2
حكايات عجيبة غريبة تروى عن الشيخ امْبارَك، قيّم زاوية سيدي المخفي. إنه مقرئ قرآن ومطبّب بالأعشاب. يصنع التمائم بخطّ آيات بينات على قطع أوراق، يطويها بعناية ثم يسلّمها للزوّار، على أن تعلّق حول الرقبة ويُحتفَظ بها أطول فترة ممكنة. كما يقدّم لهم مجموعة أعشاب وجذور نباتات نادرة، يقتلعها بنفسه من الأحراش المجاورة، يطلب منهم طهيها في الماء لساعات طويلة قبل أن يشربوا سائلها المخثر.
استقر في مزار سيدي المخفي خلال الحرب. اشتغل أوّلا تحت إمرة شيخها الرسمي، عجوز وهن، أنهكه المرض، الذي كان يقضي معظم وقته في التسبيح والابتهالات. وفته المنية بعد حوالي سنة من وصول الشيخ امْبارَك. فأخذ هذا الأخير مكانه قيّما وسيّدا للمزار. وقبل أن يرسى على قمّة رابية سيدي المخفي، المطلة على عين الكرمة من الناحية الجنوبية، أشرف على زاوية مهملة داخل روابي مشجرة، في قلب جبال الونشريس، قبل أن يُجبَر على الرحيل في ظروف، اختلف الناس حول تفاصيل وقوعها. يحكي الناس في السرّ -خوفا من أن تصيبهم لعنة الدرويش-، أن الشيخ امْبارَك قد نجى من القتل بأعجوبة لا يصدقها عقل مهما آمن بالخوارق والمعجزات. في محرابه الجبلي، اشتهر بإخصاب النساء العواقر. بعد زيارات قليلة ومتقاربة، اتضح لبعض الزائرات أنهن حوامل. أمر عجيب فعلا، وهن اللائى انتظرن سنوات طوال، لم تنفع كل السوائل التي تجرعنها، ولا توسلات الأولياء الصالحين والأدعية الخاشعة وقيام الليل. انتشر الخبر عبر الروابي والسهول. تكاثرت العواقر وتدافعت أمام عتبة المزار. يحكى أن زوجا أتى بامرأته من قرية قصية، يطلب الذرية. جلس القرفصاء تحت ظلال أشجار الصنوبر مع المنتظرين، الوافدين منذ طلوع الشمس من الجهات الأصلية الأربعة. حينما جاء دور الزوجة، دخلت المزار وقلبها يرتجف أملا، وشفتاها لا تتوقف عن تمتمة الأدعية. كانت البناية البيضاء لاصقة بسفح تلّ حجري. وحينما ينفتح الباب، تتسرّب منه روائح قوية من المسك والزنجبيل واحتراق الشموع ودخان مضبّب للنباتات المجمّرة داخل الموقد الفخاري، فتملأ الجوّ سحرا وغرابة. بعد حوالي نصف ساعة، وفيما كان الزوج منشغلا في حديث جانبي مع رجل يعاني نفس الوضع، فجأة ارتفعت صيحة بداخل المزار. ماذا يحدث؟ ارتعش جسمه تحت وخزة أشبه بالرصاصة. وقف بخفة قط اشتم رائحة سردينة. انفتح الباب بعنف وخرجت زوجته نصف عارية، تسوّي جبّتها، والشيخ يمسكها من الذراع ليعيدها إلى الداخل. صعِق الرجل من الفضيحة. وأدرك في تلك اللحظة مكر الدرويش الذي يخصب بنفسه الزائرات العواقر. نزع برنوسه من على كتفيه وجرى ليغطي جسد زوجته. ثم مسك عصاه وتوجه كالخنزير البري المجروح صوبا نحو الشيخ امْبارَك، مصمِّما على تقطيع جسمه إربا إربا. ولكن الشيخ كان أسرع منه وأغلق الباب من الداخل. استعان الرجل المسعور بكل قواه، فلم يفلح في كسر الباب. عاونه الرجال الحاضرون. وحينما شعر الجاني أن القفل على وشك الانكسار، خاطبهم قائلا بأن يكفوا عن الخبْط، لأنه سيخرج بعد قليل. لم يصدقوا ولكنهم توقفوا وانتظروا. طال الصمت بداخل المزار. عاودوا الضرب على الباب. قال الشيخ أنه بحاجة إلى طاس ماء كي يتوضأ ليصلي آخر ركعة لعلّ الله يغفر له زلاته الشيطانية. تشاور الرجال فيما بينهم. أيريد ربح الوقت؟ أم أنه فعلا شعر بالندم، وسيتوب قبل أن يلفظ روحه؟ أين المفر؟ التلّ الحجري من ورائه والرجال المهانون في عرضهم أمام بابه، يطلبون الثأر، والبناية لا تتوفر على أي كوّة ظاهرة. قدموا له ما طلب، ووقفوا محاطين بالباب، مقسمين العهد على أنفسهم بأن يثأروا لشرفهم وشرف الذين سبقوهم. مرّت الثواني في تمهّل سلحفاتي ولم يخرج الشيخ من عرينه. صمت جنائزي لفّ المزار. وحدها المرأة المهانة، انزوت ذليلة، خائفة، في تجويف أردوازي، غير بعيدة عن حائط المزار الجانبي، تندب حظها، شاهقة في تنهدات لا تكاد تسمع. في لحظة ما، انتبه أحد الرجال إلى تسرّب الماء من تحت الباب، مياه سوداء، وسخة. ثم لا شيء. ارتفعت أصوات تطلب من الشيخ الخروج بسرعة، وإلا... لا مجيب. استرقوا السمع. لا حركة ولا حفيف. قرّروا كسر الباب وحرق الشيخ ومحرابه. ولكن البناية كانت فارغة. بحثوا بداخلها جيدا. لا أحد. لا أدنى أثر للجاني. زَرْبعوا الحصائر والزرابي والهيادِر. كما أخرجوا الصناديق الخشبية وأفرغوا محتوياتها: نباتات وجذور متربة، قارورات مملوءة بسوائل مشبوهة، عبقها يزعج النفوس ويبعث على الغثيان، أوراق مسوّدة بخربشات مائلة. ولكن لا أثر لمخصِب العواقر. ذُهِل المحاصرون الذين صمموا على حرق الشيخ حيا، فانتابهم خوف ميتافيزيقي، لا تفسير له وهم يكتشفون اختفاءه. من أين مرق؟ تحسسوا الجدران الداخلية، فلا وجود لأي فتحة. تبادلوا آراءهم في كلمات مقتضبة. اقترح الزوج حرق المزار. على وجوه الجميع ذعر وتردّد. شلَّت حركاتهم وجمدوا في أماكنهم. أين يكون الدرويش قد اختفى؟ يروى الكثير عن قدراته الخارقة. من يدري لعلّه استعان بالجن الأحمر؟ إن هؤلاء الدراويش يملكون علاقات مريبة مع العفاريت والجِّنة. لاحظ أحدهم أن الماء قد تبخّر. لا يمكن لعملية التبخر أن تتمّ بهذه السرعة. ألا يكون الشيخ هو الذي مُسِخ إلى ماء كي يسهل عليه الإفلات من قبضة الغاضبين؟ توارى بعض الرجال في سرّية، دافعين أمامهم نساءهم الراجفات، يقمن بضمّ المعصمين، علامة الاستسلام التام للجن، متمتمات العبارة المألوفة: مسَلْمين، مكَـتْفين يا سيدنا. لم يجرؤ أحد على الاقتراب من البناية الملعونة. انتشر الخبر في المداشر المجاورة بسرعة الريح. رجال كثّر طلقوا زوجاتهم في اليوم نفسه، وراح آخرون يتفرسون في سِمات وجوه أولادهم، وهم يكتمون اغتياظا دفينا، لا تطفئه حتى أدلة الـْأَدي أَنْ. اختفى الدرويش وبقي المزار مهمَلا. كما بقي الاختفاء سرا لم يكشف عنه أحد. ولكن عند الاستقلال، حينما توافدت القبائل والأعراش، تاركة الجبال، لتستقر في المدن، في سكنات خربة بنيت على عجل، قال البعض بأن قيّم مزار سيدي المخفي يشبه إلى حدّ بعيد ذلك الدرويش الذي اختفى قبل سنوات في ظروف غامضة. وأكّد الذين لا يشكون في تشقق ذاكرتهم أنه لم يكن يسمى الشيخ امْبارَك. ولكن الظنون لم تسرح بهم إلى أبعد من هذا. الزمن زمن الاستقلال مع كل ما يحمل من أحلام التغيير والرفاهية، والمكان غير تلك الجبال الجرداء النائية. فبقيت القضية على غموضها.
