٤
إن القنوط تمكَّنَ من صدر ولدي المنكود، وطعَنَ نفسه بخنجر ثلاث طعنات.
ولما رأيتُ هذا المنظر الهائل جعلتُ أصيح مستنجدة، فأسرع إليَّ صاحب البيت، أما ولدي فإنه قال لي وهو يبتسم: لا فائدة من الاستغاثة يا أماه، فقد دَنَتِ الساعة.
ولم يكن مخطِئًا وا أسفاه! فإن كل جرح من جراحه الثلاثة كان قاتلًا، ولكنه غالَبَ بشبابه الموتَ ستًّا وثلاثين ساعةً، لم يكن يفتر في خلالها عن طلب الغفران مني عما جناه عليَّ، وعن ترديد اسم ألن.
ولما بدأ دور النزاع نظر إليَّ نظرةَ الحزين، وقال لي: إني أريد يا أماه أن أُدفَن في مقبرة كاثوليكية، وأن تُدفَن معي هذه المحفظة المختومة فتجعلينها وسادة لرأسي، فإن هذه المحفظة تحوي الرسائل التي كانت تبعثها إليَّ تلك الظالمة.
ثم قضى نحبه على صدري، فدعوت كاهنًا أرلنديًّا فأخبرته بكل ما حدث وهو الكاهن صموئيل، فذهب وعاد بأربعة من الأرلنديين، وكنتُ قد وضعت المحفظة بيدي تحت رأسه، فأقفلوا التابوت وساروا بذلك الابن الحبيب الذي طالما تمنيت أن أفديه.
وهنا عادت إلى البكاء الأليم حتى لم يَبْقَ في جفنيها دمع، فقال لها الرجل العبوس: ألعلك رأيت مس ألن؟
فاضطربت المرأة واتَّقَدَتْ عيناها حين سمعت اسم قاتلة ابنها، وقالت: نعم رأيتها مرة واحدة، وعلمت أن ولدي قد أحبها لفرط جمالها، وأنها قتلته لما رأيْتُ في عينيها من دلائل المكر والشر.
– أين رأيتها يا سيدتي؟
– رأيتها هنا، فقد زارتني بعد وفاة ولدي بيوم واحد، وكنت وحدي لا أنيس لي غير اليأس، فرأيت الباب قد فُتِح ورأيت فتاةً دخلَتْ منه، فحسبت حين رأيتها أنها من ملائكة السماء، إلى أن كلَّمَتْني فعلمت أنها من أبالسة جهنم، وإليك ما قالته بلهجة السيادة والاستكبار: أيتها المرأة إني ابنة اللورد بالمير، وإن ولدك عشقني عشقًا لم أدفعه إليه، وقد علمتُ وعلم أبي أنه لم يخلف لك شيئًا من المال، ولذلك أتيت إليك كي أعطيك ما في هذه المحفظة من الأوراق المالية، فإنها تعينك على العيش، وفي مقابل ذلك أن تعطيني جميع أوراق ولدك.
فعلمتُ أنها تريد أن تشتري مني رسائلها إليه، فدفعت لها محفظتها باحتقار وقلت لها: إن كل أثر لولدي مقدَّس لا تمسه يدك الدنسة. فخرجت وقد نظرت إليَّ نظرة ملؤها الضغينة والحقد.
ومر على ذلك ثلاثة أيام، وبينما أنا جالسة في الليلة الثالثة أندب ولدي، رأيت زجاج النافذة قد كُسِر فجأةً، ودخل منها رجلان متنكران مقنعان، فهجما عليَّ ووضعا كمامة في فمي، ثم جعلا يبحثان في المنزل، فعلمت أنهما يبحثان عن رسائل مس ألن، ولكنهما ذهبا دون أن يظفرا بشيء؛ لأن الرسائل كانت في الضريح.
وفي اليوم التالي جاء صاحب المنزل وكان من المشفقين عليَّ، فقال لي: إن حياتك هنا معرَّضة للخطر. فذهبت إلى أقفر شارع في لندرا فاختبأت به شهرين، وأذاع صاحب المنزل في خلالهما خبر وفاتي، فلما أيقنت أن خبر وفاتي قد اتَّصَل بمس ألن عدتُ إلى المنزل الذي مات فيه ولدي، وأنا لا أخرج منه إلا مرة كل يوم عند الفجر كي أزور الضريح.
