليل، فصدقته وبقي شهران يخرج كل ليلة بعد العشاء، ومن ذلك العهد بدأت حياته السرية، وبدأ عذابه وعذابي، فكنتُ يومًا أرى وجهه مقتمًا بظلمات اليأس فينقبض قلبي، ويومًا أراه مشرقًا بنور البشر فأفرح لفرحه، لكنه لم يكن يبوح لي بشيء من مكنونات صدره.

وما زلت معه بين اليأس والرجاء إلى أن جاءني يومًا وعلائم السرور بادية بين عينيه، فقال: لقد حان لي أن أبوح لك بسري، فإني أحب ابنة اللورد بالمير.

فذعرتُ لهول هذا الخبر وقلتُ: ويحك أيها التعس كيف تحبها وبينكما هذا التباين في المقام؟

– ولكنها تحبني.

فجعلت أبكي وأتوسَّل إليه أن يرجع عن هذا الجنون، وأن يعتزل خدمة اللورد، لكنه أبى لاعتقاده أنها تحبه، وأنها راضية بزواجه، فاضطررت مُكرَهَةً إلى الامتثال؛ لأني رأيت السهم قد نفذ، ولم يَبْقَ سبيل لرده عن هذا الغرام الجائر.

ولا أدري ما جرى بينه وبين هذه الفتاة الهائلة، ولكني رأيت اليأس قد دبَّ إلى قلبه بعد زمن قريب، فلم يَعُدْ يلين بكلامي، ولم يَعُدْ يتحدَّث بغير الموت.

إلى أن أصيب بحمى عقبها هذيان، فلم يكن يتكلم إلا عن مس ألن، ولم أكن أفارقه لحظة، ثم خفَّتْ وطأة الحمى وزال الهذيان بعد أسبوع، وكان ذلك اليوم يوم أحد، فسوَّلَ لي القدر المحتوم أن أذهب إلى الكنيسة، فلما عدْتُ منها رأيته شديد الاصفرار، فصحت بالرغم عني صيحة ذعر، أما هو فابتسم وقال: أسألك العفو يا أماه لما ترينه مني من نكران الجميل، فإني قد نسيت أمي الحنون، ولم أفتكر إلا بشقائي والخلاص منه.

وعند ذلك رفَعَ عنه الغطاءَ فصحت صيحة هائلة؛ ذلك أني رأيت الفراش مصبوغًا بدمه الزكي.

وهنا انقطعَتْ عن الحديث، وجعلت تبكي بكاءً شديدًا.

فأخذ الرجل العبوس بيدها، وجعل يعزيها بأرَقِّ الألفاظ إلى أن حبست دمعها، وعادت إلى الحديث فقالت …