كان الشيخ امْبارَك ذا طبع كتوم ومنزوٍ. لا ينطق إلا بالمفيد وبالعبارات الوجيزة. ولكنه أحيانا، في فترات متباعدة ونادرة، يغرق في هذيان متواصل لساعات، خاصة بالليل، ليسرد أحداثا متنوعة متعلقة بحياته الماضية، مكرّرا تعليمات ووصايا استنبطها من تجاربه ومعاملاته مع الناس. كان شكاكا إلى أقصى حدود الشك. يتحدث مرارا عن عيوب البشر، عن المؤامرات الدنيئة، عن النفاق والرياء، عن الجشع والحسد، عن النذالة والجبن، عن الغرور والعنتريات التي يمارسونها دون أدنى ندم أو تأنيب ضمير.
وكان المهدي في تلك الليالي الآرقة يستمع بفضول وخوف. يخاطبه والده دون إدراك حقيقي إن كان نائما أم يقظا. وحده الصوت الأجش يشقّ العتمة ويختلط بدخان السجائر الملفوفة التي يعدها الشيخ بنفسه في خليط من التبغ والعَرْعار، مستحضرا أصواتا وكائنات من الماضي، من فضاءات سديمية، مستعصيَّة على الفهم.
في إحدى تلك النوبات الهذيانية، روى له أبوه تلك المغامرة المجنونة التي قام بها، بقصد الحصول على نفوذ خارق. وقعت الحادثة قبل الحرب بسنوات كثيرة. كانت جدّة الشيخ تمتهن الدروشة والتطبيب بالأعشاب، كما تقرأ الغيب في الكفوف وتبطل السحر في بيض الثعابين. تجعل المسحور يتقيّأ السموم التي تجرّعها دون علم منه، ليشاهد محتوياتها معروضة في صحن من خشب الباأوباب اشترته من درويش سنغالي مرّ بالمنطقة في بداية القرن. يشاع بأنها تنزل القمر من سمائه العلياء وتبسطه في صحن ليراه الزوار. منذ وفاة أمّه إثر ولادة عصيّة، احتمى الطفل بجدّته، فأصبح يلازمها مثل ظلها. كان في العاشرة من عمره وبدأت مداركه تتسع لخوارق الكون وغرائبه. حينما تستقبل زوارها في تلك الغرفة الجانبية المظلمة، تجلسه الجدّة إلى جانبها. فينكمش على نفسه صامتا، ولكن حواسه كلها منصبة حول ما تفعله وما تقوله العجوز. قبل ذلك، سبق أن تابع دروس تعليم القرآن في زاوية سيدي بلقاسم، فحفظ ستة عشر حزبا. ثم كلّفته الجدّة برعي قطيعها من الماعز والنعاج. بعد سنوات من ذلك، رافق أباه للعمل في سهول الشلف عند المعمرِّين. في بعض الأصياف، ورفقة عمال موسميين، غامر إلى غاية هضاب غِيلِزان ومعَسْكر لقطف العنب. ولكن عقل المراهق كان منجذبا نحو ما تقوم به جدّته. يتحجّج بحجج واهية ليعود مسرعا إلى الدشرة، فيلاحق جدّته بالأسئلة الفضولية. يرافقها في الأحراش العالية للبحث عن الأعشاب والنباتات الطبيّة. كان شغوفا بعلم الدَرْوَشة والحكايات الساحرة. لا يكفّ عن مساءلتها حول طبيعة الأعشاب وفوائدها. هكذا، وبعد شهور قليلة، أضحى يعدّ أنواع النباتات مثلما يعد النقود.