وهنا انتهت حكايتها وعادت إلى البكاء، فوقف الرجل العبوس وقال لها: إذن قد وضعت رسائل مس ألن في الضريح؟
– نعم.
– أَلَا يعلم أحد بوجودها فيه؟
– لا يعلم بأمرها سواك، وإني لم أَبُحْ لك بسرها إلا حين رأيت إشارتك الرئيسية الأرلندية التي يجب أن يخضع لها كل الأرلنديين.
– وأنا لا أبوح بما أؤتمن عليه من الأسرار، فثقي إن دم ولدك لا يذهب هدرًا، والآن أخبريني كيف تعيشين؟
– إني أعيش بشغل يدي، وبفضل صاحب المنزل الذي أنا فيه.
فأخذ من جيبه قبضة من الجنيهات ودفعها إليها قائلًا: إن أرلندا لا تهمل أبناءها.
ثم أفلت منها مسرعًا كأنه لا يريد أن يسمع شكر هذه الأم البائسة، وسار في الشارع وهو يقول: لقد أصبحت ابنة بالمير في قبضة يدي.
•••
وبعد حين كان مع الأب صموئيل يتباحثان عن ابن أرلندا، فقال له الكاهن: أرى أن الغلام لا يزال معرَّضًا للأخطار.
– لا خطر عليه ما زال مختبئًا مع أمه في كنيسة المقبرة.
– ولكن لا يمكن أن يقيما فيها مدة طويلة حذرًا من افتضاح أمرهما.
– هو ما تقول، لذلك سأذهب الآن وأخرجهما؛ إذ قد وجدتُ مكانًا ليقيم الغلام فيه ولا يستطيع أحد إخراجه منه.
– أين؟
– في مدرسة أبناء المسيح، وهي المدرسة التي بناها إدورد السادس، فجعلها تحت رعاية محافظ العاصمة، وجعل من امتيازاتها أن كل تلميذ يلبس ملابسها الرسمية لا يستطيع أحد مسه بسوء ولو كان من القاتلين، فَلْنفرض أن رالف دخل إلى هذه المدرسة ولقيه يومًا أحد حراس سجن الطاحون، فإنه ينحني أمامه ولا يجسر على القبض عليه.
– إني أعرف جميع ما ذكرته عن امتيازات هذه المدرسة، لكني أعلم أيضًا أن إدخال الغلمان في سلك تلامذتها من أصعب الأمور.
– ولكني وجدت طريقة ميسورة، أَلَا تذكر أنه حين وصول الفتى إلى لندرا مع أمه سرقته امرأة تُدعَى مسز فانوش؟
– نعم أذكر، لكني لا أدري ما كانت تريد من سرقته.
– لكني أنا أعلم، فإنها أرادت أن تستعيض به عن غلام قتلته، وكان أهله عهدوا إليها بتربيته، وهذا الغلام إذا كان في قيد الحياة يحق له الدخول إلى هذه المدرسة؛ لأن أباه من الضباط، ولذلك سأعيد رالف إلى مسز فانوش.
فأجفل الكاهن وقال: كيف ذلك؟
أما الرجل العبوس فإنه ابتسم وقال: أرجوك أن تثق بي أَلَمْ تجربني في المهمات؟
ونظر إليه الكاهن نظرةَ إعجاب وقال: ولكن مَن أنت، فإني على طول عهدي بك لم أعرفك إلى الآن؟
فأطرق العبوس برأسه إلى الأرض وقال: لقد قلت لك إني رجل ارتكَبَ أعظم الآثام، وهو يرجو عفو الله بأعظم توبة.
ثم نهض يحاول الذهاب، فقال له الكاهن: إلى أين؟
– إلى مسز فانوش.
ثم ودَّعَ الكاهنَ وخرج من الكنيسة، فلقي عند بابها شوكنج ينتظره، فقال له: إن فانوش لم تَعُدْ إلى منزلها في لندرا، وهي لا تزال في همبستاد.
– إذن هلمَّ بنا إليها.