اشترى بغلا وبردعة ملأها بالأعشاب وبعدد كبير من القارورات الصغيرة تحتوي على مركّز السوائل المستخدمة كأدوية. كانت جدّته تستقبل المرضى وتداويهم في منزلها، فيما كان هو يجوب المداشر والدواوير، عارضا طبّه. يتأخر في الأسواق الغاصة بالقرويين والعابرين الذين يتحلقون حوله في دوائر معْوَجة، يتشبثون بكلامه وحركاته ويحملقون بإعجاب يشوبه ريب غريزي في الأدوية المعروضة على الأرض فوق حصير مهترئ. مع مرور الأيام، اكتسب تجربة في مخاطبة المتسوّقين، مستعينا بكلام جدته المليء بالألغاز والحكم والأمثال الشعبية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية. اعتمدت جدته على ذاكرتها فقط. لم تكن تحسن الكتابة ولا القراءة. أما هو فساعدته زاوية سيدي بلقاسم على فك رموز الكتب القديمة والمخطوطات. فاقتنى منها ما استطاع وعكف على قراءتها والانتفاع بها، قولا وفعلا. بالصدفة التقى بدرويش مغربي، الشيخ إدريس، الذي امتدّت شهرته إلى غاية زنقات قصبة طومبوكتو في عمق الساحل الصحراوي. تعلّم منه ما لم يكن يتخيّله قط. في ليلة مقمرة دافئة، وهما ممددان داخل مستودع للحصاد على طرف دشرة نائية في ضواحي سعيدة، ويتجاذبان أطراف الحديث، أخبره الشيخ المغربي بسرّ إبليسي، فيه منافع جمّة لمن يتمكن من الاستيلاء عليه. في تلك الليلة الليلاء، أقسم الشيخ امْبارَك - لقد اكتسب مبكرا لقب الشيخ بارتداء غندورة، فوقها برنوس، وعلى رأسه شاشية بيضاء محاطة بعمامة برتقالية- بأن يعمل كل ما بوسعه كي يتحصّل على تلك السلطة القاهرة. وحذّره الشيخ بأن الثمن الذي سيدفعه يكون باهضا، قد يؤدي إلى الموت. وما قيمة الحياة إن لم تستغَل لمثل هذه الأهداف المستحيلة؟ نضج المشروع داخل المستودع قبل انبلاج الفجر.
ماتت الجدّة في عمر يناهز الثالثة والتسعين. لقد توقفت عن كل نشاط منذ سنتين ولم تعد تخرج من بيتها إلا نادرا. نسيها زوارها، واعتبروها شبه ميتة. إن الذين يعرفون حكاية لالّة عايشة، حين يهمسون بتفاصيل الواقعة، يتوقفون طويلا عند سلوك الشيخ الغريب خلال السنتين الأخيرتين، قبل أن يحدث ما حدث. توقف الشيخ-الشاب عن تنقلاته عبر المداشر وخصّص جل وقته لمداواة الجدّة العليلة. مكث عند سريرها أياما وليالٍ، مجرِّعا إياها دواء بعد دواء. هل كان يؤمن حقا أن بإمكان الأعشاب إبعاد الموت الزاحف مع ساقيها النصف-مشلولتَين؟ وللأشخاص الفضوليين الذين يسألونه عن صحّتها، يجيب دائما أنها بخير وأنها ستشفى قريبا لتستأنف استقبال الزوار. كان يقول ذلك في سكينة مربكة، فيما يؤكد كل الذين تمكنوا من الاقتراب منها أن العجوز السقيمة قد باشرت سفرها نحو العالم الآخر، ذلك أنها فقدت عقلها وأضحت تخاطب كائنات غير مرئية في هذيان عصي الفهم على البشر. لفظت الجدّة آخر نفسها في فجر شتائي ممطر وبارد. وأثناء مراسيم الجنازة، ذرف الشيخ دموعا أمام الملأ. كان يبكي مثل طفل صغير، ويشهق بصوت مسموع. بعد أن وري التراب على الجثة، ارتمى على القبر ورفض مغادرته رغم مواساة المشيِّعين. تركوه هناك، آملين أن يعود إلى رشده ويغادر المقبرة قبل هبوط الليل. ولكن حداده كان عميقا وبلا دواء. التصق ببرنوسه مثل قرادة عنيدة. بقي ملقيا على القبر كل الظهيرة وجزءاً من الليل. عاد إلى ملازمة القبر في الليلة الموالية والليالي الأخرى. وفي صباح اليوم السابع، عُثِر عليه ممددا بكل طوله بقرب الوادي الفاصل بين المقبرة والقرية، مغميا عليه. والغريب في الأمر أنه كان يمسك بيده اليمنى ذراعا متعفنا، ممّا أذعر القرويات الذاهبات باكرا لزيارة قبر لالّة عايشة عند اكتشافهن له. استيقظ القرويون مفزوعين وهرع الطلْبَة نحو المقبرة يلعنون الشيطان الرجيم ومن اتبعه إلى يوم الدين. زعزعت تلك الحادثة النفوس المطمئنة بعنف لا مثيل له. أيقظت في أعماقهم ذلك الخوف المبهم الذي أغرقهم إلى حين بداخل هاوية طفولتهم، الغاصة بالحكايات الخارقة، حكايات الغيلان، والساحرات ذات العلاقات المريبة مع عوالم الجنّ والعفاريت، القادرات على مسخ البشر إلى حيوانات كريهة، والمناطق القصيّة الملأى بالكائنات الغريبة... كان قبر الجدّة الشوّافة منبوشا وينقص ذراع من جسدها. لم تعرف القرية واقعة ألعن من ذلك التدنيس. وعلى قراءة آيات بينات، أعيد دفن الجثة مع إحكام القبر جيدا كي لا ينبش مرّة ثانية. لا يتوقع أحد ما يمكن للشيطان أن يوسوس في أذن الشيخ المريد الذي اختفى دون أن يترك أثرا! أشاع بعض الرعاة أنهم شاهدوه مرارا يترقب المقبرة عند الغسق من غابة الصنوبر القريبة المطلة على الوادي من الجهة العليا.
أخبره الشيخ إدريس في تلك الليلة وهما يتبادلان الحديث داخل مستودع الحصاد أن بإمكان الشخص أن يكتسب نفوذا شيطانيا رهيبا إذا تمكّن من اقتلاع ذراع درويشة في الليلة السابعة بعد دفنها، وتحضير الكسكسي بكفة يدها ثم أكله مخلوطا بأعشاب معيّنة. وكان الشيخ امْبارَك مهووسا بتلك الحكاية، فجرّب حظه. وحسب عجوز شارفت على القرن، صديقة لالّة عايشة، حيت قاسمتها عشرة يستحيل تعداد سنواتها، في انزواء ثنائي هامس، والتي تزعم أنها تمتلك علما عظيما حول الدروشة ولكن الخوف من الله وعقابه الشديد هو الذي يمنعها من استخدامه، إن مثل هذه المغامرات نادرة النجاح. قالت بأن الشيخ امْبارَك كان عليه أن يعبر نقطة ماء وإلا ما استطاع الهروب بالذراع المقلوع. روت المسنّة أن الشيخ وبعد أن تمكن من قلع الذراع، لم يسمح له الوقت بردم التراب، لأن كائنات غريبة حامت حوله في صيحات مفزعة. قام مسرعا وجرى نحو الوادي. طبعا كانت الكائنات أسرع منه. حاصرته من كل الجهات. أثناء هروبه، يكون الشيخ قد رفع رأسه وشاهد وجه الجدّة الأثرم، غاضبا، متوعدا، محاطا بالعفاريت. انتابه رعب شلّ حركته، وأغمي عليه قبل أن ترفس قدماه حصى الوادي. هناك، وجِد في صباح الغد، على الضفة الموالية للمقبرة. ختمت العجوز كلامها: "لو تمكّن الشيخ من عبور الوادي لامتلك نفوذا خارقا يصنع به الأعاجيب".
اختفى الشيخ امْبارَك شهورا عديدة قبل أن يظهر في تلك الزاوية الملعونة، المهملة، ليمارس مهنة إخصاب النساء العواقر.
في السنة التي سبقت وفاته، أصيب بمرض أقعده الفراش وأغرقه في هذيانات مهلوسة أشبه بتلك التي أصابت جدّته. كان يقضي لياليه يسعل ويلعن العالم. أحيانا، تنزل عليه سكينة مريحة، فيعكف على تلاوة القرآن، في همس لا يكاد يسمع. وطورا، ينتابه السعال والهذيان، فيخرجانه من صمته وهدوئه، ليتجشأ بذاءات حاقدة، لا ينجو منها أحد، ابتداء من جدّته، جعل الله من جسدها وروحها حطبا لنار جهنم؛ ثمّ زوجته نايلة، ليعلقها عزرائيل من النهدين بمخلابين حديدين، لأنها هجرت بيتها دونما سبب؛ وأخيرا الله الذي يتهمه بملاحقته وتسويد حياته، ودفعه بلا هوادة نحو إبليس.
حينما يتذكّر المهدي تلك الليالي، ينتابه ندم على عدم قدرته على مواجهة أبيه بالأسئلة الدقيقة كي يعرف أكثر عن تلك الحياة الغريبة. كيف يمكنه أن يواجه تلك العتمة المخيّمة داخل الكوخ، ليكشف عن وجه أبيه الضامر، بتشنجاته العصبية، وكذا قبضاته الصارمة وهو يضرب الهواء، مهددا بتحطيم العالم وما يحويه. حاول مرارا استعادة تلك اللحظات، حيت يسمع صوت أبيه الجريض ويشاهد ملامح وجهه القاسية. تماما مثلما يحدث في المسرح، حيث تنار الخشبة بمصابيح قوية كي يتمكن المتفرجون من التمتع بصوت وحركات الممثلين. ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ولم يتمكن إلا من إخضاع الفضاء المغلق لسيطرة الصوت الأجش الذي حوّل الشيخ إلى جبروت منعزل حزين.
كم حدّثه أبوه، الشيخ امبارك عن الحياة وأهوالها. ليست إلا محطّة يستعد فيها الإنسان للسفر الطويل. الموت ليس إلا عبورا يجهل الإنسان تفاصيله، ولكنه يوصله حتما إلى جنة الميعاد. أين ملايير البشر الذين ملئوا الأرض بصخبهم وأشجانهم؟ لولا الموت الذي يفسح المجال للآتين لاكتظت الأرض وقلّت خيراتها وتقاتل الناس مثلما تتقاتل الذئاب الجائعة للفوز بجثة عفنة. يستعين الشيخ الدرويش بكل الأمثال والحكم والحكايات الراسخة في ذاكرته. وفي خضّم تلك الأحاديث، روى له تفاصيل سيرة الولي سيدي المخفي الغريبة. إن الولي الصالح ينحدر من سلالة العائلة الشريفة. إنه حفيد من أحفاد رسول الله. كان سادن الكعبة وحارسها الأمين، أنذر حياته لخدمة بيت الله. في ليلة من الليالي العاصفة، جاء رهط من المتمردين من أقاصي الصحراء العربية وبادروا بقلع الحجر الأسود لنقله إلى مكان مجهول. تصدّى لهم السّادن الأعزل ببسالة. ولكن، أنَّ لمتعبد ضامر أن يغلب جماعة من المغامرين، المتعوِّدين على الغزوات والحروب؟ أسقطه أحدهم أرضا وهمّ بقطع رأسه بضربة سيف. لولا العناية الإلهية لكان من الهالكين. في لمح البصر، وجد نفسه داخل نفق، تضيئه أنوار باهتة، وصدى صوت يحثّه على الهرب للنجاة بجلده. جرى بسرعة غزال، هو الكهل الذي لم يتعوّد إلا التنقل ببطء سلحفاة. حينما لمح فتحة في الأفق، تنفس الصعداء وشكر الله كثيرا. من الصحراء الجرداء إلى رابية مشجرة، تطل على سهل أخضر هادئ منعش. وقف مبهوتا من السعادة. أيكون حقا في جنّة الخلد؟ أكيد أن الكفرة تمكنوا من قتله، فبعثه الله في الآخرة، في أرض خضراء مشجرة، تعبرها وديان مزدانة بالرمان والريحان والتين والزيتون. فبنى لنفسه بيتا على قمّة الرابية وقضى بقية حياته متعبدا. حينما اكتشفه سكان المنطقة، قدّموا له يد العون ليخفِّفوا عنه عيشة الضنك. عمّر طويلا. حينما شعر باقتراب أجله، أوصى بأن يدفَن في ذلك المكان الجميل الذي آواه وأطعمه وقضى به أواخر أيامه متعبدا مطمئنا. فأصبح ضريحه مزارا يقصده بؤساء المنطقة بحثا عمّا يسدّ الرمق ومرضاها آملين في الشفاء.